Welcome to WordPress. This is your first post. Edit or delete it, then start writing!
المدونة
-
فقدَ السرد، ففَقد قلبه الإيقاع

فقدَ السرد، ففَقد قلبه الإيقاع
السعادة ليست حدثاً لحظياً؛ ليست صورة على إنستغرام أو مقطع فيديو على «تيك توك»، السعادة لها ذيل طويل يمتد إلى الماضي. إنها مثل الشَّفَق؛ تلك الحُمْرة التي تُرى في الأفق بُعَيْد المغيب.

المجتمع الذي كان من دون تواصل حلّ محله تواصل من دون مجتمع..

26.08.2024
بقلم: رشاد عبد القادر
النص قصة واقعية بسرد أدبي فلسفي، أعاد ترتيب الأحداث وصاغها بما لا يؤثر على معناها العام. وما كان ممكناً كتابته، لولا أعمال بايونغ-شول هان، لا سيما The Crisis of Narration، و The Palliative Society، والتر بنيامين The Storyteller، حنة آرنت The Human Condition، إضافة إلى أسماء أخرى وردت في سياقاتها.
عاد هذا الصباح أيضاً من عند طبيب القلبية بأنباء غير سارة. لقد فقد قلبُه الإيقاع. القلب يعمل عادة بتواتر منتظم؛ تنقبض حجرتا الأُذين، ثم حجرتا البطين، في تتابع نادراً ما يشعر به الإنسان. عندما يحدث خلل في هذا التناغم، فإنه يحوّل الحياة اليومية إلى قطعة جحيم. لسببٍ ما، لا يعرف الأطباء كيف بدأ البطين لديه في الانقباض قبل أوانه، فيحدِث انتفاضة تهزّ كامل الجسم. ليس مرة واحدة في اليوم أو اثنتين أو حتى عشراً، بل 14,000 مرّة، وكأن جَرْوين صغيرين يتقاتلان باستمرار داخل صدره؛ يخضّانه، يرجّانه، وينفضانه من دون رحمة.
بدأ الأمر كله قبل 15 سنة. في ليلة عادية، بينما كان يحاول النوم بعد يوم عمل مرهق وضاغط، بدأ قلبه ينتفض. سبق له أن عايش هذه الحالة. كانت تدوم من ثوان إلى بضع دقائق ثم تتبدد. لكن ضربات القلب هذه المرة بدت مختلفة، فهي أقوى وأعنف، وتأبى أن تتوقف. ما يزيد الأمر سوءاً، هو الاستجابة الغبية للدماغ عندما يستنفر ظناً منه أن الموت بات وشيكاً، فيرسل إشارات إلى الجهاز العصبي الودّي -الذي يتعاطف مع احتياجات الجسم- لتنشيط الغدة الكظرية، فتفرز هرمون الأدرينالين، ما يسبب بدوره تسارعاً أكبر في النبضات. لحسن الحظ أن القلب مبرمج آلياً بفضل الجهاز العصبي الـ «لا ودّي»، هذه المرّة، على ضبط تسارع النبضات إلى حد أقصى معين، لولا ذلك لأصاب الدماغُ بحماقته القلبَ بعَطَب دائم. في ذلك اليوم، أمضى ثلاث ليالٍ في العناية المركزة.
وإذا كانت الناس لا تنتبه عادة لوجود قلب في قفص الصدر؛ فإن كل خضّة كانت تذكّره بأن خيط الحياة رفيع، وما أسهل انقطاعه. قلبه الذي ينتفض عندما يفرح، وينتفض عندما يحزن، ينتفض عندما يضحك، وينتفض عندما يبكي، ينتفض عندما يجوع، وينتفض عندما يشبع، ينتفض عندما يركض، وينتفض عندما يستريح؛ كأنه ظلٌّ يذكّره بأن لحظة واحدة كافية لإنهاء كل شيء.
عندما وصل إلى المنزل، وجد الكلب ينتظره عند الباب. كان «ليو» يهز ذيله دائرياً في الاتجاهات جميعها، يتلوّى يميناً وشمالاً، فالساعة قد قاربت الحادية عشرة، وبات من حقه الآن تناول الإفطار والخروج في المشوار الصباحي الذي تأخر. من حسن حظ الكلاب أنها لا تأبه للأمراض مثلما يفعل البشر.
وضع حقيبة الظهر على الكرسي المجنّح، المخملي الأخضر الداكن، دون اكتراث. لم يستخدم قطّ هذا الكرسي المهيب للجلوس. يودّ التخلص منه، مع أنه من الطراز نفسه الذي استخدمته الملكة البريطانية آن ستيوارت. وكان كرسي ونستون تشرشل المفضل وهو يخطط لمعركته التالية مع أدولف هتلر. تشارلز ديكنز أيضاً كتب معظم رواياته على كرسي مشابه. وجلس عليه سيغموند فرويد أثناء استماعه لمرضاه خلال جلسات العلاج الطويلة؛ كان يحتاج إلى كرسي مريح كي يعيد بناء السرد الذي فقده المريض.
اشتدّ الخفقان، فجلس على الأريكة المقابلة يحاول التقاط أنفاسه. لم يستطع إزاحة الفكرة عن ذهنه: أهو أيضاً فقد السرد؟ الآلام والاضطرابات النفسية، عند فرويد، عَرَضٌ لانسداد في تاريخ المريض غير القادر على متابعة قصته. والخطوة الأولى على طريق الشفاء هي تحرير هذا الانسداد. عندما يبدأ المريض بسرد قصته بحرية، عندما يضع مخاوفه المسكوت عنها، في كلمات؛ في لغة، عندما يروي حياته في مشاهد غير مترابطة؛ انسدادات متفرقة في «سرد» مشوّه، يأتي التحليل النفسي، ويجمع المعلومات المتضاربة، يزنها ويرتبها داخل قصة قابلة للفهم؛ فيستعيد المريض حياته في سرد متماسك يجرف معه؛ وكأنه نهر، الآلام إلى المكبّ. آهٍ لو أن أحداً ما؛ شخصاً ما مثل فرويد، يأتي من حيث لا يعلم، ويعيد ترتيب مشاهد حياته التي خرجت عن الطريق، مثلما فعل قلبه، يضع كل ذكرى ضالّة؛ كل خوف عالق في مكانها الصحيح. يأتي ويزيل البؤر التي تمنع الحياة من التـدفق.

المشهد كما تخيله الذكاء الاصطناعي
أفرغَ علبة كبيرة من اللحم والجزر والنودلز مع الحساء في صحن، وفي صحن آخر سكب الماء. كان «ليو» يدور حول نفسه ويقفز فرحاً بالوجبة الدسمة. الكلاب لا تستلذّ الطعام؛ ولا تستمتع به، إنها تلتهمه. لو كان بيدها لجعلته في لقمة واحدة. بضع مئات السنين، ربما الآلاف، من وفرة الغذاء، لم تكن كافية لتحييد غريزتها البدائية؛ غريزة البقاء على قيد الحياة. إنها لا تزال تفعل فعلها، وتدفعها إلى التهام أكبر قدر من الطعام في أقرب وقتٍ ممكنٍ. فالوجبة التالية قد لا تكون متوفرة، مع أن الرفّ مليء بها؛ علب فوق علب فوق علب.
علاقته مع الكلب المالطي الصغير ليست على ما يرام. أهداه إلى ابنته الكبرى في عيد ميلادها الثالث عشر بعد أخذٍ وردٍّ طويلين. منذ ذلك الحين، تستمتع برفقته من دون أن تتحمل مسؤولية أعبائه. الآباء هم هكذا يحملون الأسى دائماً. يخرج «ليو» ثلاث مرات في اليوم في مواعيد محددة، لا تأبه لطقس برلين المتقلب، لا للمطر، لا للريح أو الثلج. شعره الأبيض الناصع الحريري الطويل يحتاج إلى عناية مستمرة؛ حمّام أسبوعي، وقصّ كل شهرين أو ثلاثة على الأكثر. وفوق كل ذلك، إنه كلب مشاكس بشخصية قيادية. يعدّ إناث كلاب الحي تابعاتٍ، وويل للذكور، مهما كبرت أحجامهم، إن اقتربوا من إحداهن في حضوره. يهجم بشراسة أسد مع أنه مخصيّ.
وبينما كان يراقب «ليو»، وهو يلتهم وجبته بالغريزة التي لا تعرف عاطفة، تأمّل علاقتهما وكيف أن الظروف جعلت مصائرهما تتشابك. لم يكن الحب أو الكره ما يجمعهما، بل صفقة لتلبية احتياجاته اليومية. هو نفسه عالقٌ الآن مع الحياة في صفقة؛ تقوده الالتزامات لا العواطف. علاقة من دون «قصة»؛ عرضية وطارئة، قيمتها لا تتعدى اللحظة التي تكون فيها.
أنهى «ليو» تناول وجبته، ونظر إليه بامتنان، مع ابتسامة – نعم، الكلاب تبتسم – ثم اندفع نحو الباب متململاً، مضطرباً. هو أيضاً مضت حياته مضطربة؛ بحث عن السلام باستمرار، ولم يجده أبداً. وضع الكلب في المقود، وانطلق به في المشوار الصباحي المتأخر، متبعاً المسار الذي يسلكه كل يوم، ليس من باب الاختيار، بل انطلاقاً من تواطؤ ضمني بينه وبين «ليو»؛ فالمسارات الجديدة تحمل معها روائح كلاب جديدة وأعداءً محتملين وأخطاراً كامنة، لذلك كان من الأفضل الالتزام بما يمكن التنبؤ به. لقد عاش حياته على الحافة؛ تملّكه الشغف في انتظار ما سيحدث تالياً، مدفوعاً بضخ الأدرينالين في العروق. ربما كان هذا الضخ المستمر السببَ في مشكلة اضطرابات نُظم القلب. لم يتسن له يوماً التحدث بعمق مع الطبيب.

علّقوا بصدره جهازاً يسمى «هولتر مونيتور»، للمراقبة وتسجيل عدم الانتظام على مدار 48 ساعة. الجهاز يجمع كمّاً هائلاً من البيانات عن القلب؛ كيف يعمل في أثناء الراحة، والنوم، والعمل، والمشي، والركض، والأكل، والتسوق، حتى أثناء ممارسة الجنس. بياناتٌ وبيانات، ثم يمضي الطبيب مع المريض دقيقتين أو ثلاثاً لا أكثر. إنه مجرد رقم؛ المريض السابع في هذا اليوم، العاشر، أو ربما الثامن عشر. قال له: «سننتظر أشهراً أخرى، ونضع الجهاز مجدداً. إن لم يكن النظم قد تحسّن، علينا عزل البؤر المنتبذة التي تتسبب في اضطراب القلب، بالكيّ عن طريق القسطرة.»
القلب، منذ الزمن الأول، تتحكم فيه عقدتان: عقدة جيبية أذينية، وعقدة أذينية بطينية، تنظمان حركته بإرسال إشارات كهربائية بتواتر زمني معين. تحدث المشكلة، عندما تبدأ بؤر مُنْتَبذَة بعضلة القلب؛ بؤر شاذة، بإرسال إشارات كهربائية مشوِّشة فيحدث الاضطراب، ويفقد القلب إيقاعه وتوازنه. كان مقتنعاً أن «الحياة عندما تفقد توازنها، تُفْقِد القلب إيقاعه.»
«ليو» كان سعيداً بالمشوار الذي كاد أن يفقد الأمل فيه. يركض ويقفز، يشمّ هنا وهناك. تجذبه رائحة البول أكثر من أي شيء آخر. إنها البصمة التي تميزه. من رائحة البول، يستطيع أن يعرف الجنس، العمر، الأمراض، يستطيع أن يعرف ماذا أكل، وحالة المزاج؛ ما إذا كان هائجاً، أو مسعوراً، أو ما إذا كانت كلبة شبقة مستعدة للتزاوج. تذكّر صديقته التي قالت له يوماً وقد أغمضت عينيها ودفعت بأنفها وفمها إلى الأمام قليلاً كأنها تستحضره: «لن أنسى رائحة ما بين فخذيك،» ابتسم لفكرة أن تخيّله كان أقوى من حضوره.
طوال حياته لم يعرف لماذا وقعت هؤلاء الفتيات في حبه. لم يكن وسيماً. وجه بيضوي بفكين عريضين، جبهة ضيقة توّسعت -بقدرة قادر- مع تقدمه في العمر، وعينان صغيرتان حادتان فوقهما حاجبان مقوسان كثيفان، وأنف بارز بأرنبة نازلة، شفتان رقيقتان بهما سمرة، تميل زاويتهما إلى الأسفل عند الابتسام. حتى ابتسامته كانت تدلّ على حزنه هذا إذا تغاضيتَ عن جسمه النحيل وظهره المنحني. الشيء اللافت فيه، هو صفاء بشرته. إنها مشرقة، ربما بفعل التعرق الدائم؛ فجسمه آلة ضخّ للعرق. إنه من تلك الشخصيات التي إذا تعرّفتَ عليها، لا تستطيع أن تكون محايداً تجاهها؛ فإما أن تحبها أو تكرهها. شخصية لديها هالة.
لم يبادر قطّ إلى الاعتراف بحبه لأي فتاة. كان يفضل أن يبني معهن أولاً قصة؛ سرداً. يختلق الأحداث، يحبكها ثم يدفعها بصبرٍ وجَلَد، إلى أن تصل إلى لحظة الذروة. لم تنجح الخطة دائماً، لكن عندما تفعل، يأتين إليه معترفات، راغبات.

