مفاهيم لا بدّ منها
هنالك فجوة بين احتياجات الجمهور الفعلية والتغطية الصحفية الفعلية.
ما الذي ستتعلمه في هذا المحور؟
- 01ما الغاية النهائية من القصة؟
- 02كيف تؤثر القصة على الدماغ؟
- 03السرد والمكانة الاجتماعية
- 04ما الفرق بين المعلومة والسرد؟
المبادئ الصحفية
بدأت المبادئ الصحفية الأساسية التي نعرفها اليوم مع وليام راندولف هيرست، ويروي فيلم Citizen Kane قصته، ويعلنها كما يلي:
سأقدم لسكان هذه المدينة صحيفة يومية تنقل الأخبار جميعها بأمانة. ستصلهم الحقيقة في صحيفة «إنكوايرر» بسرعة وببساطة وبخفّةٍ ترفيهية، ولن أسمح للمصالح الخاصة بالتأثير في تلك الحقيقة. وسأكون أيضًا مقاتلاً دؤوباً لنصرة حقوقهم بوصفهم مواطنين وبشراً.
الفيلم يروي أيضاً كيف أن هيرست نفسه انقلب على مبادئه فيما بعد. ستجد هنا قصة الفيلم كاملة.
إذا كان نقل المعلومة بحسب المبادئ الصحفية، يتطلب السرعة والبساطة والترفيه، فإن القصص لا تكتفي بالمعلومات، بل: تُعلّم وتُنير وتُلهم، ولكي تفعل ذلك، فهي تحتاج إلى أن تخاطب القلب.
ما الغاية النهائية للقصة: خاطب القلب
القصص الجيدة تعْلَق في أذن المستمع، وتلفت نظر المشاهد، وتخاطب القلب مباشرة.

قائمة Mike Kettenring التي تختصرها كلمة: FAITH
- منصفة Fair
- دقيقة Accurate
- ممتعة Interesting
- شاملة Thorough
- إنسانية Human
القصص الجيدة لا تخاطب القلب فقط، بل تحفز الدماغ أيضاً.
القصة والدماغ: كيف يتلقى الدماغ القصة؟
المناطق التي تنشط في الدماغ لدى الاستماع إلى قصة أو لدى مشاهدتها أو قراءتها:
الاقتران العصبي: ويحدث ذلك عندما تميزّ أن حدثاً في القصة يشبه ما جرى معك في حياتك الخاصة، وهذه المنطقة في الدماغ هي المسؤولة عن ذلك.
منطقة إفراز الدوبامين: للدوبامين وظائف عديدة؛ إحداها نظام المكافأة في الدماغ. يساعد الدوبامين على تذكر التجارب الجيدة، ويشجع على تكرارها.
المخ هو الجزء الذي يفكر من الدماغ، وهو يتحكم في العضلات الإرادية، وهو الجزء المسؤول عن حل المشاكل. أحد نصفي المخ هو الجانب الإبداعي، والنصف الآخر هو الجانب التحليلي.
تقوم باحتان في الدماغ، باحة «بروكا» وباحة «فيرنيكه» بمعالجة الحقائق. القصص الجيدة تحفز مناطق كثيرة من الدماغ، بما في ذلك المناطق الحسية التي تتحكم في الشم، والتذوق، واللمس، والرؤية. فالإنسان يتذكر ما شعر به أكثر من المعلومات، وذلك متجذر في عمليات الدماغ التي يستخدمها في أثناء استيعابه للقصة.
ليس ذلك فحسب، إذا تعلّمتَ سرد القصص العظيمة، سيجدك الناس أكثر جاذبية.
أهمية السرد
انظر، كيف أن الطفلة الصغيرة تستمتع بطرفة أن «The door is banana» على الرغم من أنها تعرف الطرفة وقد سمعتها كثيراً.
السرد والمكانة الاجتماعية
وجدت الدراسات أن قدرة الرجال على سرد القصص «تؤثر على جاذبيتهم ومكانتهم» في أعين النساء.
ووجدت دراسة أخرى أن «الأفراد الذين يستطيعون ابتكار قصص آسرة، هم أكثر إقناعاً وبالتالي قدرة على التأثير في الآخرين، واكتساب المكانة الاجتماعية».
السرد والإنسان العاقل
في الواقع، سرد القصص هي إحدى الصفات الأساسية التي تفصلنا عن الأجناس الأخرى. فالقصص تساعدنا على فهم ما يجري حولنا، وتضفي على خبراتنا الترتيب والمنظور. عندما يحدث شيء ما جدير بأن يكون خبراً، فإننا نريد معرفة لماذا حدث، وكيف حدث، ومَنْ تأثر بالحدث، وماذا جرى قبل الحدث وبعده. ونريد أن نعرف أكثر من مجرد «ما الذي حدث» (الوقائع)؛ نريد أن نعرف «ماذا يعني ذلك؟» وهي الخطوة التي تأخذنا إلى ما وراء الحدث والوقائع.
هذا العطش للقصة ينطبق على الثقافات كلها من السنسكريتية إلى اليونانية واللاتينية. إن جدران الكهوف ومقابر الفراعنة تزدان بالقصص. نحن مفطورون على القصص. لن تجد طفلاً يذهب إلى السرير ويقول: «أبي، اقرأ لي بعض الوقائع». إننا مجبولون على الرغبة في سماع القصص. نريد الصراع، نريد الشخصيات، نريد السياق، ونريد الحل.
