التصنيف: مِمّا كتبت

  • هل يلوح أفقٌ جديد للكرد في سوريا؟

    قراء رسالة عبد الله أوجلان ف المؤتمر الصحفي

    سيجد الكرد في سوريا أنهم مضطرون إلى خوض رحلة شاقة في إقناع الآخرين بأنهم رصيد، وليسوا تهديداً، وأنه يمكن بناء منطقة، إقليم، دولة، سلميٍّة سعيدٍة مزدهرة، وأنّ تنوّع الهويات إغناءٌ، وإنكارها إفقارٌ ومضيعة. ومهما يكن من أمر “عملية السلام” التي أطلقها بهتشلي وأوجلان؛ فقد تفشل وقد تنجح، لكن المؤكد أن “قضية الكرد” لم تعد مجرد تطلّعات قومية، بل عاملاً حاسماً في بناء مجتمع رفاه متصالح مع نفسه.

    بين زغرودة أمٍّ كردية وحسابات أردوغان:

    هل يلوح أفقٌ جديد للكرد في سوريا؟

    بقلم: رشاد عبد القادر

    7.3.2025

    لم تكن تلك السيدة الكردية المسنّة التي تجلس في الصف الثاني، تهتمُّ بعشرات الصحفيين المتواجدين في قاعة المؤتمرات في فندقٍ قرب ساحة “تقسيم” بإسطنبول، ولا بالمتحدثين السبعة الجالسين على المنصة، ولا بمئات آخرين تجمّعوا في القاعة المزدحمة يوم الخميس الدافئ على غير عادته، في 27 فبراير/شباط 2025. لم تكن تهتم بكل ذلك. كانت تعرف ماذا تريد؛ تنظر إلى الشاشة العملاقة خلف الصف الطويل للمتحدثين من حزب المساواة والديمقراطية (DEM)؛ تعدّل وضعية جلوسها بأن تميل شمالاً مرّة، ويميناً مرّة أخرى، وكأنها تجلس على الجَمر.

    بدَتْ السيدةُ في السبعينات من عمرها، ترتدي سترة صوفية بيضاء بدون أكمام، وشال رأس أبيض يغطي فمها، لكنها أبعدته عندما تغلّب حماسها على حصافتها؛ وأطلقت “زغرودة” في غير أوانها، ربما احتفاءً بالمتحدث الذي رحّب بالحاضرين باللغة الكردية. تصفّق قبل الجميع، وتتوقف آخر الجميع؛ تشجع المتحدثين على المضي قُدُماً، وتجاوز المداخلات، والتمهيدات، للوصول إلى لحظة الذروة التي تنتظرها بنفاد صبر.

    السيدة الكردية المحافظة بثيابها الريفية لا تعرف -على الأرجح- السياسةَ. ولا تعرف مفاهيم “الاستراتيجية”، “الاشتراكية الواقعية”، “الرأسمالية”، “النزعات القومية المتطرفة”، “الفيدرالية”، “الحكم الذاتي”، أو مفهوم “الحلول الثقافوية”، التي تحدّث عنها الزعيم عبد الله أوجلان في رسالة قُرِأت بالتركية والكردية. مع ذلك، وقفت، وبدأت تزغرد وتزغرد وبصوت أعلى هذه المرّة، عندما ظهرت صورة الزعيم على الشاشة العملاقة.

    عبد الله أوجلان

    فهي في قرارة نفسها، تعلم بغريزتها أن هذه مجرّد مفاهيم؛ تفصيلات صغيرة أمام حقيقة الزعيم الذي يجلس هناك في وسط الصورة، بشحمه ولحمه، يحمل رسالته التي كتبها بخط يده، وينظر إلى عدسة الكاميرا من دون مواربة، أو تردد، بعد 26 سنة سجيناً في جزيرة إمرالي المعزولة، وقبل ذلك بـ20 عاماً لاجئاً في سوريا هرباً من الاعتقال، ثم قبل ذلك بـ10 سنوات، عندما بدأت تتشكل في ذهنه لأول مرّة فكرة “كردستان” عام 1969. لقد أمضى الرجل 56 عاماً من حياته البالغة 76 عاماً، ساعياً وراء حلم يتخلّى عنه الآن بِرمّته، ومن دون شروط.

    صفّقتْ طويلاً، مثل آخرين كثيرين في قاعة المؤتمر الصحفي. البعض الآخر كان مشدوهاً تماماً من مضمون رسالة أوجلان التي استمعوا إليها توّاً، لكن السيدة انتظرت، غير عابئة، حتى لحظات المؤتمر الأخيرة لتعبّر عن امتنانها لممثلي حزب (DEM)، وتَربُت على أكتافهم بعد إدارتهم لهذه العملية المعقدة التي أطلقها أصلاً زعيم حزب “الحركة القومية التركية” (MHP) دولت بهتشلي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو يرقد الآن في المستشفى معلّقاً بين الحياة والموت.

    المؤتمر الصحفي لقراءة رسالة عبد الله أوجلان

    لا تميّز السيدةُ بين “القضية” و”الزعيم”؛ كلاهما واحدٌ لديها. إلّا أنّ أنصاراً آخرين، وجدوا صعوبة في استيعاب ما جرى: هل تخلّى أوجلان فعلاً عن “الكرد وكردستان؟” مقابل ماذا وافق على عملية المصالحة؟ أذهبَ كل شيء سُدىً؟ أكثر من 50 ألف قتيل، ونحو 450 مليار دولار نفقات، ونحو 14٪ خسائر في الناتج المحلي الإجمالي التركي. لم يستطع البعض الآخر التوفيق بين فَدَاحة الخسائر وغموض المكتسبات، فلجأ إلى نظريات المؤامرة، ومفادها أن: رسالة الزعيم مشفّرة؛ لا يستطيع حلّ شيفرتها إلّا أصحاب الحلّ والعقد. بينما ذهب آخرون إلى أنه “قصد عكس ما قاله”، فـ”رَمْيُ السلاح” معناه التمسك به، و”وقف القتال” معناه المضي قُدُماً فيه.

    إلّا إن رسالة الزعيم ليس بها شيفرات، ولم تقصد عكس ما قالته. إنها ببساطة تدعو إلى السلام القائم على “الأخوة الكردية التركية”، منذ أن شارك الكرد المروانيون بطريقة حاسمة إلى جانب القائد ألب أرسلان السلجوقي التركي في هزيمة البيزنطيين وفتح أبواب الأناضول في معركة “ملاذكرد” عام 1071. وكان من نتائج هذا التحالف أن أعلن أحمد سنجر (1086-1118)، حفيد ألب أرسلان، تأسيس مقاطعة “كردستان”. لكن الزعيم في رسالته يرفض فكرة دولة قومية كردية، أو إقليماً كردستانياً فيدرالياً، أو حكماً ذاتياً، أو “حلولاً ثقافية”، ويرى أن العالم قد تجاوز هذه الطروحات، وأن الحلّ هو في بناء “المجتمعات الديمقراطية”، وعلى الكرد والأتراك النضال معاً من أجل تحقيق ذلك. ومن المفيد في هذا السياق الإشارة إلى خريطة التركي محمود الكاشغري التي تعود إلى عام 1072، ويوضح فيها “أرض الأكراد”، في الموقع الجغرافي ذاته الذي يوجد فيه الكرد اليوم.

    خريطة محمود الكاشغري - أقدم خريطة عن أرض الأكراد

    غالباً، لا تهتم السيدة بمعرفة ما تعنيه “المجتمعات الديمقراطية”، فـ”كردستانـ”ـها واضحة كالشمس في كبد السماء: حاضرة في وقفتها، تصفيقها، زيّها، زغاريدها، حماسها؛ حاضرة في اتخاذها قرارَ مشقّة حضور مؤتمر صحفي؛ حاضرة في الجَمْر الذي كانت تجلس عليه، في ابتسامتها العريضة، وهي تشاهد بعد طول انتظار الزعيمَ على الشاشة؛ حاضرة في تَرْبِيْتِها على الأكتاف؛ تُطَمْئن، تُؤكّد، تُوقِن بأنها “كردية”، وأن “كردستانـ”ـها في القلب قبل أن يكون كياناً بحدود جغرافية.

    المؤتمر الصحفي لقراءة رسالة عبد الله أوجلان

    لكن كرداً آخرين، بكوا في ذلك اليوم. كان الحدث أكبر من طاقتهم على الاحتمال. ففكرة “كردستان” الكبرى التي ظنّوا أنهم رضعوها مع حليب أمهاتهم، بَدَت أبعد ما تكون عن التحقيق، منذ أن دعا إلى ذلك الشاعر أحمد خاني في قصيدته المشهورة قبل أربعة قرون؛ وبعد أكثر من مئة سنةٍ من محاولة طمس هويتهم بنعتهم أنهم “أتراك الجبال” إبّان سردية الدولة القومية التركية، وبـ”البويجية” إبّان سردية الدولة القومية العربية. فشلت السرديتان، وبقي الكرد، بل وازدادوا قوة بفضل حركتهم السياسية المدنية.

    لم يكن الكرد وحدهم مَنْ بكى. سبقهم الأتراك إلى ذلك قبل أربعة أشهر، عندما طلب دولت بهتشلي القومي المتشدد، في كلمة طويلة من داخل قاعة مجلس الأمة التركي الكبير (البرلمان)، في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، من عبد الله أوجلان إعلان حلّ حزب العمال الكردستاني وإلقاء السلاح مقابل العفو المشروط عنه، داعياً إلى إطلاق عملية سلام ومصالحة واسعة في البلاد. وقتها بكى القوميون الأتراك أيضاً، فقد كان خطابه تاريخياً، يتجاوز الخطوط الحمراء التي اعتادوها، وقد يكسر ذلك الصدع بين المجتمع التركي والكردي، ويؤدي إلى تغيير واسع في تشكيل الكتل الانتخابية في البلاد.

    لكن، لماذا أطلق بهتشلي مبادرته هذه؟

    قبل أشهر من سقوط الأسد، كان واضحاً تزايد خشية الرئيس رجب طيب أردوغان وحليفه بهتشلي، من عواقب الحرب التي تخوضها إسرائيل في غزة ولبنان، والفوضى التي قد تحدثها في الشرق الأوسط، لا سيما وأن الكرد كانوا قد بدأوا يستعدون للاستفادة من الفراغ الذي تركه تراجع نفوذ إيران في سوريا، وانهيار حزب الله أمام الضربات الإسرائيلية المتتالية. وفي كلمته في البرلمان، أثنى بهتشلي ولأول مرّة على التنوع الذي كان في الدولة العثمانية، رغم أن القوميين الأتراك دأبوا تاريخياً على عدم الاعتراف بذلك. وسَرَت في أوساط القوميين حينه أن بهتشلي أقدم على هذه الخطوة استجابة لتغير موازين القوى بسبب الحرب الإسرائيلية، وقطع الطريق على أي سيناريو قد تفقد فيه تركيا النفوذ في سوريا، أو ربما وفي سيناريو أسوأ، قد تضيع فيه أراضٍ تركية. ولكن يبدو أن الأمر أعقد من ذلك. ففي أكتوبر/تشرين الأول عندما أطلق دعوته، لم يكن بهتشلي يتوقع سقوط الأسد في التوقيت الذي سقط فيه، إلّا أن الضرورة دفعته إلى طرح عملية السلام في تركيا لتجنب “الكارثة الاستراتيجية” المحتملة في سوريا. وقد رأى بهتشلي، ومن خلفه أردوغان، أن تركيا تحتاج إلى إقناع الكرد الذين باتوا أكثر جرأةً لا سيما في سوريا، بأن أفضل خيارٍ لهم هو التحالف مع الأتراك.

    المبادرة يكتنفها الغموض

    ومنذ ذلك اليوم، ما زلنا نتناقش حول أبعاد الكلمة التي ألقاها بهتشلي، ونتابع الخطوات التي اُتخِذت بعد ذلك، بكثير من الغموض؛ لأن السلطات التركية غير شفافة تجاهها. وثمة أسئلة مهمة لا تزال تطرح نفسها حتى بعد قراءة رسالة أوجلان: هل عملية السلام بدأت حقاً؟ هل تفاوضَ على الخطوات التالية أم لا؟ وما هي هذه الخطوات؟ وإذا كانت عملية السلام قد بدأت فعلاً، فلماذا تبدو وكأن بهتشلي هو صاحبها ومحرّكها الوحيد، رغم أنه على فراش الموت؟ ولماذا يحرص أردوغان لدى الحديث عن هذه العملية، أن يكون كلامه مقتضباً؛ ويستخدم عبارات عامة ومحايدة؟ لماذا لا يُظهر أي التزام علني بالعملية؟ لماذا تتحدث تركيا عن انفراج مع “الكرد”، بينما تضغط عليهم من طرف آخر: تعزل الساسة الكرد من الإدارات المحلية، وتضغط على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عسكرياً؟ والأهم من كل ذلك: هل هو حقاً بداية حلّ تاريخي؟

    إذاً، على الرغم من ذهاب التحليلات إلى ربط عملية السلام مع التطورات في سوريا، إلّا أن تسلسل خطوات بدء الانفتاح، لا تتطابق مع ذلك. والإصرار على هذا الربط، قد يحول دون رؤية الدوافع الأكثر براغماتية وحيوية بالنسبة إلى أردوغان.

    ويمكن اختصار أهداف/توقّعات أردوغان من هذه العملية في ثلاث نقاط:

    الهدف الأول: يحتاج أردوغان إلى قرار إجراء انتخابات مبكرة، كي يتمكن من الترشح مجدداً إلى الانتخابات الرئاسية. فبعد انتخابه ثلاث مرات، يُحظر عليه دستورياً الترشح لمرة رابعة في انتخابات 2028، إلّا عن طريق تعديل دستوري أو إجراء انتخابات مبكرة. ويبدو أن الانتخابات المبكرة هو الأسهل كخطوة أولى، لكن موازين القوى الحالية داخل البرلمان لا تسمح لحزب “العدالة والتنمية” بتمرير القرار. أمّا إذا تعاون نوّاب حزب المساواة والديمقراطية (DEM)، فإن أزمة أردوغان يمكن حلّها. ويبدو أن هذا الهدف متفق عليه ما لم يحدث انهيار في عملية السلام. الهدف الثاني: هو خشية أردوغان من مرشح الحزب الجمهوري الذي سينافسه في الانتخابات الرئاسية. والمرشحون المحتملون للرئاسة هم: أكرم إمام أوغلو (جمهوري)، وهو رئيس بلدية إسطنبول، ومنصور يافاش (جمهوري بتوجهات قومية)، وهو رئيس بلدية أنقرة، ثم أوزغور أوزيل، زعيم الحزب الجمهوري، وأخيراً أوميت أوزداغ، زعيم حزب “النصر” القومي المتطرف، وقد اعتقلته السلطات التركية أخيراً بتهمة الحض على الكراهية. لذلك يسعى أردوغان إلى تفتيت صفوف المعارضة قدر الإمكان، ودفعها إلى الاقتتال الداخلي. ويأمل أن يزج بأبرز المرشحين، أكرم إمام أوغلو في السجن، ليمهّد الطريق أمام المرشحين المتبقين الثلاث للدخول في منافسة وتفتيت الأصوات. ففي حالة وفاة بهتشلي، قد يقنع أردوغان منصور يافاش الانتقال إلى صف القوميين، واستلام زعامة الحركة القومية. وسيلجأ أردوغان إلى إقناع حزب المساواة والديمقراطية (DEM) بتقديم مرشح كردي قوي، على الأقل في المرحلة الأولى من الترشيحات، وذلك كي يدفع بأصوات الناخبين إلى التشتت على أساس عرقي. وإذا استطاع أردوغان المضي قُدُماً في عملية السلام، فإن أصواتاً كردية كثيرة ستذهب إليه في نهاية الأمر. الهدف الثالث: يسعى أردوغان إلى الضغط على حزب المساواة والديمقراطية (DEM) لدعمه في مشروع تعديل الدستور، الذي يهدف أساساً إلى السماح بإمكانية انتخاب الرئيس إلى الأبد، وألّا يكون حاجز الـ50٪ شرطاً للفوز. ورغم أنه من المستبعد أن يوافق حزب (DEM) على ذلك، لكن إن حصل ووافق، فإن تركيا ستتحول إلى نسخة روسية في الحكم، وستظل هذه الوصمة تلاحق الكرد لفترة طويلة قادمة. إن كان الأمر كذلك، لماذا يبدو أردوغان متردداً تجاه العملية؟ يبدو من الواضح أن أردوغان قد خطط تماماً لذلك مستفيداً من الدروس والتجارب التي تعلّمها إبّان عملية السلام في 2013-2015. والدرس الأول هو أنه لا يمكن تحقيق النجاح في الانفتاح على الكرد، إذا وَاجَهتْهُ معارضةٌ قومية تركية متماسكة. فعلى الرغم من أن الأحزاب القومية التركية تشكّل 20٪ من الأصوات في الانتخابات، إلا أن الخطاب القومي قادر على التعبئة بما يفوق ثقله الانتخابي. والدرس الذي تعلّمه أردوغان في تلك التجربة، أنه ينبغي تفكيك صفّ القوميين الأتراك، لإنجاح العملية. أما الدرس الثاني، فهو السلوك الذي ينبغي أن تنتهجه الحكومة في أثناء عملية التفاوض. فقد تعلم أردوغان من تجربة 2013-2015، أن انخراط الحكومة العلني في التفاوض، سيرتدّ سلباً، وقد يتسبب في فشل العملية. ومن اللافت للنظر، أن حزب “الحركة القومية” الذي كان أحد أهم أسباب فشل عملية السلام في 2013-2015، هو من أهم الداعمين في عملية السلام الجديدة، رغم أنه لا يزال غير واضح كيف استطاع أردوغان أن يقنع بهتشلي أن يكون هو من يُطلق صافرة البداية. ويبذل أردوغان جهداً استثنائياً، كي لا يظهر بأنه منخرط في العملية أو رافضاً لها. ففي عملية السلام الجديدة، يتبع تكتيكاً دقيقاً: يظهر وكأنه غير مستعدٍّ للتصالح، مع الاستمرار في التفاوض؛ أي أنه يتبع سياسة “العصا والجزرة” مع حزب (DEM)، وهذا ما يمنحه اليد العليا في المفاوضات. وستؤدي في نهاية المطاف، إلى تقسيم الكرد؛ قسم يقبل التفاوض، وآخر يرفضه. وسيصب ذلك في مصلحة أردوغان ليقول لجمهوره من القوميين: انظروا إلى الكرد الذين يرفضون التفاوض. كما أن اتّباع سياسة “اللّين المتشدد” بتبادل الأدوار بينه وبين بهتشلي، سيربك صفوف الناخبين المعارضين والمؤيدين الذين سيشعرون بالحيرة تجاه السلوكيات المتناقضة التي تتخذها الحكومة؛ فهي تتفاوض وفي الوقت ذاته تقمع. ومن شأن ذلك أيضاً أن يخلق البلبلة في صفوف الحزب الجمهوري، وعدم قدرته على اتخاذ موقف واضح من العملية: فإذا أعلن صراحةً تأييده للعملية الجديدة، سيُتهم بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني، ومحاولة تقسيم الدولة، وإذا اتّخذَ موقفاً متحفظاً، فسيُتَّهم بالوقوف عائقًا في وجه السلام وعرقلة العملية. وإذا دعم العملية، سيخسر أصوات القوميين المتشددين والقوى اليمينية الوسطية؛ وإذا لم يدعمها، سيفقد بعض الأصوات الكردية. وكلما ازداد تخبطه في هذا الوضع، ترسّخ الانطباع بأنه حزب “لا يجيد الإدارة، ولا يصلح للحكم”. وأردوغان سيكون هو الفائز مهما كانت النتيجة. فإذا ما سارت الأمور بسلاسة وحلّ حزب العمال الكردستاني نفسه، فإنه سيزعم أن الفضل في إنهاء تمرد دام 40 عاماً يعود إليه، وسيدخل الانتخابات القادمة في مواجهة معارضة ضعيفة. وفي حال لم تسر الأمور كما هو مخطط لها، فإنه سيبدو قوياً من خلال تضييق الخناق على المعارضة، وملاحقة القوات الكردية في سوريا. لقد امتنع أردوغان طوال هذه الفترة عمداً عن تولّي دور مباشر في العملية، تاركاً الساحة لبهتشلي، وذلك للفصل بين مستقبله السياسي ومجرى المفاوضات. وإذا صحّ هذا الاستنتاج، فهذا يعني أن عملية “الانفتاح” على الكرد، ليس مجرد مناورة سياسية، بل مبادرة أوسع تقودها الدولة. وقد عبّر عن ذلك بصورة غير مباشرة نائب رئيس حزب “العدالة والتنمية”، أفكان علاء، عندما قال “إن جوهر نداء [أوجلان] هو أن يلقي التنظيم السلاح، ويحل نفسه، لكننا ننظر أيضاً إلى ما سينتج عن ذلك.” فالأمر لا يتعلق فقط بإلقاء السلاح، بل يكتنفه أيضاً مدى إمكانية تحقيق ذلك. فتحقيق النتائج المطلوبة لا يزال أمراً غير مؤكد، ويحتاج إلى مبادرة أوسع لضمان نجاحه.

    لكن لماذا أصلاً سيتخلى حزب العمال الكردستاني عن سلاحه؟

    بعد تأسيسه في نوفمبر 1978، بدأت قيادة حزب العمال الكردستاني بنقل نشاطه خارج تركيا، وانتقلت إلى سوريا في بداية عام 1979، مستفيدةً من ظروف إقليمية سمحت له بتأسيس قاعدة عمليات خارج نطاق الضغط التركي. وكان هذا التحوّل جزءاً من استراتيجية الحزب لتأمين بيئة أكثر أماناً واستقراراً لاستمرارية النضال الكردي. ويعني ذلك عملياً، أن الحزب وُلِدَ تركياً، لكنه ترعرع ونما سورياً. أردوغان وبهتشلي يدركان ذلك.

    عندما انسحب نظام الأسد من مناطق بشمال شرق سوريا في بدايات الحرب الأهلية، استطاع أبناء المنطقة، بمختلف مكوّناتهم، وبقيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومجلس سوريا الديمقراطي (مسد)، تأسيس كيان أشبه بدويلة لها هياكلها العسكرية والإدارية والقضائية. واستطاعت “قسد” و”مسد” أن تحكم ولأول مرة المنطقة ذاتياً. وتمكنت من توطيد سيطرتها على الأرض وإضفاء الشرعية على سلطتها من خلال مؤسسات الإدارة الذاتية. وفي أثناء حربها مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ترسّخ دورها بوصفها فاعلاً إقليمياً رئيسياً، وضمَنَتْ أيضاً الدعم الدولي عسكرياً، وفي أحيان كثيرة سياسياً. وعرفت “قسد” سريعاً المزايا الاستراتيجية لبناء الدولة والدبلوماسية وإقامة التحالفات. وبعد 30 عاماً من القتال المسلح، وآلاف القتلى، بات حزب العمال الكردستاني ابناً شرعياً للمنطقة التي ترعرع فيها، ويجد أنّ مستقبل شمال شرق سوريا يستحق أن يضحّي الحزب بحلّ نفسه، ويفتح الطريق كاملاً أمام “قسد” ككيان بتوجهات سورية، فذلك أكثر صواباً استراتيجياً.

    لقد كان للقضية الكردية دائماً بُعداً جيوسياسياً. وكلّما أَمْعنت الدول التي تسيطر على كردستان في قمع الكرد، استطاعوا التحوّر والتكيف؛ فقد تحوّلت قضيتهم القومية من التمثيل السياسي والثقافي، إلى قضية أمن إقليمي، ولم تعد قضية الكرد تنحصر في مسائل الهوية وحقوق الأقليات، بل أصبحت مسألة إقليمية، تشكل ديناميكيات القوى الأوسع في الشرق الأوسط، وتتأثر بها.

    مع ذلك، لا يزال مستقبل شمال شرق سوريا غير واضح. إذْ أنّ قوات سوريا الديمقراطية لا تزال تتصدى يومياً لهجمات “الجيش الوطني السوري” الذي يعمل وكيلاً لتركيا. ولن تخفّف أنقرة هذا الضغط، إلّا إذا نجحت “عملية السلام” مع حزب “العمال الكردستاني”. حينها، قد تصبح تركيا أكثر استعداداً لتلطيف موقفها تجاه “قسد”، وتعيد النظر في مخاوفها من أن حكم الكرد السوريين للمنطقة يشكل تهديداً وجودياً على أمنها القومي. ولكي تغيّر تركيا موقفها، يجب أن يكون هناك فصل واضح بين “قسد” و”مسد” من جهة، وحزب العمال الكردستاني من جهة أخرى، وحلّه وتقديم ضمانات بأن الحدود الحالية ستظل من دون تغيير. كما أن إشراك الكرد في هيكلية الحكم في سوريا أو استبعادهم، يُعدّ عاملاً حاسماً في تشكيل ميزان القوى الإقليمي، لا سيّما في التأثير في ديناميكية العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية التي لا تزال حذرة من توسع نفوذ أنقرة في المنطقة. ومن دون اندماج الكرد في العملية السياسية، لن تشهد سوريا استقراراً على المدى البعيد.

    وأردوغان يدرك أن “القضية الكردية” داخل تركيا، لم تعد مسألة اعتراف بالحقوق الثقافية أو التمثيل السياسي، بل باتت تتعلق بالتموضع الاستراتيجي والأمن الإقليمي. وقالت الباحثة التركية آرزو يلماظ، إن عملية السلام الحالية لم تعد “مبادرة سلام تقليدية تهدف إلى حل المظالم التاريخية؛ بل هي عملية بناء تحالفات، حيث تُملي التحالفات الإقليمية وميزان القوى إطار المشاركة.”

    في هذا السياق، يمكن فهم مضمون رسالة أوجلان. فالرؤية التي يقدمها، تحاول أن تخرج “القضية الكردية” من إطارها القومي الضيق، إلى قضية بناء “مجتمع ديمقراطي”، وكان هذا واضحاً في الرسالة إلى وجهها صلاح دمرتاش إلى الكرد والأتراك عموماً. ويقول فيها:

    لا تخَفْ من السلام ولا من المصالحة يا أخي. لا تخف من تكاتف التركي والكردي معاً لجعل تركيا أقوى. لا تخف من دعم أي خطوة تنقل المنطقة إلى السلام. لا تخفْ، حتى نستطيع هذه المرة إسكات الأسلحة وإفساح المجال للسياسة كي تتحدث. وبالنضال السياسي فلنتغلّب سوياً على الفقر والبطالة والجوع والظلم وعدم المساواة. ولْنسعَ إلى توجيه المليارات التي تُنفَق على الحرب نحو الشعب مباشرةً. ولا ننسَ أن السلام يعني أيضاً الخبز والعمل والرزق.

    أردوغان ليس ديمقراطياً إلّا بمقدار ما تخدم في ضبط معارضيه، وهو أيضاً ليس قومياً إلّا بمقدار ما تجلب من أصوات إلى صناديق الاقتراع. الإسلاميون لا يؤمنون بالديمقراطية ولا بالقومية. مع ذلك، سيضطر أردوغان، إذا نزع سلاح حزب “العمال الكردستاني”، إلى إطلاق سراح الآلاف من الساسة الكرد من السجن، والسماح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية، طالما أن هذه المشاركة لا تصب في مصلحة معارضيه، ولا تناقض أجندته.

    ودمرتاش يدرك ذلك، فالنبرة العامة في رسالته أنه يدعو إلى الصبر والإصرار، إذْ أن السلام والمجتمع الديمقراطي لا يأتي دفعة واحدة، ويدرك أيضاً مشقة الطريق الطويلة إلى إقناع الأتراك بأن الكرد رصيد في تركيا، وليسوا تهديداً لها. ويحاول أن يوضح أن عملية السلام هذه ينبغي أن تنتقل من عملية تتمحور حول العنف، إلى عملية تتمحور حول السياسة والقانون.

    وسيجد الكرد في سوريا أنهم مضطرون إلى خوض هذه الرحلة الشاقة أيضاً في إقناع الآخرين بأنهم رصيد، وليسوا تهديداً، وأنه يمكن بناء منطقة، إقليم، دولة، سلميٍّة سعيدٍة مزدهرة، وأنّ تنوّع الهويات إغناءٌ، وإنكارها إفقارٌ ومضيعة. ومهما يكن من أمر “عملية السلام” التي أطلقها بهتشلي وأوجلان؛ فقد تفشل وقد تنجح، لكن المؤكد أن “قضية الكرد” لم تعد مجرد تطلّعات قومية، بل عاملاً حاسماً في بناء مجتمع رفاه متصالح مع نفسه.

    السيدة الكردية الريفية في المؤتمر الصحفي كانت تعرف بغريزتها التي عجنتها مئات سنوات الكفاح، أن المغزى ليس في مضمون الرسالة؛ المغزى في الصورة الأكبر، العملاقة.

  • أرض الكُرد

    أرض الكُرد

    في مخطوطات ألف عام

    كيف دارت الدنيا بهم وتحوّلوا من «الحصن المنيع» إلى غير مرغوب فيهم

    رشاد عبد القادر

    صورة تعبيرية لمدينة بدليس

    كيف بدأ كل شيء؟

    هذا مشهد يوم عادي في حياة مدينة «بدليس» ولّده الذكاء الاصطناعي بناء على وصف أوليا جلبي، الرحالة والمستكشف العثماني، في كتابه «سياحت نامه» الذي تُرجم إلى العربية بعنوان «رحلة أوليا جلبي في كردستان». وقد زار «بدليس» نحو عام 1670، وقال على مدار 55 صفحة إنها ملاذ للثقافة والحضارة.. تتمتع بحدائق غنّاء ونوافير وحمامات عامة، وحاكمها المثقف والمتعدد المواهب يشبه أمير «عصر النهضة» العثماني، ويمتلك أعيانها أشياء فاخرة مثل فراء السمّور.

    قبل رحلة أوليا جلبي، كان أمير المدينة؛ إدريس البدليسي الذي توفي عام 1520، قد تعاون مع السلطان سليم الأول، واستمال الزعماء الكُرد للوقوف إلى جانب العثمانيين، وطرد الصفويين من «ديار بكر» عام 1514. ومن شدة حماسه للعثمانيين، ألّف للسلطان بايزيد الثاني عام 1512، كتاب «هشت‌بهشت» أو «الجنان الثمانية» (وهو بالأصل تعبير فارسي من عهد الساسانيين عن نمط معماري في البناء)، يؤرخ تاريخ 8 حكام من آل عثمان إبان صعود الصفويين في الشرق وتوسُّع العثمانيين في البلقان، ويقلل في كتابه من أهمية الأصول التركية (غير المرغوب فيها حينه) للعثمانيين، ويعيد تصويرهم على أنهم ورثة الإمبراطورية الرومانية، وأتباع الإسكندر الأكبر الحقيقيون. ولتحقيق ذلك كله، استند إلى قصص توراتية وقرآنية وغيرها، لخلق أسطورة لآل عثمان لا تمت بصلة إلى أصل سلالتهم.

    السلطان سليم الأول والأمير إدريس البدليسي

    صورة متخيلة للسلطان سليم الأول والأمير إدريس البدليسي

    البدليسي الذي عدّ مدينته «عاصمة حكومة كردستان»، بسكانها الكُرد والأرمن والعرب، لم يكن يعلم أنه خلال 400 سنة قادمة ستتحول «كردستانـ»ـه من «حصن منيع» لحماية العثمانيين على حد تعبير السلطان سليمان القانوني (سنأتي إلى تفصيل ذلك)، إلى غير مرغوب في ذكرها.

    هذا التحوّل الذي انتبه له منذ بداياته الشاعر الكردي أحمد خاني عام 1694، عندما اختار أن يبدأ قصيدته ليس بمدح الحكّام كما كان سائداً، بل بالحديث عن «استعباد» الكرد من قبل العثمانيين والصفويين، و«احتلال» كردستان، ما يعد بحق مؤسس «القومية» الكردية.

    الشاعر الكردي أحمد خاني

    صورة متخيلة للشاعر أحمد خاني

    يقول في قصيدته:

    Her mîrekî wan bi ezel Hatem

    [كل سيّد فيهم كأنه حاتم في السخاء]

    Her mêrekî wan bi rezmê Ristem

    [كل رجل فيهم كأنه رستم في القتال]

    Bi’fkir ji Erab heta ve Gurcan

    [انظر، من العرب إلى الجورجيين]

    Kurmancîye bûye şibhê bircan

    [أصبح الكرد كالأبراج الشاهقة]

    Ev Rûm û Ecem bi wan hesar in

    [يحيطون بالروم (الترك) والعجم (الفرس)]

    Kurmanc hemî li çar kenar in

    [وينتشرون في الجهات الأربع]

    Herdu terefan qebîlê Kurmanc

    [الطرفان جعلا القبائل الكردية]

    Bo tîrê qeza kirine amanc.

    [أهدافاً لسهام القدر]

    Goya ku li serḧedan kilîdin

    [يُقال إنهم مفاتيح للحدود]

    Her taʿife seddekin sedîdin

    [كل قبيلة حصن حصين]

    Ev qulzimê Rûm û Beḧrê Tacîk

    [بحر الروم (الترك) وبحر الطاجيك (الفرس)]

    Hindê ko dikin xirûc û teḧrîk

    [كلما هاج وماج]

    Kurmanc dibin bi xûn milettex

    [يغرق الكرد في الدماء]

    Van jêk vedikin misalê berzex

    [يفصلون فيما بينهم (الترك والفرس) مثل البرزخ]

    Ger dê hebûya me ittifaqek

    [لو اتفقنا فيما بيننا]

    Vêk ra bikira me inqiyadek

    [لو اعتمدنا على بعضنا البعض]

    Rûm û Ereb û Ecem temamî

    [لأصبح الروم والعرب والعجم]

    Hemiyan ji me ra dikir xulamî.

    [جميعاً في خدمتنا]

    مضت 330 سنة على قصيدة خاني، وتفرقت الطرق بالكُرد أكثر؛ لأنهم -كما تنبأ- لم يتفقوا فيما بينهم، حتى إن مفهوم «كردستان» الذي لا بُدّ منه، لم يتمكنوا من تأصيله. فالقيادات منشغلة بالمناصب أكثر من انشغالها بالمفاهيم.

    في إهداء إلى «لورنزو دي ميديشي»، حاكم «فلورنسا»، يقول نيكولو مكيافيلي في افتتاحية كتابه «الأمير» إن السياسة تشبه الفن من نواحٍ عديدة. فمثلما ينزل رسّام الطبيعية إلى الوديان والسهول ليتمكن من رسم الجبال، ثم يصعد الجبال ليتمكن من رسم الوديان والسهول، كذلك الحاكم عليه أن يكون أميراً حتى يفهم طبيعة الشعب، وعليه أن يكون واحداً من الشعب حتى يفهم طبيعة الأمراء.

    مكيافيلي الذي سيصبح كتابه مرجعاً للكثير من قادة العالم، ولا تخلو منه مناهج العلوم السياسية في الجامعات الغربية، طاردته سمعة سيئة ذائعة الصيت بأن «الغاية تبرر الوسيلة»، مع أن الرجل في الواقع تناول الأشخاص كما هم، وليس كما يجب أن يكونوا عليه. وقد عاش في الفترة ذاتها التي عاش فيها إدريس البدليسي في «الوديان والسهول» وعينه على منصب الإمارة، وكان لديه الخيار أن يصعد «الجبل»، ويصبح «أميراً» ليرى أبعد مما كان محكوماً به في زمانه. لكنه لم يفعل.

    فما هي «كردستان» إذاً؟ ولماذا تغيّرت صورتها على مرّ التاريخ في الأدبيات التركية؟ وكيف انتقلت جغرافيتها من مساحة شاسعة، إلى مطالبات محدودة هنا وهناك؟ كيف نشأ مفهوم «كردستان»، وكيف تحوّل عبر الزمن في المخيال التركي، ومخيال الشعوب المحيطة بها؟

    هذا ما سنحاول الإجابة عنه بالاستناد(1) إلى المخطوطات وما كتبه المتخصص بالشأن الكردي في العهد العثماني متين أتماجا، البروفيسور المساعد في كلية أنقرة للعلوم الاجتماعية، وكثير من المصادر الأخرى تُذكر في حينها.

    الأكراد في القرن الحادي عشر

    صورة متخيلة للكرد في القرن الحادي عشر

    معركة بين السلاجقة والعجم

    صورة متخيلة لمعركة بين السلاجقة والعجم في القرن الحادي عشر

    كانت «كردستان»، على مرّ القرون، «مفهوماً» أكثر من كونها بقعة جغرافية واضحة الحدود. فـ«كردستان» شأنها شأن أي «جغرافيا سياسية»، بناءٌ اجتماعي وتاريخي؛ حدودها الجغرافية، ومعالمها الحضرية ومراكزها المدنية، وحتى سكانها، لم تكن ثابتة، إنما تتغير باستمرار، بحسب موازين القوى، وسلطة الحكام.

    لكن قبل الدخول إلى الجغرافيا السياسية للكرد في التاريخ، نحتاج بداية أن نفهم كيف كانت تنظر الإمبراطورية العثمانية إلى نفسها وإلى حدودها، وهي التي كانت تجاور الكرد وتبسط عليهم سيطرتها لقرون طويلة.

    العثمانيون الروم والفرس العجم

    رسم العثمانيون هويتهم بناء على علاقاتهم مع الإيرانيين (العجم) من جهة والأوروبيين (الفرنجة) من جهة أخرى. وقد تبنوا التصور الروماني الذي ورثوه عن الإمبراطورية البيزنطية. ووسّع العثمانيون هذا المفهوم ليُدرجوا أنفسهم داخله على أنهم «روم» Rums أو «رومان» Romans، خاصة بالمقارنة مع صور الإيرانيين العجم وتصويرهم في الأدب والسياسة والجغرافيا، بحسب ما يشرحه(2) المؤرخ التركي جمال كافادار، بروفيسور الدراسات التركية في قسم التاريخ بجامعة هارفارد الأمريكية. إبّان فترات النزاع، كان يُستخدم جنس «الروم» و«العجم» معًا، وفي مقابلة ثنائية، غالبًا في الشعر، وكذلك في النصوص الدينية والسياسية. ومن ثم، تشكّل في الذهنية العثمانية المبكرة، عالمين منفصلين، لكنهما متجاوران لا من الناحية الجغرافية فحسب، بل من الناحية الثقافية أيضًا. لم يكن هناك اتفاق حول الحدود الجغرافية الدقيقة لهذين العالمين. وتفاقم عدم الاتفاق هذا، بحسب ما يذهب إليه متين أتماجا(3)؛ بسبب الحقيقة التاريخية المتمثلة في أن معظم الأراضي الواقعة بين العثمانيين (الروم) والصفويين (العجم) كانت مأهولة بالكرد في المقام الأول، بالإضافة إلى مجموعات عرقية ودينية أخرى.

    متين أتماجا

    متين أتماجا

    وبسبب اختلاف الرؤية حول الحدود الجغرافية بين هاتين الدولتين وغموضها، أشار إليها العثمانيون والإيرانيون حرفياً باسم «سَرْحد» (وتعني الحدود، أو الأراضي الحدودية)، وظلت هذه المنطقة «أراض مجهولة»، من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. ومن ثم، كان تخيّل «كردستان» مبهمًا تاريخيًا؛ بسبب موقعها على حدود إمبراطوريتين قويتين؛ ولم يبدأ هذا الأمر بالتغير إلا في القرن التاسع عشر مع إعادة تعريف المكان والمعنى مع وصول الحداثة إلى المنطقة.

    صورة متخيلة للكرد القرن الحادي عشر

    السلطان أحمد سنجر

    صورة متخيلة للسلطان السلجوقي أحمد سنجر

    صورة تعبيرية للشامانية

    صورة متخيلة للطقوس الشامانية

    تيمورلنك

    صورة متخيلة لتيمورلنك

    ابن فضل الله العمري

    صورة متخيلة لابن فضل الله العمري

    أراضي الكرد في العصور الوسطى

    استخدمت المصادر العربية في القرون الوسطى من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر، ثلاثة تصنيفات لأسماء المواقع الجغرافية، أو أسماء الأراضي التي سكنها الكرد. أحدها يشير إليها باسم «بلاد الأكراد»، حيث لم تكن هناك حدود دقيقة أو تجانس عرقي ضمني لها، باستثناء بعض العلماء مثل عماد الدين الأصبهاني، الذي أشار على وجه الدقة إلى الأراضي المحيطة بـ«حصن كيف» في كتابه «خريدة القصر وجريدة العصر» (المجلد الرابع). وكان التصنيف الثاني هو «زوزان الأكراد» (وتعني مراعي الكرد الصيفية)، التي تقع حول «جيزرة» (جزيرة ابن عمر)، ومن ثم، الجمع بين مجموعتين عرقيتين محليتين هما الكرد والأرمن، الذين ادعوا أن هذه المناطق هي أراضي أجدادهم. والثالثة كانت «جبال الأكراد»، حيث كانت الأرض تشير إلى المساحة الجبلية الواقعة بين «دينور» و«قزوين» و«سهرورد» و«همدان».

    استُخدم اسم «كردستان» لأول مرة نحو عام 1153

    عندما قام سنجر، زعيم إمبراطورية سلاجقة الروم Sultanate of Rum (التي سبقت الإمبراطورية العثمانية، وتأسست بعد معركة «ملاذ كرد» وهزيمة البيزنطيين عام 1071)، بتحويل الأراضي(4) المحيطة بـ«دينور» و«همدان» و«كرمانشاه» و«سنندج» إلى مقاطعة «كردستان» الإدارية، التي تعني «أرض أو مقاطعة الكرد» بالفارسية. والسلاجقة هم من موجة هجرات القبائل التركية الأولى من وسط آسيا إلى أن وصلوا إلى بلاد فارس، واستقروا فيها على مدار مئات السنين. وتحوّلوا من معتقداتهم الشامانية(5) إلى الإسلام تدريجياً وببطء متأثرين بعمق بالثقافة واللغة الفارسيتين. وكانت إمبراطوريتهم متعددة الأعراق والأديان، وتمتعوا بتسامح ديني عميق، ما مهد لظهور الحركات الصوفية في الأناضول، التي ركزت حينها على الإيمان بالله أكثر من ممارسة الإسلام كدين وشريعة. مع تقدم الكرد غربًا وشمالًا، توسعت المنطقة التي تشير إلى كردستان، وأصبحت تشمل الأراضي المحيطة ببحيرة «وان». وإلى جانب الكرد، كانت هناك مجموعات عرقية ودينية أخرى، كالأرمن والسريان والعرب، تعيش هي أيضاً على هذه الأراضي. وبدقة أكثر، كان الكرد يشكلون الأغلبية في «جبال الأكراد»، وليس في «زوزان الأكراد»، خلال هذه الفترة. فـ«زوزان الأكراد» الواقعة بين نهري دجلة والفرات، كانت سهوباً خالية إلى حد كبير. وقد استخدمها الرعاة من قبائل كردية أو مسيحية أو أيزيدية موسمياً لعدة قرون، وقد أطلق الجغرافيون العرب اسم «الأكراد» على هذه المناطق بدلاً من «الأرمن» أو «السريان» مثلاً، ربما لأسباب دينية. فالكرد مسلمون شافعيون نشطوا في الدفاع عن المنطقة أولاً ضد الأرمن المسيحيين ثم ضد الأتراك الأوغوز الشامانيين والمغول. ونتيجة لذلك، كشف العلماء العرب في اختيارهم لاسم المكان عن رغبتهم الأيديولوجية في تحويل هذه المنطقة إلى فضاء سياسي كردي إسلامي حصري.

    ففي هذه الفترة، في بداية القرن الثالث عشر، تعززت الحركات الصوفية(6) في الأناضول بوصول الموجة الثانية من هجرة القبائل التركية التي سيتشكل منها الإمبراطورية العثمانية. وكانت هذه القبائل التركية الهاربة من المغول شامانية في معتقداتها، كما كانت الموجة الأولى من القبائل التركية قبل أن تغادر موطنها. غير أن الموجة الأولى من الأتراك السلاجقة كانت قد انتقلت بالتدريج إلى إيران، استقرت وأسلمت على يد الفرس عبر قرون من الزمن. وقد منحت هذه العملية البطيئة هؤلاء الأتراك متسعًا من الوقت للتكيف مع عقيدتهم الجديدة، والتحول من الروح القبلية الشامانية إلى أعراف الإسلام وقيمه الأكثر صرامة. على النقيض من ذلك، قفزت القبائل التركية التي جاءت في القرن الثالث عشر إلى الإسلام بين عشية وضحاها. ولم يكن أمامهم سوى بضع سنوات للتأقلم مع المعتقد الجديد. مع الصدمة الثقافية التي أعقبت ذلك، وجد أتراك الأناضول الشامانيين النسخة الصوفية الفضفاضة من الإسلام أقرب إلى ذوقهم، وتتسق مع جوانب من ثقافتهم الشامانية، مثل الرقص والموسيقى في العبادة والصلاة المختلطة بين الجنسين. ونتج من هذا التلاقح بين الإسلام الصوفي والشامانية ظهور نسخة محددة من الإسلام الريفي التركي. ولم يكن العرب السنة سعداء بذلك، ووجدوا(7) أن الكرد الشافعيين أقرب إليهم.