الشخصية كما تخيلها الذكاء الاصطناعي
لاحت من بعيد كنيسة «الأمل» الإنجيلية. يمرُّ بها يومياً ثلاث مرات في طريق عودته من مشاوير «ليو» الذي لا يحبه ولا يكرهه. لا ذنب للكلب في ذلك. لقد فقدَ القدرة على الحب منذ زمن بعيد. تذكّر أبياتاً للشاعر شارل بودلير الذي أسهم في انتشار قصيدة النثر:
تعرف، يا صديقي، كم أرتعب من الخيل والعربات. قبل قليل، وأنا أعبر البولفار على جَناح السُّرعة، خائضاً في الوحل خلال هذه الفوضى غير المُستتبة، حيث الموت يراودك من كل جانب، انزلقت من رأسي هالتي، إثر حركة مفاجئة، في وحل الشوارع المعبّدة. لم تكن لي شجاعة التقاطها. وجدتُ أن فقدان علامة مَجدي أقل هوناً من أن تتكسر عظامي. ثم، قلت بيني وبين نفسي: ربّ شرٍّ نجمَ عنهُ خيرٌ. الآن أستطيع أن أتجول خفيةً؛ وأرتكب أعمالاً خسيسة؛ أن أنغمس كسائر الفانين البسطاء، في الخلاعة والفسق. وها أنا الآن، كما ترى، مثلك بالضبط.
كان يكرر في ذهنه هذا الشطر: «انزلقت من رأسي هالتي»، عندما توقف «ليو» ليشمّ «ميمي»؛ الكلبة البيضاء مثله، لكن بجسم أكثر امتلاء وثقة. إنه يعرفها منذ سنوات، مع ذلك يحاول أن يشمها من مكمنها في كل مرة، ليتعرف على البصمة، ويقطع الشك بالقين بأنها هي لا أحد غيرها. «ميمي» أبَت ذلك وابتعدت. سابقاً، كانا يتراقصان، ويلعبان ويقفزان هنا وهناك. الطبيب البيطري قال له إن «ليو» يتعذّب، وينبغي إخصاؤه قبل أن يصبح عدوانياً. كان متردداً. أرادَ أن يجرّب «ليو» الجنس، ولو لمرة واحدة كي يحتفظ على الأقل بالذكرى الممتعة. لكن الطبيب حذّره وأجرى العملية. حاول «ليو» أن يشمّ مجدداً، لكن «ميمي» ابتعدت عنه ومضت في سبيلها. يبدو أنه لم يعد مثيراً للاهتمام بما فيه الكفاية. لم يكترث «ليو» لذلك، تابع هو أيضاً طريقه يشمّ ويختار بعناية البقع التي يتبوّل عليها، ناقلاً رسائله، وحالته، ومزاجه، وربما ما يشبه صورة ثلاثية الأبعاد للوجبة التي تناولها قبل قليل. الفرق أن الكلاب تتواصل وتروي قصصها وتُظهر حالاتها عن طريق الطبيعة ومن خلالها، بينما نحن البشر، أقصينا القصص، وقتلنا السرد واحتمالاته، ثم اخترعنا وسائط رقمية وقررنا أنها -من الآن فصاعداً- أفضل وسيلة للتواصل.
نادراً ما يستخدم الشبكات الاجتماعية، فهي مكان مليء بالصراخ. وانعزل عن الناس منذ سنوات، إذ قليلاً ما يجد مساحة حديث مشتركة. لم يكن هذا حاله دائماً. في طفولته عاش في قرية صغيرة، أقصى شمال شرق سوريا، على سهول جبال «طور عبدين» المهيبة، التي تمتد عبر مساحة شاسعة من تركيا وعبر الحدود إلى داخل سوريا. مرّ فيها الإسكندر الأكبر بجيشه ذي الـ50 ألفاً في طريقه إلى مواجهة داريوس بجيشه البالغ 250 ألفاً في معركة «غوغاميلا» التي ستُسجل في التاريخ على أنها أعظم انتصارات الإسكندر. وظلت الإمبراطوريات الفارسية والرومانية تتناطح في هذه المنطقة على مدار مئات السنين. مرّ فيها تيمورلنك بعد أن دمّر بغداد في طريقه إلى أنقرة. وقبل هؤلاء جميعاً بآلاف السنين، قامت مدن في تل حلف وتل عربيد وشاغربازار، وتل براك، وأوركيش، ازدهرت، وتوسعت ثم اندثرت؛ لا تكاد تزيح صخرة في هذه المنطقة إلا وتجد أسفلها قصة. أمطار الربيع وفيضانات الأنهار كانت كفيلة بدفع العملات والأختام الصغيرة الأثرية؛ القصص المدفونة، إلى سطح أرض ذات تربة حمراء، حيث تنتعش نباتات وحشرات وحيوانات، وقبل كل شيء هناك ينتعش الإنسان.
لم يكن في القرية صخب. كان الناس يستمعون أكثر مما يتحدثون. في صدر القرية التي تواجه جميع بيوتها الجنوب، جهة الشمس، وعلى مبعدة منها، تنتصب مضافة من الطوب الطيني بدرج كبير يرتفع عن الأرض نحو مترين، يفضي إلى غرفة واحدة عظيمة بطول 20 متراً على الأقل، وعرض 10 أمتار، وارتفاع 5 أمتار، ربما أكثر. إنها درّة تاج القرية. وبمجرد صعود الدرج والدخول من الباب الخشبي الكبير، يعلم الداخل أنه هنا للاستماع؛ للإنصات، لا للتحدث. فالمضافة تستقبل أولئك القادمين من البعيد، الذين ألمّت بهم مصيبة، ويبتغون لها حلّاً، وآخرين أثاروا مشكلة، أو تعرّضوا لها، ويبحثون عن مخرج، والدخلاء الذين اكتووا بنار العشق، ولم يجدوا طريقاً سوى خطف المحبوبة بعد رفض أهلها الزواج، والباحثين عن لقمة العيش، وعابري سبيل، والقصاصين، والشعراء، والمغنين، وحتى الراقصات. «كان عالماً سحرياً، بقصص لا تخضع لمنطق»، قالها بروّية وبصوت مسموع.
حتى رغباته الجنسية في المراهقة المبكرة، لم يكن يحتاج إلى شرحها. كان يكفي أن يختلي صدفة بفتاة في أحد الممرات الزراعية الضيقة التي تفضي إلى القرية المشرفة على خمسة تلال واسعة ووديان أربعة يجري في أحدها نهر، ثم يحدث ما يحدث في صمت، ولا بأس ببعض التنهيدات. لم يكن يحتاج إلى أن يبادرها بالحديث، أو أن تبادره هي. لم يكن يحتاج إلى الإقناع، أو التمهيد. لم تكن بحاجة إلى ذلك. لم يكن بحاجة إلى نشر حكمة بليغة، أو قصيدة حب، أو أن يستعرض عضلاته على فيسبوك. لم يكن بحاجة إلى متابعة حسابها على إنستغرام وإغراقها بالإعجابات، أو ذاك السمايلي الأصفر المتكلّف يحتضن قلباً أحمر. لم يكن يحتاج إلى كل ذلك. كانا يعلمان أن الأقدار قد قادتهما إلى هذه الصدفة، وليس عليهما إلا الاستسلام لسلطان اللحظة. تفتّقت فجأة في ذهنه المشوّش، ما قاله الكاتب المجري بيتر ناداش «الحياة هنا لا تقوم على التجارب الشخصية، بل على ذاك الالتزام العميق بالصمت.» نعم، لم يكونا يحتاجان إلى الحديث.
كان السرد جزءاً أساسياً وامتداداً عضوياً لحياة الناس. كانوا يعيشون داخله، لا يعلمون بوجوده، تماماً مثلما نعيش نحن داخل مجرّة درب التبانة، ولا نستطيع إلّا أن نتخيل شكلها؛ لأنه لا يمكن رؤيتها كما نرى المجرات الأخرى. حتى «ليو» الذي واصل طريقه بعد أن ابتعدت عنه «ميمي»، يعيش من خلال السرد – الغريزة؛ فالتواصل عبر بقع البول يفتح له الاحتمالات، يجنّبه الأخطار، ويبقيه على قيد الحياة. نحن البشر أيضاً، يضعنا السرد داخل العالم، ويمنحنا مكاناً فيه. في القرية، لم تكن القصص تُروى، بل كانت تُعاش. لكننا استبدلنا الآن السرد الحيّ بتواصل رقمي على الشبكات الاجتماعية، حيث «المجتمع الذي كان من دون تواصل حلّ محله تواصل من دون مجتمع»، كما يقول بيونغ-شول هان. برلين قطعت الخيط الذي كان يربطه بالقرية، واستبدلت السرد بضوضاء رقمية. لقد فقد النجم الذي كانت يرشده، وربما إلى الأبد.