لم يخبرك أحد بعناصر القصة عندما كنت طفلاً صغيراً؛ لكنك كنت تعرف القصة الجيدة عندما تسمعها؛ بل وتريد أن تسمعها المرّة بعد الأخرى، ذلك لأن «الدوبامين» يتدفق ويشعل القشرة الدماغية؛ والسبب: الاقتران العصبي.
الأبعاد البيولوجية والاجتماعية للقصة
ما السرّ في القصة؟
لا تكاد تجد صحافياً لا يرغب في أن يصبح رَاوِيَةَ قصةٍ؛ أن يصبح «حكّاءً» Storyteller. لا يريد أن يظل مجرد محرّر يعرف كيف يكتب خبراً أو مادة شارحة. فرواة القصة يتمتعون بمكانة أعلى، ويحظون باهتمام أكبر، ويفوزون بجوائز أكثر.
لا أحد يعلم تماماً كيف اهتدينا نحن البشر إلى قوة القصص. لكن المؤكد أننا منتجون للقصص ومستهلكون مدمنون لها منذ الزمن الأول عندما بدأ أحدهم بقصة متواضعة سردها لمجموعة أفراد قد لا تتجاوز العشرة، جلسوا القرفصاء حول نيران تتّقد بفعل الشحم الذائب من لحم فريسة اصطادوها قبل ساعات.
وُلِدنا جميعاً رواةَ قصص. نثرثر حول شخصيات فعلت كذا، وذهبت إلى كذا، بسبب كذا. نتحدث مع أصدقائنا طوال الوقت بحماس وحيوية. نروي حكايات عن الآخرين، نعجب بهم أحياناً، ونستلهمهم، أو ربما نأنف منهم أحياناً أخرى ونغتابهم. لقد وُلِدنا نحن البشر بهذه المهارة التي يسميها علماء الأنثروبولوجيا «النميمة»، وبدأت معها الثورة الذهنية.
الإنسان العاقل
وبحسب هؤلاء فإن «النمائم» هذه قد قدحت زناد «التاريخ». قبلها كنا نعيش مرحلة ما قبل ولادة التاريخ؛ تفسير أفعال البشر الذين سبقونا من أبناء عمومتنا من النياندرتال وغيرهم اندرج في حقل علم البيولوجيا مثلما هو الآن حال دراستنا لسلوك الحيوانات. مع اختراع «النميمة» التي هي أصل الصحافة، حلّت الروايات التاريخية محل النظريات البيولوجية كوسيلة أساسية في تفسير تطور البشر. فمثلاً، لم يعد منطقياً لفهم ظهور الإسلام أو اندلاع الثورة الفرنسية دراسة التفاعل بين الجينات والهرمونات والمتعضيات، بل من الضروري دراسة الأفكار والتصورات والتخيلات.
المخيال القانوني
ثم جاءت الثورة الثانية، مع ولادة المخيال القانوني مع الشركات المحدودة المسؤولية: شركة بيجو. وربما نحن الآن على أبواب ثورة ثالثة: الذكاء الاصطناعي، ما يطرح أنسنة الصحافة، ومن ثم: القصص.
لماذا إذاً نقضي كل هذا الوقت في الاستماع إلى القصص وروايتها، وغالباً عن مآثر لم تحدث قطّ؟ لأن القصة تستطيع تجاوز «هنا، الآن»؛ تستطيع تجاوز التجارب اليومية، لتصل إلى المغزى، المعنى، القيمة الكونية التي تكمن في تلك التجارب.
لكن، مع ظهور الراديو، ثم بعد ذلك الثورة الرقمية، بدأ الاهتمام يتجه نحو «المعلومة» ومن ثمّ تراجع دور «السرد».
المعلومة والسرد: لماذا تراجع السرد في حياتنا؟

قبل 60 عاماً قال مارشال ماكلوهان إن «الوسيلة هي الرسالة» The Medium Is The Message.
فالأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها اليوم ليست مجرد وسيلة، إنها تفرض نفسها على طريقة عمل الدماغ، وتغيّر الأذواق. والوسيلة التي تُستخدم لنقل المعلومات لها تأثير أعمق وأطول مدى على المجتمع من الرسالة أو المحتوى الفعلي المنقول من خلالها.
أراد ماكلوهان أن يوضح أن كل وسيلة إعلامية تُغيّر من الكيفية التي ندرك بها العالم، وتنشئ أنماطاً جديدة من التفكير والسلوك تتجاوز الرسائل التي تنقلها تلك الوسيلة. لذلك نجد في السنوات الـ15 الأخيرة ذاك الطلب على المعلومة؛ لأن المعلومة من خصائص الإنترنت والأجهزة الذكية.
السرد والمعلومة قوتان متضادتان: الطارئ والضرورة
المعلومة تعزز تجربة الطارئ والعرضي، في حين أن السرد يقلّل من هذه التجربة بتحويل الطارئ إلى ضرورة.
كلما سرّعت المعلومة نزع السرد عن المجتمع، ازدادت الحاجة إلى المعنى والهوية والتوجيه؛ الحاجة إلى إزالة تلك الأدغال الكثيفة من المعلومات التي قد نفقد أنفسنا فيها. نحن اليوم نمتلك الكثير من المعلومات، لكننا نفتقر إلى الوجهة. السرد يحمل الوجهة، ويساعدك على اتخاذ قرار في وجهتك التالية.
