بؤرة القصة
إن أي شخص سبق له أن كتب قصة إخبارية أو ورقة بحثية جامعية أو حتى واجب مدرسي إنشائي، يدرك مدى صعوبة إيجاد بؤرة محكمة للقصة. فالتركيز على «قلب» القصة أمر ضروري لسرد قصة جيدة.
ما الذي ستتعلمه في هذا المحور؟
- 01القصة الأفقية
- 02القصة العمودية
- 03ما هو التبئير؟
- 04البؤرة تساعد على ضبط العاطفة التي تثيرها القصة
بؤرة Focus القصة
الكتابة الجيدة هي عملية انتقاء لما يرد في القصة، وليس ضغطاً للمعلومات.
والصحافة هي عملية لا نهائية من تحرير المعلومات والتفاصيل باستبعاد وحذف غير الضروري منها.
القصص الإخبارية تفعل فعلها عندما تكون عامودية وعميقة، وليست أفقية وسطحية. لا تحشر التفاصيل كلها التي تعرفها في القصة. اختر ولا تضغط. ركّز وضيّق. ويعني ذلك عادةً أنك ستحتاج إلى عدد أقل من الشخصيات في قصصك، لكن الجمهور سيتعرف على الشخصيات التي تدرجها في القصة بصورة أعمق.

من خلال سرد قصص أضيق ولكن أعمق، نساعد الجمهور على فهم المعلومات بشكل أوضح. وتتعلق عملية إيجاد البؤرة في الحقيقة، بتبسيط القصة. ولتبئير القصة، يجب فهمها بشكل تام.
أدناه، رسم توضيحي لمراحل تحديد بؤرة القصة:

كيف توجد بؤرة القصة؟
إليك الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها على نفسك، لإيجاد بؤرة القصة:
»»» ما الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في هذه القصة؟ (هذا هو المضمون الرئيسي للقصة).
»»» ما الذي أدهشني؟ (قد يكون هذا هو المحور الرئيسي).
»»» ما الذي تعلمته ولم أكن أعرفه من قبل؟ (هذه هي المفاجأة الرئيسية التي عادة ما نضعها في بداية القصة).
»»» ما الذي يرغب الجمهور في معرفته؟ وبأي ترتيب سيطرحون الأسئلة؟ (هذا سيحدد إطار القصة).
»»» ما الذي أريد أن يتذكره الجمهور، ويشعر به في نهاية القصة؟ (هذه هي النقطة التي سيتذكرها الجمهور).
»»» ماذا بعد ذلك؟ (سيقودك هذا إلى نهاية القصة).
هذه الأسئلة ستساعدك على الإجابة عن سؤال: القصة تتحدث عن ماذا؟