هدأ «ليو» على غير عادته، إذْ نادراً ما يفعل ذلك. على الأرجح أن لديه، مثل البشر، اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة؛ سلوكياته تدل على ذلك. مع هذا، أصبح الآن يمشي بالقرب منه وبالإيقاع ذاته، يلف برأسه إلى الأعلى، وينظر إليه نظرة الفاهم. لعله شعر أن صاحبه كان مكروباً. تساءل في نفسه: «كيف يفكر ليو فيّ كإنسان؟» نيتشه أيضاً فكّر مرّة في ذلك، وقال «إني أخاف أن تعد الحيوانات الإنسانَ كائناً من جنسها فقَدَ فطرته الحيوانية بأكثر الأشكال خطورة؛ أخاف أن تعدّه بمنزلة الحيوان الغريب الأطوار، الحيوان الضاحك، الحيوان الباكي، الحيوان الذي مآله التعاسة.» هل هو تعيس حقاً؟ ربما. يقول نيتشه: «لقد أطلقتُ اسماً على ألمي، وأناديه: كَلْبةً؛ إنها وفيّة، فضولية، قليلة الحياء، مسلية وذكية، مثل أي كلب آخر – وأستطيع أن أوبخها، وأرمي عليها سخطي مثلما يفعله آخرون مع كلابهم، مع خدَمِهم، ومع زوجاتهم.»
إلّا أن السعادة ليست حدثاً لحظياً، لدى شول هان، ليست صورة على إنستغرام أو مقطع فيديو على «تيك توك». السعادة لها ذيل طويل يمتد إلى الماضي. إنها ليست بنت المصادفة، بل تتغذّى على كل جزء من الحياة. ليس لها مظهر لامع كما يصوّره المؤثِّرون على إنستغرام؛ بل إنها مثل الشَّفَق؛ تلك الحُمْرة التي تُرى في الأفق بُعَيْد المغيب. ويفقد المرء سعادته، عندما ينغمس في دوّامة الواقع وأشيائه الطارئة.
في طريق العودة، عند تقاطع شارعٍ باسم الكاتب أرنولد تسفايغ، الذي لجأ إلى فلسطين إبان الحكم النازي، مع شارع «تريله بورغر»، انعطف يميناً، فبدت كنيسة «الأمل» الإنجيلية بطرازها المعماري في الفن الجديد، أكثر قرباً ومهابةً. البرج الذي يرتفع نحو 50 متراً عن الأرض ينتهي بجزء له ثماني زوايا، الشكل الهندسي المقدس، وقبّة، وفوق القبة هيكل قنديل يعلوه صليب. يحمل البرج ثلاثة أجراس تزن أكثر من نصف طن، بثلاثة أسماء: «الإيمان»، «الحب»، «الأمل»، وتقرع أيام الأحد في إيقاع احتفالي وقور. يدخل المصلون من الباب الرئيسي الذي يحرسه مثلث بداخله عين الله، وفي الأعلى ثلاثة تماثيل: في الوسط تمثال السيد المسيح يحميه ملاكان. دُمِّر أحد الملاكين خلال المعارك العنيفة التي دارت في محيط الكنيسة عام 1945، ورُمّم منذ ذلك الحين. وإلى يساره تمثال مارتن لوثر ممسكاً بالكتاب المقدس، وعلى الجانب الأيمن تمثال للرسول بولس مستنداً بيده على السيف. لم يستطع أن يتجاهل المفارقة في أنه جاء من المنطقة ذاتها التي جاء منها الرسول بولس. لكن يُنظَر إليه هنا بوصفه غريباً عن المكان، وطارئاً على الجغرافيا، بينما تُقام تماثيل الرسول بولس في الكنائس.
لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد مكان. كانت دائماً حيّزاً تتشابك فيه الحيوات. ولها أيضاً قوتها ورنينها، فهي فكرة وذكرى مشحونة بالتاريخ. الجغرافيا منسوجة في القصص التي تخلق تماسكاً اجتماعياً؛ تقدّم معنىً وتحمل قيماً. الأديان بحد ذاتها، سرد نموذجي؛ ومرساة لحياة الناس. بالدين يتعرّفون على مكانهم في هذا العالم.
كنيسة «الأمل» لا تجد في أيامنا هذه الكثير من المصلين. كانت في يوم ما رمزاً للمقاومة في برلين الشرقية، وكان لها أيضاً سردية. فقد كانت مركزاً ثقافياً واجتماعياً مهماً في برلين الشرقية، لحركات الشباب وموسيقى «البانك»، التي عارضت النظام الحازم في ألمانيا الشرقية. استطاعت الكنيسة عام 1988 أن تقيم حفلة لفرقة «دي توتن هوزن» الألمانية الغربية، بعد أن أدخلتهم سراً بوثائق مزوّرة تحت ستار النشاط الثقافي الكنسي، تهرباً من قبضة جهاز الأمن الـ«شتازي» الصارمة. أُقيم الحفل في باحة الكنيسة الخلفية، التي اعتاد «ليو» أن يلعب فيها ويقفز ويقضي حاجته. كان الحفل صغيراً في عدده، لكن كبيراً في رمزيته، بأن أتاح للشباب التجمع والتعبير عن أنفسهم بحرية. لم تكن للفرقة شروط، فقط: بيرة مجانية مفتوحة، وتغطية تكاليف ما يدمّره الشباب في «ثورتهم» الصغيرة.
هو أيضاً كان له ثورته الصغيرة، عندما انضم، وهو لا يزال في الخامسة عشرة من العمر، إلى حزب سرّي تعرّض أعضاؤه للاعتقال والتعذيب. كان «حزب العمل الشيوعي» معارضاً يريد الإطاحة بالنظام السوري في ثمانينيات القرن الماضي عبر ثورة شعبية. الحق، كان حزباً فريداً معارضاً للجميع. عارض الأنظمة الديكتاتورية، عارض الاتحاد السوفييتي وستالين، عارض الصين وماو تسي تونغ، عارض أنظمة أوروبا الشرقية ومعسكرها الاشتراكي، عارض الدين، وعارض القوميين الناصريين، عارض حزب خالد بكداش الشيوعي، عارض حزب رياض ترك الشيوعي أيضاً، عارض الإخوان المسلمين. عارض كل شيء، مع ذلك كان له سردية. يتذكر القشعريرة التي كانت تسري في جسده عندما يتوجه إلى موعد للقاء أحد رفاق الحزب. كل ما كان يعرفه هو مكان اللقاء ووقته. لم يكن يعرف شكل الشخص الذي سيلتقيه، لا اسمه، لا عنوانه، لا عمره ولا جنسه. عليه الذهاب إلى مكان محدد في وقت معين حاملاً في يده علامات بعينها، وسيأتي إليه شخص آخر، هو أيضاً يحمل علامات، فيتبادلان سؤالاً وجواباً سرّيين للتعارف. كان يذهب إلى الموعد وكأنه سيلتقي حبيبةً. «السردية» التي تبناها أعضاء الحزب، كانت تجمعهم وتشعل فتيل المحبة فيما بينهم.

يوم الخميس 3 ديسمبر 1987، كان عائداً إلى المنزل قبل المغيب، ومرّت من جانبه سيارة البيك-آب الشيفروليه التابعة للمخابرات العسكرية في بلدة عامودا التي انتقلت إليها أسرته قبل 7 أعوام ليتمكن من إكمال دراسته. حدث ذلك قبل 128 يوماً من حفل فرقة «دي توتن هوزن» في باحة الكنيسة. تسلل الشك إليه عندما رأى رجلاً ملثّماً في السيارة، لكنه تجاهل الأمر، واستمر في طريقه حتى وصل إلى المنزل. هناك، وجد شقيقه الأكبر ينتظره عند الباب الرئيسي. أخبره أن أختهما المقيمة في تركيا أرسلت برقية، ويجب عليهما الذهاب حالاً إلى مكتب البريد لاستلام البرقية.
كان يوماً بارداً، بغيوم متفرقة، والشمس تلامس خط الأفق باتجاه الغرب. صعد ببطء الدرج الذي يؤدي إلى بوابة مكتب البريد. بإمكانه أن يقسم أن ألف صوت كان يخبره ألا يفعل ذلك. لكنه فعل. كان شقيقه الأكبر قلقاً بما فيه الكفاية بشأن أخته. قاد الطريق إلى أعلى الدرج من دون تردد. وصلَا إلى قاعة مكتب البريد الفارغة، كان هناك رجل واحد فقط. عرف أنه الموظف في مكتب البريد الذي طلب من أخيه الانتظار، ثم قاده بهدوء إلى باب خلفي، ونزلا معاً إلى غرفة في الطابق السفلي. كان رئيس مفرزة المخابرات العسكرية ينتظره هناك. أومأ برأسه، فغادر الموظف، وأغلق الباب خلفه. طلب منه أن يجلس على الكرسي، وجلس هو إلى مكتب عريض داخل الغرفة. لم يتحدث. لم يسأل. لم يبتسم. وتجنب النظر إليه، مع أنه ليس سوى مراهق، ويُعدّ قانونياً على الأقل حَدَثاً لم يبلغ سن الرشد. لا بد أنه تلقى توبيخاً عنيفاً من مدير فرع المخابرات العسكرية في مدينة القامشلي المجاورة، بسبب فشله في كشف «المؤامرة» التي دبرها هذا المراهق للإطاحة بالرئيس حافظ الأسد. في النهاية، شعبة المخابرات العسكرية في مدينة حلب هي التي اكتشفت «المؤامرة». ومن المرجح أنها بدورها قد وبخت مدير الفرع في القامشلي. في سوريا يعيش الناس في سلسلة من الإذلالات، لدرجة أنه عندما تصل إلى المواطن العادي، فإن دائرة الإذلال تكون قد توسعت إلى مستوى يصعب على العقل البشري تخيله.
بعد قليل، دخل إلى الغرفة نحو عشرة عناصر من المخابرات، ملثمين، بكامل معداتهم العسكرية، قادمين من القامشلي، يحملون بنادق ومسدسات وأحزمة ذخيرة مشدودة بإحكام إلى خصورهم. طلبوا منه الخروج معهم، واقتادوه خارج المبنى، وهم يصوبون بنادقهم إلى رأسه، ووضعوه، وسط الصرخات، في السيارة قبل أن ينتبه المارّة في الشارع. اكتشف أن شقيقه قد أُدْخِل إلى السيارة بالفعل. أخذوه كإجراء احترازي كي لا ينكشف أمر الاعتقال قبل أوانه أو إثارة ضجة غير ضرورية أصلاً، لا سيما أنهم كانوا يخططون لاعتقال آخرين. كانوا يدركون أيضاً أن والده كان أحد وجهاء المنطقة، ولا يريدون إثارة أي حساسيات عشائرية، أو سياسية في البلدة الصغيرة ذات الغالبية الكردية.
لم يكن معجباً بوالده الذي توفي قبل اعتقاله بـ 3 سنوات في حادث سير وهو لا يزال في الـ63 من عمره. والده أيضاً عانى مشكلات في القلب. كان يقود السيارة مع أربع من بناته وثلاثة من أبنائه الصغار، وزوجته وشقيقته. لا يدري أحد كيف وقع الحادث. لم يصطدم بسيارة أخرى، ولم تنفجر العجلات، بكل بساطة خرجت السيارة عن السيطرة، وانقلبت في منخفض بجانب الطريق. نفد الجميع بكسور وجروح ورضوض، إلا هو وشقيقته توفيا في اليوم نفسه، وفي المكان نفسه. كانت علاقتهما استثنائية، لا يمكن لأحدهما أن يخرج عن رأي الآخر. اعتادت أن تقول له: «لا ابتلاني الله بغيابك»، فيرد عليها: «بل لا ابتلاني الله بغيابك»؛ شاءت الأقدار أن يموتا معاً.