    كردستان الكبرى

    في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ورغم تزايد عدد المصادر التاريخية، إلا أن عدد الإشارات فيها إلى الكرد وكردستان تناقص. أحد الاستثناءات يعود إلى القرن الرابع عشر في كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (المجلد الثالث، الباب الرابع: مملكة الجبال)، الذي يتحدث عن «أرض الأكراد» باعتبارها المنطقة الواقعة بين همدان (في إيران) وكيليكيا (أو قِيلِيقِيَة في تركيا) التي يسميها العمري «مملكة سيس» (قوزان حالياً). في القرن الخامس عشر، يأخذ استخدام اسم «كردستان» معنى إداريًا مع تصاعد الصراع الإقليمي. على سبيل المثال، يشير شرف الدين علي يزدي في كتابه «ظفرنامه» (أو فتحنامه) الذي يتناول حملات «تيمورلنك» العسكرية في الأناضول وإيران، إلى «كردستان» من الناحيتين الجغرافية والإدارية. من الناحية الجغرافية، يشير اسم «كردستان» إلى الموقع الجغرافي ذاته بين همدان وكيليكيا كما ورد في «مسالك الأبصار». وقد منح تيمورلنك هذه الأرض إدارياً لأمير معين باسم «مقاطعة كردستان»، التي كانت تغطي جغرافياً المناطق الأكثر شمالاً في «بدليس» و«موش» و«أخلاط» و«وان» في شرق الأناضول. في أواخر القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كانت جمشكزك بالقرب من وسط الأناضول تُعد أيضاً جزءاً من كردستان، كما أورده كتاب «شرفنامه» لشرف خان شمس الدين البدليسي.

    امتداد أراضي كردستان بحسب ابن فضل الله العمري

    خلال أوائل القرن السادس عشر، أشار إدريس البدليسي (توفي 1520)، الذي كان مهندس الصفقة السياسية بين الأمراء الكرد والإمبراطورية العثمانية، إلى «بدليس» على أنها «مركز حكومة كردستان». ومع ذلك كان السكان في هذا المركز الإداري غير مسلمين في الغالب وكثير منهم أرمن. ويقترح(8) البروفيسور في جامعة كاليفورنيا باقي تيزجان، المتخصص بالشأن العثماني، إلى أن هذه المناطق كانت تسمى «كردستان» بسبب توزيع هيكل السلطة المحلية(9)، وليس بسبب التركيبة السكانية؛ لأن الكرد كانوا يحكمون إدارياً وسياسياً على الأرمن. وبالتالي، كان الأمراء الكرد تسلموا عملياً السلطة السياسية في هذه المنطقة قبل وصول العثمانيين إليها، بدعم من السلاجقة والتيموريين ودولة آق قويونلو (الخرفان البيضاء) السُّنية وقره قويونلو (الخرفان السوداء) الشيعية المحلية. من المهم ملاحظة أن مفهوم «كردستان» كان موجوداً سياسياً وجغرافياً قبل أن تبسط الخلافة العثمانية نفوذها على كردستان في عهد سليمان القانوني (1520 -1566) على عكس ما تدعيه الرواية التاريخية القومية التركية في كثير من الأحيان.

    ب�اقي تيزجان

    باقي تيزجان

    الأراضي الكردية في المصادر العثمانية

    اسماعيل الصفوي

    صورة متخيلة للشاه اسماعيل الأول

    ماردين في القرن السادس عشر

    صورة متخيلة لمدينة ماردين

    دياربكر في القرن السادس عشر

    صورة متخيلة لمدينة ديار بكر

    سليمان القانوني

    صورة متخيلة لسليمان القانوني

    أمراء كرد

    صورة متخيلة للتناحر بين أمراء كرد

    التنافس العثماني-الصفوي في كردستان

    مع وصول العثمانيين إلى منطقة «كردستان»، نشب نزاع متداخل مع الصفويين الإيرانيين، حيث تنافست كلتا الإمبراطوريتين لقرون على السلطة في المنطقة التي أصبحت فيما بعد الحدود بين الدولتين. وقد تعاون، كما ذكرنا سابقاً، الأمير الكردي إدريس البدليسي مع السلطان العثماني سليم الأول (1508 – 1520) وطور استراتيجيات محلية لعرقلة صعود وتوسع الحاكم الصفوي الإيراني إسماعيل الأول (1501 – 1524). وقبل الشروع في حملة عسكرية ضد الصفويين، أوعز سليم الأول إلى البدليسي باستمالة الأمراء والبكوات الكرد المحليين، وضمهم إلى المعسكر العثماني. ويبدو أن سليم استند في قراره إلى معرفة مفصلة بالأراضي الكردية؛ فعلى مدى سنوات، كان عملاء السلطان الذين يعيشون في الحدود الشرقية للإمبراطورية وكردستان، أو يسافرون عبرها، ينقلون إلى إسطنبول المعلومات الاستخباراتية المحلية التي يجمعونها، ويفصّل في ذلك الباحث المتخصص في الدراسات الإيرانية مصطفى دهقان، والباحث التركي فورال كنج في دراسة(10) نُشرت عام 2018. وتماشياً مع المعلومات الاستخبارية التي جُمِعت، وضع سليم ثقته بإدريس البدليسي، وضم كثير من القبائل الكردية إلى جيشه في هذه العملية.

    تفاوت السياسة العثمانية

    ومع أن المصادر العثمانية تقدم معلومات مفصلة عن هذه القبائل، إلا أن المصادر الصفوية(11) لا تذكرها إلا باقتضاب، وتشير إليها جميعاً باسم «الكرد». وبالإضافة إلى ذلك، كان الإيرانيون يصورون(12) الكرد في صورة نمطية على أنهم «أشرار الطباع، عنيدون، كئيبون وغادرون». ويرجع الاختلاف بين نهج السلالتين العثمانية والصفوية وتصورهما للكرد إلى الأهمية الاستراتيجية لكردستان بالنسبة إلى العثمانيين. فخلال القرن السادس عشر، عندما كان التهديد الصفوي في أوجه، حافظ العثمانيون على اهتمامهم بالمناطق الكردية، وجمعوا المعلومات المحلية. وحتى بعد دمج الإمارات الكردية في الإمبراطورية خلال القرن نفسه، استمر العثمانيون في تنويع سياستهم الإقليمية، وتغيير الحكم الإداري المحلي بناءً على خصائص(13) كل إمارة. فقد صنفوا مراكز الإقطاعات (عائلات eyalets) والبلدات الكردية مثل «ديار بكر» و«بدليس» و«وان» و«موش» و«ماردين» وما شابهها بالقرب من الحدود الشرقية إلى ضيعة عائلية (يورتلوك yurtluk) أو إقطاعية وراثية مستقلة (أوجاكليك ocaklık)، وحولوها إلى إقطاعات مع بعض الالتزامات الضريبية. وصنّف العثمانيون الإمارات الكردية القريبة من الأراضي الصفوية، مثل «هكاري» و«بهدينان» و«بابان» و«بوتان» و«سوران»، إلى إقطاعات محلية أي حكومات محلية تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية دون التزامات مالية. كان هذا التقسيم الإداري العثماني(14) مهمًا للغاية من حيث كيفية تطور هاتين المنطقتين من كردستان على نحو مختلف عبر الزمن. فالأراضي التي كان يملكها الكرد أصلاً حُوّلت إلى نظام «تيمار» (أي أرض ممنوحة من السلطان)، وأُدرجت حرفياً في نظام الأراضي العثماني التقليدي، ولذلك أصبحت مدمجة في الجسم السياسي العثماني. في المقابل، ظلت الأراضي الكردية(15) التي تحولت إلى «حكومة» (hükûmet) مستقلة بذاتها، وبعيدة عن نظام الأراضي العثمانية، وكانت أشبه بـ«مناطق عازلة»؛ كما كانت هذه الأراضي أكثر عرضة للخطر من الناحية الاستراتيجية، وكثيراً ما كانت تتنقل(16) بين أيدي العثمانيين والصفويين إما بالقوة، وإما بالإرادة.

    وبعد انتصار العثمانيين السُّنة في عدة حروب ضد الصفويين الشيعة ودولة المماليك في القرن السادس عشر، التي رافقتها مذابح كثيرة، شعر العثمانيون بأنهم أقوى وأكثر أمناً من الناحية العسكرية، وتباطؤ التوسع، حتى بات حكمهم يمتاز بسيادة «القانون» أكثر من ممارسة العنف ضد رعاياهم، مما دفعهم إلى أن يصبحوا أكثر تساهلاً تجاه الأمراء الكرد أيضاً. وفي عام 1521، أي بعد عام من اعتلاء السلطان العثماني سليمان القانوني العرش، صُنِّفت ثمان وعشرون وحدة إدارية في كردستان على أنها مجتمعات كردية Cema’at-i Kürdân (جماعة كردان)، ومنحهم الحق(17) في حكم أراضيهم. حتى إن السلطان حَمَدَ الله الذي جعل كردستان بين السلالتين المسلمتين العثمانية والصفوية، قائلاً: «سخّر الله كردستان لحماية مملكتي الإمبراطورية مثل حاجز منيع وحصن من حديد ضد فتنة شياطين يأجوج فارس».

    إلا أن الوضع لم يكن مستقراً دائماً

    فالوحدات الإدارية الكردية في الدولة العثمانية لم تبقَ على حالها، بل كانت تتغير مع وصول كل سلطان عثماني جديد إلى الحكم. ومع أن السلاطين الذين تعاقبوا على الحكم كانوا في الغالب يصادقون على أحكام أسلافهم، إلا أن الفرمان (المرسوم السلطاني) الذي يجدد وضع الإمارات الكردية خضع لتغييرات محددة تتماشى حرفياً مع الحالة الراهنة لعلاقات العثمانيين السياسية مع الصفويين. كما أثرت السياسة الداخلية بين الأمراء الكرد أنفسهم على وضع الوحدات الإدارية العثمانية، خاصةً عندما تكون هناك صراعات على السلطة(18) بين الأسر الكردية الحاكمة. ففي أوائل القرن السابع عشر، على سبيل المثال، قدم المسؤول العثماني علي أفندي في أوائل القرن السابع عشر هيكلاً إدارياً مختلفاً بعض الشيء للإمارات الكردية، حيث وُضعت امتيازاتها تحت سيطرة إدارات المقاطعات. فقد أضاف المسؤولون العثمانيون ثمانية سناجق لبكوات كورد إلى مقاطعة ديار بكر، التي كانت تتألف من أحد عشر سنجقاً sancaks وخمس حكومات hükûmets، ولديها التزامات ضريبية.

    ثم تحوّلت النظرة من «جماعة» إلى «أفراد»

    المثير للاهتمام ملاحظة تحول النظرة الرسمية العثمانية للكرد. فقد كان يُنظر إليهم على أنهم جماعة cema’at في بداية إدماجهم في الجسم السياسي العثماني، إلا أن هذا التصور تغير بعد قرن تقريباً من كونه قائماً على أساس الجماعة إلى كونه قائماً على أساس البكوات أو الزعماء الكرد. وعندما لم يعد يُنظر إلى الكرد(19) في كردستان على أنهم مجتمع، أصبح من السهل استلحاقهم في الهيكل الإمبراطوري العثماني كرعايا كما يشرح متين أتماجا. ثم أن تحديد الكرد من خلال قادتهم وحدهم، جعل من السهل على العثمانيين في نهاية المطاف إبعادهم عن السلطة.

    شرف خان البدليسي

    صورة متخيلة لشرف خان البدليسي

    تاريخ البدليسي

    قبل نهاية القرن السادس عشر، قرر شرف خان شمس الدين البدليسي (توفي 1601)، أمير «بدليس» الكردي، أن يكتب باللغة الفارسية، وهي اللغة الأدبية التي كانت مستخدمة آنذاك في الأراضي الممتدة من الهند إلى الأناضول، سرداً لتاريخ السلالات الكردية والأسر الحاكمة، وأطلق عليه اسم «شرفنامه». ونظراً لأن شرف خان كان يقصد أن يكون جمهوره من الحكام العثمانيين والكرد، فقد احتوت روايته على تحيز واضح للعثمانيين والسنة. ومن حيث حياته المهنية على أرض الواقع، فقد تأثرت على نحو كبير بالتنافس العثماني الصفوي، مثل حياة والده شمس الدين بيك (توفي 1576).

    يتتبع «شرفنامه» الأصول التاريخية للأمراء الكرد إلى كثير من السلالات الحاكمة في المنطقة، بما في ذلك الأيوبيين والعباسيين والأمويين، وكذلك إلى حكام ما قبل الإسلام مثل الساسانيين والقائد المقدوني الإسكندر الأكبر. كما يناقش شرف خان في المقدمة كثير من الأساطير المتعلقة بالجذور الكردية. في إحدى الأساطير، يرجع الكرد إلى أولئك الذين هربوا من اضطهاد ملك إيراني يدعى «الضحاك»، ولجؤوا إلى الجبال. وفي أسطورة أخرى، ينحدر الكرد من مجموعة من الجن الخارقين الذين حولهم الله بعد ذلك إلى بشر. وتذكر أسطورة ثالثة أن الكرد انبثقوا من زواج بين إنسان وعملاق. ويتبع ذلك وصف لبعض الخصائص النموذجية للكرد. ويقول «إنهم شجعان وجريئون للغاية، لا يعرفون الخوف، لكنهم أيضًا كثيرو الجدل في تحديد من يكون قائدهم.. ثم أنهم بارعون في العلوم الإسلامية، لكنهم يفتقرون إلى الموهبة الأدبية في الخط والشعر.»

    بالإضافة إلى مناقشته لأصول الكرد، قدم شرف خان أيضًا الموقع الجغرافي لكردستان. ووفقاً له، كانت حدود كردستان تبدأ من البصرة على الخليج «الفارسي»، وتمتد إلى «ملاطية» و«مرعش» في وسط الأناضول، وكانت محاطة ببلاد فارس، عراق العجم، أذربيجان وأرمينيا من الشمال، وبعراق العرب، ديار بكر، والموصل من الجنوب. وخلص إلى أنه لم يحاول أي ملك احتلال كردستان؛ بسبب طبيعة الكرد الشجاعة والمشاكسة وجغرافيتهم الجبلية. وبدلاً من ذلك، كان هؤلاء الحكام يتظاهرون رمزياً بأنهم سادة الكرد، ويعاملهم الكرد على أنهم سادة، ويرسلون إلى الحكام بعض «الهدايا» لإظهار ولائهم، خاصة في أثناء الحملات العسكرية.

    الكرد عالقون بين الإمبراطوريتين

    قبائل عربية تركمانية متنقلة

    صورة متخيلة لقبائل عربية وتركمانية

    قافلة قبيلة الملان

    صورة متخيلة لقافلة قبيلة الـ«مِلّان»

    تمرد ماردين ١٨٣٢

    صورة متخيلة لـ«تمرد ماردين»

    أوستن هنري لايارد

    أوستن هنري لايارد

    جلادت بدرخان

    جلادت بدرخان

    إبراهيم باشا المل

    إبراهيم باشا الملّي

    الغموض يكتنف كردستان

    مع أن شرف خان حدد حدود كردستان بدقة أكبر بكثير مما فعل الآخرون، إلا أن الأرض التي امتدت بين الموصل وحلب وباتجاه الشمال الغربي حتى ملاطية من جهة أخرى، ظلّ وضعها غامضاً. ويقترح(20) المؤرخ التركي جمال كافادار، إنها كانت «منطقة رمادية أو منطقة تنقّلت واختلطت فيها القبائل الكردية بحرية مع القبائل العربية والتركمانية في شمال بلاد ما بين النهرين». فالحدود بين الأراضي التركية والإيرانية والعربية كانت مائعة من الناحية العملية؛ لأن معظمها لم يكن خاضعاً لسيطرة الكرد فحسب، بل كانت تضم العرب والتركمان بالإضافة إلى مجموعات غير مسلمة مثل الأرمن والآشوريين واليهود والكلدان.

    جمال كافدار

    جمال كافدار

    وستتحول هذه المنطقة فيما بعد، إلى منطقة توتر رئيسة بين الكرد والعرب.

    كانت منطقة «الجزيرة» شمال شرق سوريا، سهولاً خالية إلى حد كبير وامتداداً طبيعي لـ«ماردين» على سلسلة جبال «طور عابدين». وقد استخدمها الرعاة الكرد من قبائل مختلفة على نحو موسمي لعدة قرون(21)، لا سيما قبائل اتحاد الـ«مِلّان» Millan (وسنأخذها هنا كحالة دراسية)، التي كانت تقيم فيها شتاءً، ثم تتجه إلى سفوح سلسلة جبال الأناضول للرعي صيفاً. كان لاتحاد «المِلّان» تأثير كبير(22) منذ القرن الحادي العشر، وكانت تسيطر على منطقة واسعة تمتد من «الرقة» في الجنوب إلى «أرضروم» في الشمال، ومن «يوزغات» في الغرب إلى «أرومية» في إيران في الشرق. وكان يتناوب على قيادتها، إبان عهد دولة «آق قويونلو» (الخرفان البيضاء)، إحدى العشائر السبع الأساسية، وكانوا يلقبون باسم «أصحاب الأختام السبعة»(23). وابتداء من عام 1520، سيطرت عائلة «خضركان» وحدها على إدارة الاتحاد، ما أدى إلى نشوب خلافات داخلية فيما بين العائلات انتهت بانشقاق الاتحاد. القسم الذي بقي في ماردين وسُمّي «الملان الكبير» Millanên Mezin، و«الملان الصغير» Millanên Biçûk، الذين اتخذوا من «ويرانشهر» مقراً لهم في الشتاء، واتجهوا إلى «أرومية» في إيران صيفاً. وتوثق(24) المصادر العثمانية ذكر «المِلّان» منذ عام 1518.

    وعندما طرد العثمانيون الصفويين من «ديار بكر» عام 1514 بمساعدة وبتخطيط من الأمير إدريس البدليسي، كان «المِلّان» يسيطرون على السفوح الجنوبية لجبال «كاراجا داغ» Karaca Dağ البركانية الغنية بالينابيع التي ترفد نهري الخابور والفرات. وكثيرا ما كانوا يتبعون لحكومة voyvodalık «ماردين» ووادي الخابور التي كانت جزءاً من ولاية «ديار بكر»(25). وقدّرت الوثائق العثمانية(26) في القرن السادس عشر، أن ثلاثة أرباع سكان جبال ماردين من «المِلّان». وظلت علاقتهم بالجبال البركانية مستمرة حتى عندما استقروا في مراعيهم بشمال شرق سوريا؛ فقد كان جبل «كوكب» البركاني قرب مدينة الحسكة يُعرف في المنطقة سابقاً بـ Girê Millan (هضبة المِلّان).

    ابتداءً من أواخر القرن السابع عشر 1691 – 1699، خضع «المِلّان» لمشروع الاستيطان القبلي الذي بدأته الدولة العثمانية، بدعوى أن الارتحال القبلي المستمر يسبب الأضرار لحقول وممتلكات السكان المستقرين. كمثال على ذلك، ثمة شكوى مسجلة(27) عام 1679 في أرشيف مدينة «يوزغات» عن أضرار وشكاوى؛ بسبب مرور قافلة قبيلة «المِلّان». ثم إن حوادث النهب وقطع الطرق دفعت السلطات العثمانية إلى تطبيق التوطين، وأُجبرت(28) قبيلة «المِلّان» بعد عودتهم من «أرومية» عام 1711، على الاستقرار أولاً حول «ديار بكر» ثم في «إيالة الرقة» eyalet of Raqqa. إلا أنهم لم يستقروا تماماً، فكثيراً ما غادروا الأراضي المخصصة لهم، واتجهوا شمالاً وغرباً وشرقاً بحثاً عن الماء والكلأ.

    ومنذ القرن الثامن عشر، كانت قبيلة «المِلّان» قوية بما فيه الكفاية لرفض دفع الجزية والقتال ضد الباب العالي، لكن شوكتها بدأت تضعف (1830-1840)، بسبب الصراعات الداخلية والصراع مع القبائل العربية القادمة حديثاً من شبه الجزيرة العربية، كقبيلة الشمر التي هبت لنجدة شريف مكة والحجاز غالب بن مساعد في حروبه ضد الوهابيين عام 1787، لكنها تكبدت خسائر فادحة، فهربت(29) نحو العراق ثم تابع قسم منهم ترحالهم إلى منطقة الجزيرة. وتزامنت(30) مع قدوم الشمر، هجرات «العنزة»، و«الجبور»، و«طي» في الفترة ذاتها.

    تمرد ماردين 1832

    لكن الحادث الأهم، الذي ضعضع القبيلة، وأضعفها، كان «تمرد ماردين» في عام 1832، بسبب الاضطرابات بين السكان المحليين، ولا سيما قبيلة «المِلّان»، نتيجة عدم الرضا عن «الإصلاحات» التي أجرتها الدولة العثمانية، ووصلت إلى ذروتها فيما تُعرف بالـ«تنظيمات».

    في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع، شهدت الإمبراطورية العثمانية ضعفاً متزايداً؛ ومع اعتلاء السلطان محمود الثاني العرش (1808 – 1839) بعد انقلاب أطاح فيه بأخيه غير الشقيق مصطفى الرابع، تنازلت الدولة العثمانية عن منطقة «بيسارابيا» للإمبراطورية الروسية مع نهاية الحرب معها (1806 – 1812)، وكانت اليونان قد بدأت منذ عام 1821 بخوض حرب الاستقلال، ثم خسر العثمانيون المزيد من الأراضي في الحرب الروسية التركية الثانية 1828 – 1829، واحتلت فرنسا «الجزائر» العثمانية بداية من عام 1830.

    كل ذلك دفع السلطان محمود الثاني إلى استئناف الإصلاحات الخجولة التي توقفت بعد أن بدأها أسلافه، وأجرى تغييرات إدارية وعسكرية ومالية واسعة النطاق، حلّ بموجبها فيلق الإنكشارية المحافظ الذي كان عقبة رئيسة أمامه، وأنشئ جيشاً عثمانياً حديثاً، وقلّص صلاحيات الزعماء المحليين ودمج ميليشياتهم في الجيش المركزي، وأجرى تغييرات شاملة في الإجراءات الإدارية البيروقراطية لإعادة تأسيس السلطة الملكية وزيادة الكفاءة؛ حتى عُرف بـ«بطرس تركيا الأكبر».

    قُوبِلت هذه التغييرات بمقاومة في أجزاء مختلفة من أرجاء الإمبراطورية، بما في ذلك المناطق التي كانت تتمتع تاريخياً بالحكم الذاتي مثل «ماردين». وعَدّ زعماء المدينة الإصلاحات تهديداً مباشراً لسلطتهم، وعلى ما يتمتعون به من حكم ذاتي وامتيازات تقليدية.

    ويوثق أرجان غموش، البروفيسور المساعد في قسم التاريخ بجامعة «ماردين»، أن «تمرد ماردين»(31) قاده بشكل رئيسي زعماء قبيلة «المِلّان»، وأبرزهم شخصيات مثل حاجي عزت بك وعلي بك. كان لهؤلاء الزعماء نفوذ كبير، وتحت إمرتهم ميليشيات كبيرة قادرة على تحدي السلطات المركزية.

    أرجان غموش

    أرجان غموش

    وتحولت التوترات إلى تمرد مفتوح في عام 1832. حشد زعماء «المِلٌان» قواتهم، وتمكنوا من السيطرة على ماردين وطرد ممثلي الحكومة المركزية. ورداً على ذلك، أرسلت الإمبراطورية العثمانية قوات من بغداد وإسطنبول لقمع التمرد.

    ضربت القوات العثمانية الحصار على ماردين، وواجهت مقاومة شديدة من المتمردين الذين كانوا متحصنين جيداً، وعلى دراية بتضاريس المنطقة. وجرت معارك ضارية، تكبد فيها الطرفان خسائر كبيرة في الأرواح. إلا أن الموارد العسكرية المتفوقة للقوات العثمانية أدّت دورها في نهاية المطاف، وأدى الحصار الذي استمر شهوراً إلى إنهاك المدافعين، ثم سحق التمرد في وقت لاحق من عام 1832. أُسر قادة التمرد، بمن فيهم حاجي عزت بك وعلي بك، أو قُتلوا. ثم شرعت السلطات العثمانية بعد ذلك في فرض سيطرة أكثر صرامة على المنطقة، حيث عيّنت إداريين موالين لها ونزع سلاح السكان المحليين لمنع حدوث تمردات في المستقبل.

    أدى التمرد بعواقبه إلى تحول كبير في حكم ماردين. فقد قُلِّصت سلطة زعماء القبائل المحلية، وأعيد تنظيم إدارة المنطقة لضمان سيطرة أكبر للحكومة المركزية. كما كان هذا التمرد بمكانة درس للإمبراطورية العثمانية في إدارة التوازن الدقيق بين السلطة المركزية والحكم الذاتي المحلي.

    يُعدّ «تمرد ماردين» مثالاً على التحديات الأوسع نطاقاً التي واجهتها المجتمعات المحلية خلال فترة الإصلاح والمركزية المكثفة في الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني، حيث تصادمت الهويات المحلية والاستقلالية التاريخية في كثير من الأحيان مع رؤى الدولة المركزية. وقد تصاعدت وتيرة الإصلاحات التي باتت تُعرف الآن بـ«فرمان الكلخانة»، بضغوط من القوى الأوروبية على الدولة العثمانية بعد مساعدتها على إخراج إبراهيم محمد علي باشا، من سوريا عام 1841.

    عملياً خلال السنوات التسع التي فرض فيها إبراهيم محمد علي باشا سلطته على سوريا، كان قد فكك هو أيضا الميليشيات المحلية، ونزع عنها السلاح، ما أدى إلى تضرر كبير في سلطة الـ«آغوات» الكرد، بعدما تضررت سابقاً بالإصلاحات العثمانية، فذابت سلطتهم، وانهارت مجتمعاتهم، ما عدا فئة قليلة تمكنت من التفاوض على الإصلاح والانتقال إلى مركزية الدولة بالتدريج.

    والجانب الأبرز لهذه الإصلاحات، الذي علق في أذهان المسلمين حينها، هو منح غير المسلمين (من أهل الذمة) المساواة الرسمية مع رعايا الإمبراطورية العثمانية المسلمين أمام القانون.

    في عام 1848، سافر الرحالة والمستكشف البريطاني أوستن هنري لايارد عبر كردستان، ويذكر في كتابه «اكتشافات بين أطلال نينوى وبابل»، أنه التقى زعيم كردي في منطقة «موش»:

    فقال، وهو يداعب لحيته ناصعة البياض تأكيداً على كلامه، أنه تجاوز التسعين من عمره، ولم ير أوروبياً قط قبل ذلك. وكان نصف أعمى يرمقني من خلال عينيه المغشيتين إلى أن أشبع فضوله تماماً، ثم تحدث بازدراء عن الفرنجة، وانتقد الـ«تنظيمات» التي قال عنها إنها دمرت روح المسلمين جميعاً، وحولت المؤمنين الحقيقيين إلى كفار، وجلبت الخراب على قبيلته، وهذا يعني بالتأكيد أنهم لم يعودوا قادرين على نهب جيرانهم [غير المسلمين].

    كانت هذه الآراء منتشرة على نطاق واسع في تلك الفترة. وتقدم، بصرف النظر عن الاعتبارات الإنسانية، تفسيراً لما حدث فيما بعد من تدمير للمجتمعات المسيحية التي كانت جزءاً مهماً من اقتصاد المنطقة، ومن ثم تفككه.

    ووصلت التوترات ذروتها في بلاد الشام في «أحداث دمشق» عام 1860، حيث قتل فيها المسلمون آلاف المسيحيين، وسيتشكل الشرق الأوسط، فيما بعد، على أساس هذه الأحداث، ويرصد ذلك المؤرخ الأمريكي يوجين روغن في كتابه الصادر حديثاً «The Damascus Events».

    «المِلّان»، والبدرخانيون، وحاجو آغا.. تشكيل هوية الكرد في سوريا

    لم تنته قصة «المِلّان» بعد «تمرد ماردين». ففي نسيج تاريخ منطقة «الجزيرة» في سوريا، قليلة هي السرديات المعقدة والمشحونة بالصراعات من أجل الهوية والوجود مثل سردية(32) قبيلة «المِلّان» والبدرخانيين؛ السلالتين الكرديتين التي تقدم مساراتهما المتباينة ومناوراتهما السياسية خلال فترتي أفول العثمانيين والانتداب الفرنسي، لمحة عن النسيج المعقد للسياسة الإقليمية في بدايات القرن العشرين.

    وجدت عائلة بدرخان، المنحدرة من إمارة «بوتان» القوية، نفسها منفية إلى سوريا بعد مقاومتها للإصلاحات العثمانية. وبحلول أوائل القرن العشرين، أصبحوا شخصيات مؤثرة في الحركات الفكرية والثقافية الكردية. وقد لعبت شخصيات بارزة مثل جلادت بدرخان وكاميران بدرخان دورًا أساسيًا في نشر الدوريات الأدبية والثقافية الكردية مثل «هوار» و«روناهي»، التي هدفت إلى توحيد اللهجة الكرمانجية وتعزيز التراث الكردي.

    في عام 1932، دفعت الرواية القومية للتاريخ التركي، التي أكدت التفوق العرقي التركي، البدرخانيين إلى إبراز الجذور الآرية للكرد، ومن ثم فصلهم عن الهوية التركية. ومع ذلك، ظلت هذه الحركة الفكرية غير سياسية إلى حد كبير في ظل قيود الانتداب الفرنسي، وركزت بدلاً من ذلك على النهضة الثقافية. انتقل كاميران بدرخان إلى باريس بعد استقلال سوريا عام 1946، وواصل مساعيه الأكاديمية في معهد INALCO.

    وفي هذه الفترة برزت شخصية أخرى، حاجو آغا، من عشيرة هفيركا، ودعم منظمة «خويبون» القومية الكردية. وشارك في الأنشطة المناهضة لفرنسا. مع ذلك، وبحلول أواخر العشرينيات من القرن العشرين، تحول تركيزه(33) نحو المساعي الثقافية وإدارة ممتلكاته الواسعة من الأراضي في منطقة الجزيرة. وقد عكست إقامته لعلاقات استراتيجية مع الرعاة الفرنسيين انخراطه الثقافي مع مشروع البدرخانيين الثقافي، لكنه تميز بمشاركة أكثر مباشرة في الحكم المحلي وإدارة الأراضي. كان هذا التحول مؤشراً على تكيف حاجو آغا مع الواقع السياسي الجديد في ظل الحكم الفرنسي، حيث وازن بين طموحاته الثقافية والقومية والحكم البراغماتي.

    على النقيض من تركيز البدرخانيين الثقافي، جسدت قبيلة «المِلّان» السلطة القبلية والمناورة السياسية. كان لـ«المِلّان»، كما ذُكر سابقاً، تاريخ طويل من التفاعل مع السلطات العثمانية. وبحلول القرن الثامن عشر، وتحت قيادة شخصيات مثل تيمور باشا وإبراهيم باشا، عززت القبيلة مكانتها في شمال شرق سوريا. وعلى الرغم من المحاولات العثمانية المتكررة لإخضاعها، إلا أن تحالفات «المِلّان» الاستراتيجية، بما في ذلك مع ولاية بغداد المملوكية، ضمنت بقاءها وبروزها.

    أظهر «المِلّان» نهجاً عملياً. فخلال الانتداب الفرنسي الذي بدأ في عام 1920 في سوريا، سعوا إلى الحفاظ على نفوذهم من خلال التكيف مع الحكام الجدد والاندماج في الدولة السورية الناشئة. وخلافاً لتطلعات البدرخانيين القومية الأوسع نطاقاً، ركّز «المِلّان» على ديناميكيات السلطة المحلية مستفيدين من نفوذهم القبلي الكبير في المنطقة، وتعاونوا في كثير من الأحيان مع السلطات الفرنسية.

    يعكس التباين بين البدرخانيين و«المِلّان» موضوعات أوسع في التاريخ الكردي: التوتر بين الجهود الفكرية الثقافية والسياسة القبلية البراغماتية. فقد أرسى تركيز البدرخانيين على الإحياء الثقافي والتعليم الأساس لهوية كردية حديثة، وأثروا في الكرد خارج سوريا. بينما ضمنت مناورات «المِلآن» السياسية الماهرة تمثيل الكرد ونفوذهم في المشهد السياسي المتغير في سوريا حينئذ، وتأصيل وجودهم فيها.

    توقيع معاهدة أرضروم

    صورة متخيلة لتوقيع معاهدة أرضروم

    كاتب جلبي

    صورة متخيلة لكاتب جلبي

    أوليا جلبي

    صورة متخيلة لأوليا جلبي

    مصطفى نعيمة

    صورة متخيلة لمصطفى نعيمة

    والحال أن الغموض الذي أحاط بحدود وتخوم أراضي الكرد، استمر حتى منتصف القرن التاسع، ولكن ثمة حدث يستحق تناوله:

    معاهدة أرضروم الثانية

    في عام 1847 مع معاهدة أرضروم الثانية، اجتمعت الإمبراطوريتان العثمانية والإيرانية (القاجارية) وكذلك المملكة المتحدة وروسيا في محاولة للتفاوض بشأن النزاعات الحدودية بين الإمبراطوريتين؛ وقد فعلوا ذلك للتوصل إلى تسوية نهائية(33) وملزمة لنزاعهم الإقليمي ولترسيم المنطقة الحدودية في خط قابل للتعيين. ولإثبات مطالبهم في بعض المناطق، خاصةً مدن «المحمّرة» (خرمشهر) و«زوهاب» (سربل ذهاب) و«سليماني» (السليمانية)، لجأ المسؤولون الإيرانيون والأتراك إلى الفرمانات والخرائط وروايات الرحلات القديمة، مثل كتاب كاتب جلبي (توفي 1657) الذي يعود إلى القرن السابع عشر بعنوان «جيهانوما» (مرآة العالم). بما أن رواية كاتب جلبي تحمل ختم السلطان العثماني، فقد استخدمها المندوبون الإيرانيون كدليل للمطالبة بالسيادة على مناطق «أهيسكا» (مسخيتي الجورجية) و«وان» و«قارص» و«بايزيد»، وطالبوا أيضاً بالاعتراف بحقوقهم على مقاطعة «سليماني» (السليمانية). ومن المثير للاهتمام أن كتاب «جيهانوما» لكاتب جلبي لم يستخدمه العثمانيون والإيرانيون كشهادة على ادعاءاتهم في الأراضي فحسب، بل استخدمه العلماء الأوروبيون على نطاق واسع.

    مع أن كتابه كان تفصيلياً لدى نشره في منتصف القرن السابع عشر، إلا أن كاتب جلبي لا يسمي كردستان على أي من خرائطه في نسخها الأصلية، بل يدرج المنطقة التي يسكنها الكرد والأرمن على أنها «منطقة مجهولة»، ربما باعتبارها «منطقة محرمة». مع ذلك، فإن السرد التفصيلي المستفيض للمنطقة في نصه يكشف أنه لا يتعمد إخفاء الموقع الجغرافي لكردستان. فبعد وصف كثير من المناطق المأهولة بالكرد مثل «وان» و«عادلجواز» و«بدليس» و«موش» و«أرضروم» و«هكاري» و«الموصل» و«سعرد» (سيرت) و«ديار بكر» وبعض الأماكن الأخرى في شرق الإمبراطورية العثمانية، يتناول كاتب جلبي في هذا النص مناقشة مستفيضة عن كردستان. ويصف أولاً بإيجاز أصول الكرد لينقل التكهنات وقتها ما إذا كان الكرد عرباً بالفعل. ثم يوسّع حدود الأراضي التي يقطنها الكرد إلى «مرعش» و«ملاطية»، ويخلص إلى أن الأراضي الكردية كانت تتألف من ثماني عشرة ولاية عثمانية. في رواية كاتب جلبي، مدينة «جيزرة» هي قلب كردستان؛ ويعدها أهم مدينة كردية.

    كردستان لدى أوليا جلبي

    في الفترة ذاتها تقريبًا، التي أكمل فيها كاتب جلبي مؤلفه المهم «جيهانوما»، سافر أيضًا أوليا جلبي (توفي 1684) عبر «ديار بكر» و«ماردين» و«بدليس» و«وان» وبعض المدن القريبة التي أشار إليها باختصار باسم «كردستان». وبالمقارنة مع كاتب جلبي، فإن أوليا جلبي أكثر تحديداً في تحديد الأراضي الكردية. فهو يشير إلى «ديار بكر» وجميع الأراضي المحيطة بها مباشرةً باسم «مقاطعة ديار بكر الكردية» («eyalet-i Diyarbekr-i Kürdistan») في كتابه «سياحت نامه» وقد تُرجم إلى العربية بعنوان «رحلة أوليا جلبي في كوردستان». ويستخدم جلبي أيضاً عبارة «مقاطعة كردستان» («إيالة كردستان») عندما يشير تحديداً إلى «ديار بكر»؛ ثم يستخدم عبارة «أرض كردستان» («ديار كردستان») عندما يشير إلى منطقة أوسع بكثير تمتد حتى شمال العراق وشمال غرب إيران. وهو يشمل مدن «وان» (Kürdistan-ı Van) و«سوران» (شرق وشمال أربيل) و«بدليس» في كردستان أيضاً. وفي هذا المنعطف أيضًا يميّز منطقة كردستان ضمن الأراضي الصفوية باسم «كردستان إيران» (Kürdistan-ı Acemistan).

    على وجه الدقة، يصف أوليا ما يعتقد أنه الحدود الجغرافية الأوسع لكردستان:

    سُمّيت كردستان وأرض الصخور [سنجستان]، وهي أرض عظيمة تضم سبعين مستوطنة مختلفة. وتبدأ إحدى زواياها من الجهة الشمالية من أرضروم ووان إلى أرض هكاري وجيزرة والعمادية والموصل وشهرزور [منطقة كركوك] وهرير وأردلان [منطقة سنندج] وبغداد ودرنه [قلعة] ودرتنك Derteng والبصرة. وتقع هذه المرتفعات بين العراق والأناضول، ويسكنها ستة آلاف قبيلة وعشيرة كردية، حيث كان من السهل على أمة العجم الاستيلاء على الأراضي العثمانية [ديار الروم] لو لم يصبحوا [الأكراد] معقلاً حصيناً.

    يقسم جلبي كردستان أيضًا إلى مكوناتها الريفية والحضرية. فبينما يصوّر كردستان الريفية على أنها «أرض الصخور»، يصوّر «بدليس» و«ديار بكر» على أنها «ملاذات للثقافة والحضارة على النقيض من محيطها». وفقًا لجلبي، تتمتع «بدليس» بحدائق غنّاء ونوافير وحمامات عامة. وحاكمها المثقف والمتعدد المواهب يشبه أمير «عصر النهضة» العثماني، ويمتلك أعيانها سلعاً فاخرة مثل فراء السمّور.

    كردستان في «تاريخ نعيمة»

    بعد نصف قرن تقريبًا من كتابة جلبي لرحلته، لا يزال مصطفى نعيمة (توفي 1716)، وهو مؤرخ البلاط العثماني، يشير إلى الأراضي الكردية على هذا النحو في كتابه «تاريخ نعيمة». في إحدى الروايات، يذكر نعيمة شيخًا نقشبنديًا حظي باستقبال حسن في جميع «مناطق كردستان [ممالك كردستان]،» التي حددها بأنها تضم «أرضروم» و«الموصل» و«الروها» (أورفا) و«وان». وقد ذكر «ديار بكر» على نحو منفصل، بسبب اختلاف هويتها الإدارية؛ حيث كان يدير ثمانية من أصل تسعة عشر سنجقًا حاكم كردي يقيم فيها. ويذكر كثير من هذه السناجق على أنها كانت خاضعة للضرائب. لا يناقش نعيمة الكرد الذين يقطنون المنطقة المشار إليها باسم كردستان فحسب، بل يصف أيضاً بتفصيل كبير أولئك الكرد الذين يعيشون خارج كردستان، وتحديداً في «سيواس» و«جوروم» و«يوزغات». على سبيل المثال، يسجل أنه في إحدى المرات في «سيواس» اتحد كثير من الأتراك والكرد والتركمان والمجموعات العرقية الأخرى التي تجمعت معًا من بين الجنود العثمانيين في مسيرة احتجاج ضد قائد المنطقة.

    صورة تجريدية

    تغيير «طبيعة» الكرد وصورتهم

    بمرور الزمن أصبح المؤرخون العثمانيون والبيروقراطيون والشعراء وعلماء الدين أكثر وعيًا بوجود منطقة كردستان علنًا، وكذلك المجتمعات الكردية المنتشرة في جميع أنحاء الأناضول والعراق والشام. لذلك ليس من قبيل المصادفة أن يزداد عدد الإشارات إلى الكرد في المصادر العثمانية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، حيث اسْتُبْدِلَت الإشارات العامة في نهاية الأمر بإشارات أكثر تحديدًا. ومع ذلك فإن هذه الإشارات لا تزال انتقائية من حيث إن الكرد يُذْكَرُون على نحو متكرر أكثر فيما يتعلق بالصراع، أي عند ظهور تمرد أو حادثة تهتم بها الحكومة العثمانية. وعلى هذا النحو، يبدأ الكرد في أن يصبحوا مرتبطين في مخيلة المنطقة بالعنف بدلاً من ارتباطهم بشعب يعيش في مناطق معينة في الإمبراطورية.

    في هذه الفترة، القرن التاسع عشر، انهارت الإمارات الكردية وتقوضت أساليب الحياة التقليدية تباعاً مع تزايد المركزية في الدولة العثمانية نتيجة الـ«تنظيمات».

    إذاً، لم تبق حدود كردستان وعاصمتها على حالها عبر القرون. فقد كان يُنظر إلى «بدليس» على أنها مركز الثقافة والسياسة والاقتصاد الكُردي في القرن السادس عشر، بسبب قوتها الأدبية والسياسية، وحلّت محلّها مدينة «سِليماني» (السليمانية) في القرن التاسع عشر. إن ما كان يدل على كردستان ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوى المحلية التي حكمت المناطق التي عاش فيها الكرد؛ لأن هذه القوى، مثل العثمانيين، هي التي حددت في النهاية ما يشكل كردستان. ومنذ القرن التاسع عشر فصاعدًا، عندما أصبح الكرد تابعين كوحدات إدارية أو مدن حدودية، بدأ العثمانيون يشيرون إلى «كردستان» كأرض بعيدة عن مركز الإمبراطورية. وهكذا أُبْعِد الكرد رمزيًا من المخيال العثماني، وظل وضعهم داخل الإمبراطورية يزداد سوءًا بمرور الوقت.

    المصادر والمراجع:

    (1). Atmaca, Metin. 2022. “Land of the Kurds” or “Land of the Rocks”? Changing Perceptions of Kurdistan in Ottoman and European Sources.” Kurds in Dark Times.

    (2). Kafadar, Cemal. 2007. “A Rome of One’s Own: Reflections on Cultural Geography and Identity in the Lands of Rum.” Muqarnas 24:7–25.

    (3). راجع رقم (1)

    (4). James, Boris. 2009. “The tribal territory of the Kurds through Arabic medieval historiography.”

    (5). Cagaptay, Soner. 2007. “Secularism and Foreign Policy in Turkey.” The Washington Institute.

    (6). المرجع السابق

    (7). راجع رقم (1)

    (8). Tezcan, Baki. 2000. “The Development of the Use of ‘Kurdistan’ as a Geographical Description and the Incorporation of This Region into the Ottoman Em-pire in the 16th Century.” In The Great Ottoman-Turkish Civilisation, vol. 3, edited by Kemal Çiçek, 540–53. Ankara: Yeni Türkiye.

    (9). Dursteler, Eric R. 2012. “Infidel Foods: Food and Identity in Early Modern Ottoman Travel Literature.” THE JOURNAL OF OTTOMAN STUDIES.