اقرأ القصة أدناه.. هل البؤرة واضحة أم مشوشة؟
نصّ للقراءة
عندما وصلنا إلى المنزل في قرية بضواحي «عامودا»، كانت الأم تقف عند الباب تنتظرنا. سمراء بعينين واسعتين لا تزال آثار الكحل بادية من الليلة السابقة، وابتسامة عريضة مع الكثير من الترحاب. لم تكن الأم وحدها. هناك، خلفها تماماً كانت تقف أيضاً فتاة صغيرة تحاول أن تختبئ في ثياب والدتها. مع ذلك، لم تستطع أن تمنع نفسها من أن تلقي ابتسامة كانت تقول الكثير.
أنا وزميلي عمر، نقوم بين الفترة والأخرى بزيارات للعائلات التي نعتقد أنها قد تكون لديها حاجة. ندخل البيوت، نطمئن على ساكنيها، نسمع شكاويهم، وصراعاتهم مع الحياة، وإن استطعنا أن نخفف عنهم ولو قليلاً، نفعل.
قادتنا الأم عبر ممر ضيق والفتاة الصغيرة لا تزال تمسك بثوبها، إلى غرفة المعيشة حيث يجلس الأب الذي نهض بمشقة ليرحب بنا. كانت الغرفة مظلمة ومتواضعة. إسفنجة مع بعض المخدات في طرف، وفي الطرف المقابل سجادة ليست كاملة، إنما قُصّت بعناية لتبدو كأنها إسفنجة. أشار إلينا الأب بالجلوس على الطرف الأكثر تَرَفاً تكريماً لنا. هذا ما يستطيع أن يفعله الآن. لو عاد الزمن 14 سنة إلى الوراء قبل أن تبدأ الحرب في سوريا، وتُشرّد الناس عن منازلهم، لمَاَ تردد بفعل أكثر من ذلك.
البيوت لا تكذب، ولا تراوغ. إنها تكشف حال ساكنيها، ربما كي يضع الضيف سقفاً لتوقعاته، ويوفّر على المضيف الحرج. منزل المرأة ذات الكحل من يوم أمس، الذي تفوح منه رائحة النظافة، كان كبيراً بمطبخ واسع وأوان متواضعة، لكنها مرتبة بعناية.
ومثلما نهض الأب بمشقة، كان يحاول العودة إلى وضعية الجلوس بمشقة أيضاً. حاول عمر أن يساعده، فاعتذر الرجل بعينيه البنتين ووجهه الأصفر وجسمه الهزيل، قائلاً إن «ديسك» الظهر قد أقعده. انتهزتُ فرصة انشغال عمر مع الأب، وسألتُ المرأة عن أحوالها. كانت قوية. ليس لديها خيار. عندما يصبح رب الأسرة قعيداً، فعلى أحد ما أن يتوّلى المهمة. إنْ لم تفعل، أسرتها ستكون مهددة بالتفكك. أجابت: «أنا جيدة»، لكن آجار البيت عبء لا يستطيعون تحمّله. مالك البيت بادر من تلقاء نفسه وخفّض الآجار الشهري من 50$ إلى 30$. مع ذلك لا يزال هذا المبلغ يفوق ميزانية الأسرة، التي تأتي أساساً من دخل الابنة الكبرى الموظفة في الإدارة الذاتية في قسم العمليات. ثم تحدثت عن ابنها، الذي تعرض لحادث سير قبل نحو سنتين في تركيا. كان عمره 18 عاماً، لكن الحادث أفقده ذاكرته وقدرته على التركيز، ما جعله غير قادر على العمل في تركيا، فاضطروا للعودة إلى القرية.
في تلك اللحظة، دخل الغرفة الابن الشاب الذي بدا أكبر من عمره الحقيقي. لحيته الكثيفة والفوضوية منحته مظهراً أكبر سناً. صافح زميلي عمر، لكنه تجنبني بخجل رغم أني نهضت كي أسلّم عليه. كانت هنالك علامة على رقبته تشبه نجمة. انتبهت الأم أنني أمعنت النظر في العلامة، فقالت إن الحادث الذي تعرض له ابنها تسبب في فراغ بين عظام رقبته، وهو ما تسبب بتلك العلامة.
حولت نظري إلى الطفلة الصغيرة، التي كانت تراقبني من بعيد. ابتسمت لها وسألتها عن اسمها، فأجابت بخجل: «ليليا»، وقالت إنها تبلغ من العمر ثماني سنوات. لكن سرعان ما قاطعت الأم اللحظة الهادئة «ليليا لديها ثقب في القلب، ولا نستطيع أخذها إلى الطبيب. أخشى أن يطلبوا تصويراً وأن نسافر إلى دمشق، وليس لدينا القدرة على تحمل كل هذه المصاريف.»
تبدو القصة مشوشة، فهي تسير في مسارات مختلفة (الأم، الأب، الابن، والفتاة الصغيرة) دون تركيز واضح على شخصية بعينها، وسبرها بعمق. لو أردتُ إعادة صياغتها، سأركز على بؤرة واحدة. انقر على الزر أدناه لمشاهدتها:
البؤرة
ثقب في القلب
وهذا يقودنا إلى الحديث عن خاتمة القصة، ولو مبكراً على أن نعود إليه مجدداً فيما بعد. إذ ليست البؤرة وحدها تضبط «العاطفة» في القصة، الخاتمة أيضاً تفعل ذلك.