على مدار 40 عاماً، ظلّ يعتقد أن والده كان متسلطاً. تزوج أربع نساء، وأنجب 23 ابناً وابنة، وربما عشرة آخرين أو أكثر لم تُكتب لهم الحياة؛ توفّوا في سن مبكرة. في خمسينيات القرن الماضي، كان يمتلك أراض شاسعة، وقرى بأكملها. لديه مَنْ يفلح أراضيه ويزرعها ويحصدها. لديه مَنْ يرعى المواشي. وإن دخل في عداوة، لديه مَنْ يدافع عنه، وإن تطلّب الأمر يفتده. وإن مرض تقم الدنيا، ولا تقعد، تتبادل زوجاته سريره كي يبقينه دافئاً. حتى عندما يأخذ القيلولة، كان هنالك مَنْ يدلّك رأسه، وآخرَان يفركان قدميه، وآخرون يتبادلون الأدوار في تهويته بالمراوح اليدوية في الطقس الحار إلى أن يستيقظ. كان محبوب النساء، نظرة منه تجعل البسمة لا تفارق شفاههن طوال الليل. حتى إنَّ نساء كثيرات كن مقتنعات أنه لا يقضي حاجته مثل البشر العاديين. كان حكّاءً فريداً؛ يسرد ويسرد، فيخيّم الصمت على الحضور، ينقلهم، عقلاً وجسداً، إلى عوالم ما كانوا ليحلموا بالوصول إليها. لو لم يكن كذلك، لما استطاع إدارة الأزمات التي كانت تأتي إليه في مضافته الطينية الواسعة. فمن أعقد المشكلات التي قد يتذابح عليها الرجال، إلى أبسطها، يفكك عقدها بالقصص. حتى الرجال القساة وهُم على شفير ارتكاب الجريمة، كانوا يذوبون بين يديه، يتلوّون، ثم يستسلمون. كان لشخصيته هالة.
في السنوات العشر الأخيرة قبل وفاته، فقدت القرية قدرتها على الصمت والإصغاء. وبدأت هالته تتلاشى تدريجياً، بعد أن خسر جزءاً كبيراً من ممتلكاته، بسبب الإصلاح الزراعي الذي فرضته السلطات السورية على أصحاب الأراضي. كانت تهدف إلى تعريب المنطقة التي يسكنها الكرد، فاستولت على الأراضي، ومنحتها لمستوطنات العرب الجديدة، بعد أن اقتلعتهم من أراضيهم على ضفاف نهر الفرات في الرقة ودير الزور، وزرعتهم وسط القرى الكردية. لا العرب كانوا سعداء بفقدان أراضيهم، ولا الكرد أيضاً. وبات كل واحد يريد إقصاء الآخر. تنافس الجميع ضد الجميع، وانقسمت السردية إلى سرديات صغرى؛ إقصائية وتمييزية، ومعها تفكك المجتمع.
حقاً، لقد اُبْتلي هو أيضاً بشغف والده بالسرد. فالفعل السياسي؛ بمعناه الحقيقي يقتضي -ضمناً- السرد. إن لم يكن هذا الفعل قابلاً للسرد؛ تردّى إلى مجرد ردود أفعال عرضية طارئة. تقول حنّة آرنت:
لأن الفعل والقول، اللذين، كما مرّ سابقاً، لا يمكن فصل عُراهما في التصور الإغريقي للسياسة، هما في الواقع النشاطان اللذان ستكون نتيجتهما النهائية دائماً قصةً متّسقة بما فيه الكفاية لجعلها قابلة للسرد، مهما بدت أحداثها الفردية والأسباب التي أفضت إليها عرضية أو عشوائية.
السرد أوصله إلى سيارة المخابرات وإلى تلك البنادق الموجهة إلى رأسه. السرد بطبيعته يتطلب «الإصغاء» الذي يعني بالضرورة اعترافاً بالآخر. الوضع داخل سيارة المخابرات كان عكس ذلك. كان صراخاً. كان إقصاءً.
بعد 6 سنوات و3 أشهر و29 يوماً خرج من السجن. تعرّض للضرب بالكفوف، بالأرجل، بالعصي، وهو مغمض العينين. وُضع في الدولاب، وضُرِبَ بالكابل الرباعي الذي ينتزع معه قطع الجلد. هدّدوه بالكرسي الألماني؛ ولحسن حظه لم ينفّذوه. تذهب بعض التوقعات إلى أن الكرسي الألماني كان إحدى الأفكار الجهنمية التي أتى بها ألويس برونر، اليد اليمنى لأدولف آيخمان في المعسكرات النازية. استطاع برونر الهرب بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ولجأ إلى سوريا، وبات مرجعاً لدى أجهزة المخابرات السورية. في الكرسي الألماني، يشعر المرء بأن روحه تخرج من جسده قطرةً قطرة، وأن عموده الفقري يتكسر.
لكن الأبعد أثراً من كل ذلك، كان فقدان السرد. فسقوط جدار برلين عام 1989، ثم حرب الخليج عام 1991، ضرب بالسرد عُرْض الحائط، وسلب عالمَه السحرَ الذي كان فيه.
عندما خرج من السجن، كان العالم المحيط به قد تغير. عالم بات له سرديات كثيرة: الليبرالية، النيوليبرالية، الديمقراطية، المجتمع المدني، النسوية، البنيوية وما بعدها، التفكيك، الاستعمار وما بعده، الدراسات الثقافية، العشائرية، الطائفية، الإسلاميون.. إلخ. السرديات ليست أبدية؛ تُولد وتكبر وتضمحل، لكن عندما تُفْقَدْ، فإن الجميع يبحث عن بدائل.
عدم اليقين كان قد تفشى، لدرجة أنه مرّة أقنع الجالسين معه، ويزيدون عن عشرة، أن بمقدوره الطيران. تبعوه إلى باحة المنزل ليشهدوا الطيران المعجزة بأعينهم. ضحك في ذلك اليوم حتى فاضت عيناه بالدمع، ولم تعد عضلات بطنه قادرة على حمله. لم تكن البهجة من طبعه. كان يميل أكثر إلى الفيلسوف الألماني إرنست يونغر، الأكثر غزارة في الإنتاج وغرابة في الأطوار، عندما قال: «قل لي ما علاقتك بالألم، أقل لك مَنْ أنت».
ثمة رهاب عالمي تجاه الألم في عصر ما بعد السرد. لقد أُقصيَ الألم تدريجياً، حتى تكاد تكون القدرة على تحمله قد انعدمت. لم يعد مرغوباً فيه؛ صار «رهاب الألم» (الألغوفوبيا). لم يعد مقبولاً أن تتألم في عصر إنستغرام و«تيك توك»، عصر الفرح الدائم، والإنجازات المستمرة، بات الألم عيباً وعلامة على الضعف يجب إخفاؤها. لكن ليس بالنسبة إليه. كان يحتفي بالألم. حتى خلال سنوات السجن الذي هو بطبيعته مكان إقصاء وإبعاد ونبذ، كان يختار الزاوية المنسيّة في المهجع ليمدّد فيها فراشه الذي ينام عليه. إقصاءٌ داخل إقصاءٍ. هناك كان يشعر بالألم العاري. كانت تنتابه تلك «القشعريرة» البدائية، التي تحدث عنها الفيلسوف تيودور أدورنو، عندما تُستثار لدى رؤية «الجَمَال الأوّل»؛ عندما ينتابك ذاك الحب الذي يجعلك تحب الأشياء كلها دفعة واحدة. فالحياة التي تنبذ الآلام، هي حياة بليدة.
لا تزال هذه الآلام تنتابه، في كل مرّة يتذكر فيها ذاك المساء عندما ارتدى ثيابه، خرج من المنزل في جسر النحاس بدمشق، نزل الدرج القصير، قطع الممر الطويل، ثم قطع الشارع إلى الجهة المقابلة، رفع يده ليتوقف سرفيس المتحلق الشمالي، صعد إليه، فكّر طوال الطريق بما سيقوله، أعاد الجُمل مرّة، ثم ثانية، ثم ثالثة خلال الـ30 دقيقة التي تستغرقها المسافة، وأعادها مجدداً، نزل من السرفيس عند مستشفى المواساة، مشى بهدوء نحو المدينة الجامعية، لا يسمع صخب الشارع ولا يرى الناس الذين يسبّبونه، أظهر بطاقته الجامعية للحارس على المدخل، عبَرَه، مشى بهدوء 85 متراً بصورة مستقيمة، ثم التفّ يميناً، ومشى بهدوء أيضاً 140 متراً وبصورة مستقيمة، إلى أن وصل أمام مبنى الوحدة السادسة للبنات، صعد الدرج، أبلغ البوّاب أنه زائر، ويريد رؤيتها، نزل الدرج، ثم تأكد مجدداً من أن الجُمل لا تزال حاضرة في الذاكرة، أبلغها البوّاب بأن زائراً يريد رؤيتها، جلس على أحد المقاعد قبالة المبنى، وأعاد الجمل من جديد، كان ينظر إلى الدرج، إلى الخارجين والداخلين، من دون ملامح؛ لم يكن سعيداً، ولا حزيناً، كان خائفاً، فرائصه ترتعد، رآها قادمة تهبط الدرج مبتسمة، وهي تنظر إليه، 15 عضلة في وجهها تحركت لتشكّل تلك الابتسامة، بينما تحركت في جسده أكثر من 500 ألف عضلة صغيرة ناصبة للشعر، لتبث في جسده القشعريرة، كانت جميلة.

منذ صغره كان يميل إلى الاختلاف. كان الوحيد الذي يتمرد علناً على والده، فيما أخوته كانوا يخشون سطوته. مع تقدمه في العمر، لم يعد يرى أن والده كان متسلطاً. لم يجد تفسيراً لشغفه بالسرد سوى أنه كان فاقداً للأمل. وعندما تفقد الأمل تكثر الانسدادات في الحياة. الروائية الدنماركية كارين بليكسن قالت يوماً: «لستُ روائية، ولا حتى كاتبة؛ أنا قاصّة.. إن الأحزان كلها يمكن تحمّلها إذا وضعتَها في قصة.» حقاً، كان والده يضع أحزانه في القصص التي يسردها. والآن، هو أيضاً يحمل أحزانه التي راكمتها سنوات السجن، ويقف أمام مبنى الوحدة السادسة، ينظر إلى الفتاة التي يحب؛ الفتاة التي تضع يدها اليمنى في الجيب الخلفي لبنطالها الجينز، تضحك وهي تميل رأسها إلى الخلف، وترفع ذقنها بما يكفي لتسمح للضحكة بالخروج بحرية. كانت فتاة مختلفة.
اقترح عليها الذهاب إلى مقصف المدينة الجامعة. المكان هناك أكثر هدوءاً، ثمّ إنّ تناول بعض البيرة سيجعله أكثر جرأة. سارا معاً. كانت فاتنة. تعرّف إليها بعد أن انتقل إلى دمشق قبل عام لدراسة الأدب الإنكليزي. عندما رآها أول مرة، كانت فتاة برّية تثير الرعشة في الأجساد. تحدّثا طويلاً وعن كل شيء، وشربَ البيرة قدر ما يستطيع حتى نسيَ الجُمل التي كان قد حفظها عن ظهر قلب. ولم يعرف كيف يبدأ. كان حريصاً منذ بداية تعرّفه عليها ألا يكوّن صداقة عميقة معها. ليس سهلاً كسر ديناميكيات الصداقة، والعبور بسلام إلى علاقة الحب. كانا يلتقيان أحياناً في جلسات شلة الجامعة. صديقان لكن من بعيد. أخيراً تمالك نفسه وقال لها إنها الفتاة التي يريد أن يعيش معها حياته. كانت صامتة. قال لها «لن تجدي أحسن مني»، وعرفَ مباشرة أن ما قاله توّاً كان كلاماً أخرق. ويبدو أنها أُخذت على حين غرّة؛ لم تكن تتوقع أن يحدث هذا. كانت الآلام التي تنتابه أشد من أن يتحمّلها، تمالك نفسه مجدداً، وقال «لا أريد جواباً الآن، فكّري في الأمر»، ثم غادر، وظلت صامتة.
عاد إلى المنزل تائهاً بلا وجهة؛ تركها خلفه في المدينة الجامعية. كان متعباً، منهكاً، لكن يملؤه إحساس بالسكينة يشبه ما كان ينتابه في زاويته المهملة في السجن. إمّا أن تنتهي القصة هنا وتكتمل، أو تستمر من هنا وتفتح احتمالات جديدة. وفي كلتا الحالتين، حرّك عجلة الحياة. أخبر زميله في السكن ألّا يوقظه في الصباح، ودخل غرفته ونام.
كان لا يزال تحت تأثير شرب البيرة من يوم أمس، عندما استيقظ على الأصوات في المنزل. فتح عينيه بمشقة، فوجدها تقف بكامل جلالها أمام سريره. طويلة. بهيّة. قفز من السرير واقفاً، وهو يجاهد لفتح عينيه على وسعهما. نعم، كانت هي؛ تقف هناك مبتسمة بنظرات تملؤها اللوم. لم يعرف كيف يتصرّف. توقف تفكيره تماماً. قال: «هل هذا يعني نَعَماً؟» فتحت ذراعيها الطويلين، وضمّته إلى صدرها. أبعدها قليلاً، وركض نحو زميله الذي أشغل نفسه في المطبخ كي يمنحهما مساحةً خاصة، وهو يقفز، ويصرخ: «قالت نعم».
اغتسل في الحمام، مزيلاً آثار النوم المتبقية، وعاد إليها حيث تجلس على طرف سريره في الغرفة. أغلق الباب، فوقفت هناك، مبتسمة، خجولة، تنظر في عينيه مباشرة، تتيقن من وجوده. ضمّها، وضمّته؛ يعتصر كل واحد الآخر، يريدان الاندماج في جسد واحد. قبّل جبهتها، عينيها، خدّيها، أنفها، ذقنها، ثم شفتيها، أسنانها، لسانها. لم يكن تقبيلاً بقدر ما كان استكشافاً، يتوقف عند كل بقعة، يتأملها، يلمسها، يشمّها، يقبّلها، يمرر لسانه عليها، ثم يخزّن البيانات في ذاكرته ويتابع. تماماً كما يفعل «ليو» في مشاويره اليومية. لم يكن مستعجلاً، ولم تكن مستعجلة.
كانا يختبران الحياة من جديد، تجربة جعلت سرد الحياة ممكناً، من دونه تصبح عارية. فقط مع السرد ترتفع الحياة فوق حقيقتها المجردة؛ إنه يضفي على الزمن معنى، يمنحه بداية ونهاية. من دون السرد، الحياة مسألة بقاء لا أكثر، تتوقف عن كونها ملحمة. بالسرد يدخل العالم في نظام متماسك التكوين؛ يوحّد الأحداث والأشياء في قصة واحدة، مهما بَدت تافهة وعبثية وعرضية. كانا يختبران من جديد الأشياء التي بترابطها أصبح لها معنى، غير معزولة، وبها إيقاع.