    (10). Dehqan, Mustafa –Genç, Vural. 2018. “Kurds as spies: Information-gathering on the 16th-century Ottoman–Safavid frontier.” Acta Orientalia.

    (11). Yamaguchi, Akihiko. 2012. “Shāh Tahmāsp’s Kurdish Policy.”

    (12). Matthee, Rudolph (Rudi). 2003. “The Safavid-Ottoman Frontier: Iraq-i Arab as Seen by the Safavids.”

    (13). Fuccaro , Nelida. 2011. The Ottoman Frontier in Kurdistan in the Sixteenth and Seventeenth Centuries.

    (14). Ateş, Sabri. 2013. Ottoman–Iranian Borderlands: Making a Boundary, 1843–1914. New York: Cambridge Univ. Press.

    (15). O’Shea, Maria Theresa. 2012. Trapped between the Map and Reality: Geography and Perceptions of Kurdistan. New York: Routledge.

    (16). راجع رقم (14)

    (17). Barkan, Ömer Lütfi. 1953–54. “H. 933–934 (M. 1527–1528) Malî yılına ait bir bütçe örneği.” İstanbul Üniversitesi İktisat Fakültesi mecmuası 14, no. 5: 251–329.

    (18). Özcoşar , İbrahim. “Town and Tribe: The Conflict Between Aşiret (tribe) and Eşraf (nobility) in Ottoman Diyarbekir (1891-1909).”

    (19). Atmaca , Metin. 2017. Three Stages of Political Transformation in the 19th century Ottoman Kurdistan.

    (20). Kafadar, Cemal. 2007. “A Rome of One’s Own: Reflections on Cultural Geography and Identity in the Lands of Rum.” Muqarnas 24:7–25.

    (21). Mcdowall, David. 2020. A Modern History of the Kurds. Fourth Edition.

    22. Gümüş, Ercan. 2006. XVI. Yüzyildan XIX. Yüzyila Kadar Mardin Idaresinde Milli Aşireti ve Aşiretin Nüfuz Mücadeleleri. 1st International Symposium of Mardin History Papers.

    23. Gökalp, Ziya. 1977. Kürt Aşiretleri Hakkında İçtimai Tetkikler. P. 60. 61.

    24. Winter, Stefan. 2006. The Other Nahdah: The Bedirxans, the Millis, and the Tribal Roots of Kurdish Nationalism in Syria. Oriente Moderno 86, 461-474.

    25. راجع المصدر السابق

    26. Gümüş, Ercan. 2023. Milli Kalash (Keleş) Abdi Dynasty in the Ottoman Ayan Period. s. 284-313.DOI: 10.19059/mukaddime.1352532.

    27. Orhonlu, Cengiz. 1987. Osmanlı İmparatorluğunda Aşiretlerin İskânı, İstanbul, P. 39–47.

    28. Gümüş, Ercan 2019. Devlet ve Asi 18. Yüzyil Ortalarinda Osmanli Diyarbekiri’nde Eşkiyalik. (لمزيد من التعمق حول تاريخ قبيلة المِلّان)

    29. أحمد وصفي زكريا، عشائر الشام، المجلد الثاني، ص 614

    30. المرجع السابق، ص 636

    31. Gümüş, Ercan. 2006. XVI. Yüzyildan XIX. Yüzyila Kadar Mardin Idaresinde Milli Aşireti ve Aşiretin Nüfuz Mücadeleleri. 1st International Symposium of Mardin History Papers.

    32. Winter, Stefan. 2006. The Other Nahdah: The Bedirxans, the Millis, and the Tribal Roots of Kurdish Nationalism in Syria. Oriente Moderno 86, 461-474.

    33. المرجع السابق

    (33). Schofield, Richard. 2008. “Narrowing the Frontier: Mid–Nineteenth Century Efforts to Delimit and Map the Perso-Ottoman Border.” In War and Peace in Qajar Persia: Implications Past and Present, edited by Roxane Farman– farmaian, 149–73. New York: Routledge.

    صورة تجريدية

    ٤‏/١٢‏/٢٤

    خرج من منزله، ولم يعد

    قصة تدور أحداثها في ديسمبر 2024، توثق سقوط حلب والتحالفات المتشابكة التي شكلت مصير المدينة. في قلب هذا الفوضى، يقف مقاتل حرية مسنّ، كان يأمل أن يتجاوز معارك الماضي، لكنه دفع الثمن الأغلى عندما طرقت الحرب بابه مجدداً.

    صورة تجريدية

    ١٢‏/٤‏/٢٤

    اللعبة التي علمتني سرد القصة

    نحن نتابع الأخبار لنتعرف على الوقائع، ونحصل على المعلومات، لكننا ننجر إلى القصص المرة تلو المرة؛ لأننا نحتاج إلى معرفة ما يعنيه تموضعنا داخل تلك الوقائع والمعلومات.

    صورة تجريدية

    ٥‏/٣‏/٢٤

    هل يمكن أن تنقرض الصحافة؟

    التهديدات الوجودية التي تواجهها الصحافة، تفوق ما قد يتسع له فيلم رعب ذي ميزانية كبيرة. حقاً، لطالما كان الأمر كذلك.

    صورة تجريدية

    ٢٦‏/٩‏/٢٢

    ترتيب الكلمات في الجملة

    لم يحظَ نظام الجملة العربية بالدراسة الكافية لدى نحاة «عصور الاحتجاج» الذين أرسوا قواعد اللغة. فلا تجد بين كتبهم الكثيرة، كتاباً عن الجملة العربية، أو حتى فصول من كتاب.

    صورة تجريدية

    ٨‏/٩‏/٢٢

    بناء الجملة في اللغة العربية

    «العربية» تطوّرت بخصائصها في الإيجاز كلّما وجدت إليه سبيلا. لذلك قالت العرب «خَيْرُ الكلام ما قِلّ ودَلّ»، فمتى ما أمكن أن يكون الكلامُ جملةً واحدة، كانَ أَوْلَى من جعله جملتين «من غير فائدة».

    صورة تجريدية

    ٥‏/٩‏/٢٢

    غاية اللغة الوضوح

    متعة القراءة ليست في الوصول إلى ما تقوله الجملة لفظاً، إنما في استكشاف ديناميكيات التفاعل بين مكوّناتها

    صورة تجريدية

    ٢٢‏/٨‏/٢٢

    مرونة «العربية».. لوثة لغة الصحافة

    في العربية تجد التقديم والتأخير والإضمار والتقدير والحذف، وأن حرفاً واحداً يحلّ محل جملة بأكملها، وأن الزمن «مطّاط» فيمكن لصيغة المضارع أن تشير إلى الزمن الماضي أو العكس.

    صورة تجريدية

    ٣٠‏/١٢‏/٢١

    نعم، لم يكن عادياً

    طوّرنا نحن البشر القدرة على خلق القصص والإيمان بها. طوّرناها لأن السرد يستطيع تجاوز «هنا، الآن» من خلال تعريف الأفراد بمواقف تتجاوز تجاربهم اليومية.

    صورة تجريدية

    ٢١‏/٥‏/٢١

    دع الكلمات والجمل تتصادم

    المعنى يتوالد في التصادم بين الجمل، وليس كما تعتقد بأنه فكرة في دماغك يمكنك إيصالها عبر «وعاء» يسمى الجملة.

    صورة تجريدية

    ١٤‏/٥‏/٢١

    الجُمَل.. ممثلون يؤدون الدور ويغادرون خشبة المسرح

    لماذا التركيز على الجمل وليس الخبر أو القصة ككل؟ لأن عملك ككاتب هو بناء الجمل؛ معظم وقتك ستقضيه في إنشاء الجمل في عقلك، ألم يخبروك بذلك؟ هذه هي حياة الكاتب.

    صورة تجريدية

    ١٢‏/٥‏/٢١

    الكتابة تجعلك إنساناً

    الكاتب يستخدم كل شيء. يستخدم خياله، وغريزته، وعقله، وحواسه، وخبراته، وعلاقاته، وكلماته، وكل قصة تشرّبها منذ طفولته. قد تكون الكتابة عندك مهنة أو هواية أو ربما طموحاً. ولا يهم الطريق الذي تختاره، فبكل الأحوال الكتابة ستجعلك تعرف أكثر وتشعر أكثر. الكتابة ستعظِّم الإنسان بداخلك وتكثّفه.

    صورة تجريدية

    ٦‏/٥‏/٢١

    الصقور الحوّامة..

    اكتب كي تفاجئ نفسك حتى وإن كانت المفاجأة سيئة. «لديك الحرية. لديك الخيار. استخدمه. شجّع الآخرين على النزول عن غصن الشجرة. استثمر بعض الوقت والاهتمام للنظر فيما أنت ذاهب إليه. ولكن بعد ذلك انزلق. تحسّس تيار الهواء الصاعد. وحلّق».

    صورة تجريدية

    ٣‏/٥‏/٢١

    تمرين في اللغة

    الكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة. والجملة الواضحة ليست من قبيل المصادفة، إذ نادراً ما تأتي من المحاولة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة. إذا وجدت الكتابة صعبة، تذكّر هذا في لحظات اليأس: ذلك لأنها بالفعل صعبة.

    صورة تجريدية

    ٣٠‏/٤‏/٢١

    الأفعال.. تلك القوة المهدورة صحافياً

    الصحافة أساساً تدور حول الأفعال. وقوة الأفعال في أنها مرتبطة بزمن له بداية ونهاية، وبها حركة من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»؛ ما يضفي الأكشن (أو التشويق إذا أردت) إلى السرد في النص. استبدال الأفعال بصيغة المصدر ينزع عن السرد دسمه.

    صورة تجريدية

    ٢٥‏/٤‏/٢١

    للعالقين في منتصف السُّلَّم.. ثمة مَخْرج

    أن تكون كاتباً جيداً عليك صعود سُلَّم اللغة وهبوطه باستمرار؛ إياك الوقوف في منتصفه للرقص. في أعلى السُّلَّم اللغة مجرّدة كالحرية والمعرفة، وفي أسفله اللغة مادية مرتبطة بالحواس كالشجرة والصخرة.

    صورة تجريدية

    ٢٢‏/٤‏/٢١

    البساطة مفتاح الصحافة الجيدة، لكن ليس دائماً

    الكلمة البسيطة والجملة القصيرة والتركيب اللغوي الواضح لا غنى عنها في الموضوعات المعقدة والمبهمة والغريبة، لجعلها مفهومة بل و”مألوفة” عبر قوة الشرح. ولا أريد التحدث عنها اليوم. ما يأسرني أكثر أن الصحافي الجيد يستطيع أيضاً أن يجعلَ البسيطَ «معقداً»، ويترك أثراً جيداً لدى القارئ.

    صورة تجريدية

    ٢١‏/٤‏/٢١

    صحافة «قال وأضاف».. لديك خيارات أكثر من ذلك

    التقارير توصل المعلومات، القصص تخلق التجربةَ. التقارير تنقل المعرفة، القصص تنقل القارئ نفسه، عابرةً الزمان والمكان. التقارير تدلّنا على الحدث، بينما القصص تضعنا داخل الحدث.

    صورة تجريدية

    ٢٠‏/٤‏/٢١

    علامات الترقيم.. إيضاح وإثارة

    أما وقد تحدثتُ عن الجَوْر الذي لحق بـ”الجملة الطويلة” وما أثاره من “غيرة” المدافعين عن ميراث استخدام الجملة القصيرة في الراديو أو التلفزيون، أجدها فرصة مناسبة لتناول علامات الترقيم التي ترسم بداية الجملة ونهايتها وتضبط إيقاعها ومساحتها، وكثيراً ما يُساء فهمها واستخدامها.

    صورة تجريدية

    ١٨‏/٤‏/٢١

    لا تخشَ الجملة الطويلة

    الطول سيجعل الجملة السيئة أكثر سوءاً، لكنه سيجعل الجملة الجيدة أكثر بهاءً. نصائح لاستخدام الجملة الطويلة بذكاء في الكتابة.

    صورة تجريدية

    ١٦‏/٤‏/٢١

    طريق الإقناع معبّد بالتفاصيل

    وصف الروائي جوزيف كونراد Joseph Conrad ذات مرة مهمته في الكتابة قائلاً: “بقوة الكلمة المكتوبة، أريد أن أجعلك تسمع وتشعر، وقبل كل شيء أن أريد أن أجعلك ترى”.

    صورة تجريدية

    ٢‏/٤‏/٢١

    في لعنة المعرفة

    صحافياً، تعني “لعنة المعرفة” عدم قدرة الصحافي على استيعاب أن القارئ لا يمتلك المعارف التي يمتلكها هو نفسه. والمشكلة تنبع أساساً من أن المرء كلما عرف شيئاً نسي الصعوبات التي واجهته في معرفة ذلك الشيء.

    صورة تجريدية

    ٢٥‏/١٠‏/٢٠

    كيف تكون مكتشفاً للمشاكل؟

    الطلب في سوق العمل لن يكون على الذين يحلون المشاكل، بل على مكتشفي المشاكل. حل المشاكل سيكون مهمة سهلة ووظيفة الذكاء الاصطناعي.

    صورة تجريدية

    ٢٦‏/٧‏/٢٠

    الفضول والألفة في الصحافة

    البشر كائنات معقدة؛ فهم فضوليون ومحافظون؛ متعطشون لأشياء جديدة ومنحازون للأشياء المألوفة. والألفة، كما يقول صاحب كتاب Hit Makers ليست النهاية. إنها مجرد بداية فقط.

    صورة تجريدية

    ٢١‏/٧‏/٢٠

    في مديح الثقة

    إن المبدأ الأول للصحافة – سعيها غير المتحيز نحو الحقيقة – هو في نهاية المطاف ما يميز الصحافة عن أشكال الاتصال الأخرى. فالحقيقة ليست كاملة أبداً، إنما في طور التشكل دائماً مع كل قصة جديدة.

    صورة تجريدية

    ٢٢‏/٦‏/٢٠

    لسنا وحدنا.. فالعالم مثلنا أيضاً

    أنت كفرد تتوهم أنك تعرف أكثر مما كان يعرفه صياد قبل آلاف الأعوام، لكن الحقيقة أن معارفك بحاجياتك في عالمك أقل بكثير من معارفه بحاجياته في عالمه. فنحن في عالمنا المعاصر نعتمد على خبرات الآخرين في تلبية جميع احتياجاتنا تقريباً.

    صورة تجريدية

    ١٨‏/٦‏/٢٠

    نحتاج إلى 3 بالمئة فقط لإحداث التغيير

    عند كل مفترق حضاري، كان هنالك شخص مختلف، يفكر بطريقة مختلفة، ويريد إنجاز شيء مختلف، فيُحدِث التغيير الذي سينحدر في النهاية إلى نقطة الصفر، ولكي يستمر التطور سيحتاج إلى تغيير آخر!

    صورة تجريدية

    ١١‏/٦‏/٢٠

    لا يكفي أن تكون صحفياً

    أولئك الذين يعزفون على أحد الآلات الموسيقية، يعلمون تلك المساحات المحسوبة بدقة هندسية متناهية بين العلامة الموسيقية ونصف العلامة وربع العلامة. والصحفي الجيد مثل العازف الجيد، عليه أن يعرف أين يضع إصبعه.

  • حياة في اثنتي عشرة دقيقة

    حياة في اثنتي عشرة دقيقة

    خرج أحمود أربيري للركض، فتعرض لإطلاق نار في الشارع. كيف يُمنع السود من ممارسة الرياضة في أمريكا.

    أحمود ماركيز أربيري

    ميتشل جاكسون

    ميتشل جاكسون

    ١٨ يونيو ٢٠٢٠

    فازت هذه القصة بجائزة بوليتزر لعام 2021 وجائزة «ناشيونال ماجازين» لكتابة الفيتشر. نشرت القصة في العدد 5 لعام 2020 من مجلة «Runner’s World».

    ⓘ نافذة على القصة: فازت قصة «حياة في اثنتي عشرة دقيقة» بفارق ساعات، بالجائزتين المرموقتين «بوليتزر» و«جائزة ناشيونال ماجازين» عن فئة «الفيتشر» لعام 2020. القصة نُشرت في يونيو/حزيران 2020، في مجلة «Runner’s World» التي تنشر عن الأحذية الرياضة أكثر مما تنشر قصصاً إنسانية. ولعلّ هاتين الجائزتين هما أولى جوائز المجلة التي تصدر منذ عام 1966. قبل النشر بشهر تقريباً، كان ميتشل جاكسون قلقاً. في مايو/أيار 2020 كان قد أرسل توّاً الفصل الأول من روايته الأخيرة إلى وكيله. بانتظار استجابته، أراد أن يُشغل نفسه بالكتابة الصحافية. فجاكسون أيضاً كاتب مساهم في مجلة Esquire الرجالية التي تصدرها شركة «هيرست» إلى جانب Runner’s World ومطبوعات أخرى. عندما اتصل به مدير تحرير مشاريع شركة «هيرست» ليكتب لمجلة Runner’s World قصة عن مقتل أحمود ماركيز أربيري في فبراير/شباط 2020، كان جاكسون متردداً. فعلى الرغم من ممارسته لرياضة الجري، لم يكن يوماً عدّاءً حقيقياً، كيف يكتب إذاً لمجلة متخصصة بالعدّائين. بعد أخذ ورد، اقتنع أخيراً. لم يخرج جاكسون من منزله في «هارلم» بنيويورك؛ كانت جائحة كورونا قد بدأت تتجه إلى الذروة. لم يكن يعرف «مود» أو عائلته، ولم يذهب ويقابل أحداً وجهاً لوجه. لم يرَ منزل «مود»، ولم يجرِ جولة في الشارع الذي قُتِلَ فيه. لكن بعد ثلاثة أسابيع، وساعات طويلة من العمل؛ من 10 إلى 14 ساعة يومياً، ومقابلات لا نهائية عن بُعد، أنتج «حياة في اثنتي عشرة دقيقة» في 5900 كلمة باللغة الإنجليزية. جمع جاكسون المعلومات من مصادر متنوعة. أجرى مقابلات عن بُعد مع عائلة أربيري وأصدقائه وصديقته ومدرب كرة القدم، ما ساعده على إعادة بناء شخصية «مود» بأبعادها المتعددة. كان قد مضى 4 أشهر على مقتل «مود»، وبمساعدة مراسل متمرس في جورجيا، تمكن من دراسة تقارير الشرطة والطبيب الشرعي. درس الأخبار التي نُشرت عنه طوال تلك الفترة. قضى ساعات في مشاهدة تحقيق مصوّر لجريمة القتل أعدّته صحيفة نيويورك تايمز، ومقاطع فيديو أخرى على الشبكات الاجتماعية، حتى استطاع صياغة صورة دقيقة ومرعبة للجريمة. تتناوب القصة في ثلاثة مسارات: الحياة التي عاشها أربيري، وتسلسل أحداث الجريمة، ومنظور الراوي: حياة جاكسون الشخصية بصفته رجلاً أسود. فهو مثل أربيري، قُبض عليه في قضية حيازة سلاح مع المخدرات في بداية العشرينيات من أعمارهما. وبينما كان الحكم على أربيري بوضعه تحت المراقبة، أمضى جاكسون 16 شهراً في سجن بولاية أوريغون.

    تخيّلْ الشاب أحمود «مود» أربيري، الذي بدأ مسيرته لاعبَ «ركض خلفيّ احتياطيّاً» وأصبح لاعب «ظهير الخط»، في ملعب لتدريب فريق «برونزويك هاي بايرتز» [قراصنة مدرسة برونزويك الثانوية] لكرة القدم الأمريكية. قسّم المدرب الفريق إلى مهاجمين ومدافعين، وجعل المهاجمين يتدربون على خطتهم للمباراة التالية مع الفريق الخصم. المدرب، كعادته، كان يسخر من المدافعين. يقول لهم: «لستم جاهزين». «لا يمكنكم إيقافنا». «ماذا ستفعلون؟» في أثناء المباراة، يندفع «مود» بطوله البالغ 178 سنتيمتراً ووزنه الذي يصل إلى 75 كغ، نحو اللاعبين الذين يشكلون حائط الصد، وبووووم! فيَصدُر صوت أشبه ما يكون باصطدام السيارات، يتردد صداه في الملعب ثم في المدرجات، ويصل حتى غرفة خلع الملابس. إنها مأثرة يريدها المراهق «مود» أن تكون رسالة إلى مدربيه، وزملائه في الفريق، للقاصي والداني، ومفادها: لا تختبروا قوة قلبي. رفع بعض هؤلاء الزملاء قبضاتهم إلى أفواههم وهم يصيحون: أوووه. آخرون رَبتوا اللبادات على أكتاف زملائهم وهم يشيرون إلى «مود». أحد مساعدي المدرب جفل، وركض لمساعدة لاعب آخر سقط أرضاً. والمدرب نفخ في صفّارته. وصرخ: «لماذا ضربته هكذا؟» «وفّر ذلك ليوم الجمعة. دعنا نرك تفعل ذلك الجمعة.»​

    في تلك الجمعة، في ملعب مقاطعة «جلين» (أحد أكبر ملاعب المدارس الثانوية في ولاية جورجيا المحبة لكرة القدم الأمريكية)، كان «القراصنة» يتجمعون بقمصانهم البيضاء المزركشة باللون الأزرق والذهبي، في غرفة خلع الملابس. «مود» الذي يرتدي لُبّادات كتف مرتفعة وقناع واق للوجه بقياس 4X2 والرقم 21 تكريما لأخيه «باكّ» وللّاعب الشهير شون تايلور، تباهى وسط زملائه، ويردد ترتيلة ما قبل بدء المباراة.

    «هل أنتم جاهزون!» يصيح.

    «إي نعم جاهزون!» يصيحون.

    «لستم جاهزين؟!» يصيح.

    «شيييييييت!» يصيحون.

    ⓘ كيف أعاد بناء المشهد الافتتاحي كان قد مضى على المباراة في المشهد الافتتاحي ما لا يقل عن 7 سنوات، فكيف استطاع جاكسون أن يعيد بناءه بهذه الطريقة القوية والحيوية؟ هذا النوع من الكتابة يُعد مزجاً بين الخيال والواقع؛ فالكاتب يستخدم أداة الخيال لسرد قصة حقيقية. في الكتابة الإبداعية، يدخل الكاتب في عقل الشخص الذي يكتب عنه ويستلهم أحاسيسه. جاكسون عرف من أصدقاء «مود» قوة إرادته وعزيمته، وعرف الوقائع الأساسية للمباراة من «أكيم» صديق «مود»، ومن مدربه «جيسون». وجاكسون نفسه كان لاعباً هاوياً، وقد سبق أن مرّ بهذه التجارب. ثم تحقق من وقائع المباراة من الناس والمدربين الذين شاهدوها بأنفسهم، لذلك بقدر الخيال في المشهد الافتتاحي، بقدر دقة وقائعه الأساسية.

    أحمود ماركيز أربيري

    «مود» في عام 2012، ارتدى رقم 21 تكريما لأخيه «باكّ»، ومثله الأعلى اللاعب شون تايلور.

    وسط تصفيق حاد أشبه بالرعد، اندفع الفريق من فتحة النفق الذي يؤدي إلى أرضية الملعب، وقد تصاعد منه الضباب في ثورة غضب. فرقة المدرسة تعزف أغنية القتال، والمشجعات يلوحن بالـ «بوم بومس» في صف أمام الفرقة الموسيقية. بحر صاخب من الأزرق والذهبي في المدرجات، بينهم كثير من معارف «مود». في أثناء اللعب، بدأ الفريق الخصم بالتمرير في المباراة، فلجأ «مود» إلى قوته المدمرة، وتحت وهج أضواء مصابيح الهاليد المعدني الكاشف بما تشكله من تحدٍّ، اندفع «مود» بسرعة فائقة نحو لاعب الركض الخلفي وبووووم! في ارتطام أشبه باصطدام الشاحنات. ترددت الضجة عبر الملعب ثم المدرجات، بل ربما في كامل مدينة «برونزويك». صدر هدير من المشجعين، لكن «مود» هرول إلى الخطوط الجانبية بعدم اكتراث تقريباً. «جيسون فون»؛ مساعد المدرب وكان قد أشرف أيضاً على تدريب «مود» في فريق الناشئين، مسكه من القناع الواقي لوجهه. «هكذا تكون الضربة،» قال له، وهو يكتم دهشةَ كيفَ أنَّ صبيّاً بحجمه يستطيع أن يضرب بتلك القوة.

    لكن هذا هو الشاب «مود»، صغير في الحجم، كبير في القلب.

    ⓘ شاعرية النص لست من محبي الجمل الشاعرية. في النصيحة السابعة في «أدوات كتابة القصة» ذكرتُ أن «اذبح الجمل العزيزة على قلبك». في المشهد السابق من «حياة في اثنتي عشرة دقيقة»، تمر جملة لم أستطع تجاهلها. ليس لأنها شاعرية؛ فهي كذلك، بل لأن «شاعريتها» تصل لحد الإدهاش؛ تلك المتعة في إحداث «الفهم» في أذهان الآخرين. الجمل الحسنة تتنازعها قوتان: حُسْن التركيب والقدرة على الإدهاش. إذا طغى حُسْن التركيب على القدرة على الإدهاش، تحوّلت الجملة إلى تكلّفٍ، وباتت «عزيزة على القلب»؛ وجبَ ذبحها. وإذا طغى الإدهاش على الحُسْن، احتفظت الجملة بديناميكيتها، بكونها جملة «صحفية»، بها أكشن. أي تظل الجملة حسنة التركيب، لكنها ديناميكية؛ تدفعك لتفكر، لتفهم، تجعلك ترى بعين عقلك، وتستشعر بحواسك. الجملة الحسنة؛ الكاملة الحسن، تسافر عبر الزمان والمكان. تجعلك، بأبهى صورها، تحلف بأغلظ الأيمان إنك كنت على وشك قولها لو لم يسبقك إليها. فقد كانت على طرف لسانك. أو تجعلك، بالبهاء الأخفّ، تشعر بالغيرة لأنك لست بقائلها. وجمل جاكسون الحسنة، هي من هذا النوع. تثير الدهشة من دون تكلّف. ففي المشهد أعلاه، تمرّ جملة صرفتُ الكثير من الوقت على ترجمتها، ولكن أعترف بأنني أخفقت في نقل كم الدهشة الهائل فيها بلغتها الأصل؛ الإنجليزية، وهي: “Beneath a metal-halide glare that’s also a gauntlet.” وترجمتي: «تحت وهج أضواء مصابيح الهاليد المعدني الكاشف بما تشكله من تحدٍّ،» المشكلة في كلمة gauntlet التي تعني بمعناها المعاصر التحديات أو الصعاب، ولكن بمعناها القديم تعني القفاز المعدني. (لاحظ هنا أن الضوء والقفاز يتشاركان في كونهما معدنيين). تاريخياً، gauntlet تشير إلى قفّاز واقٍ معدني كان يرتديه الفارس ليحمي بها كفّه بوصفه جزءاً من الدرع الذي يغطي به جسده. في العصور الوسطى، عندما يتحدى فارس ما آخرَ، كان يرمي بقفازه المعدني في دلالة على التحدي. إذا التقطه الفارس الآخر فهذا يعني أنه قبل التحدي. ثم يتبارزان إلى أن يقتل أحدهما الآخر. مع مرور الوقت، اُستخدم تعبير “gauntlet” بمعنى أكثر عمومية، ليشير إلى التحديات التي ينبغي للمرء التغلب عليها. ويُستخدم تعبير run the gauntlet لوصف سلسلة المصاعب التي يجب أن يمر بها المرء لبلوغ هدف معين. لكن الكلمة لا تزال تحمل بقايا آثار عهود الفروسية. في سياق الجملة “beneath a metal-halide glare that’s also a gauntlet”، يستخدم جاكسون التعبير بمعنى مجازي لوصف ما تسبِّبه الأضواء الكاشفة من ضيق في الرؤية لدى اللاعبين في الملعب. ما يستحضر، ولو من بعيد، صورةَ الفروسية: على ظهر حصانه، وتحت ثقل درعه المعدني، يغير «مود» على الأعداء، وعليه أن يتحمل مشاق الإغارة. جاكسون لم ينسج الجملة من بنات خياله. بحث عن الملعب، وتعرّف على نوع الإضاءة فيه، وعرف أن الأضواء ستكون ساطعة لإن المباراة جرت ليلاً. هو نفسه كان لاعب كرة سلة متميزاً في مرحلة الثانوية. اختبر الأضواء الكاشفة وما تشكله من تحدِّ للاعبين في كرة القدم الأمريكية أو كرة السلة، واختبر أيضاً مدى كثافة الجمهور في المدرجات في مباريات كهذه.

    خط زمني لأحداث القصة

    الأحد 23 فبراير 13:04 | 2020 لقطات فيديو مراقبة من منزل مجاور تظهر بالدقيقة «مود» الذي خرج للجري في منطقة «ساتيلا شورز» بـ«برونزويك»، يتجول في رقعة مشمسة من الطريق الضيقة، ويتوقف عند المرج المبقّع لبيت من طابق واحد بلون الرمال لا يزال تحت الإنشاء في العنوان: 220 «ساتيلا درايف». ثمة تواليت أحمر متنقل في الفناء الأمامي. المرأب مفتوح على مصراعيه.

    ⓘ الخط الدرامي في هذا المشهد، ينحرف الخط الدرامي للقصة عن الخلفيات التي أتى منها «مود»، إلى التسلسل الزمني للأحداث التي أفضت إلى مقتله. سيتابع جاكسون القصة حتى نهايتها بهذا البناء الدرامي: قصة داخل قصة. قصة مقتل «مود» داخل قصة «مود» الإنسان: مولده، نشأته، دراسته، علاقته مع أسرته وأصدقائه، شغفه بكرة القدم الأمريكية، حبه الأول، خططه لتكوين أسرة، أحلامه وإحباطاته. خلال سرد القصتين، سيتدخل جاكسون أيضاً بصوت الراوي، وسيسرد جزءاً من قصته الشخصية -فهو أيضاً، مثل «مود»، كان قد اعتقل بتهمة حيازة سلاح إضافة إلى مخدرات- وسيتحدث عن رؤيته، تأملاته، وتفسيره لما جرى لـ«مود». عندما باشر جاكسون في كتابة القصة بعد مقتل «مود» بثلاثة أشهر، كانت لا تزال القضية طازجة. الشرطة لم توقف الرجال البيض الثلاثة المتورطين في الجريمة إلا بعد أشهر من الحادث. وستنتظر المحكمة سنتين ونصف قبل أن تنطق بالحكم النهائي. لفهم ما جرى، كان ضرورياً بناء السياقات؛ الصورة الأكبر. وما كان ذلك ممكناً بدون التضحية بالخط الدرامي، فلجأ جاكسون إلى هذا البناء: قصة داخل قصة، ليحافظ على الزخم الدرامي. كان قد استخدم التكنيك ذاته في روايته John of Watts التي كان قد فرغ من كتابتها قبل أيام.

    مرتدياً حذاء «نايكي» بعنق قصير ولون فاتح، وتيشيرتاً أبيض، وسروالاً قصيراً كاكياً، يتسكع أحمود على المرج للحظة قبل أن يتجه إلى داخل البناء. كاميرا المراقبة تسجل داخل البناء، وتظهر أعمدة خشبية وألواح خشبية معاكسة وأكوام من ألواح الـ«شيتروك» الجصية، وأنابيب وأسلاك. هنالك صناديق مبعثرة ورافعة شوكية صغيرة محشورة في الزاوية. لا يلمس «مود» أيّاً من هذه الأشياء. ينظر حوله، يحدق خارج إطار تسجيل الكاميرا باتجاه النهر خلف المنزل. ربما يتساءل كيف سيبدو المنزل عندما ينتهي بناؤه. ربما يستحضر صورة أسرة يمكنها دفع تكاليف العيش في هكذا مكان قريب من المياه.

    ⓘ كتابة قصة من المنزل أمضى جاكسون ساعات طويلة في مشاهدة وإعادة مشاهدة مقاطع كاميرا المراقبة التي انتشرت على الإنترنت، كما شاهد مراراً الفيديو الذي أنتجته صحيفة نيويورك تايمز وتسلسل وقوع الحدث. من المهم هنا الانتباه إلى أن الكاتب كتب القصة كاملة دون أن يخرج من منزله.

    «مود» ليس أول شخص يتجول في الموقع. سجلت كاميرات المراقبة آخرين منهم زوجان من البِيْضِ في إحدى الأمسيات وزوج من الأولاد البيض في يوم آخر. في أربع مناسبات، سجلت أيضاً ما يبدو أنه الشخص نفسه: شاب أسود نحيل ذو شعر طبيعي جامح ووشوم على كتفيه وذراعيه، رجل، لا يشبه «مود» في نظري. اسمح لي أن أضيف أن صاحب المنزل سيؤكد أنه لم يُسرق أو يُتلف أي شيء خلال تلك الزيارات جميعها.

    ⓘ «اسمح لي أن أضيف» يستخدم جاكسون هنا ضمير المخاطب في قوله: «اسمح لي أن أضيف»، ليتقرّب من القارئ، ويتحدث إليه مباشرة، لأن ما يقول يستدعي التأمل. ففي مثل هذه الصيغة، يعرف القارئ أن الكاتب موجود هنا الآن، والكاتب يعرف أن القارئ موجود هنا أيضاً. القارئ يصبح شريكاً، وينخرط في فعل القراءة على نحو أعمق.

    في هذه الأثناء، أحد الجيران يرتدي أفرولاً يرصد «مود» في أثناء تجواله في الموقع، ويتصل بالرقم 9-1-1. يقول: «هناك رجل في المنزل الآن». «إنه منزل قيد الإنشاء. 219 أو 220 ساتيلا درايف». الرجل الجار ينتظر عند تقاطع شارعي «جونز» و«ساتيلا درايف». تقول المرأة التي تلقت البلاغ: «أريد فقط أن أعرف ما الخطأ الذي يرتكبه؟».

    ⓘ مصدر المعلومات اعتمد جاكسون على ما نُشر بكثافة عن مقتل «مود» آنذاك. ثم إنَّه تعاون مع صحافي من مدينة «برونزويك» لتزويده بالتقارير الأصلية للشرطة والطبيب الشرعي.

    يقول المتصل: «سبق أن التقطته الكاميرا مرات عديدة. هذه الحوادث تتكرر هنا». وهذه إفادة لا يستطيع التأكيد عليها، رغم أنه يصف «مود» على نحو صحيح: «رجل أسود، تيشيرت أبيض».

    ⓘ استخدام صيغة المضارع اختار جاكسون استخدام صيغة المضارع للحوار الذي دار بين الجار والمرأة التي تلقت البلاغ؛ وفي لحظات مطاردة مود وقتله، لأنه أراد أن يكون القارئ حاضراً ليشعر بالأحداث لحظة وقوعها، وكأنه يشاهد مقطع فيديو. صيغة الماضي ما كانت لتفي بهذا الغرض.

    موقع «مود» لدى دخول المنزل، وموقع الجار الذي كان يراقبه واتصل مع الشرطة

    لسبر أغوار ما يعنيه الخروج للجري لـ«مود» في مقاطعة «جلين»، عليك أن تعرف أمراً أو اثنين عن ممارسة الجري الترفيهية. قبل الستينيات، كانت فكرة الهرولة Jogging غريبة لدى الجميع تقريباً ما عدا الرياضيين الجادين، وكان لسان حال الناس يقول: ما جدوى الجري؟ لكن في عام 1962، زار «بيل باورمان»، مدرب المضمار الأسطوري والمؤسس المشارك لشركة «نايكي»، نيوزيلندا والتقى زميله المدرب «آرثر ليديارد» الذي طوّر برنامج تدريب عبر البلاد. عاد «باورمان» إلى الولايات المتحدة متحمساً لما رآه. أطلق برنامجاً مشابهاً في «يوجين» (موطن دراسته ومكان عمله، جامعة أوريغون)، وأَلَّف كتيباً حول هذا الموضوع في عام 1966، وفي العام التالي نشر كتاباً مشتركاً بعنوان «الهرولة: برنامج لياقة بدنية مجاز طبيّاً للأعمار جميعها من إعداد اختصاصي قلبية ومدرب رياضي مشهور». أصبح الكتاب الأكثر مبيعاً، وبدأت الهرولة باعتبارها هواية أمريكية.

    ⓘ تاريخ بطريقة أو بأخرى، يحاول ميتشل جاكسون الحديث عن مسقط رأسه في ولاية أوريغون. فمعظم كتاباته تدور حول هذه الولاية، وأراد أن يبني ذاك الرابط بينه وبين قصة «مود». أيضاً، هذه المعلومات التاريخية مهمة لبناء سياق للقصة، كيف ارتبطت رياضة الجري في أمريكا بالنخبة.

    الهرولة، عموماً، تظل رياضة وتسلية موجهتين للبِيْض الموسرين.

    اسمحوا لي أن أعترف بأنني أحد أندر الأمريكيين، ما يُعرف أيضاً بـ «أسود أوريغوني». على هذا، أشعر بأنني مجبر على مشاركة الحقيقة حول الولاية التي أنتمي إليها: إنها بيضاء. أنا أتحدث عن «حظر السود» في دستور الولاية الأبيض. في الوقت الذي كان يُلهم فيه «باورمان» سكان «يوجين» بولاية «أوريغون» للهرولة أميالاً حول أحيائهم في سراويل رياضية وأحذية ركض، كانت مدينة «يوجين» بيضاء بنسبة 97 في المئة. يمكن للمرء أن يحاجج في أن الطابع الأبيض للهرولة اليوم قد يكون، جزئياً، نتاج التركيبة السكانية لـ «يوجين». ولكن إذا جعلناها ٪100، فيمكن أن تُنسب هذه السمة الأحادية للجري إلى طريقة تسويقها، وإلى ذاك القسر الممنهج الذي وضع الجري في مكان ما داخل سلسلة تربط بين البذخ غير العملي والمجازفة التي لا يمكن تحملها، بالنسبة إلى عشرات الأشخاص من غير البيض.

    والحق، أنه في الوقت الذي زار فيه «باورمان» نيوزيلندا، ونشر الكتاب الأكثر مبيعاً، كان الملايين من السود يعيشون في الجنوب الذي شهد قوانين «جيم كرو» للفصل العنصري؛ بحلول عام 1968، كان شتات السود الواسع قد فجع باغتيال «ميدغار إيفرز»، و«مالكولم إكس»، و«مارتن لوثر كينغ جونيور». وبحلول نهاية الستينيات وما بعدها، حُصِر السود الذي قَدِموا في أثناء «الهجرة الكبرى» (نزوح السود من الجنوب)، في الأجزاء الأكثر اكتئاباً من المدن الشمالية والغربية، تلك المناطق التي كانت الشوارع فيها أقل أماناً للمشي، ناهيك من الركض. عوامل كثيرة ثنت السود عن جني الفوائد الكثيرة للهرولة. وعلى الرغم من أن تركيبة العَدَّائين أصبحت أكثر تنوعاً على مدار الخمسين عاماً الماضية، فإنّ الهرولة، عموماً، لا تزال رياضة وهواية موجهة للبيض الموسرين.

    أدعوكم لتسألوا أنفسكم، ما هو عالم العَدَّائين؟ اسألوا أنفسكم مَنْ يستأهل الجري؟ مَنْ له الحق؟ اسألوا مَنْ هو العدَّاء؟ ما عرقهم المزعوم؟ ما جنسهم؟ ما طبقتهم؟ اسألوا أنفسكم أين يعيشون، أين يركضون؟ أين لا يمكنهم العيش والركض؟ اسألوا ما القوانين التي تؤكد حقهم في العيش والركض -اللعنة- حقهم في الوجود في هذا العالم. اسألوا لماذا؟ اسألوا لماذا؟ اسألوا لماذا؟

    ⓘ القوة التي يمتلكها رقم ثلاثة الحق، طرح هذه الأسئلة العميقة بهذه الكثافة المتتابعة جاءت فكرتها من مديرة قسم إنتاج المحتوى في شركة «هيرست»، والمحررة المشرفة على «حياة في اثنتي عشرة دقيقة». ثم أنهى جاكسون الفقرة بسؤال: «اسألوا لماذا؟» ثلاث مرات، لأنه يؤمن بالقوة التي يمتلكها هذا الرقم. فهو يدل على الكمال في معظم الثقافات. فنحن نحلف بـ«الثلاث»، ونطلق بـ«الثلاث»، ونعد حتى الثلاث لبدأ أمرٍ ما… إلخ.

    أحبَّ أحمود أربيري الركض بالمقاييس كلها، لكنه لم يطلق على نفسه تسمية العدَّاء. هذا عيب في ثقافة الركض. أن يكون «مود» هدفاً للقوى البيضاء المهيمنة بسبب الركض، فهذا فشل مؤكد لأمريكا. تحقق من السجلات -تصاريح العبيد، قوانين التشرد، اعتقال سكيب غيتس، الناقد والمؤرخ في جامعة هارفارد، أمام بيته- لا يمتلك السود مطلقاً حرية الحركة التي يتمتع بها البيض.

    خط زمني لأحداث القصة

    الأحد 23 فبراير 13:08 | 2020 يجوب «مود» خارج المنزل، وبعد بضع خطوات فقط يبدأ بالركض. لا يعلم بأمر الشاهد الذي اتصل بالرقم 1-1-9، ولا يزال يراقبه. «إنه يركض الآن. ها هو يذهب الآن»، يقول الشاهد للمرأة التي تتلقى البلاغ على الطرف الآخر من المكالمة الهاتفية. «حسناً، ماذا يفعل؟» تقول المرأة. يقول الرجل: «إنه يركض في الشارع». تُظهر اللقطات «مود» مهرولاً في شارع «ساتيلا درايف» ويمر أمام منزل «جريجوري» و«ترافيس مكمايكل»، وهما أب وابنه. «جريجوري مكمايكل»، الشرطي السابق الذي جُرِّد من حقه في اعتقال الأشخاص؛ بسبب عدم حضوره تدريباً على كيفية «استخدام القوة»، يلحظ «مود» وهو يمر أمام منزله، فيعده مشتبهاً به. صرخ في ابنه «ترافيس، الرجل يجري في الشارع. هيّا بنا.» لأسباب يجب على مكمايكل الأب والابن الآن تفسيرها في المحكمة (كلاهما يواجهان 9 تهم، بما في ذلك القتل العمد والاعتداء الفاضح)، سلّحا نفسيهما -الابن ببندقية «ريمنجتون» طراز 870، والأب بمسدس «ماغنوم 357» – وركبا في شاحنة «فورد» بيضاء.

    تقع «الجزر الذهبية» على طول الساحل الأطلسي بين مدينة «سافانا» بولاية جورجيا، ومدينة «جاكسونفيل» بولاية فلوريدا. تشمل المنطقة جزراً تسمى جزر الحاجز وهي «سانت سيمونز» و«سي آيلاند» و«ليتل سانت سيمونز» و«جيكيل»، بالإضافة إلى مدينتي «دارين» و«برونزويك». «ساتيلا شورز» الذي يعد جزءاً من الجزر الذهبية، هو حي غير مدمج بالأحياء المحيطة، ويضم عائلات من الطبقة العليا والمتوسطة؛ من المتقاعدين ذوي الياقات الزرقاء والبيضاء؛ وأصحاب البيوت الموسمية والمقيمين في الحي على نحو دائم؛ وأولئك الذين انتقلوا حديثاً. يتميز الحي الصغير بطرق ضيقة تظللها أشجار البلوط المكسوة بالطحالب، وأشجار صنوبر «التايدا» الباسقة، وأشجار «التمر حنة»؛ ومنازل من طابق واحد أو طابقين مع مروج خضراء ومواقف بسيارات من أحدث الطرازات. المنازل الواقعة على جانب واحد من «ساتيلا درايف» – وهو الشارع الرئيسي في الحي – تتباهى بنهر «ليتل ساتيلا» الملون بالرواسب، والزاخر بأعشاب الـ«سبارتينا» الحبلية على طول أهواره الملحية التي تمتد أميالاً، ويُعد فناءً خلفيّاً مرفّهاً للحي.

    ⓘ الوصف كيف استطاع جاكسون أن يصف المشهد السابق بهذه التفاصيل الأخَّاذة وهو في الحجر الصحي داخل منزله؟ لقد قرأ الكثير حول المنطقة، وشاهد خرائط جوجل وصورها. لم يكتف بذلك فقط، ساعده صحفي من «برونزويك» وأخبره بأنواع الأشجار الموجودة، ووصف نهر «ليتل ساتيلا» ولونه، وما إذا كان هذا اللون يتغير على مدار السنة.

    منزل عائلة «مود» في «برونزويك»، حيث كان يعيش حين مقتله، يقع على بعد ميلين فقط من «ساتيلا شورز»، لكنه يبدو -بدقة أكبر- وكأنه في بلد آخر تماماً. متوسط ​​دخل الأسرة بمقاطعة «جلين» هو 51000 دولار؛ في «برونزويك» هذا الرقم هو 26 ألف دولار. في المنطقة التي يسميها الشباب السود The Wick «ذا ويك» [فتيل الشمعة]، يبلغ معدل الفقر 38 في المئة، وهي نسبة صاعقة.

    الجري جعل «مود» هدفاً للقوى البيضاء المهيمنة، ما يُعد إخفاقاً لأمريكا.

    «ذا ويك» هو المكان الذي ولد فيه أحمود ماركيز أربيري في 8 مايو/أيار 1994. كان الطفل الثالث المدلل لـ«واندا كوبر جونز» و«ماركوس أربيري» الأب. وتضم الأسرة التي تنتمي إلى الطبقة العاملة، شقيقه الأكبر ماركوس «باكّ جونيور» وأخته ياسمين. أطلقت الأسرة على أحمود لقب «كويز»، وهي نسخة مختصرة من اسمه الأوسط، بينما أطلق عليه أصدقاؤه لقب «مود». كان لدى «مود» فَرَقٌ طفيف بين أسنانه الأمامية وبشرته الداكنة تلمع للأبد بسبب الساعات الطويلة التي يقضيها في الخارج تحت الشمس. التحق هو وأشقاءه بمدرسة «ألتاما» الابتدائية. حينئذ، التقى مود بصديقه المقرب أكيم «كيم بيكر»، وهو زميل يقيم في مجمع «ليسوود سيركل» للشقق السكنية. يتذكر كيم، وكان في تلك الأيام انطوائياً بديناً، أن «مود» كان أحد الأطفال المشهورين في الحي، وقد استحوذ على إعجابه بتقديم «وجبات خفيفة» له. سرعان ما أصبح الصديقان الحميمان لا ينفصلان: يجلسان معاً في الحافلة إلى المدرسة، يجوبان الحي بحثاً عن مكان للعب كرة السلة، أو لعب كرة القدم في لعبة تسمى «Hot Ball» أو لعبة لكرة السلة أطلقوا عليها اسم «Curb Ball».

    ⓘ اللغة والترجمة اللغة التي يستخدمها جاكسون في كتاباته، هي اللغة التي يستخدمها السود في أمريكا. وهذا فعل مقاومة؛ مقاومة أولئك الذين يعدون لغة السود لغة إنجليزية غير فصيحة. لذلك كانت ترجمة هذه القصة صعبة، وتطلبت الكثير من الجهد والبحث لفهم السياق الصحيح.

    أكيم بيكر

    أحد أقرب أصدقاء أحمود، أكيم بيكر، كانا يذهبان معاً أحياناً للجري.

    في تلك الأيام، كان «مود» يحتمي تحت جناحي شقيقه «باكّ» الذي يكبره بثلاث سنوات فقط. «باكّ» عرّف «مود» أيضاً على الرياضة التي يحبها. حدث ذلك خلال بطولة BCS الوطنية لعام 2002. لاعب «باكّ» المفضل في ذلك الوقت كان شون تايلور، وعلى الرغم من أن فريق «أوهايو بوكيز» هزم فريق تايلور «ميامي هوريكانز» على نحو غير متوقع، إلا أنه أصبح لاعب «مود» المفضل أيضاً. في العام التالي، بدأ «مود» بلعب كرة القدم، ولمع بصفته لاعب الركض الخلفي، ولاعب الظهير الخطّيّ.

    بدأ «مود» أيضاً لعب كرة القدم مع أصدقاء «باكّ»؛ الأولاد الذين يكبرونه بسنتين وثلاث سنوات أو أكثر. خلال مسابقة مبكرة في الحي، مسك أحد هؤلاء الأصدقاء «مود» بشدة لدرجة أن «باكّ» اعتقد أن شقيقه قد أصيب وتحرك للدفاع عنه. قبل أن يفعل ذلك، وثب «مود» واقفاً. «حينئذ عرفت أنه صلب العزيمة»، يقول «باكّ»، «وسيكون قادراً على الاعتناء بنفسه.»

    قوى كثيرة منعت السود من جني الفوائد العديدة للجري.

    وقتئذ تقريباً، أهدى والدا «مود» شقيقته كلبَ يوركشاير تَرْيَر أسمته «فلاف». ربما كان «مود» صعب المراس في الملعب، لكنه أمضى الساعات يمرح فيها مع «فلاف» في الخارج ويساعد أخته في مهام العناية به. تعلّق «فلاف» بـ«مود» حتى إنه كان ينام عند قدميه ليلاً عندما تكون «ياسمين» خارج المنزل.

    انتقلت العائلة إلى منزل أبيض صغير في شارع «بويكن ريدج درايف» في «برونزويك» عندما كان مود في المدرسة الإعدادية، وفي المنزل الجديد ظل «مود» يشارك شقيقه غرفة واحدة. يقول «باكّ» لقد «كنت مهووساً بالترتيب». «لكن أحذية مود كانت مبعثرة هنا وهناك. التيشيرتات في مكان الغيارات الداخلية، والقمصان في مكان الجوارب».

    في المدرسة الثانوية، عمل «مود» في ماكدونالدز لتأمين مصروف الجيب، ولكن أيضاً لمساعدة والدته التي غالباً ما كانت تعمل في وظيفتين. بحلول ذلك الوقت، كان «مود» قد اختبر أول تحول جذري، وتبنى بعضاً من أناقة أخيه، وبات يعرف الموضة. كان يفضل الجينز الضيق وقمصان البولو ذات الألوان الزاهية وقمصان الركبي، وأبقى شعره قصيراً بخطوط حادة عند الجبهة والصدغين. في بعض الأيام، كان «كيم» – وهو أول من يمتلك سيارة- ينقضّ فجأة على «مود»، ويتجها إلى جمعية «الجزر الذهبية للشباب المسيحيين»، ويلعبا كرة السلة، أو يمارسان الرياضة لست أو سبع ساعات متواصلة، ويقطعا مسافة قصيرة عبر الشارع إلى مول «جلين بليس» للحصول على كومبو البطاطس المقلية والجناحات في «أمريكا دِيْلِي»، ثم العودة مجدداً إلى اللعب والتدريب لساعات. أو يتجولان بالسيارة طالما إبرة عدّاد البنزين تسمح بذلك، ويستمعان إلى الرابر «لِيْلْ وين» أو «لِيْلْ بَوزي» أو «ويبي» أو «غوتشي ماني» (فناني «مود» المفضلين) عبر مكبرات الصوت في السيارة.

    جيسون فون

    جيسون فون مدرب «مود» في فريق الناشئين.

    التقى «جيسون فون»، مدرب فريق الناشئين في مدرسة برونزويك الثانوية، بـ «مود» في سنته الثانية، عندما وعده زميله المدرب بظهير قوي لفريقه. عندما غادر مود الغرفة، بنحالة جسمه وصغر حجمه، عبّر «فون» عن شكوكه سريعاً. «هل أنت جاد؟»، قال. «ماذا يستطيع هذا الفتى الصغير فعله؟» جاءته الإجابة سريعاً. تدريبات الفريق غالباً تضمنت تمريناً يسمى «أوكلاهوما» فيه يقف لاعبان على بعد ثلاثة إلى خمس ياردات ثم يتناطحان رأساً برأس. يتذكر «كيم» تفوُّقَ «مود» في التمرين، ليس بسبب قوته العضلية، بل لأنه «لم يكن يعرف الخوف في الملعب».

    مزّق «مود» رباط الساق الصليبي الأمامي والغضروف المفصلي في أثناء مباراة في السنة الثانية. لو كان لاعباً آخر أقل تفانياً لاستسلم، لكنه أكمل عملية إعادة تأهيل شاقة. في الصيف التالي، أُصيبت ساقه والتزم مجدداً إعادة تأهيل صعبة. تقول أخته «ياسمين»: «اعتاد والدانا القول: إذا بدأتَ شيئاً، فلا تستسلم». ارتدى «مود» مقوّماً للساق خلال السنة الإعدادية مما أعاقه، ومن دون شك قلل فرصه في اللعب في الكلية. ومع ذلك، فإن حقيقة أنه استطاع أن يلعب، دليل آخر على الشخصية القوية. كانت هذه كرة القدم في جنوب جورجيا، ولعب «مود» في دوري ضمّ عدداً من اللاعبين الذين سيصبحون محترفين فيما بعد، كما لعب في مباراة كانت ضد مدرسة «فالدوستا» الثانوية، أحد أكثر فرق كرة القدم للمدارس الثانوية فوزاً في البلاد كلها.

    ⓘ علاقة العاطفة بسرد الوقائع لاحظ كيف ينتقل ببساطة من المشاهد السابقة المشحونة عاطفياً برسم صورة واقعية ومحببة لـ«مود»، إلى مشهد الرعب التالي حيث يطارد ثلاثة رجال من البيض شاباً أسود، ثم -كما سنرى- يردوه قتيلاً في أحد شوارع «ساتيلا شورز». لا ينبغي للكاتب أن يفصل بين الشحن العاطفي وسرد الوقائع، ولكن عليه أن يعرف كيف ينتقل من هذا إلى ذاك، وعليه أن يتعلم أن سرد الوقائع لا ينبغي لها أن يتأثر بالعواطف.

    خط زمني لأحداث القصة

    الأحد 23 فبراير 13:10 | 2020، مكمايكل الأب والابن، ربطا حزام الأمان في شاحنتهما البيك-آب وانطلقا مسرعين خلف «مود»، يطاردانه على طول شارع «بورفورد»، وهو شارع ضيق آخر تظلله أشجار البلوط المورقة والصنوبر والمغنوليا. من الفناء الأمامي لمنزله، يرى «ويليام رودي بريان» جارَيه يلاحقان «مود»، ولأسباب سيضطر إلى الرد عليها أمام المحكمة (حيث يواجه تسع تهم، بما في ذلك القتل العمد ومحاولة ارتكاب جريمة الاحتجاز التعسفي)، ينطلق هو أيضاً بشاحنته البيك-آب خلفهما. يلاحق مكمايكل الأب والابن «مود» ويحاولان قطع الطريق عليه، لكن «مود» استدار راجعاً مجدداً -ربما تذكر المرّات كلها التي تملّص فيها من مهاجم محتمل- لكن هذه المرة وجد نفسه في مواجهة بيك-آب «بريان». يحاول «بريان» قطع الطريق على «مود»، لكن «مود» يتجنب الشاحنة، ويتجاوزها ويتجه نحو المنعطف الذي يؤدي إلى طريق «هولمز». ماكمايكل الأب، جريجوري، يخرج من مقصورة شاحنة ابنه بعَلَمِها الاتحادي على صندوق العدّة، ويصعد في الخلف مسلّحاً بمسدس «ماغنوم 357». ثلاثتهم يلاحقون «مود» وهو يعدو بأقصى سرعة على طول طريق «هولمز».

    ⓘ أدوات السرد الروائي يستخدم جاكسون أدوات السرد الروائي، فهو أولاً روائي ثم صحفي. يستخدمها في بناء المشاهد، وخلق الصور، مثلاً عندما يرسم صوت المسامير السفلى للأحذية الرياضية على الأرضية الخراسانية، ومشهد غرفة تبديل الملابس كما سنرى فيما بعد. الكاتب الجيد يدفع باللغة؛ لا يكفي أن تورد الوقائع بدقة، عليك أن تبحث عن جرس الصوت في اللغة. كاتب النثر يستخدم أيضاً أداة «التكرار»، عندما يقول: «اسألوا لماذا، اسألوا لماذا، اسألوا لماذا؛» وفي مواضع كثيرة أخرى، وهي أداة قلّما يستخدمها الصحفي. أيضاً الفقرة الطويلة التي تساعد على إيجاد الإيقاع الموسيقي للنص. الكاتب الجيد إذا كان لديه الوقت الكافي يستطيع أن يحول فقرة طويلة إلى قطعة موسيقى.

    لعب «مود» في مباراة النجوم الصاخبة بين فلوريدا وجورجيا بعد موسمه الأول، لكنه لم يحصل على منحة دراسية لكرة القدم. بعد التخرج، التحق بكلية جورجيا الجنوبية التقنية في مدينة «أميريكوس»، ووضع نصب عينيه أن يصبح كهربائياً.

    مثل «مود»، كنتُ رياضياً شغوفاً في المدرسة الثانوية (كانت رياضتي الطوق) التي لم يتسن إدراجها في برنامج جامعي رئيسي. ومثل «مود»، التحقت بكلية صغيرة (تابعة لجامعة محلية) في ولايتي. شاهدت أنا و«مود» الأصدقاء يحصدون المنح الدراسية، وينطلقون إلى البلدات أو المدن في أماكن أخرى، ويواصلون ممارسة الرياضة التي أحببناها. ترك «مود» الكلية التقنية بعد عام، وعاد إلى «برونزويك» ومنزل والدته. أنا أيضاً تركت أول كلية محلية. لكن على عكس «مود»، لم أكن مضطراً للعودة إلى منزل والدتي؛ لأنني كنت أعيش معها بالفعل. «جيمس جي. تي. تريمينغز»، زميل آخر لـ«مود» في الجامعة، يعتقد أن الحنين إلى الأسرة كان السبب الأساسي لعودة «مود» المبكرة من الكلية. لكنني أظن أن «مود» قفل راجعاً لأن حياته انتهت بصفته رياضيّاً، وخيبة الأمل قد تطحن حتى الأشخاص أقواهم.

    جيمس جي. تي. تريمينغز

    جيمس جي. تي. تريمينغز في سيلدن بارك ببرونزويك.

    بعد تخرجه بعام من الثانوية، أُلقي القبض على «مود» لحمله بندقية، وحُكِم عليه بخمس سنوات من المراقبة التي انتهكها بسرقة معروضات. بعد سنوات قليلة من تخرجي في المدرسة الثانوية، اُعتقلت لحيازة مخدرات وبندقية، وقضيت 16 شهراً في سجن الولاية.

    «مود» مات – يا إلهي، لماذااا؟ – وأنا، بنعمة من الله، كاتب وأستاذ جامعي مقبل على منتصف العمر.

    ⓘ لماذا أدخل جاكسون نفسه في القصة؟ فعل ذلك ليظهر تعاطفه بصفته كاتباً وصحفياً مع «مود»، وأيضاً لكي يظهر الفرص التي كانت متاحة أمامه. فجاكسون اعتقل مثل «مود» ودخل إلى السجن، بينما «مود» لم يدخل السجن. كان ثمة مسدس بحوزة جاكسون. جاكسون أصبح أستاذاً جامعياً، بينما «مود» قُتل. كل هذه المقارنات تظهر كيف يمكن قطع الطريق أمام الشباب السود في أمريكا ومنعهم من إظهار أفضل ما لديهم. عائلة «مود» كانت واثقة أن سبب فشله هو عدم حصوله على منحة لدراسة كرة القدم الأمريكية، ما سبب له خيبة الأمل. المقارنات التي يقوم بها جاكسون بإدخال نفسه في القصة، تُضفي بُعداً وعمقاً عليها.

    حتى لو كان «مود» يفكر في إعادة التسجيل في الكلية التقنية، فإنّه فقد إغراء الفكرة بمجرد أن التقى أول علاقة حب جادة في عام 2013. «شينيس جونسون» رأت «مود» لأول مرة عندما دخل ماكدونالدز ذات يوم، وأقنع المدير بإعادته إلى وظيفته السابقة. سرعان ما كان الحبيبان، وكلاهما خجولان، يرمق أحدهما الآخر في مناوباتهما. من غير الواضح مَنْ الذي بدأ بالخطوة الأولى. يقول «كيم» إن «مود» تحدث لأسابيع عن الفتاة الجميلة في مكان عمله، وكيف كان متوتراً من الاقتراب منها، إلى أن شجعه كيم قائلاً: «يا رجل، أنت مود. ما عليك سوى أن تسير إليها وتقدم نفسك». بحسب رواية «شينيس»، بدأت علاقتهما التي دامت خمس سنوات عندما عرضت على الصبي الوسيم «ماك فلوري» مجانية.

    شينيس جونسون

    شينيس جونسون في جلين أوفرلوك بارك في برونزويك. التقى مود بشينيس عندما كانا يعملان معا في مطعم ماكدونالدز.

    في موعدهما الأول، أخذها «مود» بسيارة «كامري» ذهبية اللون، اشترتها له والدته، ويقول «تي. جي.» إنه كان يعاملها وكأنها سيارة مرسيدس. مرتدياً قميصاً أنيقاً أبيض الياقة وحذاء «إير فورس وان» متلألئاً من «نايكي»، دعا «شينيس» إلى مأدبة مأكولات بحرية، فتح لها الأبواب، وسحب الكرسي لتجلس ودفع الفاتورة بالكامل من دون تردد. تقول والابتسامة ظاهرة في صوتها «عندما كنت معه، لم أكن أقلق بشأن أي شيء». في أول عيد فالنتين للثنائي، قاد «مود» سيارته طول الطريق إلى «سافانا»، واشترى لها دُبّاً من «بيلد-آ-بير» واسماه «كويز»، وسلمه لها جنباً إلى جنب خاتم الالتزام ما قبل الخطوبة على شكل قلب.

    خط زمني لأحداث القصة

    الأحد 23 فبراير 13:14 | 2020، تظهر مشاهد مسجلة بالهاتف «مود» على طريق «هولمز»، يفرّ مبتعداً عن شاحنة «بريان» البيك-آب، لكن باتجاه شاحنة «ماكمايكل» البيضاء. «بريان» في هذا الوقت تقريباً، أخرج هاتفه وبدأ في التصوير. في هذه الأثناء، «جريجوري مكمايكل» يتصل بالرقم 1-1-9. «آه، أنا هنا في ساتيلا شورز،» قال لمتلقي البلاغات. «هناك رجل أسود يجري في الشارع». متلقي البلاغات يسأل أين. يقول «لا أعرف في أي شارع نحن». «توقف عندك. اللعنة. قف!» التسجيل يظهر صراخه في «مود».

    «مود»، هارباً الآن لما لا يقل عن ست دقائق، يركض نحو «ترافيس ماكمايكل» ذو الوجه الأحمر الذي يقف عند باب شاحنته البيك-آب المفتوح مصوباً بندقيته، ونحو «جريجوري مكمايكل» الجاثم في القسم الخلفي من الشاحنة وبيده مسدسه، يشعر وكأنه وقع في فخ، لكن ربما يشعر وكأن شجاعته تُخْتبر مجدداً. ينعطف «مود» فجأة من اتجاه إلى آخر. يندفع حول الجانب الأيمن من الشاحنة، ثم أمامها. يقطع «ترافيس مكمايكل» الطريق عليه أمام مقدمة الشاحنة، ويطلق النار على «مود» في لمح البصر. صوت الطلقة يتخلل تسجيل المشهد الذي يصوره «بريان» بهاتفه. «ترافيس!» يصرخ جريجوري مكمايكل ويسقط هاتفه في صندوق الشاحنة.

    ⓘ هل يحق وضع الافتراضات؟ لاحظ هنا، وفي أماكن أخرى مختلفة، يضع جاكسون «افتراضات» حول ردود فعل «مود»، كما في هذه الجملة: «يشعر، وكأنه وقع في فخ، لكن ربما يشعر، وكأن شجاعته تُخْتبر مرة أخرى». فمن أين جاءت هذه الثقة لدى جاكسون بأن «مود» شعر كذلك، وهل يحق للصحفي وضع مثل هذه الافتراضات؟ نعم يحق للصحفي. الصحفي إنسان وليس آلة، ويستطيع فهم «بطل» قصته، كما يستطيع أي إنسان فهم شخص آخر من خلال التحدث مع أقاربه وأصدقائه. الأمر لا يتعلق بالثقة، بل يتعلق بضرورته أداةً للسرد. الصحفي يقدّر ردود الفعل والأحاسيس المحتملة للشخصيات التي يكتب عنها استناداً إلى المعلومات المتاحة وفهمه للوضع. ومن المهم أن يقوم بتوضيح هذه الافتراضات في النص إذا كانت تؤثر في التفسير الإجمالي للقصة.

    انفجار الطلقة يصيب «مود» في صدره، مخترقة رئته اليمنى وأضلاعه وعظم القصّ في منتصف الصدر. ومع ذلك، بطريقة أو بأخرى، يتصارع مع «ترافيس ماكمايكل» لأخذ البندقية من يده، وبطريقة ما، يتمكن من لكمه. جريجوري يراقب للحظة من مكانه. في هذه الأثناء، يواصل «برايان» التصوير. يطلق «ترافيس» النار من بندقيته مجدداً، انفجار الطلقة يحدث خارج إطار تسجيل كاميرا «بريان»، لكنه يترك خطاً من الدخان يتصاعد في إطار التسجيل. «مود» الذي تلطخ قميصه الأبيض الآن ببقعة من الدماء، يواصل التصارع مع «ترافيس ماكمايكل»، فهو يقاتل الآن من أجل حياته. في خضم العراك، يطلق «ترافيس ماكمايكل» رصاصة أخرى من كثب على «مود»، فتخترق صدره العلوي. يرمي «مود» لكمة ضعيفة أخرى، يترنح بضع خطوات، ويسقط على وجهه بالقرب من خطوط المرور منتصف الطريق. يتراجع «ترافيس» والبندقية في يده، يشاهد «مود» ينهار، ولا يقدم أدنى رعاية له. والده الذي لا يزال ممسكًا بمسدسه، يركض إلى حيث يتمدد «مود» على وجهه، والدماء تتدفق من جروحه.

    نصب تذكاري لـ«مود» في مكان مقتله بساتيلا شورز.

    نصب تذكاري لـ«مود» في مكان مقتله بساتيلا شورز.

    كان «مود» يركض وحده يوم مقتله. لا أحد يعرف على وجه اليقين الطريق الذي سلكه قبل أن يصل إلى «ساتيلا شورز»، لكنه انطلق من منزله، ما يعني أن ثمة فرصة قوية لمروره في أثناء الجري بمنازل ترفع علم الكونفدرالية أو علم «جادسدن» (لا تطأ على الممتلكات!)، تلك المنازل التي عليها لافتات ممنوع التعدي على ممتلكات الآخرين. للوصول إلى «ساتيلا شورز» من «بويكين ريدج»، كان عليه أيضاً عبور طريق الولايات المتحدة رقم 17، وهو طريق سريع كان لسنوات وبحكم الأمر الواقع حدّاً فاصلاً بين مناطق السود والبيض.

    ظل مود يجري لسنوات، لكن ليس هناك اتفاق في الرأي كيف بدأ بممارسة هذه الرياضية. وفقًا لشقيقته «ياسمين» التي كانت يوماً ما عدّاءة طموحة، سألها «مود» مرّة عام 2017 عن عدد الأميال التي قطعتها في اليوم الواحد، وبعد فترة وجيزة بدأ يقوم بذلك هو نفسه. تقول إن ذلك كان طبيعياً بالنسبة لأخيها؛ لأنه أحب الهواء الطلق، وأراد «الترويح» عن نفسه. يؤكد «أكيم» على أن مود استخدم الجري نوعاً من العلاج، لكنّه يعتقد أن دافعه الرئيسي كان الحفاظ على لياقته بعد كرة القدم. هذه النظرية ستحدد التاريخ الذي بدأ فيه بالجري إلى بضع سنوات قبل عام 2017.

    ⓘ الخلفيات لماذا جاكسون حريص على معرفة تاريخ علاقة «مود» مع رياضة الجري؟ لأنه أولاً كتب القصة لمجلة متخصصة برياضة الجري، وثانياً لأن علاقة «مود» مع الجري كان استثنائياً، فليس اعتيادياً أن يمارس شاب رياضة الجري خارج الأنشطة الرسمية. الشباب عادة يمارسون الجري لأن المدرب يجبرهم على ذلك. في حالة «مود» كان الأمر مختلفاً، والقارئ يحتاج يفهم هذا لبناء الصورة الأكبر للقصة.

    كان «مود» يركض مرتدياً قميصاً أبيضاً وسروالاً قصيرا كاكياً. كان يركض بدون قميص مرتدياً شورت كرة السلة. كان يركض مرتدياً قميصاً من دون أكمام وحذاء كرة سلة. أو كما يلخص «كيم» كان «بمقدرته الجري بأي شكل كان». في بعض الأحيان، أقنع «مود» صاحبه «جي. تي.» الذي «لا يحب الجري بهذه الطريقة»، واثنين آخرين من زملاء الحارة، للذهاب إلى مجمع «نورث جلين كانتري» الترفيهي والركض أميالاً حول البحيرة في المنتزه. في أوقات أخرى، عند عودة «كيم» إلى المنزل من الكلية، كان يتجول هو و«مود» إلى أحد طرفي جسر «سيدني لانيير»، وهو أطول جسر في كل جورجيا، يقومان ببعض تمارين الإحماء، ويمارسان الجري ذهاباً وإياباً عبره، على بعد مسافة أقل بقليل من ثلاثة أميال. الثنائيان كانا يحافظان على وتيرة جري ثابتة. «لكن، في بعض الأحيان كان يدفعني» للجري أسرع، يقول «أكيم».

    لا يوجد دليل على أن «مود» كان يتدرب على الجري لعشرات الكيلومترات أو لماراثون كامل أو نصفه، أو كان مهووساً بعدد الأميال التي يقطعها أو مدى سرعته. مع ذلك، من الواضح أنه كان شاباً يحب الجري، وكان بالمقاييس كلها عدّاءً موهوباً. من الواضح أيضاً بالنسبة لي أن القوى نفسها التي حوّلت الجري من هواية وليدة في ولايتي البيضاء إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات، خطّت أيضاً ثقافة كانت في أحسن الأحوال لا ترحب بأمثال «مود»، وفي أسوأها تقيّده.

    خط زمني لأحداث القصة

    الأحد 23 فبراير 13:15 | 2020، وفقًا لتقرير الشرطة، قام «جريجوري مكمايكل» بقلب «مود» على ظهره للتحقق ما إذا كان يحمل سلاحاً. قام بتفقده على الرغم من حقيقة أن «مود» لم يُشهر السلاح، أو يطلق الرصاص في أثناء أي جزء من رحلته، ولا حتى عندما حُصِر بين رجلين أبيضين مسلحين ورجل أبيض آخر غير مسلح، لم يعرف «مود» بوجوده خلفه. سيصل ضباط شرطة مقاطعة «جلين» في غضون ثوانٍ من إطلاق النار، وصفارات الإنذار تدوي على طول طريق «ساتيلا درايف». ولكن قبل أن تصل سيارات الشرطة هذه إلى مكان الحادث، فإن «ترافيس ماكمايكل» – وفقًا لتصريح «بريان» للمحققين في مايو – سيطلق على «مود» اسم «ز*ـجي لعـ*ـن».

    الجسر الذي استخدمه «مود» و«كيم» للركض، سُمّي باسم شاعر القرن التاسع عشر الكونفدرالي «سيدني لانيير». من الصعب تخيل جورجياً يضاهي «لانيير» في مرتبة الشرف. ليس فقط لأن الجسر سُمّي باسمه، بل هناك أيضاً مقاطعة «لانيير» التي تحمل الاسم نفسه في جنوب جورجيا، وبحيرة «لانيير»، وهي خزان للمياه في شمال جورجيا. بدا «كيم» مندهشاً عندما ذكرت له ارتباطات «لانيير» بالكونفدرالية (ولايات الرقيق)، ما يجعلني أتساءل عن مدى معرفة «مود» بتاريخ موطنه. سواء كان الشباب على دراية بالسيرة التقديسية لـ«لانيير» أم لا (مَنْ يقف لقراءة لوحة على جسر؟) فإن كل جريٍ على هذا الجسر كان إهانة، كان طريقة ماكرة لإذلالهم وإذلال شعبنا. نعم، شعلة «تيكي» التي يحملها العنصريون حليقي الرؤوس تهدد المشهد. لكن ماذا عن جحافل الرجال المتعصبين غير المرئيين ورموزهم التي لا تعد ولا تحصى؟

    توفي لانيير في عام 1881، ما يعني قرب نهاية عهد «إعادة الإعمار» وبداية قوانين «جيم كرو» في الفصل العنصري. في عام 1964، بعد بضعة أشهر من إعلان «قانون الحقوق المدنية» الذي مهد للنهاية القانونية لـ«جيم كرو»، قدّم فيلم وثائقي في التلفزيون الوطني التعليمي (وهو السّلف لـ«بي بي إس» بوبليك برودكاستنغ سيرفيس) «برونزويك» بكونها مدينة كانت قادرة على الاندماج دون إراقة الدماء التي سادت في كل مكان آخر في الجنوب. فاز فيلم «ذا كوايت كونفليكت» (النزاع الهادئ) بالعديد من الجوائز وكان سبباً رئيسياً في سمعة «برونزويك» باعتبارها «مدينة جنوبية نموذجية».

    ⓘ تاريخ استطاع جاكسون عن طريق البحث على جوجل التعرف أكثر إلى تاريخ المدينة. كان من الضروري التحدث عن هذا التاريخ؛ لأن «أكيم» الذي كان يركض فوق الجسر مع «مود»، لم يكن يعرف شيئًا عن تاريخ الشاعر الذي سُمِّي الجسر باسمه. لا تزال هنالك الكثير من رموز «الكونفدرالية» والعبودية والقمع في أمريكا، والأشخاص السود الذين يمرون من جنبها لا يعرفون عنها شيئاً. فهي مثل وحش غير مرئي، ومن المهم إظهاره للعلن. فالكتابة فعل مقاومة.

    في 23 فبراير 2020، خرج شاب للجري فأُعْدِم من دون محاكمة بمقاطعة «جلين»، جورجيا.

    ربما لم تكن «برونزويك» مثل نظيراتها من مدن الجنوب في إراقة الدماء، إلا أن دعاة الفصل العنصري لا يزالون يقاومون بشدة. في أحد الأمثلة، تم استدعاء «كو كلاكس كلان» لتهديد السود الذين يحاولون إدماج صالة بولينغ محلية. في مكان آخر، ملأ البِيْض مسبحاً عاماً بالأوساخ لمنع أطفال سود من السباحة. أعلن كثيرٌ من السكان اندهاشهم من مقتل «مود» والتقليل من أهمية العرق. أما أولئك الذين يجادلون بأن روح «سيدني لانيير» وأنصار الفصل العنصري قد ولّت، أو أن «ماكمايكل» الابن ربما لم يقل ما ادّعاه «بريان» في شهادته لدى الشرطة، ثمة أدلة حديثة -بما في ذلك منشورات «ماكمايكل» على الشبكات الاجتماعية التي استشهد بها المحققون- وكمثال آخر، أعيد هنا نشر هذا البوست من فيسبوك كتبه «كريس بوتنام»، زميل دراسة سابق لـ«ترافيس مكمايكل» في المدرسة الثانوية:

    «لن أكون أحد زملاء ترافيس مكمايكل الذين جلسوا هنا، ولم ينبسوا ببنت شفة. كان دائماً نموذجاً للمتخلف العنصري المحب للسلاح، وكنا جميعاً نعلم أن شيئًا كهذا سيحدث يوماً. أتذكر كثير من الأشخاص الذين كانوا هم أنفسهم عنصريين على نحو علني للغاية، وكانوا يمزحون كيف أنهم «على الأقل [ليسوا] ترافيس.»

    مظاهرة خلال محاكمة قاتلي أحمود ماركيز أربيري

    متظاهرون يسيرون في الشارع بعد مثول جريجوري وترافيس مكمايكل أمام المحكمة، وهما المتهمان بمقتل أحمود أربيري في 4 يونيو 2020 في «برونزويك»، جورجيا.

    عرّفت «الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين» ذات مرة «الإعدام بدون محاكمة» على أنه حالة وفاة حيث: 1) هناك دليل على مقتل شخص، 2) الوفاة غير قانونية، 3) شاركت مجموعة من ثلاثة أشخاص على الأقل في القتل. وفقًا لـتقرير «الإعدام بدون محاكمة في أميركا»​​، الذي صدر عن «مبادرة العدالة المتكافئة»، كان هناك 4084 حالة إعدام خارج نطاق القانون في الولايات الجنوبية بين عامي 1877 و1950. من أصل 594 عملية إعدام بدون محاكمة قانونية تم الإبلاغ عنها في جورجيا خلال تلك الفترة – وهي واحدة من أربع ولايات فقط لم تصدر بعد قانوناً بشأن جرائم الكراهية- ثلاث عمليات وقعت في مقاطعة «جلين».

    بين عامي 1920 و1938، رفع مقر «الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين» في نيويورك علماً أعلن «مقتل رجل بدون محاكمة قانونية أمس» للإشارة إلى جريمة قتل تناسب معاييرهم.

    أُعدِم اليوم صبيٌ دون محاكمة: لأنه سار مغطى الرأس في الشارع، ورفض أمر حارس الحي المتحمس. أُعدِم اليوم رجلٌ دون محاكمة: لأنه كان يبيع السجائر المفردة [وليس العلبة] خارج محل بقالة. أُعدِم اليوم مراهقٌ بدون محاكمة: بسبب نزاع حول سجائر «السيجارلو». أُعدِم اليوم طفلٌ دون محاكمة: لحمله لعبة خارج مركز للأنشطة الترفيهية. أُعدِم اليوم رجلٌ دون محاكمة؛ بسبب تجاوزه إشارة وقوف مرورية، ولم يكن يحمل سلاحاً. بسبب بيع الأقراص المدمجة خارج المتجر. بسبب تصريحه بأنه يحمل سلاحاً مرخصاً ومحاولته إخراج الرخصة. أُعدِمت اليوم امرأة من دون محاكمة؛ لأنها كانت نائمة. واليوم أُعدِم رجل آخر بدون محاكمة: للاشتباه بمحاولته الشراء بـ$20 مزورة. مـ ـ ـوـ ت! في فلوريدا، نيويورك، ميسوري، أوهايو، ساوث كارولينا، لويزيانا، مينيسوتا، كنتاكي، ومرة أخرى في مينيسوتا.

    ⓘ لماذا لم يذكر أسماء كل هؤلاء؟ أراد جاكسون ألا تطغى قصة أخرى على قصة «مود» ومنحه المكانة اللائقة به، وسرد قصته الحقيقية. مع ذلك، لم يكن ممكناً تجاهل الأرواح الكثيرة؛ لأنهم فقط من السود. وثمة ملمح قوي آخر هنا: فجاكسون يقول للقارئ: لا أحتاج أن أخبرك بأسمائهم، فأنت تعرفهم جيداً، أنهم في كل مكان.

    خط زمني لأحداث القصة

    الأحد 23 فبراير 13:16 | 2020، «شخصان على طريق هولمز. إطلاق أعيرة نارية. رجل على الأرض، ينزف بغزارة،» يقول ضابط الشرطة عبر جهاز اللاسلكي. يلفظ «مود» أنفاسه الأخيرة بالقرب من تقاطع طريق «هولمز» و«ساتيلا درايف»، على بعد 300 ياردة فقط من المكان الذي تجول فيه قبل 10 دقائق، ودخل موقع بناء. سيطوّق الضباط المكان ويبدأان التحقيق. سيستجوبون «مكمايكل» الأب والابن -يدا «جريجوري» ملطختان بالدماء بسبب قلب «مود» على ظهره- و«ويليام بريان». وفي فعل يمثل بحد ذاته ممارسة عنف آخر، سيتركون الثلاثة يمضون في حال سبيلهم كرجال أحرار لمدة ثلاثة أشهر تقريباً.

    ⓘ كم مرةً أُعيد تحرير القصة ومراجعتها؟ رغم شهرة جاكسون بكونه روائياً حائزاً على جوائز مرموقة، إلا أن المراجعة وإعادة التحرير لا تعرفان الشهرة؛ لا بل هما سبب الشهرة. هيكلية القصة من بداياتها كانت قصة داخل قصة، ولم يتغير ذلك. المشهد الافتتاحي والمشهد الختامي ظلا في مكانيهما، ما تبقى أعيد تحريره مراراً بنقل هذا المقطع إلى هناك، وإضافة معلومة إلى هنا، وتشذيب النص هنا وهناك.

    في 23 فبراير/شباط 2020، أعدِم شاب خرج للجري في مقاطعة «جلين» بولاية جورجيا.

    كان اسمه أحمود ماركيز أربيري، كان يُدعى «كويز» من قبل محبيه، و«مود» من قبل معظم الناس الآخرين. وأريدك أن تعرف أن «مود» كان لديه موهبة في ترك الانطباعات الجيدة ولديه موهبة خاصة في تقليد «مارتن لورانس». أريدك أن تعرف أن «مود» كان مولعاً بالحلويات، وكان يطلب كعكة «الفَدْج» من والدته في حفلات أعياد الميلاد، وغالباً كان يشارك الكعكة مع أخته الكبرى. أريدك أن تعرف أن «مود» كان يوقع البطاقات التي يشتريها لوالدته باسم «الطفل المدلل». أريدك أن تعرف أن «مود» وشقيقه كانا يرتديان الخوذات التي يستخدمانها في لعبة سيارات «الكارتينج»، ويلعبان بحذر على «الترامبولين»، وأنه لم يخذل قطّ شقيقه الأكبر. أريدك أن تعرف أن «مود» هرس خنصره وهو يلعب بالطوق في المدرسة الثانوية وبدلاً من معالجة الإصبع كما نصحت «ياسمين»، تركه يُشْفى من تلقاء ذاته- وظل ملتوياً للأبد. أريدك أن تعرف أن «مود» لم يكن يتأفف كلما بدأ شيئاً جديداً، وعندما يتأفف الآخرون، كان يوبخهم قائلاً «لا تبتئس يا رجل. افعل ما عليك فعله للتعامل مع الأمر». أريدك أن تعرف ما أخبرتني به «شينيس» عن «مود» أنه في بعض الأحيان كان يسجل حديثهما ليتمكن من الاستماع إلى صوتها عندما تكون بعيدة عنه. ما ينبغي أن تعرفه عن «مود» هو أنه كان يعشق طفلي أخيه «ماركوس الثالث» و«ميكا أربيري»، وأنه عندما كانا طفلين، كان يأخذهما في نزهات طويلة في العربة إلى أن يهدآ. ما ينبغي أن تعرفه عن «مود» أن «ياسمين» عندما سألتها صديقة في الجامعة بأي والديها ستتصل أولاً إذا ألمّت بها مشكلة، قالت إنها ستتصل به وليس بوالديها. أريدك أن تعرف أن «مود» كان متذوقّاً شغوفاً بساندويتش «ماك تشيكن» بالجبن. أريدك أن تعرف أن «مود» و«كيم» كانا قريبين جداً لدرجة أن الصدف شاءت أن كليهما كسر قدمه في اليوم اللعين ذاته في حادثتين منفصلتين في أثناء رفع الأثقال، وأن «مود» كان يمازح بشأن ذلك عندما كانا يتعالجان في غرفة المدرب. ينبغي أن تعلم أن «مود» كان يحلم بالعمل كهربائياً وامتلاك شركة إنشاءات. ينبغي أن تعلم أن «مود» كان يتحدث كثيراً عن رغبته في أن يصبح زوجاً وأباً عظيماً. ينبغي أن تعلم أنه كان سيخبر أولاده أن يشتروا جميعاً قطعة أرض شاسعة، وأن يبنوا عليها منازلهم، وأن يعيشوا مع عائلاتهم في مجمع مسوّر. ينبغي أن تعلم أن «مود» لم يسافر قط على متن طائرة، مع أنه سافر في رحلات إلى جامايكا واليابان وأفريقيا. ما يجب أن تعرفه عن «مود» أنه عندما طارده «ترافيس مكمايكل»، «وجريجوري مكمايكل»، و«ويليام رودي بريان» وقتلوه قبل أقل من ثلاثة أشهر من عيد ميلاده السادس والعشرين، ترك وراءه والدته «واندا»، ووالده «ماركوس»، وشقيقه «باكّ»، وشقيقته «ياسمين»، وجدته من ناحية أمه «إيلا»، وأبناء أخيه، وستة أعمام، و10 عمات، ومجموعة من أبناء عمومته، وأن حياتهم جميعاً ستكون أفقر بما لا يقبل الجدال، وما لا يمكن تخيله، وما لا رجعة فيه، بسبب غيابه.

    ⓘ تكرار الصدارة هذا المقطع أروع مقطع في القصة، استخدم فيه جاكسون إيقاعاً بلا هوادة: أريدك أن تعرف.. ينبغي أن تعلم.. يجب أن تعرف.. مستخدماً تكرار صدارة الجملة، ما يذكر بالنصوص الدينية والكتاب المقدس. يكرر الصدارة ليبني نمطاً، ثم يكسره بنمط جديد. وأيضاً هذا الانتقال من أريد، ينبغي، يجب.. إذ تزداد كثافة المعنى وأهميته كلما تقدم المقطع نحو نهايته. ثم بهاء الجملة الأخيرة باستخدام «ما لا» : «وأن حياتهم جميعاً ستكون أفقر بما لا يقبل الجدال، وما لا يمكن تخيله، وما لا رجعة فيه، بسبب غيابه.»

    كان «أحمود ماركيز أربيري» أكثر من مجرد انتشار مقطع فيديو. كان أكثر من هاشتاج أو اسم على قائمة الضحايا المأساويين. كان أكثر من تقرير أو مقال أو تأبين. كان أكثر من عنوان، أو افتتاحية، أو حزمة أخبار، أو تغطية خبرية. كان أكثر من إعادة تغريد أو مشاركة منشور. كان، بلا جدال، أكثر من الـ«لايكات» أو إيموجي تذرف الدمع، أو على شكل قلب أو أيادٍ تتهدج بالصلاة. كان أكثر من صورة على تيشيرت أو لافتة. كان أكثر من تشريح للجثة، أو سجل للتحقيق، أو تقرير للشرطة، أو جلسة استماع مباشرة. إنه، بكل تأكيد، أكثر من سورة غضب سريعة الزوال من صديقك الليبرالي الأبيض. كان أكبر من رمز، أكبر من حركة، أكبر من قضية. كان.. محبـوباً.

    ⓘ كان.. محبوباً في نهاية المقطع يستخدم جاكسون جملة استلهمها من رواية توني موريسون «نشيد سليمان» وتُرجمت للعربية بعنوان «أغنية سليمان»: كان محبوباً. لكن جاكسون تلاعب بعلامات الترقيم واستخدام الحروف المائلة على الشكل التالي: He. Was. Loved. فأهم فكرة في نهاية الأمر هي أن هذا الشاب كان «محبوباً».

    طريق «ساتيلا درايف» حيث قتل أحمود أربيري

    طريق «ساتيلا درايف» حيث قتل أحمود أربيري في «برونزويك»، جورجيا.

    تمكن بعض هؤلاء الأحباء من مشاهدة «مود» يلعب المباراة الأخيرة في موسمه الأول، وهي مباراة خارج ملعبه في مدرسة «ليكسايد إيفانز» الثانوية. في غرفة خلع الملابس، يقدم المدرب حديثاً حماسياً يثير الهمم، و«مود» الذي يرتدي جوارب طويلة زرقاء بألوان مدرسته وشريط معصم أبيض متلألئاً، يقود الفريق في ترتيلة ما قبل المباراة. يصيح: «أنتم جميعاً لستم جاهزين». «شـييييييت،» يصيحون، ثم يهيمون على وجوههم خارج غرفة خلع الملابس، المسامير السفلى لأحذيتهم تصدر القرقعة على الأرضية الخراسانية، وإلى أرضية الملعب. مود كابتن الفريق، يختال متجهاً إلى خط 50 ياردة للمشاركة في القرعة.

    ⓘ لماذا أنهى القصة بمشهد ختامي عن مباراة أيضاً؟ لأن كرة القدم كانت حب حياة «مود»، ولأن جاكسون أراد لقصته أن تكون على شكل دائرة كاملة (بدأ بمباراة وأنهى بالمباراة ذاتها)، ليس لها بداية أو نهاية؛ دائرة جهنمية من قتل وإعادة قتل إلى ما لا نهاية. وساعده على ذلك أن هذه المباراة الأخيرة كان مغطاة إعلامياً، ومن ثم كان هنالك معلومات كافية عنها. وثمة ملمح مهم آخر، أن نهاية مسيرة مود مع كرة القدم كانت في هذه المباراة. ومنذ ذلك الحين بدأت الأقدار تفعل فعلها إلى أن انتهت بمقتله.