مسك بيدها، وسحبها إلى المساحة الفارغة وسط الغرفة؛ يريدها وحدها من دون إضافات. كانت مرتبكة، وغير متأكدة مما يجب عليها فعله. مدّ يده إلى الثُّلْمَةِ أسفل عنقها؛ ذاك المثلث الذي هو بمكانة نافذة صغيرة تطل على ما يجري داخل صدرها. كان يرتفع مع تنفسها، ويهبط، وينبض مع تسارع دقات قلبها. اللمس يحرّر التوترات والانسدادات؛ يعيد الأمور إلى نصابها، ويبعث الحياة مجدداً في تلك الثقة البدائية.
ساعدها في خلع ثيابها، ثم وقفت هناك. ابتعد قليلاً كي يتأمل جسدها؛ ثم عاد يستكشف تفاصيله؛ كل زاوية، كل انحناءة، كل عضلة. يلمس، يشم، يتذوق، وضع أذنه على صدرها ليسمع قلبها؛ كان الدم يتدفق منه حارّاً وفي الاتجاهات جميعها. رفعها على السرير، يقبّل عنقها، صدرها، إبطيها. أمسكته من شعر رأسه ووضعت فمها في فمه تدفع الهواء من صدرها إلى صدره، ثم تسحب الهواء من صدره إلى صدرها، في إيقاع منتظم. كانت تقبّل جسده، تتحسّسه، تلمسه. كان يدها شافياً، تحرّر آلامه. اليد التي تُلامِس تُشْفي مثل الصوت الذي يسرد. اللمس يخلق الثقة ويطرد الخوف.
كلاهما لم يكونا خائفين، على الأقل ليس الآن. أمضيا الأسبوعين التاليين، عاريين في الغرفة ذاتها، لا يخرجان منها إلا لتناول الطعام. تحدّثا، وضحكا، ولعبا، وقرأَ لها شعر محمود درويش، و«النبي» لجبران خليل جبران، وتبادلا الأدوار في أناشيد سليمان:
أنَا نَرجِس شَارُون، سَوسنَة الأوْدية.
كالْسوسنة بَيْن الشِّوك كذلَك حبيبَتي بَيْن البنَات.
كالتُّفَّاح بَيْن شجر اَلوَعِر كذلَك حبيْبِي بَيْن اَلبنِين. تَحْت ظِلِّه اِشْتهَيْتُ أن أَجلِس، وثمرَته حُلوَة لِحلْقي.
أَدخَلني إِلى بَيْت الخمْر، وعلَمُه فَوقِي مَحبَّة. أسْندوني بِأقْرَاص اَلزبِيب. أُنْعشوني بِالتُّفَّاح، فإنِّي مَرِيضَة حُبًّا.
شماله تَحْت رَأسِي ويمينه تُعانقني. أَحلِفكن يَا بَنَات أُورْشليم بِالظِّباء وبأيائل اَلحُقول، إِلَّا تيقَّظْن ولَا تنبَّهْن اَلحبِيب حَتَّى يَشَاء.
ثم يستمعان للموسيقى، ويمارسان العلاقة الحميمة المرّة تلو المرّة، لا يتوقفان إلا عندما ينامان.
أدرك «ليو» أن المشوار يقترب من نهايته عندما وصل إلى القوس العملاق ذي الطرفين الدائريين الذي يشبه علامة اقتباس معقوفة تزيّن دكّة المدخل إلى كنيسة «الأمل». علامات الاقتباس في اللغة محيّرة. فهي تدلّ على الثقة عندما تستشهد بكلام شخص آخر حرفياً، وتدلّ على الشك عندما تضع مصطلحاً بين قوسين تحفّظاً حول مصداقيته. الأديان أيضاً محيّرة. فكنيسة «الأمل» كانت لها أمجادها بمدخلها ذي السقف باللون الليلكي، والجدران الوردية، والأعمدة الرمادية الفاتحة، ثم لأزرق الملكي عند المذبح المرصّع بالنجوم. شهدت الملائكة الـ 36 داخل صحن الكنيسة خلقاً كثيراً جاؤوا، وتعبدّوا، وطلبوا من الله أن يغفر لهم ذنوبهم، أو يفتح لهم باباً للرزق، أو مجرد التقرّب منه ابتغاء للرحمة، ثم مضوا في حال سبيلهم. الكنيسة التي كانت تُشْعر بالألفة والحميمية لم تعد كما كانت.
توجّه «ليو» إلى بقعته المفضلة عند الطرف الدائري للقوس، وتبوّل هناك تاركاً رسالة للكلاب التي ستأتي بعده. الكلاب لم تكن كلاباً دائماً. قبل 20 ألف سنة فقط، قام البشر بمجازر واسعة قضت على الحيوانات الكبيرة، ولم ينج منها سوى الدببة البنية والذئاب التي وجدت الفرصة سانحة للتزاوج والتكاثر، فازدهرت في بقاع الأرض، حتى اضطرت إلى التماس مع الإنسان. اكتشف بعضها أنّ الطعام الذي يخلّفه البشر وراءهم له طعم لذيذ يستحق العناء. ثمّ أنها بدأت تتقرّب منه، وتحاول فهمه إلى أن تخّلت عن كونها ذئاباً، وأصبحت كلاباً أليفة. لم تضطر إلى تغيير الكثير في طبيعتها البيولوجية، فقط استطاعت أن تفهم الإنسان أكثر، وتتبنى تعابيره. تعلمت كيف تظهر غضبها، قلقها، ألمها، وحزنها.. من الإنسان، وصارت قادرة على التواصل معه أكثر من الحيوانات الأقرب إليه بيولوجياً. لقد أصبحت رفيقاً للإنسان.
عندما قدم لاجئاً إلى ألمانيا عام 2012، كان يجد صعوبة في مخالطة الألمان. «ليو» فتح له الباب على مصراعيه، فهو الآن يعرف جميع كلاب الحي، ويعرف أصحابها الذين يبادرونه بالحديث عن الكلاب الفاتنة الجميلة. كسر «ليو» الحواجز الاجتماعية التي بناها الإنسان تجاه إنسان آخر يشبهه تماماً، وفقدا السردية التي كانت تجمعهما قصة واحدة.
مجتمعات اليوم تقوم على المعلومات. مجتمعات تعرف أينَ ذهبتَ، وماذا اشتريتَ. مجتمعات شفافة وعارية. مجتمعات انفصلت عن السرد فأصبحت غير مستقرّة؛ وفقدت تلك الهالة. زمن ما بعد السرد هو زمن لا انغماس فيه، زمن ذاكرته رقمية عابرة وطارئة.
على النقيض من الذاكرة الرقمية التي تقوم على التراكم والإضافة، فإن الذاكرة البشرية ذاكرة سردية تنتقي الأحداث، بحذف بعضها وإبراز بعضها الآخر، ثم تربطها بصور مختلفة؛ بصور لا نهائية. الذاكرة السردية تقوم على الفجوات؛ ذاكرة قادرة على النسيان.
لم تكتمل قصة الحب. انفصلا بعد 4 سنوات. أحبّا، وكَرِها. توافَقَا، وتخَاصَما. تحاضَنَا، وتبَاعَدَا؛ لقد كانت تستحق العناء. بعد انفصالهما مباشرة سافر إلى العمل في الإمارات. ولم يلتقيا مجدداً إلى أن جمعتهما الصدفة بعد 17 سنة. الحرب في سوريا وظروف الحياة أرهقتها، وتوقفت حياتها عن السرد. عندما لا يعود بالإمكان السرد، فإن الحكمة تتدهور، وتصبح الحياة مجرّد صراع مرير بحثاً عن الحلول للمشكلة تلو الأخرى.
كان «ليو» يقفز، ويمرح ويحاول لفت انتباهه. يفعل ذلك عادة عندما يصبح المشوار في نهايته، محاولاً إطالته قدر الإمكان. فحياة الكلاب قصيرة؛ كل سنة من عمر الإنسان تعادل 7 سنوات في عمر الكلاب. لكن ما الفائدة من طول العمر؟ العلاقات التي كانت لها معنى، التي تنفي الطبيعة العرضية والتافهة للأشياء، تتحلّل تحت ناظريه، ورغماً عن أنفه. لقد سارت حياته في الاتجاهات جميعها، اكتنفها الغموض والإثارة أحياناً، وفي أحيان أخرى تبدو مثل الطنين الذي لا يفارق أذنه اليمنى منذ سنوات.

-
حياة في اثنتي عشرة دقيقة
حياة في اثنتي عشرة دقيقة
خرج أحمود أربيري للركض، فتعرض لإطلاق نار في الشارع. كيف يُمنع السود من ممارسة الرياضة في أمريكا.


ميتشل جاكسون
١٨ يونيو ٢٠٢٠
فازت هذه القصة بجائزة بوليتزر لعام 2021 وجائزة «ناشيونال ماجازين» لكتابة الفيتشر. نشرت القصة في العدد 5 لعام 2020 من مجلة «Runner’s World».
ⓘ نافذة على القصة: فازت قصة «حياة في اثنتي عشرة دقيقة» بفارق ساعات، بالجائزتين المرموقتين «بوليتزر» و«جائزة ناشيونال ماجازين» عن فئة «الفيتشر» لعام 2020. القصة نُشرت في يونيو/حزيران 2020، في مجلة «Runner’s World» التي تنشر عن الأحذية الرياضة أكثر مما تنشر قصصاً إنسانية. ولعلّ هاتين الجائزتين هما أولى جوائز المجلة التي تصدر منذ عام 1966. قبل النشر بشهر تقريباً، كان ميتشل جاكسون قلقاً. في مايو/أيار 2020 كان قد أرسل توّاً الفصل الأول من روايته الأخيرة إلى وكيله. بانتظار استجابته، أراد أن يُشغل نفسه بالكتابة الصحافية. فجاكسون أيضاً كاتب مساهم في مجلة Esquire الرجالية التي تصدرها شركة «هيرست» إلى جانب Runner’s World ومطبوعات أخرى. عندما اتصل به مدير تحرير مشاريع شركة «هيرست» ليكتب لمجلة Runner’s World قصة عن مقتل أحمود ماركيز أربيري في فبراير/شباط 2020، كان جاكسون متردداً. فعلى الرغم من ممارسته لرياضة الجري، لم يكن يوماً عدّاءً حقيقياً، كيف يكتب إذاً لمجلة متخصصة بالعدّائين. بعد أخذ ورد، اقتنع أخيراً. لم يخرج جاكسون من منزله في «هارلم» بنيويورك؛ كانت جائحة كورونا قد بدأت تتجه إلى الذروة. لم يكن يعرف «مود» أو عائلته، ولم يذهب ويقابل أحداً وجهاً لوجه. لم يرَ منزل «مود»، ولم يجرِ جولة في الشارع الذي قُتِلَ فيه. لكن بعد ثلاثة أسابيع، وساعات طويلة من العمل؛ من 10 إلى 14 ساعة يومياً، ومقابلات لا نهائية عن بُعد، أنتج «حياة في اثنتي عشرة دقيقة» في 5900 كلمة باللغة الإنجليزية. جمع جاكسون المعلومات من مصادر متنوعة. أجرى مقابلات عن بُعد مع عائلة أربيري وأصدقائه وصديقته ومدرب كرة القدم، ما ساعده على إعادة بناء شخصية «مود» بأبعادها المتعددة. كان قد مضى 4 أشهر على مقتل «مود»، وبمساعدة مراسل متمرس في جورجيا، تمكن من دراسة تقارير الشرطة والطبيب الشرعي. درس الأخبار التي نُشرت عنه طوال تلك الفترة. قضى ساعات في مشاهدة تحقيق مصوّر لجريمة القتل أعدّته صحيفة نيويورك تايمز، ومقاطع فيديو أخرى على الشبكات الاجتماعية، حتى استطاع صياغة صورة دقيقة ومرعبة للجريمة. تتناوب القصة في ثلاثة مسارات: الحياة التي عاشها أربيري، وتسلسل أحداث الجريمة، ومنظور الراوي: حياة جاكسون الشخصية بصفته رجلاً أسود. فهو مثل أربيري، قُبض عليه في قضية حيازة سلاح مع المخدرات في بداية العشرينيات من أعمارهما. وبينما كان الحكم على أربيري بوضعه تحت المراقبة، أمضى جاكسون 16 شهراً في سجن بولاية أوريغون.
تخيّلْ الشاب أحمود «مود» أربيري، الذي بدأ مسيرته لاعبَ «ركض خلفيّ احتياطيّاً» وأصبح لاعب «ظهير الخط»، في ملعب لتدريب فريق «برونزويك هاي بايرتز» [قراصنة مدرسة برونزويك الثانوية] لكرة القدم الأمريكية. قسّم المدرب الفريق إلى مهاجمين ومدافعين، وجعل المهاجمين يتدربون على خطتهم للمباراة التالية مع الفريق الخصم. المدرب، كعادته، كان يسخر من المدافعين. يقول لهم: «لستم جاهزين». «لا يمكنكم إيقافنا». «ماذا ستفعلون؟» في أثناء المباراة، يندفع «مود» بطوله البالغ 178 سنتيمتراً ووزنه الذي يصل إلى 75 كغ، نحو اللاعبين الذين يشكلون حائط الصد، وبووووم! فيَصدُر صوت أشبه ما يكون باصطدام السيارات، يتردد صداه في الملعب ثم في المدرجات، ويصل حتى غرفة خلع الملابس. إنها مأثرة يريدها المراهق «مود» أن تكون رسالة إلى مدربيه، وزملائه في الفريق، للقاصي والداني، ومفادها: لا تختبروا قوة قلبي. رفع بعض هؤلاء الزملاء قبضاتهم إلى أفواههم وهم يصيحون: أوووه. آخرون رَبتوا اللبادات على أكتاف زملائهم وهم يشيرون إلى «مود». أحد مساعدي المدرب جفل، وركض لمساعدة لاعب آخر سقط أرضاً. والمدرب نفخ في صفّارته. وصرخ: «لماذا ضربته هكذا؟» «وفّر ذلك ليوم الجمعة. دعنا نرك تفعل ذلك الجمعة.»
في تلك الجمعة، في ملعب مقاطعة «جلين» (أحد أكبر ملاعب المدارس الثانوية في ولاية جورجيا المحبة لكرة القدم الأمريكية)، كان «القراصنة» يتجمعون بقمصانهم البيضاء المزركشة باللون الأزرق والذهبي، في غرفة خلع الملابس. «مود» الذي يرتدي لُبّادات كتف مرتفعة وقناع واق للوجه بقياس 4X2 والرقم 21 تكريما لأخيه «باكّ» وللّاعب الشهير شون تايلور، تباهى وسط زملائه، ويردد ترتيلة ما قبل بدء المباراة.
«هل أنتم جاهزون!» يصيح.
«إي نعم جاهزون!» يصيحون.
«لستم جاهزين؟!» يصيح.
«شيييييييت!» يصيحون.
ⓘ كيف أعاد بناء المشهد الافتتاحي كان قد مضى على المباراة في المشهد الافتتاحي ما لا يقل عن 7 سنوات، فكيف استطاع جاكسون أن يعيد بناءه بهذه الطريقة القوية والحيوية؟ هذا النوع من الكتابة يُعد مزجاً بين الخيال والواقع؛ فالكاتب يستخدم أداة الخيال لسرد قصة حقيقية. في الكتابة الإبداعية، يدخل الكاتب في عقل الشخص الذي يكتب عنه ويستلهم أحاسيسه. جاكسون عرف من أصدقاء «مود» قوة إرادته وعزيمته، وعرف الوقائع الأساسية للمباراة من «أكيم» صديق «مود»، ومن مدربه «جيسون». وجاكسون نفسه كان لاعباً هاوياً، وقد سبق أن مرّ بهذه التجارب. ثم تحقق من وقائع المباراة من الناس والمدربين الذين شاهدوها بأنفسهم، لذلك بقدر الخيال في المشهد الافتتاحي، بقدر دقة وقائعه الأساسية.