    نادراً ما ينهي رياضي الموسم بفوز. «مود» الذي سيمكّن الفريق من الحصول على جائزة قطع معظم الكرات من الخصم في ذلك الموسم، يتألق في جميع أنحاء الملعب، ويوقف الهجمة بعد الأخرى، مع ذلك «قراصنتـ»ـه يرتكبون أربعة ارتدادات في الشوط الأول، ويتخلفون عن الفريق الخصم بـ 20 نقطة. لكن الفريق – وسط الهتافات- ينجح في استجماع قواه في الشوط الثاني، ويحوز على أكبر فرصة واعدة عندما يقطع «مود» الكرة في منتصف الربع الرابع، وينطلق في خط متعرج هنا، ويناور هناك، ويهاجم منتصف الملعب، والريح تصفر عبر خوذته، ورشاقة ساقيه تدفعه إلى خط الـ 50، الـ 40، الـ 30، وآااه بات قريباً جداً، لكن لم ينجح في الوصول إلى خط النهاية.

    لم يسجل «القراصنة» نقاطاً في الهجمات السابقة. يخسرون المباراة ويغيبون عن التصفيات لأول مرة منذ نصف عقد. بينما يحتفل خصمهم، ويعتصر المعجبون طريقهم للخروج من المدرجات، يتحلّق «مود» وبعض زملائه في دائرة في منتصف الملعب. هناك، يقفون يداً بيد، بقع العشب تلطخ لباسهم الضيق، والدموع تسيل فوق الشرائط السوداء أسفل جفونهم. الفتيان الذين سيصبحون قريبا شباناً، يندبون حداداً على خسارة نهاية الموسم، فتيان في مخاض الشباب يتفجعون على النهاية الأبدية لموسم كرة القدم. كان بإمكان «مود» أن يلجأ إلى موهبته في الفكاهة للتخفيف عنهم، لكنه هذه المرة يمتنع ويسلّم بمدى ثقل الموقف. نعم، سيستمر بعضهم باللعب في الكلية. آخرون سيذهبون في الواقع إلى الكلية طلاباً فقط. وبالتأكيد، سيتخلى البعض عن الجامعة تماماً، وينخرط في دوّامة العمل. ولكن ها هي الحقيقة، الحقيقة الكاملة، فليساعدني الرب: تحت هذا البريق الأخير لأضواء ليلة الجمعة، لا «مود» ولا أي من زملائه الآخرين يعلمون على وجه اليقين ما يخبئه لهم المستقبل.

    ⓘ الجملة الأخيرة مجدداً، الجملة الأخيرة تشير إلى نقطة البداية، والشكل الدائري للقصة، فلا أحد يعلم من سيكون الآتي في سلسلة جرائم القتل العنصرية.

    مَنْ هو ميتشل جاكسون؟

    هو كاتب وروائي أمريكي، وحظيت روايته The Residue Years بإشادة نقدية واسعة. وقد فاز جاكسون عن روايته بجائزة وايتنغ Whiting Award. كما فازت بجائزة إرنست ج. جينز The Ernest J. Gaines Prize للتميز الأدبي وكانت من ضمن الروايات المرشحة لجائزة فلاهيرتي-دونان لأفضل أول عمل روائي The Center for Fiction Flaherty-Dunnan First Novel Prize، وجائزة بين – همنجواي PEN / Hemingway Award لأول عمل روائي، وجائزة هورستون / رايت Hurston / Wright Legacy Award. وتشمل تكريمات جاكسون زمالات ومنح وجوائز من كرييتيف كابيتال، ومركز كلمان لمكتبة نيويورك العامة، ومؤسسة لانان، ومؤسسة فورد، و«بين أمريكا»، وتيد، ومؤسسة نيويورك للفنون، ومركز الخيال.

    وسُلِّطت الأضواء على كتابات جاكسون في نيويورك تايمز، وتايم، وإسكوير، وماري كلير، إضافة إلى ذلك في النيويوركر، وهاربرز، ونيويورك تايمز، والمجلة الباريسية، والجارديان، ومجلة واشنطن بوست، وهاربرز بازار، وأمكنة أخرى. نُشر كتابه غير الروائي Survival Math: Notes on an All-American Family في عام 2019 واُختير بوصفه أفضل كتاب للعام في NPR، تايم، المجلة الباريسية، ذا روت، كيركس ريفيوز، وبازفيد.

    قدم جاكسون محاضرات وخطباً رئيسية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مؤتمر تيد السنوي، ومهرجان أوبود (بالي) للكتاب والقراء، ومهرجان سيدني للكتاب، بالإضافة إلى مؤسسات مرموقة مثل جامعة ييل، وجامعة براون، وجامعة كورنيل، وجامعة كولومبيا.

    لكونه سجيناً سابقاً، يعمل جاكسون أيضًا كمدافع عن العدالة الاجتماعية ويشارك في التوعية في السجون ومرافق الشباب في الولايات المتحدة وخارجها.

    ٤‏/١٢‏/٢٤

    خرج من منزله، ولم يعد

    رشاد عبد القادر

    قصة تدور أحداثها في ديسمبر 2024، توثق سقوط حلب والتحالفات المتشابكة التي شكلت مصير المدينة. في قلب هذا الفوضى، يقف مقاتل حرية مسنّ، كان يأمل أن يتجاوز معارك الماضي، لكنه دفع الثمن الأغلى عندما طرقت الحرب بابه مجدداً.

    صورة تجريدية

    ١٢‏/٤‏/٢٤

    اللعبة التي علمتني سرد القصة

    نحن نتابع الأخبار لنتعرف على الوقائع، ونحصل على المعلومات، لكننا ننجر إلى القصص المرة تلو المرة؛ لأننا نحتاج إلى معرفة ما يعنيه تموضعنا داخل تلك الوقائع والمعلومات.

    صورة تجريدية

    ٥‏/٣‏/٢٤

    هل يمكن أن تنقرض الصحافة؟

    التهديدات الوجودية التي تواجهها الصحافة، تفوق ما قد يتسع له فيلم رعب ذي ميزانية كبيرة. حقاً، لطالما كان الأمر كذلك.

    صورة تجريدية

    ٢٦‏/٩‏/٢٢

    ترتيب الكلمات في الجملة

    لم يحظَ نظام الجملة العربية بالدراسة الكافية لدى نحاة «عصور الاحتجاج» الذين أرسوا قواعد اللغة. فلا تجد بين كتبهم الكثيرة، كتاباً عن الجملة العربية، أو حتى فصول من كتاب.

    صورة تجريدية

    ٨‏/٩‏/٢٢

    بناء الجملة في اللغة العربية

    «العربية» تطوّرت بخصائصها في الإيجاز كلّما وجدت إليه سبيلا. لذلك قالت العرب «خَيْرُ الكلام ما قِلّ ودَلّ»، فمتى ما أمكن أن يكون الكلامُ جملةً واحدة، كانَ أَوْلَى من جعله جملتين «من غير فائدة».

    صورة تجريدية

    ٥‏/٩‏/٢٢

    غاية اللغة الوضوح

    متعة القراءة ليست في الوصول إلى ما تقوله الجملة لفظاً، إنما في استكشاف ديناميكيات التفاعل بين مكوّناتها

    صورة تجريدية

    ٢٢‏/٨‏/٢٢

    مرونة «العربية».. لوثة لغة الصحافة

    في العربية تجد التقديم والتأخير والإضمار والتقدير والحذف، وأن حرفاً واحداً يحلّ محل جملة بأكملها، وأن الزمن «مطّاط» فيمكن لصيغة المضارع أن تشير إلى الزمن الماضي أو العكس.

    صورة تجريدية

    ٣٠‏/١٢‏/٢١

    نعم، لم يكن عادياً

    طوّرنا نحن البشر القدرة على خلق القصص والإيمان بها. طوّرناها لأن السرد يستطيع تجاوز «هنا، الآن» من خلال تعريف الأفراد بمواقف تتجاوز تجاربهم اليومية.

    صورة تجريدية

    ٢١‏/٥‏/٢١

    دع الكلمات والجمل تتصادم

    المعنى يتوالد في التصادم بين الجمل، وليس كما تعتقد بأنه فكرة في دماغك يمكنك إيصالها عبر «وعاء» يسمى الجملة.

    صورة تجريدية

    ١٤‏/٥‏/٢١

    الجُمَل.. ممثلون يؤدون الدور ويغادرون خشبة المسرح

    لماذا التركيز على الجمل وليس الخبر أو القصة ككل؟ لأن عملك ككاتب هو بناء الجمل؛ معظم وقتك ستقضيه في إنشاء الجمل في عقلك، ألم يخبروك بذلك؟ هذه هي حياة الكاتب.

    صورة تجريدية

    ١٢‏/٥‏/٢١

    الكتابة تجعلك إنساناً

    الكاتب يستخدم كل شيء. يستخدم خياله، وغريزته، وعقله، وحواسه، وخبراته، وعلاقاته، وكلماته، وكل قصة تشرّبها منذ طفولته. قد تكون الكتابة عندك مهنة أو هواية أو ربما طموحاً. ولا يهم الطريق الذي تختاره، فبكل الأحوال الكتابة ستجعلك تعرف أكثر وتشعر أكثر. الكتابة ستعظِّم الإنسان بداخلك وتكثّفه.

    صورة تجريدية

    ٦‏/٥‏/٢١

    الصقور الحوّامة..

    اكتب كي تفاجئ نفسك حتى وإن كانت المفاجأة سيئة. «لديك الحرية. لديك الخيار. استخدمه. شجّع الآخرين على النزول عن غصن الشجرة. استثمر بعض الوقت والاهتمام للنظر فيما أنت ذاهب إليه. ولكن بعد ذلك انزلق. تحسّس تيار الهواء الصاعد. وحلّق».

    صورة تجريدية

    ٣‏/٥‏/٢١

    تمرين في اللغة

    الكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة. والجملة الواضحة ليست من قبيل المصادفة، إذ نادراً ما تأتي من المحاولة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة. إذا وجدت الكتابة صعبة، تذكّر هذا في لحظات اليأس: ذلك لأنها بالفعل صعبة.

    صورة تجريدية

    ٣٠‏/٤‏/٢١

    الأفعال.. تلك القوة المهدورة صحافياً

    الصحافة أساساً تدور حول الأفعال. وقوة الأفعال في أنها مرتبطة بزمن له بداية ونهاية، وبها حركة من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»؛ ما يضفي الأكشن (أو التشويق إذا أردت) إلى السرد في النص. استبدال الأفعال بصيغة المصدر ينزع عن السرد دسمه.

    صورة تجريدية

    ٢٥‏/٤‏/٢١

    للعالقين في منتصف السُّلَّم.. ثمة مَخْرج

    أن تكون كاتباً جيداً عليك صعود سُلَّم اللغة وهبوطه باستمرار؛ إياك الوقوف في منتصفه للرقص. في أعلى السُّلَّم اللغة مجرّدة كالحرية والمعرفة، وفي أسفله اللغة مادية مرتبطة بالحواس كالشجرة والصخرة.

    صورة تجريدية

    ٢٢‏/٤‏/٢١

    البساطة مفتاح الصحافة الجيدة، لكن ليس دائماً

    الكلمة البسيطة والجملة القصيرة والتركيب اللغوي الواضح لا غنى عنها في الموضوعات المعقدة والمبهمة والغريبة، لجعلها مفهومة بل و”مألوفة” عبر قوة الشرح. ولا أريد التحدث عنها اليوم. ما يأسرني أكثر أن الصحافي الجيد يستطيع أيضاً أن يجعلَ البسيطَ «معقداً»، ويترك أثراً جيداً لدى القارئ.

    صورة تجريدية

    ٢١‏/٤‏/٢١

    صحافة «قال وأضاف».. لديك خيارات أكثر من ذلك

    التقارير توصل المعلومات، القصص تخلق التجربةَ. التقارير تنقل المعرفة، القصص تنقل القارئ نفسه، عابرةً الزمان والمكان. التقارير تدلّنا على الحدث، بينما القصص تضعنا داخل الحدث.

    صورة تجريدية

    ٢٠‏/٤‏/٢١

    علامات الترقيم.. إيضاح وإثارة

    أما وقد تحدثتُ عن الجَوْر الذي لحق بـ”الجملة الطويلة” وما أثاره من “غيرة” المدافعين عن ميراث استخدام الجملة القصيرة في الراديو أو التلفزيون، أجدها فرصة مناسبة لتناول علامات الترقيم التي ترسم بداية الجملة ونهايتها وتضبط إيقاعها ومساحتها، وكثيراً ما يُساء فهمها واستخدامها.

    صورة تجريدية

    ١٨‏/٤‏/٢١

    لا تخشَ الجملة الطويلة

    الطول سيجعل الجملة السيئة أكثر سوءاً، لكنه سيجعل الجملة الجيدة أكثر بهاءً. نصائح لاستخدام الجملة الطويلة بذكاء في الكتابة.

    صورة تجريدية

    ١٦‏/٤‏/٢١

    طريق الإقناع معبّد بالتفاصيل

    وصف الروائي جوزيف كونراد Joseph Conrad ذات مرة مهمته في الكتابة قائلاً: “بقوة الكلمة المكتوبة، أريد أن أجعلك تسمع وتشعر، وقبل كل شيء أن أريد أن أجعلك ترى”.

    صورة تجريدية

    ٢‏/٤‏/٢١

    في لعنة المعرفة

    صحافياً، تعني “لعنة المعرفة” عدم قدرة الصحافي على استيعاب أن القارئ لا يمتلك المعارف التي يمتلكها هو نفسه. والمشكلة تنبع أساساً من أن المرء كلما عرف شيئاً نسي الصعوبات التي واجهته في معرفة ذلك الشيء.

    صورة تجريدية

    ٢٥‏/١٠‏/٢٠

    كيف تكون مكتشفاً للمشاكل؟

    الطلب في سوق العمل لن يكون على الذين يحلون المشاكل، بل على مكتشفي المشاكل. حل المشاكل سيكون مهمة سهلة ووظيفة الذكاء الاصطناعي.

    صورة تجريدية

    ٢٦‏/٧‏/٢٠

    الفضول والألفة في الصحافة

    البشر كائنات معقدة؛ فهم فضوليون ومحافظون؛ متعطشون لأشياء جديدة ومنحازون للأشياء المألوفة. والألفة، كما يقول صاحب كتاب Hit Makers ليست النهاية. إنها مجرد بداية فقط.

    صورة تجريدية

    ٢١‏/٧‏/٢٠

    في مديح الثقة

    إن المبدأ الأول للصحافة – سعيها غير المتحيز نحو الحقيقة – هو في نهاية المطاف ما يميز الصحافة عن أشكال الاتصال الأخرى. فالحقيقة ليست كاملة أبداً، إنما في طور التشكل دائماً مع كل قصة جديدة.

    صورة تجريدية

    ٢٢‏/٦‏/٢٠

    لسنا وحدنا.. فالعالم مثلنا أيضاً

    أنت كفرد تتوهم أنك تعرف أكثر مما كان يعرفه صياد قبل آلاف الأعوام، لكن الحقيقة أن معارفك بحاجياتك في عالمك أقل بكثير من معارفه بحاجياته في عالمه. فنحن في عالمنا المعاصر نعتمد على خبرات الآخرين في تلبية جميع احتياجاتنا تقريباً.

    صورة تجريدية

    ١٨‏/٦‏/٢٠

    نحتاج إلى 3 بالمئة فقط لإحداث التغيير

    عند كل مفترق حضاري، كان هنالك شخص مختلف، يفكر بطريقة مختلفة، ويريد إنجاز شيء مختلف، فيُحدِث التغيير الذي سينحدر في النهاية إلى نقطة الصفر، ولكي يستمر التطور سيحتاج إلى تغيير آخر!

    صورة تجريدية

    ١١‏/٦‏/٢٠

    لا يكفي أن تكون صحفياً

    أولئك الذين يعزفون على أحد الآلات الموسيقية، يعلمون تلك المساحات المحسوبة بدقة هندسية متناهية بين العلامة الموسيقية ونصف العلامة وربع العلامة. والصحفي الجيد مثل العازف الجيد، عليه أن يعرف أين يضع إصبعه.

    صورة تجريدية

  • فقدَ السرد، ففَقد قلبه الإيقاع

    صورة تعبيرية تجريدية

    فقدَ السرد، ففَقد قلبه الإيقاع

    السعادة ليست حدثاً لحظياً؛ ليست صورة على إنستغرام أو مقطع فيديو على «تيك توك»، السعادة لها ذيل طويل يمتد إلى الماضي. إنها مثل الشَّفَق؛ تلك الحُمْرة التي تُرى في الأفق بُعَيْد المغيب.

    المجتمع الذي كان من دون تواصل حلّ محله تواصل من دون مجتمع..

    26.08.2024

    بقلم: رشاد عبد القادر

    النص قصة واقعية بسرد أدبي فلسفي، أعاد ترتيب الأحداث وصاغها بما لا يؤثر على معناها العام. وما كان ممكناً كتابته، لولا أعمال بايونغ-شول هان، لا سيما The Crisis of Narration، و The Palliative Society، والتر بنيامين The Storyteller، حنة آرنت The Human Condition، إضافة إلى أسماء أخرى وردت في سياقاتها.

    عاد هذا الصباح أيضاً من عند طبيب القلبية بأنباء غير سارة. لقد فقد قلبُه الإيقاع. القلب يعمل عادة بتواتر منتظم؛ تنقبض حجرتا الأُذين، ثم حجرتا البطين، في تتابع نادراً ما يشعر به الإنسان. عندما يحدث خلل في هذا التناغم، فإنه يحوّل الحياة اليومية إلى قطعة جحيم. لسببٍ ما، لا يعرف الأطباء كيف بدأ البطين لديه في الانقباض قبل أوانه، فيحدِث انتفاضة تهزّ كامل الجسم. ليس مرة واحدة في اليوم أو اثنتين أو حتى عشراً، بل 14,000 مرّة، وكأن جَرْوين صغيرين يتقاتلان باستمرار داخل صدره؛ يخضّانه، يرجّانه، وينفضانه من دون رحمة.

    بدأ الأمر كله قبل 15 سنة. في ليلة عادية، بينما كان يحاول النوم بعد يوم عمل مرهق وضاغط، بدأ قلبه ينتفض. سبق له أن عايش هذه الحالة. كانت تدوم من ثوان إلى بضع دقائق ثم تتبدد. لكن ضربات القلب هذه المرة بدت مختلفة، فهي أقوى وأعنف، وتأبى أن تتوقف. ما يزيد الأمر سوءاً، هو الاستجابة الغبية للدماغ عندما يستنفر ظناً منه أن الموت بات وشيكاً، فيرسل إشارات إلى الجهاز العصبي الودّي -الذي يتعاطف مع احتياجات الجسم- لتنشيط الغدة الكظرية، فتفرز هرمون الأدرينالين، ما يسبب بدوره تسارعاً أكبر في النبضات. لحسن الحظ أن القلب مبرمج آلياً بفضل الجهاز العصبي الـ «لا ودّي»، هذه المرّة، على ضبط تسارع النبضات إلى حد أقصى معين، لولا ذلك لأصاب الدماغُ بحماقته القلبَ بعَطَب دائم. في ذلك اليوم، أمضى ثلاث ليالٍ في العناية المركزة.

    وإذا كانت الناس لا تنتبه عادة لوجود قلب في قفص الصدر؛ فإن كل خضّة كانت تذكّره بأن خيط الحياة رفيع، وما أسهل انقطاعه. قلبه الذي ينتفض عندما يفرح، وينتفض عندما يحزن، ينتفض عندما يضحك، وينتفض عندما يبكي، ينتفض عندما يجوع، وينتفض عندما يشبع، ينتفض عندما يركض، وينتفض عندما يستريح؛ كأنه ظلٌّ يذكّره بأن لحظة واحدة كافية لإنهاء كل شيء.

    عندما وصل إلى المنزل، وجد الكلب ينتظره عند الباب. كان «ليو» يهز ذيله دائرياً في الاتجاهات جميعها، يتلوّى يميناً وشمالاً، فالساعة قد قاربت الحادية عشرة، وبات من حقه الآن تناول الإفطار والخروج في المشوار الصباحي الذي تأخر. من حسن حظ الكلاب أنها لا تأبه للأمراض مثلما يفعل البشر.

    وضع حقيبة الظهر على الكرسي المجنّح، المخملي الأخضر الداكن، دون اكتراث. لم يستخدم قطّ هذا الكرسي المهيب للجلوس. يودّ التخلص منه، مع أنه من الطراز نفسه الذي استخدمته الملكة البريطانية آن ستيوارت. وكان كرسي ونستون تشرشل المفضل وهو يخطط لمعركته التالية مع أدولف هتلر. تشارلز ديكنز أيضاً كتب معظم رواياته على كرسي مشابه. وجلس عليه سيغموند فرويد أثناء استماعه لمرضاه خلال جلسات العلاج الطويلة؛ كان يحتاج إلى كرسي مريح كي يعيد بناء السرد الذي فقده المريض.

    اشتدّ الخفقان، فجلس على الأريكة المقابلة يحاول التقاط أنفاسه. لم يستطع إزاحة الفكرة عن ذهنه: أهو أيضاً فقد السرد؟ الآلام والاضطرابات النفسية، عند فرويد، عَرَضٌ لانسداد في تاريخ المريض غير القادر على متابعة قصته. والخطوة الأولى على طريق الشفاء هي تحرير هذا الانسداد. عندما يبدأ المريض بسرد قصته بحرية، عندما يضع مخاوفه المسكوت عنها، في كلمات؛ في لغة، عندما يروي حياته في مشاهد غير مترابطة؛ انسدادات متفرقة في «سرد» مشوّه، يأتي التحليل النفسي، ويجمع المعلومات المتضاربة، يزنها ويرتبها داخل قصة قابلة للفهم؛ فيستعيد المريض حياته في سرد متماسك يجرف معه؛ وكأنه نهر، الآلام إلى المكبّ. آهٍ لو أن أحداً ما؛ شخصاً ما مثل فرويد، يأتي من حيث لا يعلم، ويعيد ترتيب مشاهد حياته التي خرجت عن الطريق، مثلما فعل قلبه، يضع كل ذكرى ضالّة؛ كل خوف عالق في مكانها الصحيح. يأتي ويزيل البؤر التي تمنع الحياة من التـدفق.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_15 PM.png

    المشهد كما تخيله الذكاء الاصطناعي

    أفرغَ علبة كبيرة من اللحم والجزر والنودلز مع الحساء في صحن، وفي صحن آخر سكب الماء. كان «ليو» يدور حول نفسه ويقفز فرحاً بالوجبة الدسمة. الكلاب لا تستلذّ الطعام؛ ولا تستمتع به، إنها تلتهمه. لو كان بيدها لجعلته في لقمة واحدة. بضع مئات السنين، ربما الآلاف، من وفرة الغذاء، لم تكن كافية لتحييد غريزتها البدائية؛ غريزة البقاء على قيد الحياة. إنها لا تزال تفعل فعلها، وتدفعها إلى التهام أكبر قدر من الطعام في أقرب وقتٍ ممكنٍ. فالوجبة التالية قد لا تكون متوفرة، مع أن الرفّ مليء بها؛ علب فوق علب فوق علب.

    علاقته مع الكلب المالطي الصغير ليست على ما يرام. أهداه إلى ابنته الكبرى في عيد ميلادها الثالث عشر بعد أخذٍ وردٍّ طويلين. منذ ذلك الحين، تستمتع برفقته من دون أن تتحمل مسؤولية أعبائه. الآباء هم هكذا يحملون الأسى دائماً. يخرج «ليو» ثلاث مرات في اليوم في مواعيد محددة، لا تأبه لطقس برلين المتقلب، لا للمطر، لا للريح أو الثلج. شعره الأبيض الناصع الحريري الطويل يحتاج إلى عناية مستمرة؛ حمّام أسبوعي، وقصّ كل شهرين أو ثلاثة على الأكثر. وفوق كل ذلك، إنه كلب مشاكس بشخصية قيادية. يعدّ إناث كلاب الحي تابعاتٍ، وويل للذكور، مهما كبرت أحجامهم، إن اقتربوا من إحداهن في حضوره. يهجم بشراسة أسد مع أنه مخصيّ.

    وبينما كان يراقب «ليو»، وهو يلتهم وجبته بالغريزة التي لا تعرف عاطفة، تأمّل علاقتهما وكيف أن الظروف جعلت مصائرهما تتشابك. لم يكن الحب أو الكره ما يجمعهما، بل صفقة لتلبية احتياجاته اليومية. هو نفسه عالقٌ الآن مع الحياة في صفقة؛ تقوده الالتزامات لا العواطف. علاقة من دون «قصة»؛ عرضية وطارئة، قيمتها لا تتعدى اللحظة التي تكون فيها.

    أنهى «ليو» تناول وجبته، ونظر إليه بامتنان، مع ابتسامة – نعم، الكلاب تبتسم – ثم اندفع نحو الباب متململاً، مضطرباً. هو أيضاً مضت حياته مضطربة؛ بحث عن السلام باستمرار، ولم يجده أبداً. وضع الكلب في المقود، وانطلق به في المشوار الصباحي المتأخر، متبعاً المسار الذي يسلكه كل يوم، ليس من باب الاختيار، بل انطلاقاً من تواطؤ ضمني بينه وبين «ليو»؛ فالمسارات الجديدة تحمل معها روائح كلاب جديدة وأعداءً محتملين وأخطاراً كامنة، لذلك كان من الأفضل الالتزام بما يمكن التنبؤ به. لقد عاش حياته على الحافة؛ تملّكه الشغف في انتظار ما سيحدث تالياً، مدفوعاً بضخ الأدرينالين في العروق. ربما كان هذا الضخ المستمر السببَ في مشكلة اضطرابات نُظم القلب. لم يتسن له يوماً التحدث بعمق مع الطبيب.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_22 PM.png

    علّقوا بصدره جهازاً يسمى «هولتر مونيتور»، للمراقبة وتسجيل عدم الانتظام على مدار 48 ساعة. الجهاز يجمع كمّاً هائلاً من البيانات عن القلب؛ كيف يعمل في أثناء الراحة، والنوم، والعمل، والمشي، والركض، والأكل، والتسوق، حتى أثناء ممارسة الجنس. بياناتٌ وبيانات، ثم يمضي الطبيب مع المريض دقيقتين أو ثلاثاً لا أكثر. إنه مجرد رقم؛ المريض السابع في هذا اليوم، العاشر، أو ربما الثامن عشر. قال له: «سننتظر أشهراً أخرى، ونضع الجهاز مجدداً. إن لم يكن النظم قد تحسّن، علينا عزل البؤر المنتبذة التي تتسبب في اضطراب القلب، بالكيّ عن طريق القسطرة.»

    القلب، منذ الزمن الأول، تتحكم فيه عقدتان: عقدة جيبية أذينية، وعقدة أذينية بطينية، تنظمان حركته بإرسال إشارات كهربائية بتواتر زمني معين. تحدث المشكلة، عندما تبدأ بؤر مُنْتَبذَة بعضلة القلب؛ بؤر شاذة، بإرسال إشارات كهربائية مشوِّشة فيحدث الاضطراب، ويفقد القلب إيقاعه وتوازنه. كان مقتنعاً أن «الحياة عندما تفقد توازنها، تُفْقِد القلب إيقاعه.»

    «ليو» كان سعيداً بالمشوار الذي كاد أن يفقد الأمل فيه. يركض ويقفز، يشمّ هنا وهناك. تجذبه رائحة البول أكثر من أي شيء آخر. إنها البصمة التي تميزه. من رائحة البول، يستطيع أن يعرف الجنس، العمر، الأمراض، يستطيع أن يعرف ماذا أكل، وحالة المزاج؛ ما إذا كان هائجاً، أو مسعوراً، أو ما إذا كانت كلبة شبقة مستعدة للتزاوج. تذكّر صديقته التي قالت له يوماً وقد أغمضت عينيها ودفعت بأنفها وفمها إلى الأمام قليلاً كأنها تستحضره: «لن أنسى رائحة ما بين فخذيك،» ابتسم لفكرة أن تخيّله كان أقوى من حضوره.

    طوال حياته لم يعرف لماذا وقعت هؤلاء الفتيات في حبه. لم يكن وسيماً. وجه بيضوي بفكين عريضين، جبهة ضيقة توّسعت -بقدرة قادر- مع تقدمه في العمر، وعينان صغيرتان حادتان فوقهما حاجبان مقوسان كثيفان، وأنف بارز بأرنبة نازلة، شفتان رقيقتان بهما سمرة، تميل زاويتهما إلى الأسفل عند الابتسام. حتى ابتسامته كانت تدلّ على حزنه هذا إذا تغاضيتَ عن جسمه النحيل وظهره المنحني. الشيء اللافت فيه، هو صفاء بشرته. إنها مشرقة، ربما بفعل التعرق الدائم؛ فجسمه آلة ضخّ للعرق. إنه من تلك الشخصيات التي إذا تعرّفتَ عليها، لا تستطيع أن تكون محايداً تجاهها؛ فإما أن تحبها أو تكرهها. شخصية لديها هالة.

    لم يبادر قطّ إلى الاعتراف بحبه لأي فتاة. كان يفضل أن يبني معهن أولاً قصة؛ سرداً. يختلق الأحداث، يحبكها ثم يدفعها بصبرٍ وجَلَد، إلى أن تصل إلى لحظة الذروة. لم تنجح الخطة دائماً، لكن عندما تفعل، يأتين إليه معترفات، راغبات.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_27 PM.png

    الشخصية كما تخيلها الذكاء الاصطناعي

    لاحت من بعيد كنيسة «الأمل» الإنجيلية. يمرُّ بها يومياً ثلاث مرات في طريق عودته من مشاوير «ليو» الذي لا يحبه ولا يكرهه. لا ذنب للكلب في ذلك. لقد فقدَ القدرة على الحب منذ زمن بعيد. تذكّر أبياتاً للشاعر شارل بودلير الذي أسهم في انتشار قصيدة النثر:

    تعرف، يا صديقي، كم أرتعب من الخيل والعربات. قبل قليل، وأنا أعبر البولفار على جَناح السُّرعة، خائضاً في الوحل خلال هذه الفوضى غير المُستتبة، حيث الموت يراودك من كل جانب، انزلقت من رأسي هالتي، إثر حركة مفاجئة، في وحل الشوارع المعبّدة. لم تكن لي شجاعة التقاطها. وجدتُ أن فقدان علامة مَجدي أقل هوناً من أن تتكسر عظامي. ثم، قلت بيني وبين نفسي: ربّ شرٍّ نجمَ عنهُ خيرٌ. الآن أستطيع أن أتجول خفيةً؛ وأرتكب أعمالاً خسيسة؛ أن أنغمس كسائر الفانين البسطاء، في الخلاعة والفسق. وها أنا الآن، كما ترى، مثلك بالضبط.

    كان يكرر في ذهنه هذا الشطر: «انزلقت من رأسي هالتي»، عندما توقف «ليو» ليشمّ «ميمي»؛ الكلبة البيضاء مثله، لكن بجسم أكثر امتلاء وثقة. إنه يعرفها منذ سنوات، مع ذلك يحاول أن يشمها من مكمنها في كل مرة، ليتعرف على البصمة، ويقطع الشك بالقين بأنها هي لا أحد غيرها. «ميمي» أبَت ذلك وابتعدت. سابقاً، كانا يتراقصان، ويلعبان ويقفزان هنا وهناك. الطبيب البيطري قال له إن «ليو» يتعذّب، وينبغي إخصاؤه قبل أن يصبح عدوانياً. كان متردداً. أرادَ أن يجرّب «ليو» الجنس، ولو لمرة واحدة كي يحتفظ على الأقل بالذكرى الممتعة. لكن الطبيب حذّره وأجرى العملية. حاول «ليو» أن يشمّ مجدداً، لكن «ميمي» ابتعدت عنه ومضت في سبيلها. يبدو أنه لم يعد مثيراً للاهتمام بما فيه الكفاية. لم يكترث «ليو» لذلك، تابع هو أيضاً طريقه يشمّ ويختار بعناية البقع التي يتبوّل عليها، ناقلاً رسائله، وحالته، ومزاجه، وربما ما يشبه صورة ثلاثية الأبعاد للوجبة التي تناولها قبل قليل. الفرق أن الكلاب تتواصل وتروي قصصها وتُظهر حالاتها عن طريق الطبيعة ومن خلالها، بينما نحن البشر، أقصينا القصص، وقتلنا السرد واحتمالاته، ثم اخترعنا وسائط رقمية وقررنا أنها -من الآن فصاعداً- أفضل وسيلة للتواصل.

    نادراً ما يستخدم الشبكات الاجتماعية، فهي مكان مليء بالصراخ. وانعزل عن الناس منذ سنوات، إذ قليلاً ما يجد مساحة حديث مشتركة. لم يكن هذا حاله دائماً. في طفولته عاش في قرية صغيرة، أقصى شمال شرق سوريا، على سهول جبال «طور عبدين» المهيبة، التي تمتد عبر مساحة شاسعة من تركيا وعبر الحدود إلى داخل سوريا. مرّ فيها الإسكندر الأكبر بجيشه ذي الـ50 ألفاً في طريقه إلى مواجهة داريوس بجيشه البالغ 250 ألفاً في معركة «غوغاميلا» التي ستُسجل في التاريخ على أنها أعظم انتصارات الإسكندر. وظلت الإمبراطوريات الفارسية والرومانية تتناطح في هذه المنطقة على مدار مئات السنين. مرّ فيها تيمورلنك بعد أن دمّر بغداد في طريقه إلى أنقرة. وقبل هؤلاء جميعاً بآلاف السنين، قامت مدن في تل حلف وتل عربيد وشاغربازار، وتل براك، وأوركيش، ازدهرت، وتوسعت ثم اندثرت؛ لا تكاد تزيح صخرة في هذه المنطقة إلا وتجد أسفلها قصة. أمطار الربيع وفيضانات الأنهار كانت كفيلة بدفع العملات والأختام الصغيرة الأثرية؛ القصص المدفونة، إلى سطح أرض ذات تربة حمراء، حيث تنتعش نباتات وحشرات وحيوانات، وقبل كل شيء هناك ينتعش الإنسان.

    لم يكن في القرية صخب. كان الناس يستمعون أكثر مما يتحدثون. في صدر القرية التي تواجه جميع بيوتها الجنوب، جهة الشمس، وعلى مبعدة منها، تنتصب مضافة من الطوب الطيني بدرج كبير يرتفع عن الأرض نحو مترين، يفضي إلى غرفة واحدة عظيمة بطول 20 متراً على الأقل، وعرض 10 أمتار، وارتفاع 5 أمتار، ربما أكثر. إنها درّة تاج القرية. وبمجرد صعود الدرج والدخول من الباب الخشبي الكبير، يعلم الداخل أنه هنا للاستماع؛ للإنصات، لا للتحدث. فالمضافة تستقبل أولئك القادمين من البعيد، الذين ألمّت بهم مصيبة، ويبتغون لها حلّاً، وآخرين أثاروا مشكلة، أو تعرّضوا لها، ويبحثون عن مخرج، والدخلاء الذين اكتووا بنار العشق، ولم يجدوا طريقاً سوى خطف المحبوبة بعد رفض أهلها الزواج، والباحثين عن لقمة العيش، وعابري سبيل، والقصاصين، والشعراء، والمغنين، وحتى الراقصات. «كان عالماً سحرياً، بقصص لا تخضع لمنطق»، قالها بروّية وبصوت مسموع.

    حتى رغباته الجنسية في المراهقة المبكرة، لم يكن يحتاج إلى شرحها. كان يكفي أن يختلي صدفة بفتاة في أحد الممرات الزراعية الضيقة التي تفضي إلى القرية المشرفة على خمسة تلال واسعة ووديان أربعة يجري في أحدها نهر، ثم يحدث ما يحدث في صمت، ولا بأس ببعض التنهيدات. لم يكن يحتاج إلى أن يبادرها بالحديث، أو أن تبادره هي. لم يكن يحتاج إلى الإقناع، أو التمهيد. لم تكن بحاجة إلى ذلك. لم يكن بحاجة إلى نشر حكمة بليغة، أو قصيدة حب، أو أن يستعرض عضلاته على فيسبوك. لم يكن بحاجة إلى متابعة حسابها على إنستغرام وإغراقها بالإعجابات، أو ذاك السمايلي الأصفر المتكلّف يحتضن قلباً أحمر. لم يكن يحتاج إلى كل ذلك. كانا يعلمان أن الأقدار قد قادتهما إلى هذه الصدفة، وليس عليهما إلا الاستسلام لسلطان اللحظة. تفتّقت فجأة في ذهنه المشوّش، ما قاله الكاتب المجري بيتر ناداش «الحياة هنا لا تقوم على التجارب الشخصية، بل على ذاك الالتزام العميق بالصمت.» نعم، لم يكونا يحتاجان إلى الحديث.

    كان السرد جزءاً أساسياً وامتداداً عضوياً لحياة الناس. كانوا يعيشون داخله، لا يعلمون بوجوده، تماماً مثلما نعيش نحن داخل مجرّة درب التبانة، ولا نستطيع إلّا أن نتخيل شكلها؛ لأنه لا يمكن رؤيتها كما نرى المجرات الأخرى. حتى «ليو» الذي واصل طريقه بعد أن ابتعدت عنه «ميمي»، يعيش من خلال السرد – الغريزة؛ فالتواصل عبر بقع البول يفتح له الاحتمالات، يجنّبه الأخطار، ويبقيه على قيد الحياة. نحن البشر أيضاً، يضعنا السرد داخل العالم، ويمنحنا مكاناً فيه. في القرية، لم تكن القصص تُروى، بل كانت تُعاش. لكننا استبدلنا الآن السرد الحيّ بتواصل رقمي على الشبكات الاجتماعية، حيث «المجتمع الذي كان من دون تواصل حلّ محله تواصل من دون مجتمع»، كما يقول بيونغ-شول هان. برلين قطعت الخيط الذي كان يربطه بالقرية، واستبدلت السرد بضوضاء رقمية. لقد فقد النجم الذي كانت يرشده، وربما إلى الأبد.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_31 PM.png

    هدأ «ليو» على غير عادته، إذْ نادراً ما يفعل ذلك. على الأرجح أن لديه، مثل البشر، اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة؛ سلوكياته تدل على ذلك. مع هذا، أصبح الآن يمشي بالقرب منه وبالإيقاع ذاته، يلف برأسه إلى الأعلى، وينظر إليه نظرة الفاهم. لعله شعر أن صاحبه كان مكروباً. تساءل في نفسه: «كيف يفكر ليو فيّ كإنسان؟» نيتشه أيضاً فكّر مرّة في ذلك، وقال «إني أخاف أن تعد الحيوانات الإنسانَ كائناً من جنسها فقَدَ فطرته الحيوانية بأكثر الأشكال خطورة؛ أخاف أن تعدّه بمنزلة الحيوان الغريب الأطوار، الحيوان الضاحك، الحيوان الباكي، الحيوان الذي مآله التعاسة.» هل هو تعيس حقاً؟ ربما. يقول نيتشه: «لقد أطلقتُ اسماً على ألمي، وأناديه: كَلْبةً؛ إنها وفيّة، فضولية، قليلة الحياء، مسلية وذكية، مثل أي كلب آخر – وأستطيع أن أوبخها، وأرمي عليها سخطي مثلما يفعله آخرون مع كلابهم، مع خدَمِهم، ومع زوجاتهم.»

    إلّا أن السعادة ليست حدثاً لحظياً، لدى شول هان، ليست صورة على إنستغرام أو مقطع فيديو على «تيك توك». السعادة لها ذيل طويل يمتد إلى الماضي. إنها ليست بنت المصادفة، بل تتغذّى على كل جزء من الحياة. ليس لها مظهر لامع كما يصوّره المؤثِّرون على إنستغرام؛ بل إنها مثل الشَّفَق؛ تلك الحُمْرة التي تُرى في الأفق بُعَيْد المغيب. ويفقد المرء سعادته، عندما ينغمس في دوّامة الواقع وأشيائه الطارئة.

    في طريق العودة، عند تقاطع شارعٍ باسم الكاتب أرنولد تسفايغ، الذي لجأ إلى فلسطين إبان الحكم النازي، مع شارع «تريله بورغر»، انعطف يميناً، فبدت كنيسة «الأمل» الإنجيلية بطرازها المعماري في الفن الجديد، أكثر قرباً ومهابةً. البرج الذي يرتفع نحو 50 متراً عن الأرض ينتهي بجزء له ثماني زوايا، الشكل الهندسي المقدس، وقبّة، وفوق القبة هيكل قنديل يعلوه صليب. يحمل البرج ثلاثة أجراس تزن أكثر من نصف طن، بثلاثة أسماء: «الإيمان»، «الحب»، «الأمل»، وتقرع أيام الأحد في إيقاع احتفالي وقور. يدخل المصلون من الباب الرئيسي الذي يحرسه مثلث بداخله عين الله، وفي الأعلى ثلاثة تماثيل: في الوسط تمثال السيد المسيح يحميه ملاكان. دُمِّر أحد الملاكين خلال المعارك العنيفة التي دارت في محيط الكنيسة عام 1945، ورُمّم منذ ذلك الحين. وإلى يساره تمثال مارتن لوثر ممسكاً بالكتاب المقدس، وعلى الجانب الأيمن تمثال للرسول بولس مستنداً بيده على السيف. لم يستطع أن يتجاهل المفارقة في أنه جاء من المنطقة ذاتها التي جاء منها الرسول بولس. لكن يُنظَر إليه هنا بوصفه غريباً عن المكان، وطارئاً على الجغرافيا، بينما تُقام تماثيل الرسول بولس في الكنائس.

    لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد مكان. كانت دائماً حيّزاً تتشابك فيه الحيوات. ولها أيضاً قوتها ورنينها، فهي فكرة وذكرى مشحونة بالتاريخ. الجغرافيا منسوجة في القصص التي تخلق تماسكاً اجتماعياً؛ تقدّم معنىً وتحمل قيماً. الأديان بحد ذاتها، سرد نموذجي؛ ومرساة لحياة الناس. بالدين يتعرّفون على مكانهم في هذا العالم.

    كنيسة «الأمل» لا تجد في أيامنا هذه الكثير من المصلين. كانت في يوم ما رمزاً للمقاومة في برلين الشرقية، وكان لها أيضاً سردية. فقد كانت مركزاً ثقافياً واجتماعياً مهماً في برلين الشرقية، لحركات الشباب وموسيقى «البانك»، التي عارضت النظام الحازم في ألمانيا الشرقية. استطاعت الكنيسة عام 1988 أن تقيم حفلة لفرقة «دي توتن هوزن» الألمانية الغربية، بعد أن أدخلتهم سراً بوثائق مزوّرة تحت ستار النشاط الثقافي الكنسي، تهرباً من قبضة جهاز الأمن الـ«شتازي» الصارمة. أُقيم الحفل في باحة الكنيسة الخلفية، التي اعتاد «ليو» أن يلعب فيها ويقفز ويقضي حاجته. كان الحفل صغيراً في عدده، لكن كبيراً في رمزيته، بأن أتاح للشباب التجمع والتعبير عن أنفسهم بحرية. لم تكن للفرقة شروط، فقط: بيرة مجانية مفتوحة، وتغطية تكاليف ما يدمّره الشباب في «ثورتهم» الصغيرة.

    هو أيضاً كان له ثورته الصغيرة، عندما انضم، وهو لا يزال في الخامسة عشرة من العمر، إلى حزب سرّي تعرّض أعضاؤه للاعتقال والتعذيب. كان «حزب العمل الشيوعي» معارضاً يريد الإطاحة بالنظام السوري في ثمانينيات القرن الماضي عبر ثورة شعبية. الحق، كان حزباً فريداً معارضاً للجميع. عارض الأنظمة الديكتاتورية، عارض الاتحاد السوفييتي وستالين، عارض الصين وماو تسي تونغ، عارض أنظمة أوروبا الشرقية ومعسكرها الاشتراكي، عارض الدين، وعارض القوميين الناصريين، عارض حزب خالد بكداش الشيوعي، عارض حزب رياض ترك الشيوعي أيضاً، عارض الإخوان المسلمين. عارض كل شيء، مع ذلك كان له سردية. يتذكر القشعريرة التي كانت تسري في جسده عندما يتوجه إلى موعد للقاء أحد رفاق الحزب. كل ما كان يعرفه هو مكان اللقاء ووقته. لم يكن يعرف شكل الشخص الذي سيلتقيه، لا اسمه، لا عنوانه، لا عمره ولا جنسه. عليه الذهاب إلى مكان محدد في وقت معين حاملاً في يده علامات بعينها، وسيأتي إليه شخص آخر، هو أيضاً يحمل علامات، فيتبادلان سؤالاً وجواباً سرّيين للتعارف. كان يذهب إلى الموعد وكأنه سيلتقي حبيبةً. «السردية» التي تبناها أعضاء الحزب، كانت تجمعهم وتشعل فتيل المحبة فيما بينهم.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_36 PM.png

    يوم الخميس 3 ديسمبر 1987، كان عائداً إلى المنزل قبل المغيب، ومرّت من جانبه سيارة البيك-آب الشيفروليه التابعة للمخابرات العسكرية في بلدة عامودا التي انتقلت إليها أسرته قبل 7 أعوام ليتمكن من إكمال دراسته. حدث ذلك قبل 128 يوماً من حفل فرقة «دي توتن هوزن» في باحة الكنيسة. تسلل الشك إليه عندما رأى رجلاً ملثّماً في السيارة، لكنه تجاهل الأمر، واستمر في طريقه حتى وصل إلى المنزل. هناك، وجد شقيقه الأكبر ينتظره عند الباب الرئيسي. أخبره أن أختهما المقيمة في تركيا أرسلت برقية، ويجب عليهما الذهاب حالاً إلى مكتب البريد لاستلام البرقية.

    كان يوماً بارداً، بغيوم متفرقة، والشمس تلامس خط الأفق باتجاه الغرب. صعد ببطء الدرج الذي يؤدي إلى بوابة مكتب البريد. بإمكانه أن يقسم أن ألف صوت كان يخبره ألا يفعل ذلك. لكنه فعل. كان شقيقه الأكبر قلقاً بما فيه الكفاية بشأن أخته. قاد الطريق إلى أعلى الدرج من دون تردد. وصلَا إلى قاعة مكتب البريد الفارغة، كان هناك رجل واحد فقط. عرف أنه الموظف في مكتب البريد الذي طلب من أخيه الانتظار، ثم قاده بهدوء إلى باب خلفي، ونزلا معاً إلى غرفة في الطابق السفلي. كان رئيس مفرزة المخابرات العسكرية ينتظره هناك. أومأ برأسه، فغادر الموظف، وأغلق الباب خلفه. طلب منه أن يجلس على الكرسي، وجلس هو إلى مكتب عريض داخل الغرفة. لم يتحدث. لم يسأل. لم يبتسم. وتجنب النظر إليه، مع أنه ليس سوى مراهق، ويُعدّ قانونياً على الأقل حَدَثاً لم يبلغ سن الرشد. لا بد أنه تلقى توبيخاً عنيفاً من مدير فرع المخابرات العسكرية في مدينة القامشلي المجاورة، بسبب فشله في كشف «المؤامرة» التي دبرها هذا المراهق للإطاحة بالرئيس حافظ الأسد. في النهاية، شعبة المخابرات العسكرية في مدينة حلب هي التي اكتشفت «المؤامرة». ومن المرجح أنها بدورها قد وبخت مدير الفرع في القامشلي. في سوريا يعيش الناس في سلسلة من الإذلالات، لدرجة أنه عندما تصل إلى المواطن العادي، فإن دائرة الإذلال تكون قد توسعت إلى مستوى يصعب على العقل البشري تخيله.

    بعد قليل، دخل إلى الغرفة نحو عشرة عناصر من المخابرات، ملثمين، بكامل معداتهم العسكرية، قادمين من القامشلي، يحملون بنادق ومسدسات وأحزمة ذخيرة مشدودة بإحكام إلى خصورهم. طلبوا منه الخروج معهم، واقتادوه خارج المبنى، وهم يصوبون بنادقهم إلى رأسه، ووضعوه، وسط الصرخات، في السيارة قبل أن ينتبه المارّة في الشارع. اكتشف أن شقيقه قد أُدْخِل إلى السيارة بالفعل. أخذوه كإجراء احترازي كي لا ينكشف أمر الاعتقال قبل أوانه أو إثارة ضجة غير ضرورية أصلاً، لا سيما أنهم كانوا يخططون لاعتقال آخرين. كانوا يدركون أيضاً أن والده كان أحد وجهاء المنطقة، ولا يريدون إثارة أي حساسيات عشائرية، أو سياسية في البلدة الصغيرة ذات الغالبية الكردية.

    لم يكن معجباً بوالده الذي توفي قبل اعتقاله بـ 3 سنوات في حادث سير وهو لا يزال في الـ63 من عمره. والده أيضاً عانى مشكلات في القلب. كان يقود السيارة مع أربع من بناته وثلاثة من أبنائه الصغار، وزوجته وشقيقته. لا يدري أحد كيف وقع الحادث. لم يصطدم بسيارة أخرى، ولم تنفجر العجلات، بكل بساطة خرجت السيارة عن السيطرة، وانقلبت في منخفض بجانب الطريق. نفد الجميع بكسور وجروح ورضوض، إلا هو وشقيقته توفيا في اليوم نفسه، وفي المكان نفسه. كانت علاقتهما استثنائية، لا يمكن لأحدهما أن يخرج عن رأي الآخر. اعتادت أن تقول له: «لا ابتلاني الله بغيابك»، فيرد عليها: «بل لا ابتلاني الله بغيابك»؛ شاءت الأقدار أن يموتا معاً.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_40 PM.png

    على مدار 40 عاماً، ظلّ يعتقد أن والده كان متسلطاً. تزوج أربع نساء، وأنجب 23 ابناً وابنة، وربما عشرة آخرين أو أكثر لم تُكتب لهم الحياة؛ توفّوا في سن مبكرة. في خمسينيات القرن الماضي، كان يمتلك أراض شاسعة، وقرى بأكملها. لديه مَنْ يفلح أراضيه ويزرعها ويحصدها. لديه مَنْ يرعى المواشي. وإن دخل في عداوة، لديه مَنْ يدافع عنه، وإن تطلّب الأمر يفتده. وإن مرض تقم الدنيا، ولا تقعد، تتبادل زوجاته سريره كي يبقينه دافئاً. حتى عندما يأخذ القيلولة، كان هنالك مَنْ يدلّك رأسه، وآخرَان يفركان قدميه، وآخرون يتبادلون الأدوار في تهويته بالمراوح اليدوية في الطقس الحار إلى أن يستيقظ. كان محبوب النساء، نظرة منه تجعل البسمة لا تفارق شفاههن طوال الليل. حتى إنَّ نساء كثيرات كن مقتنعات أنه لا يقضي حاجته مثل البشر العاديين. كان حكّاءً فريداً؛ يسرد ويسرد، فيخيّم الصمت على الحضور، ينقلهم، عقلاً وجسداً، إلى عوالم ما كانوا ليحلموا بالوصول إليها. لو لم يكن كذلك، لما استطاع إدارة الأزمات التي كانت تأتي إليه في مضافته الطينية الواسعة. فمن أعقد المشكلات التي قد يتذابح عليها الرجال، إلى أبسطها، يفكك عقدها بالقصص. حتى الرجال القساة وهُم على شفير ارتكاب الجريمة، كانوا يذوبون بين يديه، يتلوّون، ثم يستسلمون. كان لشخصيته هالة.

    في السنوات العشر الأخيرة قبل وفاته، فقدت القرية قدرتها على الصمت والإصغاء. وبدأت هالته تتلاشى تدريجياً، بعد أن خسر جزءاً كبيراً من ممتلكاته، بسبب الإصلاح الزراعي الذي فرضته السلطات السورية على أصحاب الأراضي. كانت تهدف إلى تعريب المنطقة التي يسكنها الكرد، فاستولت على الأراضي، ومنحتها لمستوطنات العرب الجديدة، بعد أن اقتلعتهم من أراضيهم على ضفاف نهر الفرات في الرقة ودير الزور، وزرعتهم وسط القرى الكردية. لا العرب كانوا سعداء بفقدان أراضيهم، ولا الكرد أيضاً. وبات كل واحد يريد إقصاء الآخر. تنافس الجميع ضد الجميع، وانقسمت السردية إلى سرديات صغرى؛ إقصائية وتمييزية، ومعها تفكك المجتمع.

    حقاً، لقد اُبْتلي هو أيضاً بشغف والده بالسرد. فالفعل السياسي؛ بمعناه الحقيقي يقتضي -ضمناً- السرد. إن لم يكن هذا الفعل قابلاً للسرد؛ تردّى إلى مجرد ردود أفعال عرضية طارئة. تقول حنّة آرنت:

    لأن الفعل والقول، اللذين، كما مرّ سابقاً، لا يمكن فصل عُراهما في التصور الإغريقي للسياسة، هما في الواقع النشاطان اللذان ستكون نتيجتهما النهائية دائماً قصةً متّسقة بما فيه الكفاية لجعلها قابلة للسرد، مهما بدت أحداثها الفردية والأسباب التي أفضت إليها عرضية أو عشوائية.

    السرد أوصله إلى سيارة المخابرات وإلى تلك البنادق الموجهة إلى رأسه. السرد بطبيعته يتطلب «الإصغاء» الذي يعني بالضرورة اعترافاً بالآخر. الوضع داخل سيارة المخابرات كان عكس ذلك. كان صراخاً. كان إقصاءً.

    بعد 6 سنوات و3 أشهر و29 يوماً خرج من السجن. تعرّض للضرب بالكفوف، بالأرجل، بالعصي، وهو مغمض العينين. وُضع في الدولاب، وضُرِبَ بالكابل الرباعي الذي ينتزع معه قطع الجلد. هدّدوه بالكرسي الألماني؛ ولحسن حظه لم ينفّذوه. تذهب بعض التوقعات إلى أن الكرسي الألماني كان إحدى الأفكار الجهنمية التي أتى بها ألويس برونر، اليد اليمنى لأدولف آيخمان في المعسكرات النازية. استطاع برونر الهرب بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ولجأ إلى سوريا، وبات مرجعاً لدى أجهزة المخابرات السورية. في الكرسي الألماني، يشعر المرء بأن روحه تخرج من جسده قطرةً قطرة، وأن عموده الفقري يتكسر.

    لكن الأبعد أثراً من كل ذلك، كان فقدان السرد. فسقوط جدار برلين عام 1989، ثم حرب الخليج عام 1991، ضرب بالسرد عُرْض الحائط، وسلب عالمَه السحرَ الذي كان فيه.

    عندما خرج من السجن، كان العالم المحيط به قد تغير. عالم بات له سرديات كثيرة: الليبرالية، النيوليبرالية، الديمقراطية، المجتمع المدني، النسوية، البنيوية وما بعدها، التفكيك، الاستعمار وما بعده، الدراسات الثقافية، العشائرية، الطائفية، الإسلاميون.. إلخ. السرديات ليست أبدية؛ تُولد وتكبر وتضمحل، لكن عندما تُفْقَدْ، فإن الجميع يبحث عن بدائل.

    عدم اليقين كان قد تفشى، لدرجة أنه مرّة أقنع الجالسين معه، ويزيدون عن عشرة، أن بمقدوره الطيران. تبعوه إلى باحة المنزل ليشهدوا الطيران المعجزة بأعينهم. ضحك في ذلك اليوم حتى فاضت عيناه بالدمع، ولم تعد عضلات بطنه قادرة على حمله. لم تكن البهجة من طبعه. كان يميل أكثر إلى الفيلسوف الألماني إرنست يونغر، الأكثر غزارة في الإنتاج وغرابة في الأطوار، عندما قال: «قل لي ما علاقتك بالألم، أقل لك مَنْ أنت».

    ثمة رهاب عالمي تجاه الألم في عصر ما بعد السرد. لقد أُقصيَ الألم تدريجياً، حتى تكاد تكون القدرة على تحمله قد انعدمت. لم يعد مرغوباً فيه؛ صار «رهاب الألم» (الألغوفوبيا). لم يعد مقبولاً أن تتألم في عصر إنستغرام و«تيك توك»، عصر الفرح الدائم، والإنجازات المستمرة، بات الألم عيباً وعلامة على الضعف يجب إخفاؤها. لكن ليس بالنسبة إليه. كان يحتفي بالألم. حتى خلال سنوات السجن الذي هو بطبيعته مكان إقصاء وإبعاد ونبذ، كان يختار الزاوية المنسيّة في المهجع ليمدّد فيها فراشه الذي ينام عليه. إقصاءٌ داخل إقصاءٍ. هناك كان يشعر بالألم العاري. كانت تنتابه تلك «القشعريرة» البدائية، التي تحدث عنها الفيلسوف تيودور أدورنو، عندما تُستثار لدى رؤية «الجَمَال الأوّل»؛ عندما ينتابك ذاك الحب الذي يجعلك تحب الأشياء كلها دفعة واحدة. فالحياة التي تنبذ الآلام، هي حياة بليدة.

    لا تزال هذه الآلام تنتابه، في كل مرّة يتذكر فيها ذاك المساء عندما ارتدى ثيابه، خرج من المنزل في جسر النحاس بدمشق، نزل الدرج القصير، قطع الممر الطويل، ثم قطع الشارع إلى الجهة المقابلة، رفع يده ليتوقف سرفيس المتحلق الشمالي، صعد إليه، فكّر طوال الطريق بما سيقوله، أعاد الجُمل مرّة، ثم ثانية، ثم ثالثة خلال الـ30 دقيقة التي تستغرقها المسافة، وأعادها مجدداً، نزل من السرفيس عند مستشفى المواساة، مشى بهدوء نحو المدينة الجامعية، لا يسمع صخب الشارع ولا يرى الناس الذين يسبّبونه، أظهر بطاقته الجامعية للحارس على المدخل، عبَرَه، مشى بهدوء 85 متراً بصورة مستقيمة، ثم التفّ يميناً، ومشى بهدوء أيضاً 140 متراً وبصورة مستقيمة، إلى أن وصل أمام مبنى الوحدة السادسة للبنات، صعد الدرج، أبلغ البوّاب أنه زائر، ويريد رؤيتها، نزل الدرج، ثم تأكد مجدداً من أن الجُمل لا تزال حاضرة في الذاكرة، أبلغها البوّاب بأن زائراً يريد رؤيتها، جلس على أحد المقاعد قبالة المبنى، وأعاد الجمل من جديد، كان ينظر إلى الدرج، إلى الخارجين والداخلين، من دون ملامح؛ لم يكن سعيداً، ولا حزيناً، كان خائفاً، فرائصه ترتعد، رآها قادمة تهبط الدرج مبتسمة، وهي تنظر إليه، 15 عضلة في وجهها تحركت لتشكّل تلك الابتسامة، بينما تحركت في جسده أكثر من 500 ألف عضلة صغيرة ناصبة للشعر، لتبث في جسده القشعريرة، كانت جميلة.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_44 PM.png

    منذ صغره كان يميل إلى الاختلاف. كان الوحيد الذي يتمرد علناً على والده، فيما أخوته كانوا يخشون سطوته. مع تقدمه في العمر، لم يعد يرى أن والده كان متسلطاً. لم يجد تفسيراً لشغفه بالسرد سوى أنه كان فاقداً للأمل. وعندما تفقد الأمل تكثر الانسدادات في الحياة. الروائية الدنماركية كارين بليكسن قالت يوماً: «لستُ روائية، ولا حتى كاتبة؛ أنا قاصّة.. إن الأحزان كلها يمكن تحمّلها إذا وضعتَها في قصة.» حقاً، كان والده يضع أحزانه في القصص التي يسردها. والآن، هو أيضاً يحمل أحزانه التي راكمتها سنوات السجن، ويقف أمام مبنى الوحدة السادسة، ينظر إلى الفتاة التي يحب؛ الفتاة التي تضع يدها اليمنى في الجيب الخلفي لبنطالها الجينز، تضحك وهي تميل رأسها إلى الخلف، وترفع ذقنها بما يكفي لتسمح للضحكة بالخروج بحرية. كانت فتاة مختلفة.

    اقترح عليها الذهاب إلى مقصف المدينة الجامعة. المكان هناك أكثر هدوءاً، ثمّ إنّ تناول بعض البيرة سيجعله أكثر جرأة. سارا معاً. كانت فاتنة. تعرّف إليها بعد أن انتقل إلى دمشق قبل عام لدراسة الأدب الإنكليزي. عندما رآها أول مرة، كانت فتاة برّية تثير الرعشة في الأجساد. تحدّثا طويلاً وعن كل شيء، وشربَ البيرة قدر ما يستطيع حتى نسيَ الجُمل التي كان قد حفظها عن ظهر قلب. ولم يعرف كيف يبدأ. كان حريصاً منذ بداية تعرّفه عليها ألا يكوّن صداقة عميقة معها. ليس سهلاً كسر ديناميكيات الصداقة، والعبور بسلام إلى علاقة الحب. كانا يلتقيان أحياناً في جلسات شلة الجامعة. صديقان لكن من بعيد. أخيراً تمالك نفسه وقال لها إنها الفتاة التي يريد أن يعيش معها حياته. كانت صامتة. قال لها «لن تجدي أحسن مني»، وعرفَ مباشرة أن ما قاله توّاً كان كلاماً أخرق. ويبدو أنها أُخذت على حين غرّة؛ لم تكن تتوقع أن يحدث هذا. كانت الآلام التي تنتابه أشد من أن يتحمّلها، تمالك نفسه مجدداً، وقال «لا أريد جواباً الآن، فكّري في الأمر»، ثم غادر، وظلت صامتة.

    عاد إلى المنزل تائهاً بلا وجهة؛ تركها خلفه في المدينة الجامعية. كان متعباً، منهكاً، لكن يملؤه إحساس بالسكينة يشبه ما كان ينتابه في زاويته المهملة في السجن. إمّا أن تنتهي القصة هنا وتكتمل، أو تستمر من هنا وتفتح احتمالات جديدة. وفي كلتا الحالتين، حرّك عجلة الحياة. أخبر زميله في السكن ألّا يوقظه في الصباح، ودخل غرفته ونام.

    كان لا يزال تحت تأثير شرب البيرة من يوم أمس، عندما استيقظ على الأصوات في المنزل. فتح عينيه بمشقة، فوجدها تقف بكامل جلالها أمام سريره. طويلة. بهيّة. قفز من السرير واقفاً، وهو يجاهد لفتح عينيه على وسعهما. نعم، كانت هي؛ تقف هناك مبتسمة بنظرات تملؤها اللوم. لم يعرف كيف يتصرّف. توقف تفكيره تماماً. قال: «هل هذا يعني نَعَماً؟» فتحت ذراعيها الطويلين، وضمّته إلى صدرها. أبعدها قليلاً، وركض نحو زميله الذي أشغل نفسه في المطبخ كي يمنحهما مساحةً خاصة، وهو يقفز، ويصرخ: «قالت نعم».

    اغتسل في الحمام، مزيلاً آثار النوم المتبقية، وعاد إليها حيث تجلس على طرف سريره في الغرفة. أغلق الباب، فوقفت هناك، مبتسمة، خجولة، تنظر في عينيه مباشرة، تتيقن من وجوده. ضمّها، وضمّته؛ يعتصر كل واحد الآخر، يريدان الاندماج في جسد واحد. قبّل جبهتها، عينيها، خدّيها، أنفها، ذقنها، ثم شفتيها، أسنانها، لسانها. لم يكن تقبيلاً بقدر ما كان استكشافاً، يتوقف عند كل بقعة، يتأملها، يلمسها، يشمّها، يقبّلها، يمرر لسانه عليها، ثم يخزّن البيانات في ذاكرته ويتابع. تماماً كما يفعل «ليو» في مشاويره اليومية. لم يكن مستعجلاً، ولم تكن مستعجلة.

    كانا يختبران الحياة من جديد، تجربة جعلت سرد الحياة ممكناً، من دونه تصبح عارية. فقط مع السرد ترتفع الحياة فوق حقيقتها المجردة؛ إنه يضفي على الزمن معنى، يمنحه بداية ونهاية. من دون السرد، الحياة مسألة بقاء لا أكثر، تتوقف عن كونها ملحمة. بالسرد يدخل العالم في نظام متماسك التكوين؛ يوحّد الأحداث والأشياء في قصة واحدة، مهما بَدت تافهة وعبثية وعرضية. كانا يختبران من جديد الأشياء التي بترابطها أصبح لها معنى، غير معزولة، وبها إيقاع.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_48 PM.png

    مسك بيدها، وسحبها إلى المساحة الفارغة وسط الغرفة؛ يريدها وحدها من دون إضافات. كانت مرتبكة، وغير متأكدة مما يجب عليها فعله. مدّ يده إلى الثُّلْمَةِ أسفل عنقها؛ ذاك المثلث الذي هو بمكانة نافذة صغيرة تطل على ما يجري داخل صدرها. كان يرتفع مع تنفسها، ويهبط، وينبض مع تسارع دقات قلبها. اللمس يحرّر التوترات والانسدادات؛ يعيد الأمور إلى نصابها، ويبعث الحياة مجدداً في تلك الثقة البدائية.

    ساعدها في خلع ثيابها، ثم وقفت هناك. ابتعد قليلاً كي يتأمل جسدها؛ ثم عاد يستكشف تفاصيله؛ كل زاوية، كل انحناءة، كل عضلة. يلمس، يشم، يتذوق، وضع أذنه على صدرها ليسمع قلبها؛ كان الدم يتدفق منه حارّاً وفي الاتجاهات جميعها. رفعها على السرير، يقبّل عنقها، صدرها، إبطيها. أمسكته من شعر رأسه ووضعت فمها في فمه تدفع الهواء من صدرها إلى صدره، ثم تسحب الهواء من صدره إلى صدرها، في إيقاع منتظم. كانت تقبّل جسده، تتحسّسه، تلمسه. كان يدها شافياً، تحرّر آلامه. اليد التي تُلامِس تُشْفي مثل الصوت الذي يسرد. اللمس يخلق الثقة ويطرد الخوف.

    كلاهما لم يكونا خائفين، على الأقل ليس الآن. أمضيا الأسبوعين التاليين، عاريين في الغرفة ذاتها، لا يخرجان منها إلا لتناول الطعام. تحدّثا، وضحكا، ولعبا، وقرأَ لها شعر محمود درويش، و«النبي» لجبران خليل جبران، وتبادلا الأدوار في أناشيد سليمان:

    أنَا نَرجِس شَارُون، سَوسنَة الأوْدية.

    كالْسوسنة بَيْن الشِّوك كذلَك حبيبَتي بَيْن البنَات.

    كالتُّفَّاح بَيْن شجر اَلوَعِر كذلَك حبيْبِي بَيْن اَلبنِين. تَحْت ظِلِّه اِشْتهَيْتُ أن أَجلِس، وثمرَته حُلوَة لِحلْقي.

    أَدخَلني إِلى بَيْت الخمْر، وعلَمُه فَوقِي مَحبَّة. أسْندوني بِأقْرَاص اَلزبِيب. أُنْعشوني بِالتُّفَّاح، فإنِّي مَرِيضَة حُبًّا.

    شماله تَحْت رَأسِي ويمينه تُعانقني. أَحلِفكن يَا بَنَات أُورْشليم بِالظِّباء وبأيائل اَلحُقول، إِلَّا تيقَّظْن ولَا تنبَّهْن اَلحبِيب حَتَّى يَشَاء.

    ثم يستمعان للموسيقى، ويمارسان العلاقة الحميمة المرّة تلو المرّة، لا يتوقفان إلا عندما ينامان.

    أدرك «ليو» أن المشوار يقترب من نهايته عندما وصل إلى القوس العملاق ذي الطرفين الدائريين الذي يشبه علامة اقتباس معقوفة تزيّن دكّة المدخل إلى كنيسة «الأمل». علامات الاقتباس في اللغة محيّرة. فهي تدلّ على الثقة عندما تستشهد بكلام شخص آخر حرفياً، وتدلّ على الشك عندما تضع مصطلحاً بين قوسين تحفّظاً حول مصداقيته. الأديان أيضاً محيّرة. فكنيسة «الأمل» كانت لها أمجادها بمدخلها ذي السقف باللون الليلكي، والجدران الوردية، والأعمدة الرمادية الفاتحة، ثم لأزرق الملكي عند المذبح المرصّع بالنجوم. شهدت الملائكة الـ 36 داخل صحن الكنيسة خلقاً كثيراً جاؤوا، وتعبدّوا، وطلبوا من الله أن يغفر لهم ذنوبهم، أو يفتح لهم باباً للرزق، أو مجرد التقرّب منه ابتغاء للرحمة، ثم مضوا في حال سبيلهم. الكنيسة التي كانت تُشْعر بالألفة والحميمية لم تعد كما كانت.

    توجّه «ليو» إلى بقعته المفضلة عند الطرف الدائري للقوس، وتبوّل هناك تاركاً رسالة للكلاب التي ستأتي بعده. الكلاب لم تكن كلاباً دائماً. قبل 20 ألف سنة فقط، قام البشر بمجازر واسعة قضت على الحيوانات الكبيرة، ولم ينج منها سوى الدببة البنية والذئاب التي وجدت الفرصة سانحة للتزاوج والتكاثر، فازدهرت في بقاع الأرض، حتى اضطرت إلى التماس مع الإنسان. اكتشف بعضها أنّ الطعام الذي يخلّفه البشر وراءهم له طعم لذيذ يستحق العناء. ثمّ أنها بدأت تتقرّب منه، وتحاول فهمه إلى أن تخّلت عن كونها ذئاباً، وأصبحت كلاباً أليفة. لم تضطر إلى تغيير الكثير في طبيعتها البيولوجية، فقط استطاعت أن تفهم الإنسان أكثر، وتتبنى تعابيره. تعلمت كيف تظهر غضبها، قلقها، ألمها، وحزنها.. من الإنسان، وصارت قادرة على التواصل معه أكثر من الحيوانات الأقرب إليه بيولوجياً. لقد أصبحت رفيقاً للإنسان.

    عندما قدم لاجئاً إلى ألمانيا عام 2012، كان يجد صعوبة في مخالطة الألمان. «ليو» فتح له الباب على مصراعيه، فهو الآن يعرف جميع كلاب الحي، ويعرف أصحابها الذين يبادرونه بالحديث عن الكلاب الفاتنة الجميلة. كسر «ليو» الحواجز الاجتماعية التي بناها الإنسان تجاه إنسان آخر يشبهه تماماً، وفقدا السردية التي كانت تجمعهما قصة واحدة.

    مجتمعات اليوم تقوم على المعلومات. مجتمعات تعرف أينَ ذهبتَ، وماذا اشتريتَ. مجتمعات شفافة وعارية. مجتمعات انفصلت عن السرد فأصبحت غير مستقرّة؛ وفقدت تلك الهالة. زمن ما بعد السرد هو زمن لا انغماس فيه، زمن ذاكرته رقمية عابرة وطارئة.

    على النقيض من الذاكرة الرقمية التي تقوم على التراكم والإضافة، فإن الذاكرة البشرية ذاكرة سردية تنتقي الأحداث، بحذف بعضها وإبراز بعضها الآخر، ثم تربطها بصور مختلفة؛ بصور لا نهائية. الذاكرة السردية تقوم على الفجوات؛ ذاكرة قادرة على النسيان.

    لم تكتمل قصة الحب. انفصلا بعد 4 سنوات. أحبّا، وكَرِها. توافَقَا، وتخَاصَما. تحاضَنَا، وتبَاعَدَا؛ لقد كانت تستحق العناء. بعد انفصالهما مباشرة سافر إلى العمل في الإمارات. ولم يلتقيا مجدداً إلى أن جمعتهما الصدفة بعد 17 سنة. الحرب في سوريا وظروف الحياة أرهقتها، وتوقفت حياتها عن السرد. عندما لا يعود بالإمكان السرد، فإن الحكمة تتدهور، وتصبح الحياة مجرّد صراع مرير بحثاً عن الحلول للمشكلة تلو الأخرى.

    كان «ليو» يقفز، ويمرح ويحاول لفت انتباهه. يفعل ذلك عادة عندما يصبح المشوار في نهايته، محاولاً إطالته قدر الإمكان. فحياة الكلاب قصيرة؛ كل سنة من عمر الإنسان تعادل 7 سنوات في عمر الكلاب. لكن ما الفائدة من طول العمر؟ العلاقات التي كانت لها معنى، التي تنفي الطبيعة العرضية والتافهة للأشياء، تتحلّل تحت ناظريه، ورغماً عن أنفه. لقد سارت حياته في الاتجاهات جميعها، اكتنفها الغموض والإثارة أحياناً، وفي أحيان أخرى تبدو مثل الطنين الذي لا يفارق أذنه اليمنى منذ سنوات.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_54 PM.png

  • خرج من منزله، ولم يعد

    مقاتل من أجل الحرية في مواجهة أخيرة وسط صراعات السلطة المتغيّرة في سوريا

    عبدو عبد المنان عبد الله في شقته في مساكن الواحة في السفيرة

    لم يكن مسلحاً. لم يكن عسكرياً. لم يكن مؤيداً للنظام. ولم يكن مؤيداً للإسلاميين. أراد العيش بهدوء في شقته بحي «مساكن الواحة» بعد تقاعده إثر جلطة دماغية، وبعد تفرّق عائلته العفرينية في جهات الأرض.

    لم يكن هذا حاله دائماً. كان مقاتلاً وشرساً، حلِمَ يوماً بسوريا مختلفة؛ سوريا قابلة أن تكون للجميع، وأمضى السنوات بسبب ذلك في سجن صيدنايا، قبل 37 عاماً، عندما كان «أبو محمد الجولاني» يتهيأ في حي «المزّة الفيلات الشرقية» بدمشق ليكون رائداً في «طلائع البعث».

    عندما استيقظ في الصباح، كان هو كما هو. لكن القدر وضعه وجهاً لوجه مع رجال الجولاني:

    الزمان: صباح 1 ديسمبر/كانون الثاني 2024.

    المكان: مساكن «الواحة» على بُعد 1.5 كم من معامل الدفاع العسكرية في «السفيرة» جنوب مدينة حلب.

    كان «الثوّار» أو «عملاء تركيا» (التسمية تختلف بحسب تموضعك) قد سيطروا على حلب في 29-30 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعد أن انهارت في غضون يومين، وفرّ مَنْ كان يفترض بهم حماية المدينة، إلى حي «الشيخ مقصود» شمال حلب، وآخرون فرّوا جنوباً باتجاه «السفيرة».

    وجدَ هؤلاء «الثوار» أو إذا شئت «العملاء»، أن معركة «ردع العدوان» التي أعدّوا لها العدة منذ أشهر، كانت أسهل مما تصوّروه. فقرروا التوسع بمطاردة الفارين نحو «السفيرة»، للسيطرة على معامل الدفاع أولاً، ثم إكمال طريقهم باتجاه حماة لضم أكبر بقعة جغرافية تحت سيطرتهم. وذلك بعد أن فتح مقاتلو «قسد» الطريق بانسحابهم مساء 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، من بلدتي «تل عرن» و«تل حاصل» اللتين تفصلان بين حلب و«السفيرة»، لتقديم المساندة لحيي «الشهباء» و«الشيخ مقصود».

    وجد عبدو نفسه فجأة أمام رجال الجولاني. كان حي «الواحة» خالياً تقريباً، فقد فرّ الأهالي تحسباً. لكن يبدو أن عبدو لم يخف مثل غيره. ليس لديه ما يخيفه. إنْ كان القادمون «ثوّاراً» مناهضين للأسد، فقد سبقهم إلى ذلك بأربعة عقود، وإذا كانوا إسلاميين، فلا بدّ أن اسمه وحده «عبدو عبد المنان عبد الله» سيشفع له، وإن كانوا إسلاميين ومناهضين للأسد فما شأنهم برجل قد هرم وأبيضَّ شعر رأسه وشواربه، وبالكاد يستطيع الوقوف على رجليه. فالجلطة الدماغية عندما لا تقتلك، تتركك شبحاً.

    لكن في الحروب الأهلية التي تتنازعها الطوائف والعصابات، الرجال لا يعودون رجالاً، والقيم تنهار. حتى «روابط الأسرة الواحدة تصبح أضعف من روابط التحزّب؛ المتحزبون يمضون في أقصى درجات التطرف مهما كان السبب تافهاً. لا يأبهون بالقوانين، كل ما يريدونه هو الوصول إلى السلطة بإسقاط النظام القائم. وهم يثقون بعضهم بعضاً ليس بسبب الأخوة الدينية أو العلاقة الاجتماعية؛ بل لأنهم شركاء في الجريمة.» هذا ما كتبه المؤرخ اليوناني ثيوسيديديس قبل 2455 عاماً واصفاً الحرب الأهلية في «كوركيرة» الإغريقية إبان الحرب البيلوبونيزية، وكأنه شاهد على العصر.

    على الأرجح، لم يكن عبدو مطّلعاً بما فيه الكفاية على شخصية الجولاني. لم يمهله المرض. لو فعل، ربما اختلفت حساباته.

    يُعرف الجولاني بتحولاته الكثيرة واستراتيجياته الملتوية. فقد كان تابعاً لأبي بكر البغدادي، ثم انقلب عليه. ارتبط بتنظيم القاعدة، ثم انفصل عن أيمن الظواهري مرة أخرى، وقدم نفسه كزعيم «وطني» يسعى لبناء دولة. تكيّف دائماً مع المتغيرات السياسة والحرب، وأعاد تشكيل «هيئة تحرير الشام» لتبدو وكأنها حركة ذات طابع «وطني»، وركز على الإدارة المحلية بدلاً من الجهاد العالمي، وحاول لفت أنظار الدول التي تنظر إليه بعين الشك.

    استطاع خلال السنوات الأربعة الماضية، إعادة إنتاج صورته، بأنه رجل قادر على بناء دولة. وقد اختبر سياساته في بناء المؤسسات في شمال غرب سوريا؛ مؤسسات كثيرة تعتمد على فكرة الاكتفاء الذاتي وإدماج المختلفين محلياً. وأثبتت فعاليتها مقارنة مثلاً بتجربة «الإدارة الذاتية» ذات الإمكانات المادية والعسكرية الأكبر في شمال شرق سوريا. لقد تعامل مع الأمر في أنه باقٍ في المكان، فيما تعامل القائمون على «الإدارة الذاتية» على أنهم طارئون على الجغرافيا، وأن «روجآفا» مجرد مرحلة عابرة إلى الهدف الأكبر في كردستان تركيا. حتى عندما دخل الجولاني إلى حلب، وفي فوضى المواجهات، كان أكثر تنظيماً، وفتح القنوات مباشرة مع سكان المدينة لتلقي الشكاوى العاجلة، وبدأ بتزفيت الشوارع وإنارتها، وضخ الكهرباء إلى المنازل، وأرسل مقاتليه لحماية البنوك من النهب، وطمأن المسيحيين، وعرض مروراً آمن للمسلحين الكرد للخروج من حلب بأسلحتهم. إنه يتصرّف ببراغماتية واضحة ليحصل على الشرعية التي يحتاجها. كان يعدّ العدة لذلك منذ زمن، عندما أبلغ مقاتليه في أبريل/نيسان الماضي، أنهم سيحتفلون بعيد الفطر القادم في حلب. وهو الآن قد سبق وعده بأربعة أشهر.

    لكن على المدى البعيد، لن يستطيع الجولاني الخروج تماماً من جلده. فإدارة حلب تختلف عن إدارة منطقة ريفية محافظة مثل إدلب، وسيكون عليه التكيف أيديولوجياً مع السكان الأكثر تعددية ديموغرافياً وثقافياً. وقد فشل مقاتلوه في أول اختبار لهم عندما أفرغوا رصاصهم في جسد عبدو عبد المنان عبد الله من دون سبب، وأرسلوا صورة جثمانه إلى ابنه في هولندا. كانوا يدركون أنه مختلف عنهم، وأنه من عفرين التي احتلوها، وأرادوا إخفاء الجريمة بالجريمة.

    من دون شك أن الجولاني في إعادة إنتاجه لنفسه، كان بجزء منها توجهاً نحو السلفية التكنوقراطية، وبجزئها الآخر، مناورة علاقات عامة لإقناع الأطراف الخارجية بأنه لم يعد يشكل تهديداً لأحد باستثناء الرئيس بشار الأسد ومن يحاول إنقاذه. حتى مناصريه العلمانيين قد انطلت عليهم الحيلة. فقد تابع الجولاني ما جرى في أفغانستان من كثب، وأراد أن تصبح «هيئة تحرير الشام» صيغة ألطف وأكثر تسامحاً من طالبان، وأن يدفع بالدول إلى التعامل معه كسلطة أمر واقع، وربما الاعتراف به. لِمَ لا؟ إذا كانت طالبان تستطيع الذهاب إلى موسكو والجلوس إلى طاولة الرئيس فلاديمير بوتين، رغم حظره لها بكونها كياناً إرهابياً، قد يتمكن هو أيضاً يوماً ما من تحقيق حلمه بالتوجه إلى روسيا بوصفه سلطة أمر واقع. فهو يرى أنه ليس فقط أفضل من الجهاديين الذين يخرجون بحثاً عن دماء الأبرياء لسفكها، بل في حالة حرب معهم.

    ولا بد أن هذه الصور تواردت إلى ذهن بوتين لدى استقبال الأسد في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 الكرملين، عندما جاءت الأخبار عن قرب سقوط حلب، بدلاً مما كان ينتظره عن قرب سقوط كييف. ولا بدّ أنه تمعّن في ضيفه طويلاً، وكيف أنه خسر في ساعات ما قد بنته روسيا طوال سنوات. ولا بدّ أيضاً أنه لم يكن سعيداً.

    فبوتين سيدخل بعد أشهر إلى السنة الرابعة من الحرب في أوكرانيا التي كان من المفترض أن تنتهي في غضون أسبوعين. وقد أصبح الآن يعتمد على المقاتلين الأجانب لتعويض الخسائر العسكرية التي يُعتقد أنها تزيد عن 700,000 جندي روسي. ومنذ شباط/فبراير 2022، مع بدء غزو أوكرانيا، قلّصت روسيا تواجدها في سوريا، وألغت دور مجموعة «فاغنر» المرتزقة بعد تمردها قبل عام، وأزالت بعض منصات الدفاع الجوي الأكثر تطوراً. كل ذلك، فيما تشهد واشنطن عملية تغيير الحرس بين إدارة الرئيس جو بايدن المنتهية ولايته، والولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

    لا شك في أن بوتين يوازن المشهد الآن، وهو يرى انهياراً شبه كامل للقيادات العسكرية في سوريا، وانهياراً في سيطرتها ومعنوياتها، لدرجة أنها غير قادرة حتى الآن على إعادة تجميع صفوفها أو شن هجوم مضاد. ويتطلع إلى الرئيس رجب طيب أردوغان الذي وجد الفرصة سانحة، وأعطى الضوء الأخضر لعملية «هيئة تحرير الشام»، لتحسين أوراقه في المفاوضات القادمة على طاولة انسحاب ترمب من شمال شرق سوريا، بعد فشل محاولاته مع دمشق في التفاوض حول المصالحة والتطبيع.

    بوتين أيضاً، لديه شكاوى من الأسد. رغم ما قدمه له، لا يزال الأسد يضع إيران على سلّم أولوياته وهي دائماً الخطة «أ»، بينما يتعامل مع روسيا على أنها الخطة «ب». لقد ضاق ذرعاً بذلك. وتتمثل أحد التفسيرات في بطء التدخل الروسي، في أن أردوغان قد أبلغ بوتين مسبقاً بعملية «هيئة تحرير الشام»، وأنها ستكون محدودة، كوسيلة لإجبار الأسد على التعامل مع تركيا بجدية وتقديم التنازلات والإصلاحات. نعم، بوتين وأردوغان خصمان قويّان، لكن علاقتهما مبنية على ازدراء مشترك للولايات المتحدة والغرب، واحترام متبادل يزداد كلما تفوق أحدهما على الآخر. وقد قدّم الجولاني بتقدمه السريع، مفاجأة لبوتين، وهدية غير متوقعة لا تقدر بثمن لأردوغان. ويبدو أن كليهما، رغم خلافاتهما التي صُنعت بالنار والفولاذ، يريدان أن يجبرا المشاكس في دمشق على الركوع على ركبتيه.

    ليس ذلك فقط. لقد استولت تركيا على المنطقة الشمالية الغربية المفككة من سوريا، وأعادت تجميعها من جديد، وشكّلتها على الصورة التي تريدها. فالبنية التحتية الاقتصادية بالكامل، والرعاية الصحية، والتعليم، والأهم من ذلك، الخدمات الأمنية، كلها أُنشئت بدعم تركي وتدار بتدخل كبير منها.

    لم يكن الأسد ليعترف حتى الآن بمدى سيطرة تركيا على ما كان في السابق أراضيه ومواطنيه. وقد خاض حرباً أهلية دموية للحفاظ على سيطرته الكاملة على البلاد التي يعتقد أنه ورثها عن أبيه. ولم يكن تقاسم السلطة وارداً في أجندته.

    لكن أردوغان أيضاً ليس في وارد أن يسلّم الأسد كل ما بناه طوال أعوام. لذا فإن الفكرة الرومانسية لدى السوريين المناصرين لعملية الجولاني، في أن تركيا قد تعقد صفقة معهم، وتسلمهم كل ذلك بناء على مفهوم السيادة الدولية، أمر يدعو إلى الضحك. تركيا كانت تنظر دائماً إلى سوريا على أنها «شام شريف». فقد كانت عاصمة الأمويين، والنقطة التي يتجمع فيها المسلمون قبل توجههم إلى مكة في موسم الحج. وقد أنقذتها من نفسها عندما دفع سكان دمشق المسلمون بمدينتهم إلى دائرة جهنمية على خلفية «التنظيمات» العثمانية (فرمان الكلخانة)، بالهجوم على أحياء المسيحيين عام 1860، وإحراقها بالكامل، وقتل كل من وقع تحت أياديهم. وقتها، جازفت الدولة العثمانية بكامل ثقلها، وأهملت التمردات العديدة في مناطق مختلفة من جسم الدولة، وأرسلت وزير خارجيتها فؤاد باشا الذي أقام في دمشق على مدار ثلاثة أشهر حاسب خلالها المتمردين السنة، وعاقب مسؤولين بالشنق والرمي بالرصاص، ووضع خطة لإعادة بناء أحياء المسيحيين بفرض ضريبة على المسلمين. ثم أعلنت بعد ذلك ولاية الشام وعاصمتها دمشق بالضد من الحجة القوية التي قدمتها بيروت لتكون هي العاصمة.

    تبدو تركيا مهذبة في تصريحاتها الرسمية، لكنها لا تحترم السيادة السورية إلا بقدر احترام الروس للسيادة الأوكرانية. والأفكار الرومانسية التي تراود السوريين لن تحدث أبداً. أردوغان لا يتخلى عن الأرض. فهو دائماً، يحافظ على مكاسبه، ويزيد قوته، وينتظر اللحظة المناسبة، ثم يتوسع.

    وهو يدرك أن تركيا أكبر قوة متاخمة لسوريا. وهي منخرطة بالقوة العسكرية والاقتصادية والديموغرافية في هذا الصراع أكثر من أي طرف آخر. ويدرك أيضاً أنه بقليل من الصبر، وتحقيق المكاسب التدريجية سيحصل في نهاية الأمر على ما يريد. وإن لم يفكر الجولاني كعادته في تغيير ولاءاته، فإن الاصطفاف الحالي يصب كله في صالح أردوغان، وأصبحت أوراق اللعبة بيد السلطان الذي ينفر منه الفاعلون في سوريا جميعاً.

    عندما استيقظ عبدو عبد المنان عبد الله صباح 1 ديسمبر/كانون الأول في شقته بمساكن «الواحة» في «السفيرة»، لم يكن يدرك هذه التشابكات كلها. لم يُرد ذلك. وربما ذكّرته الأشجار التي تطلّ عليها نافذته جهة الغرب بأشجار الزيتون في مدينته عفرين. ربما تذكّر أنه وُلِد، وتربّى، وكبر، ودرس، وسُجن، وأُطلِق سراحه، وعمل، وتزوج، وخلّف أطفالاً هم بدورهم كبروا، وهُجِّروا من قبل الفصائل ذاتها؛ الأيديولوجيا ذاتها، والانتقام ذاته الذي سيقتل والدهم بدم بارد، وعلى مرأى الجميع، وبصيحات «الله أكبر».

  • After Aleppo’s Fall, a Quiet Life Is Claimed by the City’s New Masters

    Abdu Abdel-Mannan Abdullah in his appartment in Waha, al-Safira.

    He was not armed. He was not a soldier. He was neither a supporter of the regime nor a supporter of the Islamists. All he wanted was a quiet life in his apartment in the “Waha Housing” neighborhood after he retired due to a stroke and his Afrini family scattered to the ends of the earth.