«مود» في عام 2012، ارتدى رقم 21 تكريما لأخيه «باكّ»، ومثله الأعلى اللاعب شون تايلور.
وسط تصفيق حاد أشبه بالرعد، اندفع الفريق من فتحة النفق الذي يؤدي إلى أرضية الملعب، وقد تصاعد منه الضباب في ثورة غضب. فرقة المدرسة تعزف أغنية القتال، والمشجعات يلوحن بالـ «بوم بومس» في صف أمام الفرقة الموسيقية. بحر صاخب من الأزرق والذهبي في المدرجات، بينهم كثير من معارف «مود». في أثناء اللعب، بدأ الفريق الخصم بالتمرير في المباراة، فلجأ «مود» إلى قوته المدمرة، وتحت وهج أضواء مصابيح الهاليد المعدني الكاشف بما تشكله من تحدٍّ، اندفع «مود» بسرعة فائقة نحو لاعب الركض الخلفي وبووووم! في ارتطام أشبه باصطدام الشاحنات. ترددت الضجة عبر الملعب ثم المدرجات، بل ربما في كامل مدينة «برونزويك». صدر هدير من المشجعين، لكن «مود» هرول إلى الخطوط الجانبية بعدم اكتراث تقريباً. «جيسون فون»؛ مساعد المدرب وكان قد أشرف أيضاً على تدريب «مود» في فريق الناشئين، مسكه من القناع الواقي لوجهه. «هكذا تكون الضربة،» قال له، وهو يكتم دهشةَ كيفَ أنَّ صبيّاً بحجمه يستطيع أن يضرب بتلك القوة.
لكن هذا هو الشاب «مود»، صغير في الحجم، كبير في القلب.
ⓘ شاعرية النص لست من محبي الجمل الشاعرية. في النصيحة السابعة في «أدوات كتابة القصة» ذكرتُ أن «اذبح الجمل العزيزة على قلبك». في المشهد السابق من «حياة في اثنتي عشرة دقيقة»، تمر جملة لم أستطع تجاهلها. ليس لأنها شاعرية؛ فهي كذلك، بل لأن «شاعريتها» تصل لحد الإدهاش؛ تلك المتعة في إحداث «الفهم» في أذهان الآخرين. الجمل الحسنة تتنازعها قوتان: حُسْن التركيب والقدرة على الإدهاش. إذا طغى حُسْن التركيب على القدرة على الإدهاش، تحوّلت الجملة إلى تكلّفٍ، وباتت «عزيزة على القلب»؛ وجبَ ذبحها. وإذا طغى الإدهاش على الحُسْن، احتفظت الجملة بديناميكيتها، بكونها جملة «صحفية»، بها أكشن. أي تظل الجملة حسنة التركيب، لكنها ديناميكية؛ تدفعك لتفكر، لتفهم، تجعلك ترى بعين عقلك، وتستشعر بحواسك. الجملة الحسنة؛ الكاملة الحسن، تسافر عبر الزمان والمكان. تجعلك، بأبهى صورها، تحلف بأغلظ الأيمان إنك كنت على وشك قولها لو لم يسبقك إليها. فقد كانت على طرف لسانك. أو تجعلك، بالبهاء الأخفّ، تشعر بالغيرة لأنك لست بقائلها. وجمل جاكسون الحسنة، هي من هذا النوع. تثير الدهشة من دون تكلّف. ففي المشهد أعلاه، تمرّ جملة صرفتُ الكثير من الوقت على ترجمتها، ولكن أعترف بأنني أخفقت في نقل كم الدهشة الهائل فيها بلغتها الأصل؛ الإنجليزية، وهي: “Beneath a metal-halide glare that’s also a gauntlet.” وترجمتي: «تحت وهج أضواء مصابيح الهاليد المعدني الكاشف بما تشكله من تحدٍّ،» المشكلة في كلمة gauntlet التي تعني بمعناها المعاصر التحديات أو الصعاب، ولكن بمعناها القديم تعني القفاز المعدني. (لاحظ هنا أن الضوء والقفاز يتشاركان في كونهما معدنيين). تاريخياً، gauntlet تشير إلى قفّاز واقٍ معدني كان يرتديه الفارس ليحمي بها كفّه بوصفه جزءاً من الدرع الذي يغطي به جسده. في العصور الوسطى، عندما يتحدى فارس ما آخرَ، كان يرمي بقفازه المعدني في دلالة على التحدي. إذا التقطه الفارس الآخر فهذا يعني أنه قبل التحدي. ثم يتبارزان إلى أن يقتل أحدهما الآخر. مع مرور الوقت، اُستخدم تعبير “gauntlet” بمعنى أكثر عمومية، ليشير إلى التحديات التي ينبغي للمرء التغلب عليها. ويُستخدم تعبير run the gauntlet لوصف سلسلة المصاعب التي يجب أن يمر بها المرء لبلوغ هدف معين. لكن الكلمة لا تزال تحمل بقايا آثار عهود الفروسية. في سياق الجملة “beneath a metal-halide glare that’s also a gauntlet”، يستخدم جاكسون التعبير بمعنى مجازي لوصف ما تسبِّبه الأضواء الكاشفة من ضيق في الرؤية لدى اللاعبين في الملعب. ما يستحضر، ولو من بعيد، صورةَ الفروسية: على ظهر حصانه، وتحت ثقل درعه المعدني، يغير «مود» على الأعداء، وعليه أن يتحمل مشاق الإغارة. جاكسون لم ينسج الجملة من بنات خياله. بحث عن الملعب، وتعرّف على نوع الإضاءة فيه، وعرف أن الأضواء ستكون ساطعة لإن المباراة جرت ليلاً. هو نفسه كان لاعب كرة سلة متميزاً في مرحلة الثانوية. اختبر الأضواء الكاشفة وما تشكله من تحدِّ للاعبين في كرة القدم الأمريكية أو كرة السلة، واختبر أيضاً مدى كثافة الجمهور في المدرجات في مباريات كهذه.