    It had not always been like this. He was once a passionate fighter who dreamed of a different Syria — one that was open to all. This dream cost him years in Saydnaya prison 37 years ago, at a time when “Abu Muhammad al-Julani” was still living in the Damascus district of “al-Mazza Villas al-Sharqiya” and was being trained as a vanguard in the Assad’s “Baath party Vanguard”.

    When he woke up that morning, he was the same man he had always been. But fate had brought him face to face with Julani’s men.

    Time: Morning of December 1, 2024.

    Place: The “Waha” Housing, 1.5 kilometers from the military defense factories in al-Safira, south of Aleppo.

    On November 29and 30, 2024, the “revolutionaries” or the “Turkish proxies” (depending on where you stand) took control of Aleppo. The city’s defenders — those who were supposed to protect it — had collapsed in just two days. Some fled towards the Sheikh Maqsoud neighborhood in northern Aleppo, others fled south towards al-Safira.

    These “revolutionaries” or “proxies” realized that their long-prepared campaign of “deterring aggression” was much easier than expected. So they decided to extend the pursuit of the fugitives towards al-Safira, first to capture the defenses there and then to advance further towards Hama in order to take control of as much territory as possible. They found the way clear after the “SDF” fighters withdrew from the towns of Tal Aran and Tal Hasel, which lie between Aleppo and al-Safira, on the evening of November 30, 2024, in order to support the districts of al-Shahbaa and Sheikh Maqsoud.

    Suddenly Abdu found himself in front of Julani’s men. The “Waha” neighborhood was almost empty, its residents having fled in anticipation of the attack. Abdu had evidently not fled like the others. He had no reason to be afraid. If the new arrivals were “revolutionaries” against Assad, he was four decades ahead of them. If they were Islamists, his name – “Abdu Abdel-Mannan Abdullah” – would surely work in his favor. And if they were Islamists against Assad, what did they have to do with an old man whose hair and mustache had turned white and who could barely stand on his own feet? A stroke, if it doesn’t kill you, leaves you only a ghost of yourself.

    But in civil wars fought by sects and gangs, people cease to be people and values crumble. Even the bonds of a single family become weaker than the bonds of party affiliation; party loyalists rush into the most extreme acts for the flimsiest of reasons. They do not care about laws. All they want is to seize power by overthrowing the existing regime. They trust each other not because of religious brotherhood or social ties, but because they are partners in crime. This is what the ancient Greek historian Thucydides wrote 2,455 years ago when he described the civil war in Corcyra during the Peloponnesian War, as if he were a contemporary witness of our time.

    Abdu probably did not know enough about the character of Julani. His illness had not given him the opportunity to do so. Had he known, he might have calculated differently.

    Julani is known for his many transformations and twisted strategies. Once he was loyal to Abu Bakr al-Baghdadi, then he turned against him. He joined al-Qaeda, then broke away from Ayman al-Zawahiri again and presented himself as a “national” leader who wants to build a state. He has always adapted to changing political and martial conditions, reshaping “HTS” to appear as a nationalist movement rather than a movement focused on global jihad. He has put the emphasis on local administration and tried to win the trust of nations that still view him with suspicion.

    In the last four years, he has succeeded in reshaping his image as a man capable of building a state. He tested his policies by building institutions in north-western Syria — numerous institutions based on self-reliance and incorporating various local elements. These proved to be effective, especially in comparison to the “Autonomous Administration” in north-eastern Syria, which was unable to achieve the same results despite having greater financial and military capacities. Julani pretended to stay put, while the leaders of the “Autonomous Administration” acted like temporary administrators of “Rojava”,” representing only a transitional phase on the way to their larger goal in Turkish Kurdistan. Even when Julani arrived in Aleppo amid the chaos of the fighting, he was better organized. He immediately opened channels through which residents could lodge urgent complaints, began paving and lighting the streets, restored electricity to homes, sent fighters to protect banks from looting, reassured the Christian community and provided safe passage for Kurdish fighters to leave Aleppo with their weapons. He is acting with clear pragmatism in order to gain the necessary legitimacy. He had been preparing for this moment since at least April last year, when he announced to his fighters that they would celebrate the next Eid al-Fitr in Aleppo — and now he has delivered four months ahead of schedule.

    But in the long run, Julani cannot completely shed his old skin. The administration of Aleppo is different from the administration of a conservative rural region like Idlib. He will have to adapt ideologically to inhabitants who are much more diverse, both demographically and culturally. His fighters failed their first test when they shot their bullets into the body of Abdu Abdel-Mannan Abdullah for no reason and then sent a photo of his corpse to his son in the Netherlands. They knew he was different from them —they knew he was from Afrin, which they themselves had occupied, and they were trying to cover one crime with another.

    Julani’s self-invention undoubtedly includes a turn to a kind of technocratic Salafism and a PR maneuver to convince outsiders that he is no longer a threat to anyone except President Bashar al-Assad and those trying to save him. Even some of his secular supporters have been fooled. Julani followed developments in Afghanistan closely and wanted “Hay’at Tahrir al-Sham” to appear softer and more tolerant than the Taliban in order to persuade states to treat him as a de facto authority — perhaps even recognize him. Why not? If the Taliban can travel to Moscow and sit across from President Vladimir Putin, even though Russia classifies them as a terrorist organization, why shouldn’t Julani be able to realize his own dream one day and travel to Russia as a recognized authority? He sees himself not only as something better than the jihadists who roam around in search of innocent blood, but as someone who is actively at war with them.

    All these images must have gone through Putin’s mind when he received Assad in the Kremlin on November 28, 2024. The news of the imminent fall of Aleppo reached him instead of the expected news of the fall of Kyiv. He must have watched his guest closely as he saw Assad lose in a matter of hours what Russia had spent years building up. He was certainly not pleased.

    After all, in a few months Putin will enter the fourth year of the war in Ukraine — a war that should have ended within two weeks. Now he is relying on foreign fighters to make up for the staggering military losses estimated at over 700,000 Russian soldiers. Since February 2022, when the invasion of Ukraine began, Russia has reduced its presence in Syria, scrapping the role of the mercenary group Wagner after its mutiny a year ago and removing some of its most advanced air defense systems. All this is happening as a changing of the guard takes place in Washington — from the administration of outgoing President Joe Biden to the second term of Donald Trump.

    No doubt Putin is now weighing up the situation as he sees the almost complete collapse of the military leadership in Syria and the collapse of their control and morale. They can’t even regroup or launch a counter-offensive. He turns his gaze to President Recep Tayyip Erdoğan, who seized the opportunity and gave the green light for the Hay’at Tahrir al-Sham operation, improving his own position at the next negotiating table— – probably about the US withdrawal from northeastern Syria — after his attempts to negotiate reconciliation and normalization with Damascus failed.

    Putin also has a grudge against Assad. Despite all Russian efforts, Assad still puts Iran at the top of his priorities as Plan A and treats Russia as Plan B. Putin has grown weary of this. One explanation for Russia’s slow reaction could be that Erdoğan informed Putin in advance about the Hay’at Tahrir al-Sham operation and promised it would be limited — a means to force Assad to take Turkey seriously and make concessions and reforms. Yes, Putin and Erdoğan are formidable rivals, but their relationship is based on the mutual disdain of the United States and the West and a mutual respect that always grows when one outwits the other. With his swift advance, Julani has given Putin a surprise and Erdoğan a priceless gift. It seems that both men now want to bring the troublesome leader in Damascus to his knees, despite their differences, which have been carried out with fire and steel.

    That is not all. Turkey has taken over the fragmented north-western region of Syria, reassembled it and shaped it as it sees fit. The entire economic infrastructure, healthcare, education and, —most importantly, the security services have been built with Turkish support and are administered under its strong influence.

    Assad has yet to recognize the full extent of Turkish control over what was once his country and his people. He has waged a bloody civil war to retain full control of a country he believes he inherited from his father. Power-sharing was never on his agenda.

    But Erdoğan has no intention of handing back to Assad everything he has built up over the years. Therefore, the romantic notion of Syrians who support Julani’s operation that Turkey could make a deal and return everything in the name of international sovereignty is ridiculous. Turkey has always regarded Syria as “Sham Sharif”,” the noble Levant: once the capital of the Umayyads and a gathering point for Muslims on their pilgrimage to Mecca. It “saved” Damascus from itself when the Muslim inhabitants threw their city into hellish chaos after the “Tanzimat” reforms of the Ottoman period, attacking and burning down Christian neighborhoods in 1860 and killing anyone they could get their hands on. At that time, the Ottoman state put all its weight behind restoring order and ignored the uprisings elsewhere. It sent the foreign minister Fuad Pasha to Damascus for three months to punish the Sunni rebels, execute and shoot their leaders and devise a plan to rebuild the Christian neighborhoods by imposing a tax on the Muslims. The Ottomans then proclaimed the province of Sham with Damascus as its capital and rejected Beirut’s strong bid for capital status.

    Turkey is polite in its official statements, but it does not respect Syrian sovereignty any more than the Russians respect Ukrainian sovereignty. The romantic ideas cherished by the Syrians will never be realized. Erdoğan will not give up any territory. He always keeps what he gains, consolidates his power, waits for the right moment and then expands further.

    He knows that Turkey is the largest power bordering Syria and is more involved in this conflict militarily, economically and demographically than any other actor. He also knows that with a little patience and gradual progress, he will eventually achieve what he wants. If Julani does not switch allegiances again, as he usually does, the current alignment fully serves Erdoğan’s interests and plays into the Sultan’s hand — a Sultan who is pushing back all other actors in Syria.

    When Abdu Abdel-Mannan Abdullah woke up in his apartment in the Waha settlement of al-Safira on December 1, 2024, he had no idea of all these entanglements. He did not even want to know. Perhaps the trees he saw through his west-facing window reminded him of the olive groves in his hometown of Afrin. Perhaps he remembered being born, growing up, studying, being imprisoned, being released, working, marrying and fathering children who in turn grew up and were repressed — by the very same factions driven by the same ideology, the same thirst for revenge. They killed their father in cold blood, in broad daylight, shouting “Allahu Akbar”.

  • Lost in Narratives

    Lost in Narratives

    Community without communication gives way to communication without community..

    26.08.2024

    By Rashad Abdelqader

    The text is a true story told through a philosophical-literary lens. The author has rearranged the events and placed them in a framework that doesn’t change the overall meaning. The text wouldn’t have been possible without the influence of Byung-Chul Han, in particular his works The Crisis of Narration and The Palliative Society, as well as Walter Benjamin’s The Storyteller, Hannah Arendt’s The Human Condition, as well as other names mentioned in their respective contexts.

    This morning too, he returned from the cardiologist with bad news. His heart had lost its rhythm. The heart ordinarily works in regular succession — the two atrial chambers contract, then the two ventricular chambers, in a sequence that a person rarely feels. When this harmony breaks down, it turns daily life into a piece of hell. For reasons the doctors cannot explain, his ventricle had begun contracting ahead of its time, sending a convulsion through his entire body. Not once a day, not twice, not even ten times — but 14,000 times, as though two small puppies were locked in constant battle inside his chest, shaking him, rattling him, jerking him without mercy.

    It all began fifteen years ago. On an ordinary night, when he was trying to sleep after an exhausting, grinding day of work, his heart began to pound. He had lived through this before. It would last seconds, sometimes few minutes, then dissolve. But these palpitations felt different—stronger, more violent, and refusing to stop. What made it worse was the brain’s stupid response: convinced that death was imminent, It mobilized the sympathetic nervous system — which sympathizes with the body’s needs — signalling the adrenal gland to release adrenaline, which only drove the heartbeat faster. Fortunately, the heart is automatically programmed, this time through the parasympathetic nervous system, to cap that acceleration at a certain threshold —otherwise the brain, in its stupidity, would have dealt the hear permanent damage. He spent three nights in intensive care.

    Where others move through their days unaware of the heart inside the chest, every convulsion reminded him that the thread of life is thin, and how easily it snaps. His heart convulsed when he felt joy, and convulsed when he grieved; convulsed when he laughed, and convulsed when he wept; convulsed when he hungered, and convulsed when he was full; convulsed when he ran, and convulsed when he rested — as though it were a shadow reminding him that a single moment is enough to end everything.

    When he arrived home, the dog was waiting at the door. Leo was wagging his tail in every directions, twisting left and right — it was nearly eleven, and he had earned his breakfast and his long-overdue morning walk. Dogs are lucky that way: they do not trouble themselves with illness the way humans do.

    He dropped his rucksack onto the armchair — dark green velvet — without a thought. He had never once sat in it. He wanted to be rid of it, though it was of the same style favored by the British Queen Anne Stuart; the same style in which Winston Churchill sat while planning his next battle with Adolf Hitler; in which Charles Dickens wrote most of his novels; in which Sigmund Freud listened to his patients through long sessions of analysis — for Freud needed a comfortable chair in order to reconstruct the narrative his patient had lost.

    The palpitations worsened. He sat on the sofa across from the chair, trying to catch his breath. He could not shake the thought: had he too lost his narrative? For Freud, psychological pain and disturbances were symptoms of a blockage in the patient’s history — an inability to continue one’s own story. The first step to healing was to free that blockage. When the patient begins to narrate his life freely, when he places his unspoken fears into words — into language — when he recounts his life in disconnected scenes, scattered blockages within a distorted narrative, Psychoanalysis gathers the contradictory fragments, weighs them, arranges them into a story that can be understood; and the patient recovers his life in a coherent narrative that carries the pain away with it —like a river carrying everything to the sea. If only someone — someone like Freud — would arrive from nowhere and rearrange the scenes of his life that had gone off course, just as his heart had, placing every lost memory, every lodged fear, back in its rightful place. Someone who would come and clear the obstructions that prevent life from flowing.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_15 PM.png

    He emptied a large can of meat, carrots and pasta with broth into one bowl, and poured water into another. Leo spun in circles, leaping with joy at the generous meal. Dogs do not savor food — they do not enjoy it; they devour it. Given the chance, they would swallow it in a single bite. A few hundred years, perhaps thousands, of abundant food has not been enough to neutralise the primal instinct—the survival instinct. It still drives them to consume as much as possible, as fast as possible. The next meal may not come, even when the shelf is full — cans upon cans upon cans.

    His relationship with the small Maltese was not good one. He had given the dog to his eldest daughter for her thirteenth birthday, after long deliberation. Since then, she had enjoyed his company without bearing the burden of his care. Fathers always carry the sorrow. Leo went out three times a day at fixed hours, indifferent to Berlin’s erratic weather—rain, wind, or snow. His long, silky, pure white coat demanded constant attention: a weekly bath, a trim every two to three months at most. And beyond all that, he was also quarrelsome dog with a commanding personality. He regarded the neighbourhood’s females as his subordinate, and woe to any male — whatever his size — who approached one of them in his presence. He attacked with the ferocity of a lion, though he was neutered.

    As he watched Leo devour his meal with an instinct that knows no sentiment, he reflected on their relationship — on how circumstances had entangled their fates. It was neither love nor hate that bound them, but a transaction: the meeting of daily needs. He too was now caught with life in a transaction, driven by obligation rather than feeling. A relationship without a narrative — contingent, provisional, its value extending no further than the moment it occupied.

    Leo finished his meal and looked up at him with gratitude — and a smile, yes, dogs do smile — then lurched toward the door, restless, agitated. His own life too had passed in restlessness; he had searched for peace without ever finding it. He clipped on the leash and set out on the belated morning walk, following the same route as every day — not by choice, but by an unspoken agreement between himself and Leo. New routes carry new scents, and new scents mean potential enemies, hidden dangers. Better to keep to the predictable.

    He had lived his life on the edge, seized by a passion for what might come next, adrenaline constantly moving through his veins. Perhaps it was that relentless surge that had caused his arrhythmia. He had never managed to speak with the doctor about it at any depth.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_22 PM.png

    They attached a Holter monitor to his chest, to track and record the irregularities over 48 hours. The device collects vast amount of data about the heart — how it functions at rest, during sleeping, at work, walking, running, eating, shopping, and even during sex. Data upon data, and then the doctor spends two or three minutes with the patient, no more. He is just a number—the seventh patient today, the tenth, or maybe the eighteenth. The doctor said: “We will wait a few more months and attach the monitor back in. If the rhythm has not improved, we will need to isolate the ectopic foci causing the disturbance and ablate them by catheter.”

    The heart, since the beginning of time, has been controlled by two nodes — the sinoatrial node and the atrioventricular node — which regulate its movement by sending electrical signals at a precise, recurring interval. The problem occurs when ectopic foci in the heart muscle—abnormal sites—begin to emit confusing electrical signals, leading to arrhythmias, and the heart loses its rhythm and balance. He thought to himself: “If life is out of balance, maybe the heart is out of rhythm too.”

    Leo was overjoyed at the walk he had almost lost hope of. He ran and leapt, sniffing here and there. What drew him most was the smell of urine — the signature that identifies. From urine alone he could determine sex, age, illness; he could know what the other had eaten, what mood it carried — whether it was agitated, rabid, or whether a female dog was in heat and ready to mate. He thought of his girlfriend, who once closed her eyes and pushed her nose and mouth slightly forward, as though summoning him: “I will never forget the smell between your thighs.” He smiled at the thought that imagining him had been more powerful than his presence

    All his life he never understood why these women fell in love with him. He was not handsome. An oval, with a broad chin; a narrow forehead that had — somehow — widened with age; small sharp eyes beneath thick arched brows; a prominent nose with a drooping tip, thin lips with a darkness to them, their corners turning downwards when he smiled. Even his smile betrayed his sadness, to say nothing of his lean body and hunched back. The one striking about him was the clarity of his skin — luminous, perhaps from the constant sweating; his body was a machine for producing sweat. He was one of those people toward whom, once you knew them, you could not remain neutral; you either loved them or hated them. He had an aura.

    He never once confessed his love to a woman. He preferred first to build a story with them — a narrative. He would invent the events, weave them together, then push them patiently, with persistence, toward the climax. The plan did not always work. But when it did, they came to him — confessing, willing.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_27 PM.png

    In the distance, the Protestant Church of Hope Berlin-Pankow came into view. He passed it three times a day on his way back from Leo’s walks—a dog he neither loved nor hated. It wasn’t the dog’s fault. He had lost the ability to love a long time ago. He remembered a few lines from the poet Charles Baudelaire:

    My dear chap, you know my fear of horses and carriages. Just now, as I raced across the street, stomping in the mud to get through that chaos in motion where death gallops at you from all sides at once, my halo slipped off my head and onto the filthy ground. I’m afraid I didn’t have the sang-froid to pick it up –let’s just say I deemed it less disagreeable to lose my insignia than to have my bones broken. And then I said to myself, look for the silver lining. I can now walk around incognito, doing whatever nasty things I like, indulging my vices just as lesser mortals do. And here I am, just like you, as you see!

    He kept turning the line over in his head, “my halo slipped off my head,” when Leo stopped to sniff Mimi: a white female like him, but with a fuller and more assured body. He had known her for years, yet each time he tried to sniff her from behind, to fix the scent, to confirm beyond doubt that it was her and no one else. Mimi refused and moved away. Once, they had danced together, played, leapt back and forth. The vet had told him Leo was suffering and needed to be neutered before it turned aggressive. He had hesitated. He wanted Leo to experience sex at least once — to keep, at minimum, a pleasant memory. But the vet had warned him, and the operation went ahead. Leo tried again to sniff Mimi, but she pulled away and continued on her way. He was apparently no longer interesting enough. Leo did not seem to mind; he continued on his route, sniffing, carefully selecting the spots where he urinated — transmitting his messages, his condition, his mood, perhaps something like a three-dimensional image of the meal he had just eaten. The difference is that dogs communicate, narrate their lives, and display their states through and in nature — whereas we humans banished the stories, killed narrative and its possibilities, then we invented digital media and declared it, henceforth, the superior means of connection. He rarely used social media — it was a place full of noise. He had withdrawn from people years ago; he rarely found common ground for conversation. It had not always been this way. In his childhood, he lived in a small village in the far north-east of Syria, on the plains beneath the majestic Tur-Abdin, which spread across a vast expanse of Turkey and cross the border deep into Syria. Alexander the Great passed through here with his army of 50,000 on his way to face Darius and his 250,000 at the Battle of Gaugamela — a battle history would record as the greatest of Alexander’s victories. The Persian and Roman empires clashed in this region for hundreds of years. Timur passed through it after destroying Baghdad, on his way to Ankara. And thousands of years before them all, cities rose at Tell Halaf, Tell Arbid, Shagar Bazar, Tell Brak, and Urkesh — they flourished, expanded, and vanished. You could hardly overturn a stone in this region without finding a story beneath it. The spring rains and river floods were enough to push ancient coins and small clay seals —buried stories — up through the red soil, where plants and insects and animals, and above all, where people thrived.

    There was no noise in the village. People listened more than they spoke. In the heart of the village — where all the houses faced south, towards the sun — and set apart from them, stood a mud-brick guest house with a grand staircase rising nearly two meters above the ground and led to a single, vast room: at least 20 meters long, ten meters wide, five meters high, perhaps more. It was the crown jewel of the village. The moment you climbed the stairs and passed through the great wooden door, you understand that you were here to listen —to be silent, not to speak. The guesthouse received those who had come from far away, struck by misfortune and seeking resolutions; others who had caused a problem or been caught in one and were looking for a way out; those scorched by who had found no path but to take their beloved by force after her family refused the marriage; those in search of a livelihood; travellers passing through; storytellers, poets, singers, and even dancers. “It was a magical world,” he said, slowly, aloud “with stories that answered to no logic.”

    Even his sexual desire in early adolescence needed no explanation. It was enough to find himself alone by chance with a girl in one of the narrow agricultural lanes leading to the village — a village that looked out over five wide hills and four valleys, one of which held a running river. Then whatever happened, happened, in silence, with perhaps a few sighs. There was no need for him to speak first, or for her to. No need for persuasion, or preamble. She did not need it. He had no need to post a piece of eloquent wisdom, or a love poem, or to flex his muscles on Facebook. No need to follow her Instagram and drown her in likes, or send that labored yellow smiley embracing a red heart. She, in turn, had no for a selfie with pursed lips and heavy-lidded eyes and an Instagram bum. None of that was needed. They both knew that fate had brought them to this chance encounter, and that all they had to do was surrender to its authority of the moment. There surfaced suddenly in his clouded mind something the Hungarian writer Péter Nádas had written: “You get the feeling that life here does not consist of personal experiences…but of a deep keeping of silence.” Yes, they had no need to speak.

    Narrative was an essential part of people’s lives — an organic extension of them. They lived inside it without knowing it existed, just as we live inside the Milky Way and can only imagine its shape, because we cannot see it as we see other galaxies. Even Leo, who had continued on his way after Mimi left him, lives through narrative — through instinct; the communication carried in patches of urine opens possibilities for him, steers him away from danger, keeps him alive. We humans too: narrative places us inside the world and gives us a position within it. In the village, stories were not told — they were lived. But we have since replaced living narrative with digital communication on social media, where, as Byung-Chul Han says, the “community without communication gives way to communication without community.” Berlin severed the thread that had bound him to the village and replaced narrative with digital noise. He had lost the star that had guided him — perhaps forever.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_31 PM.png

    Leo grew calm — unusual for him. He probably had, Like some humans, attention deficit disorder and hyperactivity; his behaviour suggested as much. Yet now he walked close beside him, matching his pace exactly, turning his head upward now and then to look at him with a gaze of one who understands. Perhaps he sensed that his companion was troubled. He wondered to himself: “What does Leo think of me as a human being?” Nietzsche had once thought about this too, and said: “I fear that the animals consider man as a being like themselves that has lost in a most dangerous way its sound animal common sense; they consider him the insane animal, the laughing animal, the weeping animal, the miserable animal.” Was he truely miserable? Perhaps. Nietzsche also says: “I have given a name to my pain and call it ‘dog.’ It is just as faithful, just as obtrusive and shameless, just as entertaining, just as clever as any other dog—and I can scold it and vent my bad mood on it, as others do with their dogs, servants, and wives.”

    For Byung-Chul Han, happiness is not a momentary event — not an Instagram photo, not a TikTok clip. Happiness has a long tail that reaches back into the past. It is not the child of chance; it feeds on every part of life. It doesn’t have the shiny appearance portrayed by influencers on Instagram — it is more like the afterglow: that redness seen on the horizon just after sunset. And one loses one’s happiness when one is swallowed by the whirlpool of reality and its passing things.

    On the way back, at the intersection of a street named after the writer Arnold Zweig — who had sought refuge in Palestine during the Nazi years — and Trelleborger street, he turned right, and the Evangelical Church of Hope appeared closer and more imposing in its Art Nouveau architecture. The tower rises some fifty meters above the ground, ending in an octagonal section — the sacred geometric form — crowned by a dome, above which stands a lantern structure topped by a cross. The tower holds there bells weighing more than half a tonne, bearing three names: Faith, Love, and Hope. They ring on Sundays in a solemn, ceremonial rhythm. The faithful enter through the main portal, guarded by a triangle enclosing the eye of God, and above it three statues: at the centre, Christ, flanked by two angels. One of the angels was destroyed during the fierce fighting around the church in 1945 and has since been restored. To the left, Martin Luther holding the Bible. To the right is the Apostle Paul, his hand resting on a sword. He could not ignore the irony: he had come from the same region as the Apostle Paul, yet here he was regarded as a stranger, an intruder in the geography — while statues of Paul were erected in churches.

    Geography was never merely a place. It has always been a space in which lives entangle. It has its own force and resonance — it is an idea, a memory charged with history. Geography is woven into the stories that create social cohesion, that offer meaning and carry values. Religions themselves are exemplary narratives — anchors for people’s lives. Through religion, people locate their place in this world.

    The Church of Hope draws few worshippers today. It was once a symbol of resistance in East Berlin — it had its own narrative. It served as an important cultural and social hub for youth movements and punk music that opposed the rigid GDR regime. In 1988, the church managed to stage a concert by the West German band Die Toten Hosen, smuggling them in on forged documents under the cover of the church cultural event, evading the tight grip of the Stasi. The concert took place in the church’s rear courtyard — the same courtyard where Leo habitually played, leapt about, and relieved himself. The crowd was small, but the symbolism was large: it gave young people a space to gather and express themselves freely. The band made no demands — only unlimited free beer and that the cost of whatever the youth destroyed in their small revolution would be covered.

    He too had his small revolution, when at fifteen, he joined a secret party whose members faced arrest and torture. The Communist Labor Party was an opposition movement in the 1980s that sought to overthrow the Syrian regime through a popular revolution. It was, in truth, a singular party — opposed everyone. It opposed dictatorial regimes, opposed the Soviet Union and Stalin, opposed China and Mao Zedong, opposed the Eastern European regimes and their socialist bloc, opposed religion, opposed the Nasserist nationalists, opposed Khalid Bakdash’s Communist Party, opposed Riyad al-Turk’s Communist Party, opposed the Muslim Brotherhood. It opposed everything — and yet it had a narrative. He still remembers the shiver that moved through his spine when he set out for a party comrade. All he knew was the place and time. He did not know what the person looked like, did not know the name, the address, the age or the sex. He had to go to a specific place at a specific hour carrying certain agreed signs and another person — also carrying signs — would come him, and they would exchange a secret question and answer to recognise each other. He went to these meetings as though he were going to meet a lover. The narrative that the party members had taken as their own bound them together and kindled something like love among them.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_36 PM.png

    On Thursday, the third of December 1987, he was walking home before sundown when the military intelligence Chevrolet pickup drove past him in the town of Amuda, where his family had moved seven years earlier to continue his studies. This was 128 days before the Die Toten Hosen concert in the church courtyard. Suspicion crept in when he saw a masked man in the vehicle, but he pushed it aside and continued until he reached home. There he found his older brother waiting for him at the front door. He told him that their sister, who lived in Turkey, had sent a telegram — they had to go to the post office at once to collect it.

    It was a cold day, with scattered clouds, the sun was grazing the horizon on the west. He climbed the steps to the post office entrance slowly. He could have sworn a thousand voices were telling him not to. But he did. His older brother was worried enough about their sister — he led the way up the stairs without hesitation. They reached the empty post office hall; there was only one man there, He recognized him as the postal clerk, who asked his brother to wait, then led him quietly to a back door, and they descended together to a room on the lower floor. The head of the military intelligence unit was waiting. He nodded, and the clerk left, pulling the door shut behind him. He asked him to sit in the chair, and took his own seat behind a wide desk. He did not speak. He asked nothing. He did not smile. He avoided looking at him — though he was only a teenager, legally still a minor. He had no doubt received a stevere reprimand from the director of the military intelligence branch in the nearby city of Qamishli, for failing to uncover the “conspiracy” this adolescent had supposedly been hatching to overthrow President Hafez al-Assad. It was the military intelligence division in Aleppo that had ultimately uncovered the “conspiracy” — and had in all likelihood reprimanded the Qamishli director in turn. In Syria, people lived inside a chain of humiliation so long that by the time it reached ordinary citizens, the circle of humiliation had expanded to a scale the human mind could scarcely conceive.

    Shortly after, some ten masked military intelligence agents entered the room — arriving from Qamishli in full military gear, carrying rifles and pistols, ammunition belts buckled tight around their waists. They ordered him to come with them, led him out of the building with rifles trained on his head, and pushed him into the vehicle amid shouts, before passersby in the street could take notice. He discovered that his brother was already inside. They had taken him as a precautionary measure — to prevent word of the arrest from leaking prematurely, or form stirring unnecessary commotion, particularly as they were planning to arrest others. They also knew that his father was one of the region’s notable figures, and had no wish to provoke tribal or political sensitivities in the small, predominantly Kurdish town.

    He had not admired his father, who died in a road accident three years before his arrest at sixty-three, His father had also suffered from heart trouble. He had been driving with four of his daughters, three of his younger sons, his wife, and his sister. No one knows how the accident happened. There was no collision with another vehicle, no blowout — the car simply lost control and overturned in a depression beside the road. Everyone escaped fractures, wounds, and bruises — except his father and aunt, who both died on that same day and in that same place. Theirs had been an exceptional bond; neither could go against the other’s word. She used to say to him, “May God never afflict me with your absence,” and he would reply, “May God never afflict me with your absence.” Fate had them die together.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_40 PM.png

    For forty years he believed that his father was domineering man. He had married four women and fathered twenty-three sons and daughters — and perhaps ten more who had not lived, dying in their early years. In the 1950s, he owned vast lands and entire villages. He had whose who ploughed his fields, planted them, and brought in the harvest. He had those who tended his livestock. If he acquired enemies, he had those who would defend him — and if necessary, die for for him. When he fell ill, the world turned upside down: his wives took turns in his bed to keep him warm. Even when he napped, someone would be massaging his head, two others rubbing his feet, and other rotating with hand fans in the heat until he woke. He was beloved by women —a single glance from him kept smiles on their lips through the whole night. Many women were convinced he did not relieve himself like ordinary people. He was a storyteller without equal: he would narrate and narrate, and silence would settle fell over everyone present, carrying them —mind and body— into worlds they would never have dreamed of reaching. Had he not been like this, he could not have managed the crises that came to him in his great mud-brick guesthouse. From the most tangled disputes — the kind men kill each other over —to the simplest troubles, he unravelled them with stories. Even hard men standing on the edge of violence would soften in his hands, twist, and surrender. His presence had an aura.

    In the last ten years before his death, the village lost its capacity for silence and listening. His aura began to fade gradually, after he lost a large part of his holdings in the agrarian reform imposed the Syrian authorities on landowners. The aim was to Arabize the Kurdish-populated region: the land was confiscated and granted to newly settled Arab communities, uprooted from their lands along the Euphrates in Raqqa and Deir ez-Zor and planted among the Kurdish villages. Neither the Arabs nor the Kurds were content — The Arabs had lost their own land, and the Kurds lost theirs. Each wanted to expel the other. Everyone competed against everyone, and the narrative fractured into smaller narratives — exclusionary, discriminatory — and with them, the community came apart.

    He had indeed been afflicted with his father’s passion for narrative. Political action — in its truest sense —implicitly requires narrative. If an action cannot be narrated, it degenerates into mere contingent reaction. As Hannah Arendt says:

    For action and speech, which, as we saw before, belonged close together in the Greek understanding of politics, are indeed the two activities whose end result will always be a story with enough coherence to be told, no matter how accidental or haphazard the single events and their causation may appear to be.

    The narrative had brought him to the intelligence vehicle and to those rifles aimed at his head. Narrating by its nature demands listening — which means, necessarily the acknowledgment of the other. What was happening inside that vehicle was the opposite. It was shouting. It was erasure.

    After six years, three months, and twenty-nine days he was released from prison. He had been beaten with open hands, with feet, with sticks, blindfolded throughout. He was put in the tire and struck with four-core cable that tore away pieces of skin. They threatened him with the “German chair,” — fortunately they did not carry it out. Some accounts hold that the German chair was one of the diabolical inventions of Alois Brunner, Adolf Eichmann’s right-hand in the Nazi camps. After Germany’s defeat in the Second World War, Brunner managed to flee and took refuge in Syria, where he became an resource to the Syrian intelligence. In the German chair, one feels your soul leaving the body drop by drop, and the spine shattering.

    But what struck deepest was the loss of narrative. The fall of the Berlin Wall in 1989 then the Gulf War in 1991, dashed the narrative against the wall and stripped his world of whatever magic it had held.

    When he came out of prison, the world around him had changed. It had become a world of many narratives: liberalism, neoliberalism, democracy, civil society, feminism, structuralism and post-structuralism, deconstruction, colonialism and post-colonialism, cultural studies, tribalism, sectarianism, Islamism — and so on. Narratives are not eternal; they are born, they grow, and they dissolve, but when they are lost, everyone searches for alternatives.

    Uncertainty had spread so far that he once convinced a gathering of more than ten people that he was capable of flight. They followed him out into the courtyard to witness the miracle with their own eyes. He laughed that day until tears ran down his face and his stomach muscles could no longer hold him. Joy was not in his nature. He was drawn more to the German philosopher Ernst Jünger— the most prolific and the most eccentric — who once said: “Tell me your relation to pain and I will tell you who you are!”

    There was a global phobia of pain in the post-narrative age, Pain has been gradually expelled, to the point where the capacity to bear it has nearly vanished. It is no longer welcome — it has become algophobia. In the age of Instagram and TikTok, the age of perpetual happiness and unbroken achievement, pain has become a defect, a mark of weakness to be concealed. But not for him. He celebrated pain. Even during his prison years — and prison is by its very nature is a place of exclusion, removal, and rejection — he would choose the forgotten corner of the dormitory to lay out his mattress. Exclusion within exclusion. There he could feel pain in its nakedness. He would be seized by that primitive shudder that the philosopher Theodor Adorno described when one is struck by sight of primal beauty — that love which makes you love all things at once. A life that banishes pain is a dull life.

    The pain still comes over him whenever he remembers that evening. He had dressed, left the house in Jisr al-Nahhas in Damascus, descended the short staircase, crossed the long corridor, then crossed the street to the other side, raised his hand to flag down a shared minibus on the northern ring road, climbed in, and spent the entire thirty-minute ride rehearsing what he would say — turning the sentences over once, then again, then a third time, then again. He got off at the Mouwasat Hospital stop, walked quietly toward the university city, hearing none of the street noise, seeing none of the people making it, showed his student card to the guard at the entrance, passed through, walked quietly eighty-five meters in a straight line, then turned right and walked quietly another hundred and forty meters in a straight line, until he stood before the sixth women’s residential building, climbed the stairs, told the attendant he was a visitor and wanted to see her, descended the stairs, confirmed once more that the sentences were still present in his memory, waited while the attendant went up to tell her asking for her, sat on one of the benches facing the building and went through the sentences again. He watched the staircase, the people coming and going, his face unreadable — he was neither happy nor sad; he was afraid, trembling. The he saw her coming down the stairs smiling as she looked at him. Fifteen muscles in her face moved to form that smile, while more than five hundred thousand tiny arrector muscles rose across his body, sending the shiver through him. She was beautiful.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_44 PM.png

    From childhood he had tended toward difference. He was the only one who rebelled against his father openly, while his brothers feared the man’s authority. As he grew older, he no longer saw his father as domineering. He could find no explanation for his father’s passion for storytelling except that he had been a man without hope. And when you lose hope, the obstructions in life multiply. The Danish writer Karen Blixen once said: “I am not a novelist. I am not even a writer; I am a storyteller…All sorrows can be borne if you put them into a story.” His father had indeed placed his sorrows into the stories he told. And now he too carried his sorrows — accumulated through the prison years — and stood before The sixth building, looking at the girl he loved: the girl who slipped her right hand into the back pocket of her jeans, laughed as she leaned her head tilted back and her chin lifted just enough to let the laughter out freely. She was unlike anyone else.

    He suggested they go to the university city cafeteria. It was quieter there, and a beer or two might give him bolder. They walked together. She was captivating. He had met her a year earlier, after moving to Damascus to study English literature. When he first saw her, she was a wild presence that sent a tremor through the body. They talked for a long time, about everything, and he drank as much beer as he could until he forgot the sentences he had memorised by heart. He did not know how to begin. From the start of their acquaintance he had been careful not to form too deep friendship with her. It is not easy to break the dynamic of a friendship and cross safely into love. They met sometimes in university gatherings — friends, but at a distance. Finally, he steadied himself and told her she was the girl he wanted to spend his life with. She was silent. He said, “You won’t find anyone better than me,” and knew immediately that what he had just said was clumsy. She seemed caught off guard —she had not expected this. The pain gripping him was more that he could bear; he steadied himself again and said, “I don’t need an answer now, think about it,” then he left. She remained silent.

    He walked home without direction; leaving her behind in the university city. He was tired, drained — yet filled with a calm that resembled what he had known in his forgotten corner of the prison dormitory. Either the story would end here and be complete, or it would continue from this point and open up new possibilities. In either case, he had set the wheel of life turning. He told his roommate not to wake him in the morning, went to his room, and slept.

    He was still under the effect of yesterdays’ beer when the sounds in the house woke him. He opened his eyes with difficulty and found her standing in full splendour before his bed. Tall. Radiant. He leapt from the bed, struggling to open his eyes all the way. Yes, it was her — standing there, smiling, her gaze full of reproach. He did not know how to act. His thinking stopped entirely. He said: “Does this mean ‘yes’?” She opened her long arms and drew him to her chest. He pulled back slightly and ran to his roommate — who had busied himself in the kitchen to give them their privacy — leaping and shouting: “She said yes!”

    He washed in the bathroom, rinsing away what remained of sleep and returned to find her sitting on the edge of the bed. He closed the door. She stood there, smiling, shy, looking him directly into his eye, confirming his presence. He held her, and she held him — each pressing the other, wanting to merge into a single body. He kissed her forehead, her eyes, her cheeks, her nose, her chin, then her lips, her teeth, her tongue. It was less a kiss than an exploration —pausing at each place, taking it in, touching it, smelling it, kissing it, running his tongue over it, storing the data in his memory, then moving on. Exactly as Leo does on his daily walks. He wasn’t in a hurry. Neither was she.

    They were experiencing life anew — an experience that made the narrating of life possible, without it, life would be bare. Only through narrative does life rise above its raw reality; narrative gives time meaning; gives it a beginning and an end. Without narrative, life becomes a matter of survival and nothing more — it ceases to be epic. Through narrative, the world enters a coherent order: it unifies events and things into a single story, however trivial, absurd, or contingent they appear. They were experiencing once more the things that, in their connectedness, had meaning — not isolation, but in rhythm.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_48 PM.png

    He took her hand and drew her to the empty space at the centre of the room — he wanted her alone, without additions. She was uncertain, unsure of what she should do. He reached for toward the hollow at the base of her neck — that small triangle which is like a window onto what moves inside her chest. It rose with with her breath and fell, pulsed with the quickening of her heart. Touch released the tensions and obstruction; it restores things to their proper place, and breathes life into this primal trust.

    He helped her out of her clothes, then stepped back to take in her body — then returned to explore its details: every angle, every curve, every muscle. He touched, smelled, tasted; pressed his ear to her chest to hear her heart —blood flowing from it, warm, in every direction. He lifted her onto the bed, kissing her neck, her chest, her armpits. She took him by the hair and put her mouth to his, pushing the air from her chest into his, then drawing the air from his chest into hers in a steady rhythm. She kissed his body, felt it, touched it. Her hand was a healer, releasing his pain. The hand that touches heals, as the voice that narrates heals. Touch creates trust and drives out fear.

    Neither of them was afraid — at least not now. They spent the following two weeks naked in that same room, leaving it only to eat. They talked, laughed, and played; he read her Mahmoud Darwish’s poetry and Gibran’s The Prophet, and they took turns in the Song of Solomon:

    I am the rose of Sharon, and the lily of the valleys.

    As the lily among thorns, so is my love among the daughters.

    As the apple tree among the trees of the wood, so is my beloved among the sons. I sat down under his shadow with great delight, and his fruit was sweet to my taste.

    He brought me to the banqueting house, and his banner over me was love.

    Stay me with flagons, comfort me with apples: for I am sick of love.

    His left hand is under my head, and his right hand doth embrace me.

    I charge you, O ye daughters of Jerusalem, by the roes, and by the hinds of the field, that ye stir not up, nor awake my love, till he please.

    Then they would listen to music and make love again and again; stopping only when sleep took them.

    Leo sensed the walk was nearing its end when they reached the great arch with its two rounded ends — resembling a closing quotation mark — that adorned the entrance bench of the Church of Hope. Quotation marks in language are puzzling. They signal trust when citing another’s words verbatim, and signal doubt when you placing a term in brackets as a reservation about its credibility. Religions too are puzzling. The Church of Hope had its days of glory — its entrance with its lilac ceiling, pink walls, and pale grey columns, then the royal blue at the star-studded altar. The thirty-six angels inside the nave had witnessed multitudes who came, worshipped, asked God to forgive their sins, or to open a door to provision, or simply to draw near to Him in search of mercy — Then went on their way. The church that once gave a feeling of warmth and intimacy was no longer what it had been.

    Leo made his way to his favoured spot at the rounded end of the arch and urinated there, leaving a message for the dogs that would come after him. Dogs weren’t always dogs. Only twenty thousand years ago, humans carried out vast slaughters that wiped out the large animals, leaving only brown bears and wolves, who found the opportunity to mate and multiply, spreading across the earth until they were brought to contact humans. Some discovered that the food humans left behind had a taste worth the effort. They began drawing closer, trying to understand him, until they shed their nature as wolves and became domesticated dogs. They did not have to change much of their biological nature. They simply learned to understand humans better and adopted their expression. They learned from humans to show anger, anxiety, pain, and grief, and became capable of communicating with them more than the animals biologically closer to humans. They became human companions.

    When he came to Germany as a refugee in 2012, he found it difficult to make contact with Germans. Leo opened the door wide: he now knew all the dogs in the neighbourhood, and their owners, who would approach him readily to talk about their beautiful, captivating dogs. Leo had broken down the social barriers that humans had built against other human who resembled them entirely — human who had lost the narrative that once bound them together in a single story.

    Today’s societies are built on information. Societies that know where you went, what you bought. Transparent societies. Naked societies. Societies that have severed themselves from narrative and become unstable — societies have lost their aura. The post-narrative age is an age without immersion, whose memory is digital, transient and contingent.

    Unlike digital memory, which is based on accumulation and addition, human memory is narrative—it selects events, deleting some and foregrounding others, then connecting them together in different configurations, in infinite configurations. Narrative memory is built on gaps; it is a memory capable of forgetting.

    The love story was never completed. They broke up after four years. They loved and hated. They agreed and quarrelled. They held each other close and drew apart — it had been worth it. Shortly after the broke up, he travelled to work in the Emirates. They did not meet again until chance brought them together seventeen years later. The war in Syria and the weight of life had worn her down, and her life had ceased to be a narrative. When narrative is no longer possible, wisdom deteriorates, and life becomes nothing but a bitter struggle — one problem solved only to face another.

    Leo leapt and romped, trying to catch his attention — as he always did this when the walk neared its end, attempting to extend it as long as possible. A dog’s life is short; every human year equals seven in a dog’s life. But what is the point of a long life? The relationships that had held meaning — that denied the contingent, trivial nature of things — were dissolving before his eyes, against his will. His life had moved in every direction, shrouded at times in mystery and excitement, and at other times resembling the hum that had not left his right ear for years.

    ChatGPT Image May 1, 2026, 05_40_54 PM.png

  • اللعبة التي علمتني سرد القصة

    صناعة الفيديوهات تتحول من الإيقاع السريع إلى الحكايات القائمة على الشخصيات

    القصص هي  المحرك الذي يمد كل يوم في حياتنا، وكل ساعة بالطاقة والأمل.