الأحد 23 فبراير 13:04 | 2020 لقطات فيديو مراقبة من منزل مجاور تظهر بالدقيقة «مود» الذي خرج للجري في منطقة «ساتيلا شورز» بـ«برونزويك»، يتجول في رقعة مشمسة من الطريق الضيقة، ويتوقف عند المرج المبقّع لبيت من طابق واحد بلون الرمال لا يزال تحت الإنشاء في العنوان: 220 «ساتيلا درايف». ثمة تواليت أحمر متنقل في الفناء الأمامي. المرأب مفتوح على مصراعيه.
ⓘ الخط الدرامي في هذا المشهد، ينحرف الخط الدرامي للقصة عن الخلفيات التي أتى منها «مود»، إلى التسلسل الزمني للأحداث التي أفضت إلى مقتله. سيتابع جاكسون القصة حتى نهايتها بهذا البناء الدرامي: قصة داخل قصة. قصة مقتل «مود» داخل قصة «مود» الإنسان: مولده، نشأته، دراسته، علاقته مع أسرته وأصدقائه، شغفه بكرة القدم الأمريكية، حبه الأول، خططه لتكوين أسرة، أحلامه وإحباطاته. خلال سرد القصتين، سيتدخل جاكسون أيضاً بصوت الراوي، وسيسرد جزءاً من قصته الشخصية -فهو أيضاً، مثل «مود»، كان قد اعتقل بتهمة حيازة سلاح إضافة إلى مخدرات- وسيتحدث عن رؤيته، تأملاته، وتفسيره لما جرى لـ«مود». عندما باشر جاكسون في كتابة القصة بعد مقتل «مود» بثلاثة أشهر، كانت لا تزال القضية طازجة. الشرطة لم توقف الرجال البيض الثلاثة المتورطين في الجريمة إلا بعد أشهر من الحادث. وستنتظر المحكمة سنتين ونصف قبل أن تنطق بالحكم النهائي. لفهم ما جرى، كان ضرورياً بناء السياقات؛ الصورة الأكبر. وما كان ذلك ممكناً بدون التضحية بالخط الدرامي، فلجأ جاكسون إلى هذا البناء: قصة داخل قصة، ليحافظ على الزخم الدرامي. كان قد استخدم التكنيك ذاته في روايته John of Watts التي كان قد فرغ من كتابتها قبل أيام.
مرتدياً حذاء «نايكي» بعنق قصير ولون فاتح، وتيشيرتاً أبيض، وسروالاً قصيراً كاكياً، يتسكع أحمود على المرج للحظة قبل أن يتجه إلى داخل البناء. كاميرا المراقبة تسجل داخل البناء، وتظهر أعمدة خشبية وألواح خشبية معاكسة وأكوام من ألواح الـ«شيتروك» الجصية، وأنابيب وأسلاك. هنالك صناديق مبعثرة ورافعة شوكية صغيرة محشورة في الزاوية. لا يلمس «مود» أيّاً من هذه الأشياء. ينظر حوله، يحدق خارج إطار تسجيل الكاميرا باتجاه النهر خلف المنزل. ربما يتساءل كيف سيبدو المنزل عندما ينتهي بناؤه. ربما يستحضر صورة أسرة يمكنها دفع تكاليف العيش في هكذا مكان قريب من المياه.
ⓘ كتابة قصة من المنزل أمضى جاكسون ساعات طويلة في مشاهدة وإعادة مشاهدة مقاطع كاميرا المراقبة التي انتشرت على الإنترنت، كما شاهد مراراً الفيديو الذي أنتجته صحيفة نيويورك تايمز وتسلسل وقوع الحدث. من المهم هنا الانتباه إلى أن الكاتب كتب القصة كاملة دون أن يخرج من منزله.
«مود» ليس أول شخص يتجول في الموقع. سجلت كاميرات المراقبة آخرين منهم زوجان من البِيْضِ في إحدى الأمسيات وزوج من الأولاد البيض في يوم آخر. في أربع مناسبات، سجلت أيضاً ما يبدو أنه الشخص نفسه: شاب أسود نحيل ذو شعر طبيعي جامح ووشوم على كتفيه وذراعيه، رجل، لا يشبه «مود» في نظري. اسمح لي أن أضيف أن صاحب المنزل سيؤكد أنه لم يُسرق أو يُتلف أي شيء خلال تلك الزيارات جميعها.
ⓘ «اسمح لي أن أضيف» يستخدم جاكسون هنا ضمير المخاطب في قوله: «اسمح لي أن أضيف»، ليتقرّب من القارئ، ويتحدث إليه مباشرة، لأن ما يقول يستدعي التأمل. ففي مثل هذه الصيغة، يعرف القارئ أن الكاتب موجود هنا الآن، والكاتب يعرف أن القارئ موجود هنا أيضاً. القارئ يصبح شريكاً، وينخرط في فعل القراءة على نحو أعمق.
في هذه الأثناء، أحد الجيران يرتدي أفرولاً يرصد «مود» في أثناء تجواله في الموقع، ويتصل بالرقم 9-1-1. يقول: «هناك رجل في المنزل الآن». «إنه منزل قيد الإنشاء. 219 أو 220 ساتيلا درايف». الرجل الجار ينتظر عند تقاطع شارعي «جونز» و«ساتيلا درايف». تقول المرأة التي تلقت البلاغ: «أريد فقط أن أعرف ما الخطأ الذي يرتكبه؟».
ⓘ مصدر المعلومات اعتمد جاكسون على ما نُشر بكثافة عن مقتل «مود» آنذاك. ثم إنَّه تعاون مع صحافي من مدينة «برونزويك» لتزويده بالتقارير الأصلية للشرطة والطبيب الشرعي.
يقول المتصل: «سبق أن التقطته الكاميرا مرات عديدة. هذه الحوادث تتكرر هنا». وهذه إفادة لا يستطيع التأكيد عليها، رغم أنه يصف «مود» على نحو صحيح: «رجل أسود، تيشيرت أبيض».
ⓘ استخدام صيغة المضارع اختار جاكسون استخدام صيغة المضارع للحوار الذي دار بين الجار والمرأة التي تلقت البلاغ؛ وفي لحظات مطاردة مود وقتله، لأنه أراد أن يكون القارئ حاضراً ليشعر بالأحداث لحظة وقوعها، وكأنه يشاهد مقطع فيديو. صيغة الماضي ما كانت لتفي بهذا الغرض.
موقع «مود» لدى دخول المنزل، وموقع الجار الذي كان يراقبه واتصل مع الشرطة
لسبر أغوار ما يعنيه الخروج للجري لـ«مود» في مقاطعة «جلين»، عليك أن تعرف أمراً أو اثنين عن ممارسة الجري الترفيهية. قبل الستينيات، كانت فكرة الهرولة Jogging غريبة لدى الجميع تقريباً ما عدا الرياضيين الجادين، وكان لسان حال الناس يقول: ما جدوى الجري؟ لكن في عام 1962، زار «بيل باورمان»، مدرب المضمار الأسطوري والمؤسس المشارك لشركة «نايكي»، نيوزيلندا والتقى زميله المدرب «آرثر ليديارد» الذي طوّر برنامج تدريب عبر البلاد. عاد «باورمان» إلى الولايات المتحدة متحمساً لما رآه. أطلق برنامجاً مشابهاً في «يوجين» (موطن دراسته ومكان عمله، جامعة أوريغون)، وأَلَّف كتيباً حول هذا الموضوع في عام 1966، وفي العام التالي نشر كتاباً مشتركاً بعنوان «الهرولة: برنامج لياقة بدنية مجاز طبيّاً للأعمار جميعها من إعداد اختصاصي قلبية ومدرب رياضي مشهور». أصبح الكتاب الأكثر مبيعاً، وبدأت الهرولة باعتبارها هواية أمريكية.
ⓘ تاريخ بطريقة أو بأخرى، يحاول ميتشل جاكسون الحديث عن مسقط رأسه في ولاية أوريغون. فمعظم كتاباته تدور حول هذه الولاية، وأراد أن يبني ذاك الرابط بينه وبين قصة «مود». أيضاً، هذه المعلومات التاريخية مهمة لبناء سياق للقصة، كيف ارتبطت رياضة الجري في أمريكا بالنخبة.
الهرولة، عموماً، تظل رياضة وتسلية موجهتين للبِيْض الموسرين.
اسمحوا لي أن أعترف بأنني أحد أندر الأمريكيين، ما يُعرف أيضاً بـ «أسود أوريغوني». على هذا، أشعر بأنني مجبر على مشاركة الحقيقة حول الولاية التي أنتمي إليها: إنها بيضاء. أنا أتحدث عن «حظر السود» في دستور الولاية الأبيض. في الوقت الذي كان يُلهم فيه «باورمان» سكان «يوجين» بولاية «أوريغون» للهرولة أميالاً حول أحيائهم في سراويل رياضية وأحذية ركض، كانت مدينة «يوجين» بيضاء بنسبة 97 في المئة. يمكن للمرء أن يحاجج في أن الطابع الأبيض للهرولة اليوم قد يكون، جزئياً، نتاج التركيبة السكانية لـ «يوجين». ولكن إذا جعلناها ٪100، فيمكن أن تُنسب هذه السمة الأحادية للجري إلى طريقة تسويقها، وإلى ذاك القسر الممنهج الذي وضع الجري في مكان ما داخل سلسلة تربط بين البذخ غير العملي والمجازفة التي لا يمكن تحملها، بالنسبة إلى عشرات الأشخاص من غير البيض.
والحق، أنه في الوقت الذي زار فيه «باورمان» نيوزيلندا، ونشر الكتاب الأكثر مبيعاً، كان الملايين من السود يعيشون في الجنوب الذي شهد قوانين «جيم كرو» للفصل العنصري؛ بحلول عام 1968، كان شتات السود الواسع قد فجع باغتيال «ميدغار إيفرز»، و«مالكولم إكس»، و«مارتن لوثر كينغ جونيور». وبحلول نهاية الستينيات وما بعدها، حُصِر السود الذي قَدِموا في أثناء «الهجرة الكبرى» (نزوح السود من الجنوب)، في الأجزاء الأكثر اكتئاباً من المدن الشمالية والغربية، تلك المناطق التي كانت الشوارع فيها أقل أماناً للمشي، ناهيك من الركض. عوامل كثيرة ثنت السود عن جني الفوائد الكثيرة للهرولة. وعلى الرغم من أن تركيبة العَدَّائين أصبحت أكثر تنوعاً على مدار الخمسين عاماً الماضية، فإنّ الهرولة، عموماً، لا تزال رياضة وهواية موجهة للبيض الموسرين.
أدعوكم لتسألوا أنفسكم، ما هو عالم العَدَّائين؟ اسألوا أنفسكم مَنْ يستأهل الجري؟ مَنْ له الحق؟ اسألوا مَنْ هو العدَّاء؟ ما عرقهم المزعوم؟ ما جنسهم؟ ما طبقتهم؟ اسألوا أنفسكم أين يعيشون، أين يركضون؟ أين لا يمكنهم العيش والركض؟ اسألوا ما القوانين التي تؤكد حقهم في العيش والركض -اللعنة- حقهم في الوجود في هذا العالم. اسألوا لماذا؟ اسألوا لماذا؟ اسألوا لماذا؟
ⓘ القوة التي يمتلكها رقم ثلاثة الحق، طرح هذه الأسئلة العميقة بهذه الكثافة المتتابعة جاءت فكرتها من مديرة قسم إنتاج المحتوى في شركة «هيرست»، والمحررة المشرفة على «حياة في اثنتي عشرة دقيقة». ثم أنهى جاكسون الفقرة بسؤال: «اسألوا لماذا؟» ثلاث مرات، لأنه يؤمن بالقوة التي يمتلكها هذا الرقم. فهو يدل على الكمال في معظم الثقافات. فنحن نحلف بـ«الثلاث»، ونطلق بـ«الثلاث»، ونعد حتى الثلاث لبدأ أمرٍ ما… إلخ.
أحبَّ أحمود أربيري الركض بالمقاييس كلها، لكنه لم يطلق على نفسه تسمية العدَّاء. هذا عيب في ثقافة الركض. أن يكون «مود» هدفاً للقوى البيضاء المهيمنة بسبب الركض، فهذا فشل مؤكد لأمريكا. تحقق من السجلات -تصاريح العبيد، قوانين التشرد، اعتقال سكيب غيتس، الناقد والمؤرخ في جامعة هارفارد، أمام بيته- لا يمتلك السود مطلقاً حرية الحركة التي يتمتع بها البيض.

الأحد 23 فبراير 13:08 | 2020 يجوب «مود» خارج المنزل، وبعد بضع خطوات فقط يبدأ بالركض. لا يعلم بأمر الشاهد الذي اتصل بالرقم 1-1-9، ولا يزال يراقبه. «إنه يركض الآن. ها هو يذهب الآن»، يقول الشاهد للمرأة التي تتلقى البلاغ على الطرف الآخر من المكالمة الهاتفية. «حسناً، ماذا يفعل؟» تقول المرأة. يقول الرجل: «إنه يركض في الشارع». تُظهر اللقطات «مود» مهرولاً في شارع «ساتيلا درايف» ويمر أمام منزل «جريجوري» و«ترافيس مكمايكل»، وهما أب وابنه. «جريجوري مكمايكل»، الشرطي السابق الذي جُرِّد من حقه في اعتقال الأشخاص؛ بسبب عدم حضوره تدريباً على كيفية «استخدام القوة»، يلحظ «مود» وهو يمر أمام منزله، فيعده مشتبهاً به. صرخ في ابنه «ترافيس، الرجل يجري في الشارع. هيّا بنا.» لأسباب يجب على مكمايكل الأب والابن الآن تفسيرها في المحكمة (كلاهما يواجهان 9 تهم، بما في ذلك القتل العمد والاعتداء الفاضح)، سلّحا نفسيهما -الابن ببندقية «ريمنجتون» طراز 870، والأب بمسدس «ماغنوم 357» – وركبا في شاحنة «فورد» بيضاء.
تقع «الجزر الذهبية» على طول الساحل الأطلسي بين مدينة «سافانا» بولاية جورجيا، ومدينة «جاكسونفيل» بولاية فلوريدا. تشمل المنطقة جزراً تسمى جزر الحاجز وهي «سانت سيمونز» و«سي آيلاند» و«ليتل سانت سيمونز» و«جيكيل»، بالإضافة إلى مدينتي «دارين» و«برونزويك». «ساتيلا شورز» الذي يعد جزءاً من الجزر الذهبية، هو حي غير مدمج بالأحياء المحيطة، ويضم عائلات من الطبقة العليا والمتوسطة؛ من المتقاعدين ذوي الياقات الزرقاء والبيضاء؛ وأصحاب البيوت الموسمية والمقيمين في الحي على نحو دائم؛ وأولئك الذين انتقلوا حديثاً. يتميز الحي الصغير بطرق ضيقة تظللها أشجار البلوط المكسوة بالطحالب، وأشجار صنوبر «التايدا» الباسقة، وأشجار «التمر حنة»؛ ومنازل من طابق واحد أو طابقين مع مروج خضراء ومواقف بسيارات من أحدث الطرازات. المنازل الواقعة على جانب واحد من «ساتيلا درايف» – وهو الشارع الرئيسي في الحي – تتباهى بنهر «ليتل ساتيلا» الملون بالرواسب، والزاخر بأعشاب الـ«سبارتينا» الحبلية على طول أهواره الملحية التي تمتد أميالاً، ويُعد فناءً خلفيّاً مرفّهاً للحي.
ⓘ الوصف كيف استطاع جاكسون أن يصف المشهد السابق بهذه التفاصيل الأخَّاذة وهو في الحجر الصحي داخل منزله؟ لقد قرأ الكثير حول المنطقة، وشاهد خرائط جوجل وصورها. لم يكتف بذلك فقط، ساعده صحفي من «برونزويك» وأخبره بأنواع الأشجار الموجودة، ووصف نهر «ليتل ساتيلا» ولونه، وما إذا كان هذا اللون يتغير على مدار السنة.
منزل عائلة «مود» في «برونزويك»، حيث كان يعيش حين مقتله، يقع على بعد ميلين فقط من «ساتيلا شورز»، لكنه يبدو -بدقة أكبر- وكأنه في بلد آخر تماماً. متوسط دخل الأسرة بمقاطعة «جلين» هو 51000 دولار؛ في «برونزويك» هذا الرقم هو 26 ألف دولار. في المنطقة التي يسميها الشباب السود The Wick «ذا ويك» [فتيل الشمعة]، يبلغ معدل الفقر 38 في المئة، وهي نسبة صاعقة.
الجري جعل «مود» هدفاً للقوى البيضاء المهيمنة، ما يُعد إخفاقاً لأمريكا.
«ذا ويك» هو المكان الذي ولد فيه أحمود ماركيز أربيري في 8 مايو/أيار 1994. كان الطفل الثالث المدلل لـ«واندا كوبر جونز» و«ماركوس أربيري» الأب. وتضم الأسرة التي تنتمي إلى الطبقة العاملة، شقيقه الأكبر ماركوس «باكّ جونيور» وأخته ياسمين. أطلقت الأسرة على أحمود لقب «كويز»، وهي نسخة مختصرة من اسمه الأوسط، بينما أطلق عليه أصدقاؤه لقب «مود». كان لدى «مود» فَرَقٌ طفيف بين أسنانه الأمامية وبشرته الداكنة تلمع للأبد بسبب الساعات الطويلة التي يقضيها في الخارج تحت الشمس. التحق هو وأشقاءه بمدرسة «ألتاما» الابتدائية. حينئذ، التقى مود بصديقه المقرب أكيم «كيم بيكر»، وهو زميل يقيم في مجمع «ليسوود سيركل» للشقق السكنية. يتذكر كيم، وكان في تلك الأيام انطوائياً بديناً، أن «مود» كان أحد الأطفال المشهورين في الحي، وقد استحوذ على إعجابه بتقديم «وجبات خفيفة» له. سرعان ما أصبح الصديقان الحميمان لا ينفصلان: يجلسان معاً في الحافلة إلى المدرسة، يجوبان الحي بحثاً عن مكان للعب كرة السلة، أو لعب كرة القدم في لعبة تسمى «Hot Ball» أو لعبة لكرة السلة أطلقوا عليها اسم «Curb Ball».
ⓘ اللغة والترجمة اللغة التي يستخدمها جاكسون في كتاباته، هي اللغة التي يستخدمها السود في أمريكا. وهذا فعل مقاومة؛ مقاومة أولئك الذين يعدون لغة السود لغة إنجليزية غير فصيحة. لذلك كانت ترجمة هذه القصة صعبة، وتطلبت الكثير من الجهد والبحث لفهم السياق الصحيح.