    كان المشهد في ذلك اليوم غير عادي.

    استيقظت باكراً كالعادة. ساعات الصباح الأولى تمر بسرعة، في نشاطات روتينية متتالية، غالباً لا روح فيها. الجري نصف ساعة على مسار الممر بنوافذه الضيقة العالية، الذي يشرف عليه 10 مهاجع من هذه الجهة، ويمتد نحو 80 متراً، ثم ينعطف يميناً إلى ممر قصير (20 متراً) يؤدي بدوره إلى ممر مواز على الجانب الآخر، يضم أيضاً 10 مهاجع أخرى في سجن صيدنايا العسكري الذي صُمّم، يا للمفارقة، على شكل شعار سيارة المرسيدس بثلاثة أجنحة. صفٌ طويل من السجناء السياسيين؛ كهولٌ بات الشطر الأعظم من الحياة خلفهم، ورجالٌ يأبون التقدم في العمر، وشباب مقبلون على الحياة في مكان لا حياة فيه، يمضون الوقت بالركض على إيقاع واحد، حتى إن خبطات عشرات الأرجل على أرضية الممر، تكاد تكون خبطة رجل واحد لا تزعج النائمين حتى وقت متأخر من الصباح. يستمرون هكذا إلى تنضح أجسادهم بالعرق، بطعمه المالح كرائحة ثور أطلَقْتَه في قطيع أبقارٍ توّاً بعد انقطاعه دهراً من الزمن. يقومون بعدها بممارسة التمارين ورفع الأثقال في الممر القصير. ثم يواصل عدد قليل منهم في ممارسة تمارين اليوغا، ربما ساعة إضافية. يلي ذلك الاستحمام بالماء البارد وتناول الفطور المتواضع، ويبدأ اليوم.

    قبل بضعة أشهر من ذلك، كنت قد بدأت أيضاً التدرب على لعبة الشطرنج. حصلت على كتاب من تأليف أحد أبطال العالم الروس، وخطوة بخطوة، تعرّفت على الافتتاحيات ومزاياها، تعلمت عن النهايات وكيفية الفوز فيها أو كيفية إجبار الخصم المتقدم على قبول التعادل. تعرفت أيضاً إلى مميزات القطع ومكمن قوتها مقارنة بالقطع الأخرى. كنت لا أزال في بداية الطريق، وقد اعتبرته تمريناً عقلياً بعد التدريب البدني. إذا لم تُشغل نفسك بأمر ما، فإن سنوات السجن الطويلة ستأكل منك شيئاً فشيئاً، إلى أن تصير غريباً عن نفسك، وقد تفقدها للأبد.

    كانت الساعة قد اقتربت من الظهيرة عندما توجهت، ربما إلى المهجع الخامس، لم أعد أتذكر. فهذه المباراة الرابعة التي سألعبها في دوري شطرنج ينظمه الجناح سنوياً؛ وهي المباراة الأصعب مع معتقل كان أحد أهم اللاعبين، وسبق أن أحرز على ما أذكر إحدى البطولات المهمة قبل السجن. لم أكن قلقاً، ليس لدي ما أخسره. ففي نهاية الأمر انضممت وللمرة الأولى إلى الدوري كتكملة عدد لا أكثر. غالبية السجناء كانوا يفتقرون إلى الطاقة اللازمة للمشاركة في الدوري. الشعور بالقلق كان يملأ الأجواء، بسبب الجلسات الأخيرة في محكمة أمن الدولة العليا التي ستقرر مصيرهم.

    لم نعتد في سوريا على إجراء محاكمات للسجناء السياسيين. الاعتقالات تجري دون محاكمة، وكان من الممكن أن يقضي السجين سنوات طويلة في المعتقل، 10، 15، 20، قبل إطلاق سراحه بموجب عفو، أو بسبب مرض عضال بمنزلة حكم بالموت رسمياً. كنت قد قضيت خمس سنوات في السجن، عندما قررت السلطات، لسبب ما بعد معركة الخليج الثانية وتحرير الكويت عام 1991، ولأول مرة في تاريخها الحديث، الشروع في محاكمة السجناء السياسيين. ومع أنها محكمة أمنية لا تخضع للقضاء، إلا أن السجين يعرف على الأقل عدد السنوات التي سيقضيها في السجن، ومتى سيُطلق سراحه. الأمر الأنكى، والأكثر ثقلاً وكمداً في السجن ألا تعرف ما إذا كنت ستخرج يوماً، ومتى سيكون ذلك اليوم؛ كان مثل سفينة تاهت في الفضاء، وانقطع اتصالها بالأرض. كل ما يمكنك سماعه هو «همهمة» تبقي الأمل حياً بأن الحياة لا تزال صاخبة على الجانب الآخر، لكنك لا تعرف إنْ كنت ستعود إليها يوماً.

    مخطط تفصيلي لسجن صيدنايا
    مخطط تفصيلي لسجن صيدنايا

    على عكس توقعاتي، فزتُ بالمباريات الثلاث الأولى، مع أن الدوري كان مقتصراً على اللاعبين ذوي الخبرة فقط. وكدت أن أخسر في الثانية التي كانت الأصعب، لكنني تمكنت من الفوز بفضل مناورة الوزير (الملكة)، المعروفة أيضاً باسم مناورة حلب، جرياً على اسم اللاعب الشهير فتح الله الشطرنجي الحلبي. إنها إحدى أقدم المناورات، وقد اكتسبت شعبية في القرن الثامن عشر، ووصلت إلى ذروتها قبل مئة عام. من أصل 34 مباراة في بطولة العالم 1927، اُفتتحت جميعها بهذه المناورة باستثناء اثنتين. وأُعيد التذكير بأهميتها في مسلسل The Queen’s Gambit الذي عرضته نتفليكس عام 2020. تقوم المناورة في افتتاحية اللعبة على التضحية ببيدق للحصول على أفضلية استراتيجية في توزيع القطع على رقعة الشطرنج.

    لأكون صادقاً، لم أكن متعمقاً في اللعبة مقارنة بالآخرين في الدوري. كان ثمة أسماء كبيرة تُعدّ شيوخ اللعبة في السجن. عندما وصلت إلى المهجع الخامس، كان البطل السابق قد أنهى توّاً وجبة الفطور؛ فقد استيقظ متأخراً. هو أيضاً لم يكن قلقاً، فأنا مجرد «جَدْيٍ يريد مناطحة تُيُوس» على حد تعبير أحد السجناء. في هذه المرحلة، كانت أصداء الدوري قد انتشرت، وبدأت أعداد متزايدة تتابع المباريات، فثمة لاعب غير متوقع على الساحة. ولإضفاء المزيد من الحماسة، بدأت المراهنات التي غالباً كانت تدور حول وجبة طعام، أو سجائر، أو ضرب «متة» أو كأس شاي. في النهاية، لا بأس ببعض المتعة في حياةٍ كانت الرتابة فيها قاتلاً، في انتظار جلسات المحكمة الأمنية، التي كانت فسحة لمشاهدة سكان الكرة الأرضية من النافذة الضيقة للسفينة التائهة في الفضاء؛ بالأحرى، شاحنة اللحوم التي كانت تقلنا إلى المحكمة. فكامل احتكاكنا بالعالم الخارجي لم يكن إلا من خلال زيارات كل شهرين أو ثلاث، ولا تدوم أكثر من نصف ساعة من خلف شبكين يفصل بينهما مترين على الأقل. كانت الأخبار تصلنا من خلف الشبك في الجهة المقابلة حيث يقف الأهل، كأنها صفعات خاطفة متتالية. لم يكن ثمة وقت للشرح. تتلقى الخبر/الصفعة بصيغته البدئية من دون تمهيد يربطه بسياق. فهذا قد توفي والده أو والدته، وذاك تركته زوجته أو حبيبته، وآخر تزوجت ابنته التي كانت لا تزال في ذاكرته طفلة. في السجن يتوقف كل شيء. يتوقف الزمن أولاً، ثم يتوقف الشعور، ويتوقف الإحساس، وتتوقف الذاكرة. كنا نسميه «الثلاجة». حتى النمو الطبيعي لجسم البشر يأخذ مساراً مختلفاً تماماً.

    وفي حين أنه لا ينبغي أن يُسجن البشر، بسبب الرأي، إلا أنه لم يكن كل شيء فيه سيئاً. فبقدر ما يحجز من حريتك؛ حرية الاختيار، بقدر ما يحررك من سلطته. كنتُ متحرراً من سُلطة المال؛ فقد كنا نعيش حياة جماعية. كنتُ متحرراً من سُلطة الثياب، فأية قطعة ثياب تفي بالغرض. كنتُ متحرراً من سُلطة الطعام، هناك ما يكفي لسد الجوع، وإن لم يكن فلا بأس. ومن سُلطة الطبيب والدواء، كان لدينا أطباء يقومون بالمهمة. والأهم من كل ذلك، كنتُ متحرراً من سُلطة المستقبل؛ لا مستقبل في السجن، ولم يكن عليّ أن أقوم بما لا أرغب فيه. صحيح، أن الخيارات محدودة، ولكن من قال إن الخيارات الكثيرة جيدة؟ كنتُ أعيش اللحظة، دون أثقال الماضي، وبلا توقعات المستقبل.

    لم يكن خصمي في الشطرنج يكبرني بأكثر من بضع سنين، رغم أنني كنت في حينه ثاني أصغر سجين في صيدنايا، فقد اُعتقلت في سن الـ17، وسيوفر عليَّ ذلك فيما بعد 3 سنوات سجن إضافية لكوني كنت حَدَثاً عند الاعتقال. كان طويلاً بجسم رفيع، يميل بكتفيه جانبياً نحو اليمين قليلاً، وعندما يسير فإنه، فعلياً، يرمي بساقه وذراعه إلى الأمام في الهواء، عوضاً عن جَرِّهما، كما يفعل «شاغي» في مسلسل «سكوبي دو» الكرتوني. إذا دققت النظر، ستجد أن ما يفعله لا يتوافق مع قوانين فيزياء جسم الإنسان. المشي هو في الواقع سلسلة من السقوط المتتالي؛ جرٌّ للأطراف بدلاً من رميها في الهواء. أجمع معظم السجناء أنه لو كانت هنالك قيامة للسيد المسيح، فمن المؤكد أنه سيتجسّد فيه؛ بوجه مشرق وجبين واسع وأنف دقيق ينته بشاربٍ ناعم أشقر ولحية خفيفة متناثرة.

    لمحني عند باب المهجع، ابتسم وقال: «أأنت مستعد لتخسر؟» وأتبعها بضحكة معتادة تبدأ بنغمة صوت رفيعة في الجواب، ثم تخبو تدريجياً وبشكل متقطع نحو القرار، إلى أن تتوقف فجأة دون سابق إنذار. قلت له: «مستعد.» جلسنا جانباً على أرضية الممر، وأجرينا القرعة، لحسن الحظ حصلتُ على «الأبيض»، ما يعني أن لدي الفرصة لتحديد إيقاع اللعب. وبطبيعة الحال اخترت الافتتاح بمناورة الوزير، فقد كنت أشعر فيها براحة أكبر وفهم أعمق لاحتمالات رقعة الشطرنج بفضل الكتاب الذي درسته.

    السجناء الذين كانوا يسيرون ذهاباً وإياباً تجمهروا تباعاً لمشاهدة المباراة، وخيّم الهدوء على الممر. كان بعضهم يستأنف السير، ويعود مجدداً لمعرفة التطورات. مع بدء اللعبة بتضحية محسوبة بأحد البيادق، طمعاً في السيطرة على وسط الرقعة، أثبتَ خصمي تَمَرُّسُه، وتمكن من إحباط كل محاولاتي لخرق دفاعاته. كان هادئاً ويعرف ما يفعله. في أثناء ذلك، كنت أجاهد مع تعقّد اللعبة، والشك يساورني حول القطعة التي ينبغي تحريكها. كان اللاعبون المتمرسون الذين يتابعون المباراة باهتمام يعون جيداً الخطوة المثلى. ويعلمون أيضاً أن الأفضلية لا تزال بيدي، إن استطعتُ فقط اختيار القطعة الصحيحة للحركة التالية. بالفعل، لم تكن الخيارات المتاحة كثيرة، كان كل مسار أحلّله يؤدي إلى نتائج ليست في صالحي. الغرض من تحريك قطع الشطرنج ليس دوماً لتحسين الموقع، بل في بعض الأوقات يكمن في دفع الخصم إلى أخذ المبادرة، ومن ثمَّ احتمال ارتكاب الخطأ.

    كنت أعلم أن الكثيرين من المتجمعين حولنا راهنوا على الانتصار، ولم أكن مستعداً للاستسلام بعد. وعرفت أيضاً، أن هذا الجمهور القليل العدد، قد نسي في هذه اللحظات محكمة أمن الدولة العليا، وشاحنة اللحم بنوافذ صغيرة ضيقة نرى من خلالها بشق الأنفس الناس في الشوارع، وقد نسي أن ليس لديه طاقة، وأن لا مستقبل هناك، وأن مَنْ رحل قد رحل، وأن الزوجات اللواتي تطلقن، والعشيقات اللواتي تركن، لله درّهن، وأن الأطفال قد كبروا، وتزوجوا، وأن لا مال يهم، ولا ثياب أكثر راحة من قمصان الـ«شيّال» الداخلية التي يرتدونها في هذا الجو الحار. وأنهم قد وضعوا كل شيء جانباً، ومن الحق منحهم المتعة التي يستحقون. فما كان يهم، هو هذه اللحظة، هذه الـ«هنا، الآن».

    هنا، سأتوقف عن سرد القصة، إذ لا بد لي من الاعتراف بأنني أفتقد أحياناً ذاك العالم. لا أريد السجن بطبيعة الحال، فهو ليس مكاناً صالحاً للبشر، لكنني أفتقد العالم الذي كان فيه. مع تقدمي في السن، أجد صعوبة في التكيف مع الحياة بتعقيداتها التقنية. ليس لأنني بعيد عن التكنولوجيا، بل ربما لأنني أفهمها أكثر مما يجب. ففي نهاية المطاف، أجد أنني أقضي مثلاً، ساعتين أو أكثر يومياً في مشاهدة «تيك توك» الذي صُمِّم بدهاء كي يجعلك تعتقد أن مقطع الفيديو التالي سيكون آخر ما ستشاهده.

    وطبعاً لن يكون الأخير.

    لا يوجد عيب في هذا. نحن جميعاً نحتاج إلى بعض اللهو للتعامل مع ضغوط الحياة اليومية. ولطالما كان الاعتقاد السائد بين أوساط المبدعين، بأنك إما أن تقدم للجمهور ما يطلبه؛ وهو ما يُسمى الترفيه، أو أنْ تفرض عليه مَطَالب؛ وهذا ما يُسمى الفن.

    ففي الترفيه، يتوقع الجمهور مثلاً من الممثلين أداءً مقنعاً وحبكة درامية للقصة. إذا أخفق المخرج في ذلك، فمن المرجح سيتجنبون مشاهدة المسلسل. في الفن، عندما يذهب الجمهور ذاته إلى متحف اللوفر مثلاً، فإنه مُطالب ضمنياً ببذل الجهد لفهم اللوحة أمامه. إن لم يفعل ذلك، فهو مجرد زائر عابر، لا يقدّر الفنون. 

    طريق الفن والترفيه
    طريق الفن والترفيه

    مع ذلك، فإن الأمر في الواقع أكثر تعقيداً.

    اقتصاديات الإبداع، مثل كل الاقتصادات، لا تسير هكذا. وإذا كنت فناناً، أو تسعى لتكون كذلك، لعلك لاحظت الميزانيات الضخمة التي خُصِّصت لإنتاج الأفلام والمسلسلات والبرامج الترفيهية، منها الجيد، ومنها السيئ، بينما يصعب عليك حتى العثور على صالة تعرض فيها لوحاتك. لماذا؟ لأن صناعة الترفيه قضمت الحصة الأكبر من صناعة الفن.

    اقتصاديات الفن والترفيه
    اقتصاديات الفن والترفيه

    إلا أن المشكلة لا تنتهي هنا.

    حتى وقت قريب، كانت صناعة الترفيه تنمو باطراد، لدرجة أن كل ما كان فناً مستقلاً أو بديلاً، تقلّص باستمرار باعتباره أضراراً جانبية لنمو الترفيه. إلا أننا في السنوات العشر الأخيرة، نشهد ولادة ثقافة جديدة، ثقافة ما بعد الترفيه. فالقطاع الأسرع نمواً هو «اللهو» الذي جاء به «تيك توك». أطلق عليها ما تشاء؛ ثقافة التمرير أو التمرير السريع، ثقافة إضاعة الوقت أو أية تسمية أخرى تراها مناسبة. لكنها بكل تأكيد ليست فناً، وليست ترفيهاً؛ إنما حركة مستمرة بإصبع الإبهام لا تتوقف لمشاهدة مقطع الفيديو التالي.

    ومفتاح هذه الحركة المستمرة هو أن كل مقطع فيديو (محفّز) يدوم بضع ثوانٍ فقط، ويليه محفز (مقطع) آخر، نادراً ما يترك أثراً، ويصعب حتى تذكره.

    ووفقا للناقد الثقافي تيد جويا، فهي تجارة ضخمة، ويذهب في تحليله لهذه الظاهرة، أن قطاع «اللهو» سيصبح قريباً أكبر من الفنون والترفيه مجتمعين. فكل شيء يتحول إلى تيك توك. فيسبوك تفعل ذلك في «Reels»، وإنستغرام، ويوتيوب، وكل من يطمح إلى الثراء على الشبكات الاجتماعية، ما عدا شخصاً واحداً؛ شخص يصرف معظم ما يحققه من أرباح في إنتاج المزيد من الأعمال التي يحب.

    اليوتيوبر جيمي دونالدسون الذي يُعرف بـ MrBeast، لم يكن هكذا دائماً. الحق، كان سابقاً أحد رموز الفيديوهات التي تسمى Retention Edit، أو الفيديوهات التي تُنتج لتحتفظ بالمشاهد بجعله ملتصقاً بشاشته أطول فترة ممكنة. تمتاز بالمؤثرات الصوتية الصاخبة والإيقاع السريع في تحرير الفيديو، وعدم التوقف، حتى باتت الشكل السائد لإنتاج الفيديوهات عبر طيف واسع من اقتصاديات «المبدعين». وتجد أن الفيديوهات كلها باتت متشابهة، يصعب التمييز فيما بينها.

    لكن هذه «الفقاعة» يبدو أنها قد وصلت إلى ذروتها، وعلى وشك أن تتغير الآن، وربما إلى الأفضل. ثمة ما يشير إلى أن هذه الموجة قد بدأت تنحسر.

    ففي وقت سابق من الشهر الماضي، غرّد دونالدسون، إنه حان الوقت «للتخلص من المحتوى السريع»، وقال إنه في العام الماضي، أبطأ إيقاع الفيديوهات التي كان ينتجها، وركز بشكل أكبر على السرد القصصي، ليتيح الفرصة للمَشَاهِد أن تتنفس، وأن يقلل من الضجيج فيها من خلال فيديوهات أطول، ما أدى إلى قفزة في أعداد المشاهدات.

    ولفهم أبعاد ذلك، اِعلم أن دونالدسون هذا لديه أكثر من 250 مليون مشترك في قناته على يوتيوب، وأن عدد المشاهدات لا تقل عن 100 مليون لكل فيديو ينشره، وقفز هذا الرقم الآن إلى 150 مليوناً بعد اعتماد السرد القصصي. وقد اختارته مجلة التايم عام 2023 من بين المئة شخصية الأكثر تأثيراً في العالم. ويصل دخله إلى نصف مليار سنوي من عائدات الإعلانات ورعاية العلامات التجارية.

    خوارزميات تيك توك شجّعت المستخدم على الانتقال إلى الفيديو التالي إذا لم ينجذب خلال الثانية الأولى. لذلك تلجأ الفيديوهات التي تُنتج لتحتفظ بالمشاهد، إلى أن تبدأ بصوت عالٍ، لتدفع المشاهد إلى الانتباه، ثم تحاول الحفاظ على هذا الانتباه من خلال رسوم الفلاش والكلمات والمؤثرات الصوتية. وقد أدى ذلك إلى أن قدرة التركيز لدى جيل المراهقين لا تتعدى الثانية الواحدة إذا لم يكن الأمر مسلياً بما فيه الكفاية. وبات ذهنه مشتتاً.

    المشكلة في موجة فيديوهات «اللهو» أنه يمكنها أن تستمر للأبد؛ لأنها تعتمد على كيمياء الجسم، وليس على الترند أو الجماليات. فالدماغ يكافئ هذه النوبات القصيرة من اللهو، بأن يُطلق الناقل العصبي مادة الدوبامين ما يشعرنا بالرضا، لذلك نريد للمحفز أن يتكرر. إنها مثل ماكينات المقامرة الآلية بأجراس وصفّارات تبقيك مستمتعاً لأن «الفيديو» مبهرج وصاخب. لا يهم محتواه. وهذا النموذج يعمل بالآلية ذاتها التي يعمل بها الإدمان. 

    اقتصاديات الفن والترفيه واللهو
    اقتصاديات الفن والترفيه واللهو

    منصات التكنولوجيا الكبرى، أو كارتل الدوبامين، تدرك هذا الأمر. وهدفها الرئيسي والنهائي خلق عالم من المدمنين، تحت مسمى Ecosystem، لأن ذلك سيضمن لها الربح الأكيد. وقد أسهم ظهور الذكاء الاصطناعي الآن في ازدهار هذه الفيديوهات من خلال تسهيل عمليات إنتاجها بأدوات مثل Captions.ai وVeed.io. وصارت الثقافة السائدة هي عدم وجود ثقافة. لكن ماذا يفعل هذا بأدمغتنا؟

    كلما اعتمد المدمن أكثر على هذه المحفزات، تناقصت اللذة التي يتلقاها. في مرحلة ما، تخلق هذا الدورة ما يسمى في علم النفس بـ«أنهيدونيا» Anhedonia؛ أو الغياب الكامل للمتعة في تجربة يُفترض أنها مصممة من أجل خلق المتعة. تماماً مثل المدمن الذي لم يعد يجد لذة في المسكنات مع مرور الوقت، لكنه يستمر في تناولها لتجنب الألم الناتج عن نقص الدوبامين في الجسم. وفي مرحلة معينة، يؤدي تناول المزيد إلى المزيد من الألم. وهكذا تدخل أدمغتنا في دائرة جهنمية كردة فعل لحماية أجسامنا. هذا ما جرى مع الكثير من الناس الذين تركوا الشبكات الاجتماعية، بعد محاولات من الإقلاع والعودة.

    هنالك الآن، لحسن الحظ، توجهاً بين منتجي الفيديوهات المشاهير إلى السرد القصصي المرتكز على الشخصية، من دون بهرجة، ويحققون مشاهدات أكثر من السابق. لماذا ذلك؟ لأن الجميع ينتج فيديوهات الـ Retention Edit، التي تفتقر للبعد الإنساني، فبدأ الجمهور يفتقد إلى تلك الحميمية التي تقدمها الشخصية.

    و«الشخصية»، تعيدني إلى القصة التي بدأت بها حول مباراة الشطرنج. قد تتشابه الافتتاحيات، ولكن لكل مباراة شخصيتها، لا تشبه التي قبلها مهما رجعت بالزمن، ولن تشبه التي بعدها مهما تقدّمت به. تخيّل معي:

    • لدى كل لاعب 20 احتمالاً ممكناً لافتتاح المباراة (16 احتمالاً بالبيادق و4 احتمالات بالحصانين)

    • عدد الاحتمالات بعد النقلة الثانية: 400 احتمال.

    • بعد 3 نقلات، هناك حوالي 8902 احتمال.

    • بعد 4 نقلات، هناك حوالي 197 ألف احتمال.

    • بعد 5 نقلات، هنالك نحو 5 ملايين احتمال، وقد يتصاعد هذا الرقم بحسب القطع التي نُقِلَت.

    عدد المباريات الفريدة التي يمكن لعبها بالشطرنج لانهائي، وتقدر بما يسمى «عدد شانون» 120^10. كما ترى، هذه الاحتمالات التي تقدمها 32 قطعة على رقعة الشطرنج، فما بالك بعدد القصص على رقعة الحياة. هل تريد الآن أن تعرف كيف انتهت المباراة مع خصمي في المهجع الخامس؟

    حسناً، لا أحاول تعذيبك. ربما قليلاً. أريد فقط أن أزيل الستار عن ذلك الغموض، وذاك السحر، وتلك القوة الكامنة داخل محرك الكشف هذا: لماذا ينجذب الناس إلى القصص؟ اسأل نفسك هذا السؤال.

    نحن نتابع الأخبار لنتعرف على الوقائع، ونحصل على المعلومات، لكننا ننجر إلى القصص المرة تلو المرة؛ لأننا نحتاج إلى معرفة ما يعنيه تموضعنا داخل تلك الوقائع والمعلومات. على مدى آلاف السنين، أرّخ الإنسان العاقل حياته. فقبل اختراع الكتابة، وقبل شخبطة الكلمات الأولى على ورق البردي، كنا نطحن المعادن، وعظام الحيوانات المتفحمة لنصنع أصباغاً مستخلصة من المُغْرَة والعَنبر والفحم، وكنا نستخدم هذه الألوان البني الضارب إلى الأحمر والأصفر البرتقالي والأسود الفحمي للرسم بالأصابع على جدران الكهوف. كنا نرسم صور أحلامنا، وكنا نوّثق آخر صيد للظباء. القصص هي مسألة بقاء بالنسبة إلينا نحن البشر. إنها الطريق إلى فهم أنفسنا، وإذا لم نتمكن من ذلك، سنضيع. إنها الوسيلة التي بها يتماسك عالمنا الخارجي، والآلية التي بها نتمالك نفسياً. إن القصص هي ذاك النسيج الضام للجنس البشري، بغض النظر عن الموضوع الذي تتحدث عنه. ففي قلب كل قضية، كل حدث، هناك مستوى إنساني يفضي بنا إلى أربع كلمات ربما تكون الأكثر استخداماً في اللغة العربية أو أي لغة أخرى في العالم: ماذا حدث بعد ذلك؟ هذا ما تريد معرفته الآن في قصة مباراة الشطرنج. بمجرد أن ننغمس في أي قصة، تجتاحنا ونريد أن نعرف أكثر. إنه المحرك الذي يمد كل يوم في حياتنا، وكل ساعة بالطاقة والأمل.

    في ذلك اليوم، كانت الاحتمالات كلها محفوفة بالأخطار، ما عدا نقلة واحدة لقطعة إلى مربع هامشي، لا تعطيني أفضلية، لكنها لا تحشرني في موقع حرج أيضاً. أخذت وقتاً، لفهم التهديدات المباشرة القائمة على الرقعة، ونقلت القطعة. كان خصمي يدرك ما قمت به توّاً. كانت قطرات العرق بدأت تظهر على جبهته العريضة مثل حبّات الفطر على أطراف حقل في يوم سمائه تبرق وترعد. قام بنقلته، فانفتحت الثغرة، وسرعان ما أدرك أن المباراة قد انتهت عملياً. بعد نقلتين أو ثلاث مد ذراعه اليمنى برويّة، ووضع السبابة على تاج ملكه، ثم ضغط عليه بما يكفي ليدفعه إلى الأمام، ويقع على وجهه قرب الحصان الذي كان يتقدمه، واستسلم. تعالت أصوات «أووووه» بين الجمهور المراقب، وضُربتْ الأكف بالأكف، وشعرتُ بيد تستقر من الخلف على كتفي الأيسر، عندما التفتّ إليه، كان أحد شيوخ اللعبة، قال وهو يبتسم: حَسنٌ فَعلْ. لم يكن لديه خيار.

    في ذاك الدوري الذي جرى قبل ثلاثين عاماً، حسمت الأمر في المرحلة السابعة ما قبل الأخيرة. لم أُهزم في مباراة، وكنت الجدي الذي ناطح التيوس، وهزمهم واحداً واحداً. أصدرت محكمة أمن الدولة العليا حكماً بسجني 10 سنوات، ثم خفّضته إلى 5؛ لأنني كنت تحت السن القانوني عند الاعتقال. عند نطق الحكم كنت قد قضيت نحو 7 سنوات في السجن، من 1987 إلى 1994، ومنذ ذلك الحين انتقل من مربع هامشي إلى آخر، دون أن يضرب معي الحظ قطّ.


  • Checkmate Behind Bars: How Chess and Storytelling Kept Hope Alive

    Stories are the engine that powers every day of our lives, every hour, with energy and hope.

    The scene that day was anything but ordinary.

    I woke up early, as usual. The first few hours of the morning passed with a series of repetitive tasks — mostly soulless. For half an hour, I jogged down an 80-meter-long corridor with narrow, tall windows flanked by ten dormitories on one side, then turned right into a shorter corridor (20 meters) that led to a parallel corridor on the other side, also with ten dormitories. This was the Sednaya military prison, paradoxically designed in the shape of the Mercedes logo with three “wings”

    A long line of political prisoners, old men past their prime, men who refused to age, and young men on the cusp of life in a place where there was no life, passed the time in a single rhythm. The sound of dozens of feet stamping on the floor of the corridor was so synchronized that it hardly disturbed the late risers. They continued until they were drenched in sweat and tasted the salty smell of a bull being let loose on a herd of cows for the first time in a long time. Then it was gymnastics and weightlifting in the short corridor, followed by an hour of yoga for a few. Then a shower with cold water, a meager breakfast, and so the day began.

    A few months earlier, I had started learning chess. I got my hands on a Russian world champion’s book and discovered step by step the different openings and their advantages. I learned the essentials about endgames — how to win or force a draw when you are behind. I also learned that each piece has unique strengths and why one piece can be superior to another. I was still at the beginning of my journey and saw it as a mental exercise after the physical training. If you don’t engage with something in prison, the long years will eat you up bit by bit until you become a stranger to yourself and possibly lose yourself forever.

    It was just before noon when I made my way — maybe to dorm 5, I don’t remember exactly — to play my fourth game in the prison wing’s annual chess tournament. This was my toughest game yet, against a fellow inmate who had been one of the best players before his incarceration. If I remember correctly, he had even won a major championship. I wasn’t worried; I had nothing to lose. After all, it was the first time I was taking part in the tournament, basically just to increase the number of participants. Most of the prisoners lacked the energy to participate. There was anxiety in the air as the final hearings before the Supreme State Security Court were about to take place, which would decide her fate.

    In Syria, we are not used to political prisoners ever getting a formal trial. Arrests are made without hearings, and a prisoner can be locked up for 10, 15 or even 20 years until he is finally released by an amnesty decree or due to an incurable disease, which is effectively a death sentence. I had already spent five years in prison when, for reasons unknown, possibly after the Second Gulf War and the liberation of Kuwait in 1991, the authorities decided for the first time in modern history to actually try political prisoners. Although the so-called court was a security court, not subject to any real legal standards, the prisoners were at least told how many years they had left or when they would be released. The most agonizing thing is the uncertainty of whether you will ever leave this place or when that day will come. It was like a spaceship lost in space and cut off from Earth. All you could hear was a distant “hum”, holding out hope that there was still life on the other side. But you had no idea if you would ever get back there.

    Detailed view of Saydnaya Prison
    Detailed view of Saydnaya Prison

    Contrary to my expectations, I had won my first three matches. The tournament was only open to experienced players. I almost lost the second game (the most difficult), but I managed to win thanks to a maneuver with the “minister” piece — chess players in the Arab world often call the queen the “minister” It is also known as the Halab maneuver, named after the famous player Fathallah the chess master from Aleppo. It is one of the oldest gambits, gaining popularity in the 18th century and experiencing its heyday around a hundred years ago. Of the 34 games in the 1927 World Championship, all but two used this opening. The Netflix series The Queen’s Gambit (2020) also reminded viewers of the importance of this gambit. The opening gambit involves sacrificing a pawn to achieve strategic positioning for your pieces on the board.

    To be honest, I was nowhere near as immersed in chess as many of the other tournament players. There were some big names in the prison known as the “sheikhs of the game” When I arrived in dormitory 5, the former champion had just finished his breakfast — he had slept in. He wasn’t worried either, because he thought I was, as one of the inmates put it, “a little goat challenging big rams” By now, word of the tournament had spread and more and more people were gathering to watch the fights. Finally, there was that unlikely contender on stage. To add to the excitement, they began to place small bets — usually for a meal, a few cigarettes, a mate or a cup of tea. After all, a little entertainment didn’t hurt in a life marked by monotony while we waited for our court dates in the security court — our only chance to see the outside world from the tiny windows of the lost spaceship, or rather, from the meat truck that took us to the courthouse. All our contact with the outside world consisted of visits every two or three months, each lasting no longer than half an hour, speaking through two barriers at least two meters apart. The news reached us from behind the opposite barrier, where the families were standing, like a series of rapid blows. There was no time for explanation or context. Someone learned that his father or mother had died, another that his wife or girlfriend had left him, yet another that his daughter— – who in his memory was still alive as a child — had married. Everything comes to a standstill in prison. Time stands still, feelings freeze, sensations wither and memory becomes silent. We used to call this “the refrigerator” Even the normal physical growth of the human body takes a different course.

    And although no one should be imprisoned for their views, prison life was not all bad. Paradoxically, although prison walls robbed you of freedom— – freedom of choice— – they also freed you from their control. I was free from the tyranny of money because we lived a communal life. I was free from the tyranny of clothing because any piece of clothing would do. I was free from the tyranny of food; there was enough to keep hunger at bay, and if not, then not. I was free from the dependence on doctors and medication because we had our own doctors among us to look after me. Most importantly, I was free from the tyranny of the future itself. There is no future in prison; you are not obliged to do anything you don’t want to do. You had few choices, but who says more choices are always better? I lived in the moment, unencumbered by the past and free from any expectations of the future.

    My chess opponent was only a few years older than me, although I was the second youngest prisoner in Sednaya at the time — arrested at the age of 17, which later saved me three more years in prison because I was still a minor when I was arrested. He was tall, had a slender build and his shoulders sloped slightly to the right. When he walked, he literally swung one leg and arm forward through the air instead of dragging them along, a bit like Shaggy in the cartoon Scooby-Doo. If you look closely, this defies the laws of human physics. Walking is basically a series of controlled falls— – you drag or roll your limbs instead of flinging them forward. Most inmates joked that if Christ were to rise again, he would surely choose this man’s form — his pale face, broad forehead, fine nose, light blond mustache and sparse, shaggy beard.

    He saw me at the dorm entrance, smiled, and said, “Ready to lose?” followed by his usual laugh, starting off high-pitched, then tapering off in choppy lower notes until it abruptly ended. I replied, “Ready.” We sat cross-legged on the hallway floor and drew lots for colors. Luckily, I got White, which meant I could set the tempo of play. Naturally, I chose to open with the minister/queen gambit—I felt most at ease with it, understanding its possibilities better from that book I’d studied.

    Other prisoners who were pacing the halls back and forth gathered around to watch. A hush fell over the corridor. Some would resume their walk, then come back to catch any new developments. The game started with a calculated pawn sacrifice to gain central control. My opponent swiftly demonstrated his skill by thwarting every attempt I made to breach his defenses. He was calm and seemed to know exactly what he was doing. Meanwhile, my mind was working overtime as the game grew complicated; I wasn’t sure which piece to move next. The veteran players observing were fully aware of the optimal move. They also knew the position still favored me, if I could only figure out that “right” piece to move. Really, I didn’t have many viable options. Every line I analyzed led to outcomes not in my favor. In chess, not every move is about improving your position; sometimes, the goal is simply to nudge your opponent to take the initiative and hopefully make a mistake.

    I knew many of the onlookers had placed bets on me. I wasn’t ready to give up yet. I could also tell that this little audience had, for the moment, forgotten about the Supreme State Security Court. They’d forgotten the meat truck with its tiny windows where we could barely make out people on the streets. They’d forgotten that they were drained of energy. Forgotten that the future was nonexistent, that those who passed on had passed, that wives and girlfriends had left—God bless them—and that the kids had grown up and even gotten married. No one cared about money or clothes more than the sleeveless undershirts they wore in this searing heat. They had set it all aside, and surely they deserved some enjoyment in this moment. What mattered now was this fleeting instant: the “here and now.”

    And here I’ll pause the story to confess that I sometimes miss that world. Of course, I never wish to be imprisoned again—it’s not fit for humans—but I miss the sense of world that existed inside it. The older I get, the harder it becomes to adapt to life and its technological complexities. Not because I’m far removed from technology, but perhaps because I understand it more than I should. After all, I sometimes find myself spending two or more hours a day on TikTok—an app cleverly designed to make you think, Alright, this next video is the last one I’ll watch.

    Spoiler alert: it’s never the last.

    There’s no shame in that. We all need some playful distraction to cope with life’s daily pressures. Creative communities often believe they must either give the audience exactly what it wants—pure entertainment—or demand something of them, which is what we call art.

    In entertainment, for instance, the audience expects convincing performances from actors and a compelling plot. If the director fails on that front, they’ll likely stop watching. In art, that same audience going to the Louvre is implicitly expected to make an effort to understand the painting in front of them. If they don’t, they’re just passing through without appreciating the art.

    Yet, things in reality are more complicated.

    Like every industry, the “creative economy” doesn’t quite work that way. If you’re an artist or aspire to be one, you’ve likely noticed the massive budgets allocated for producing films, series, and entertainment programs—some good, some bad—while you might struggle just to find a gallery willing to exhibit your paintings. Why? Because the entertainment sector has swallowed up the lion’s share of the art market.

    But that’s not where the problem ends.

    Until recently, the entertainment industry had been growing steadily, with what used to be alternative or independent art forms shrinking as collateral damage in entertainment’s rise. Yet in the last decade, we’ve seen the emergence of a new culture, a “post-entertainment” era. The fastest-growing sector right now is what you might call “frivolous scrolling,” championed by TikTok. Call it what you will: the scroll culture, endless feed, time-killer content—whatever name you choose. It’s definitely not art, and it’s not quite entertainment; it’s just a constant flick of the thumb to watch the next video.

    The key to this infinite scroll is that each clip (the “stimulus”) lasts just a few seconds before the next one pops up, seldom leaving an impression or anything you can recall.

    According to cultural critic Ted Gioia, it’s a massive industry he believes will soon eclipse art and entertainment combined. Everything is morphing into TikTok. Facebook is doing it with Reels, Instagram has it, YouTube has it—everyone eyeing quick riches on social media is following suit. Except, perhaps, for a single individual who invests most of his profits in making more content he loves.

    YouTuber Jimmy Donaldson, known as MrBeast, wasn’t always like this. He used to be a symbol of what’s called the “Retention Edit”—videos produced in such a hyper-stimulating way that viewers stay glued to their screens as long as possible. Loud sound effects, blazing editing pace—these elements have become the dominant style for online creators. Videos all started to look the same, almost impossible to tell apart.

    But this “bubble” seems to have reached its peak. And now, it’s poised for a possible shift—maybe for the better. Hints are emerging that the high-speed wave of content is receding.

    Last month, Donaldson tweeted that it was time to “ditch the fast content,” mentioning he had slowed down his videos last year and focused more on storytelling. He gave the footage room to breathe, toning down the noise by making them longer—and the result was a surge in views.

    To grasp the magnitude of that: Donaldson has over 250 million subscribers across his channels, and each new video gets at least 100 million views. That number has recently skyrocketed to 150 million since he began shifting to story-driven content. In 2023, Time magazine named him one of the 100 most influential people in the world. His annual income is around half a billion dollars from ads and brand deals.

    TikTok’s algorithm encourages users to swipe to the next video if they’re not hooked in the first second. So content made for “retention” starts with a boom, capturing attention, then tries to hold it with flashy graphics, text overlays, and sound effects. This has led to a generation of teens who can hardly focus for more than a second if something isn’t instantly “fun” enough, resulting in scattered attention spans.

    The problem with “scroll culture” videos is that they can go on forever; they rely on our body’s chemistry rather than fleeting trends or aesthetics. Our brains reward these quick bursts of distraction by releasing dopamine, leaving us wanting more. It’s like sitting at a slot machine, with the bells and whistles that make you feel good just because the video is loud and flashy—never mind its content. And, like any addiction, it works on the same mechanism of repeated stimuli and diminishing returns.

    Big Tech—“the dopamine cartel”—knows this all too well. Their ultimate goal is to create a world of addicts, politely dubbed an “ecosystem,” because that guarantees them secure profits. The rise of AI has further fueled this wave by simplifying how these videos are produced, using tools like Captions.ai or Veed.io. Now, the prevailing culture is the absence of culture. But what does this do to our brains?

    The more dependent we become on these micro-stimuli, the less pleasure we derive. Eventually, we hit a stage psychologists call “anhedonia,” the inability to feel enjoyment—even from experiences supposedly designed to provide it. It’s like a painkiller addict who no longer feels relief but keeps taking pills to avoid the pain caused by low dopamine. And at some point, taking more just leads to more pain. Our minds spiral downward in a kind of purgatory, a reflex meant to protect us. This has happened to countless people who quit social media after repeated attempts to cut down and failing.

    Fortunately, there’s now a trend among top content creators to pivot back to personality-driven storytelling, free from flashy gimmicks, and they’re getting more views than ever. Why? Because everyone else is producing these high-speed “retention” videos that lack humanity. Audiences are starting to miss the warmth of a personal touch.

    And this notion of “personality” brings me back to the chess match I was telling you about. The openings might look the same, but each match has a distinct character—different from any that came before and any that will follow. Picture this:

    • Each player has 20 possible opening moves (16 with pawns, 4 with knights).

    • After two moves (one move each), there are 400 possible positions.

    • After three moves each, around 8,902 possibilities.

    • After four moves each, around 197,000 possibilities.

    • After five moves, roughly 5 million possibilities, and it just keeps expanding as more pieces come into play.

    The total number of unique chess games is effectively infinite—estimated as “Shannon’s number,” 10^120. That’s just 32 chess pieces on a board. Imagine how many stories lie on the board of life. Now, do you still want to know how my match in Dorm 5 turned out?

    Alright, I’m not trying to torture you—well, maybe a little. I simply want to lift the veil on the magic, that power within the engine that keeps us asking: why do people gravitate to stories? Ask yourself.

    We watch the news for facts, for information. Yet we repeatedly get pulled into stories because we need to see where we fit in all those facts and data. For thousands of years, Homo sapiens has documented his life. Before writing was invented—before we scrawled the first words on papyrus—we ground up minerals and charred animal bones to make pigments of ocher, amber, charcoal. We used these earthy reds, orange-yellows, and coal blacks to fingerpaint on cave walls. We painted pictures of our dreams, chronicled the latest gazelle hunt. Stories have always been an essential survival tool for human beings. It’s how we make sense of ourselves. Without that, we’d be lost. It’s how our external world stays woven together and how we hold ourselves together psychologically. Stories are the connective tissue of humanity, no matter the subject. At the heart of every issue, every event, there’s a human dimension that leads us to four words which might be the most widely used in Arabic—or any other language on Earth: “What happened next?” And that’s exactly what you want to know now about the chess match. Once a story hooks us, we’re flooded with curiosity: we want more. That’s the engine powering every day of our lives, every hour, fueling us with hope and energy.

    That day, every option on the board was fraught with danger, except for one move—a piece maneuver to a marginal square. It didn’t give me a better position, but it kept me from disaster. I took my time to assess immediate threats on the board and then made the move. My opponent realized what I had done. Beads of sweat began to form on his broad forehead like clusters of mushrooms at the edge of a field, on a stormy day full of thunder and lightning. He played his move, creating a gap in his defense, and almost instantly recognized the game was practically over. Two or three moves later, he gently extended his right arm and placed his index finger on the crown of his king, pressing it just enough to tip it forward. The king fell on its face beside the knight in front of it. He resigned. A chorus of “Oooh!” rose from the onlookers, they clapped hands in celebration, and I felt a hand rest on my left shoulder from behind. Turning, I saw one of the “sheikhs of the game” smiling. “Well done,” he said quietly. “He had no choice.”

    In that tournament, held nearly thirty years ago, I clinched victory in the seventh round—the penultimate one. I didn’t lose a single match. I was that “young goat” who butted heads with the “big rams,” beating them one by one. The Supreme State Security Court sentenced me to ten years, later reduced to five because I was underage at the time of arrest. When the verdict was read, I had already spent about seven years in prison—from 1987 to 1994. Since then, I’ve been moving from one marginal square to another, never once catching a lucky break.