أحد أقرب أصدقاء أحمود، أكيم بيكر، كانا يذهبان معاً أحياناً للجري.
في تلك الأيام، كان «مود» يحتمي تحت جناحي شقيقه «باكّ» الذي يكبره بثلاث سنوات فقط. «باكّ» عرّف «مود» أيضاً على الرياضة التي يحبها. حدث ذلك خلال بطولة BCS الوطنية لعام 2002. لاعب «باكّ» المفضل في ذلك الوقت كان شون تايلور، وعلى الرغم من أن فريق «أوهايو بوكيز» هزم فريق تايلور «ميامي هوريكانز» على نحو غير متوقع، إلا أنه أصبح لاعب «مود» المفضل أيضاً. في العام التالي، بدأ «مود» بلعب كرة القدم، ولمع بصفته لاعب الركض الخلفي، ولاعب الظهير الخطّيّ.
بدأ «مود» أيضاً لعب كرة القدم مع أصدقاء «باكّ»؛ الأولاد الذين يكبرونه بسنتين وثلاث سنوات أو أكثر. خلال مسابقة مبكرة في الحي، مسك أحد هؤلاء الأصدقاء «مود» بشدة لدرجة أن «باكّ» اعتقد أن شقيقه قد أصيب وتحرك للدفاع عنه. قبل أن يفعل ذلك، وثب «مود» واقفاً. «حينئذ عرفت أنه صلب العزيمة»، يقول «باكّ»، «وسيكون قادراً على الاعتناء بنفسه.»
قوى كثيرة منعت السود من جني الفوائد العديدة للجري.
وقتئذ تقريباً، أهدى والدا «مود» شقيقته كلبَ يوركشاير تَرْيَر أسمته «فلاف». ربما كان «مود» صعب المراس في الملعب، لكنه أمضى الساعات يمرح فيها مع «فلاف» في الخارج ويساعد أخته في مهام العناية به. تعلّق «فلاف» بـ«مود» حتى إنه كان ينام عند قدميه ليلاً عندما تكون «ياسمين» خارج المنزل.
انتقلت العائلة إلى منزل أبيض صغير في شارع «بويكن ريدج درايف» في «برونزويك» عندما كان مود في المدرسة الإعدادية، وفي المنزل الجديد ظل «مود» يشارك شقيقه غرفة واحدة. يقول «باكّ» لقد «كنت مهووساً بالترتيب». «لكن أحذية مود كانت مبعثرة هنا وهناك. التيشيرتات في مكان الغيارات الداخلية، والقمصان في مكان الجوارب».
في المدرسة الثانوية، عمل «مود» في ماكدونالدز لتأمين مصروف الجيب، ولكن أيضاً لمساعدة والدته التي غالباً ما كانت تعمل في وظيفتين. بحلول ذلك الوقت، كان «مود» قد اختبر أول تحول جذري، وتبنى بعضاً من أناقة أخيه، وبات يعرف الموضة. كان يفضل الجينز الضيق وقمصان البولو ذات الألوان الزاهية وقمصان الركبي، وأبقى شعره قصيراً بخطوط حادة عند الجبهة والصدغين. في بعض الأيام، كان «كيم» – وهو أول من يمتلك سيارة- ينقضّ فجأة على «مود»، ويتجها إلى جمعية «الجزر الذهبية للشباب المسيحيين»، ويلعبا كرة السلة، أو يمارسان الرياضة لست أو سبع ساعات متواصلة، ويقطعا مسافة قصيرة عبر الشارع إلى مول «جلين بليس» للحصول على كومبو البطاطس المقلية والجناحات في «أمريكا دِيْلِي»، ثم العودة مجدداً إلى اللعب والتدريب لساعات. أو يتجولان بالسيارة طالما إبرة عدّاد البنزين تسمح بذلك، ويستمعان إلى الرابر «لِيْلْ وين» أو «لِيْلْ بَوزي» أو «ويبي» أو «غوتشي ماني» (فناني «مود» المفضلين) عبر مكبرات الصوت في السيارة.

جيسون فون مدرب «مود» في فريق الناشئين.
التقى «جيسون فون»، مدرب فريق الناشئين في مدرسة برونزويك الثانوية، بـ «مود» في سنته الثانية، عندما وعده زميله المدرب بظهير قوي لفريقه. عندما غادر مود الغرفة، بنحالة جسمه وصغر حجمه، عبّر «فون» عن شكوكه سريعاً. «هل أنت جاد؟»، قال. «ماذا يستطيع هذا الفتى الصغير فعله؟» جاءته الإجابة سريعاً. تدريبات الفريق غالباً تضمنت تمريناً يسمى «أوكلاهوما» فيه يقف لاعبان على بعد ثلاثة إلى خمس ياردات ثم يتناطحان رأساً برأس. يتذكر «كيم» تفوُّقَ «مود» في التمرين، ليس بسبب قوته العضلية، بل لأنه «لم يكن يعرف الخوف في الملعب».
مزّق «مود» رباط الساق الصليبي الأمامي والغضروف المفصلي في أثناء مباراة في السنة الثانية. لو كان لاعباً آخر أقل تفانياً لاستسلم، لكنه أكمل عملية إعادة تأهيل شاقة. في الصيف التالي، أُصيبت ساقه والتزم مجدداً إعادة تأهيل صعبة. تقول أخته «ياسمين»: «اعتاد والدانا القول: إذا بدأتَ شيئاً، فلا تستسلم». ارتدى «مود» مقوّماً للساق خلال السنة الإعدادية مما أعاقه، ومن دون شك قلل فرصه في اللعب في الكلية. ومع ذلك، فإن حقيقة أنه استطاع أن يلعب، دليل آخر على الشخصية القوية. كانت هذه كرة القدم في جنوب جورجيا، ولعب «مود» في دوري ضمّ عدداً من اللاعبين الذين سيصبحون محترفين فيما بعد، كما لعب في مباراة كانت ضد مدرسة «فالدوستا» الثانوية، أحد أكثر فرق كرة القدم للمدارس الثانوية فوزاً في البلاد كلها.
ⓘ علاقة العاطفة بسرد الوقائع لاحظ كيف ينتقل ببساطة من المشاهد السابقة المشحونة عاطفياً برسم صورة واقعية ومحببة لـ«مود»، إلى مشهد الرعب التالي حيث يطارد ثلاثة رجال من البيض شاباً أسود، ثم -كما سنرى- يردوه قتيلاً في أحد شوارع «ساتيلا شورز». لا ينبغي للكاتب أن يفصل بين الشحن العاطفي وسرد الوقائع، ولكن عليه أن يعرف كيف ينتقل من هذا إلى ذاك، وعليه أن يتعلم أن سرد الوقائع لا ينبغي لها أن يتأثر بالعواطف.

الأحد 23 فبراير 13:10 | 2020، مكمايكل الأب والابن، ربطا حزام الأمان في شاحنتهما البيك-آب وانطلقا مسرعين خلف «مود»، يطاردانه على طول شارع «بورفورد»، وهو شارع ضيق آخر تظلله أشجار البلوط المورقة والصنوبر والمغنوليا. من الفناء الأمامي لمنزله، يرى «ويليام رودي بريان» جارَيه يلاحقان «مود»، ولأسباب سيضطر إلى الرد عليها أمام المحكمة (حيث يواجه تسع تهم، بما في ذلك القتل العمد ومحاولة ارتكاب جريمة الاحتجاز التعسفي)، ينطلق هو أيضاً بشاحنته البيك-آب خلفهما. يلاحق مكمايكل الأب والابن «مود» ويحاولان قطع الطريق عليه، لكن «مود» استدار راجعاً مجدداً -ربما تذكر المرّات كلها التي تملّص فيها من مهاجم محتمل- لكن هذه المرة وجد نفسه في مواجهة بيك-آب «بريان». يحاول «بريان» قطع الطريق على «مود»، لكن «مود» يتجنب الشاحنة، ويتجاوزها ويتجه نحو المنعطف الذي يؤدي إلى طريق «هولمز». ماكمايكل الأب، جريجوري، يخرج من مقصورة شاحنة ابنه بعَلَمِها الاتحادي على صندوق العدّة، ويصعد في الخلف مسلّحاً بمسدس «ماغنوم 357». ثلاثتهم يلاحقون «مود» وهو يعدو بأقصى سرعة على طول طريق «هولمز».
ⓘ أدوات السرد الروائي يستخدم جاكسون أدوات السرد الروائي، فهو أولاً روائي ثم صحفي. يستخدمها في بناء المشاهد، وخلق الصور، مثلاً عندما يرسم صوت المسامير السفلى للأحذية الرياضية على الأرضية الخراسانية، ومشهد غرفة تبديل الملابس كما سنرى فيما بعد. الكاتب الجيد يدفع باللغة؛ لا يكفي أن تورد الوقائع بدقة، عليك أن تبحث عن جرس الصوت في اللغة. كاتب النثر يستخدم أيضاً أداة «التكرار»، عندما يقول: «اسألوا لماذا، اسألوا لماذا، اسألوا لماذا؛» وفي مواضع كثيرة أخرى، وهي أداة قلّما يستخدمها الصحفي. أيضاً الفقرة الطويلة التي تساعد على إيجاد الإيقاع الموسيقي للنص. الكاتب الجيد إذا كان لديه الوقت الكافي يستطيع أن يحول فقرة طويلة إلى قطعة موسيقى.
لعب «مود» في مباراة النجوم الصاخبة بين فلوريدا وجورجيا بعد موسمه الأول، لكنه لم يحصل على منحة دراسية لكرة القدم. بعد التخرج، التحق بكلية جورجيا الجنوبية التقنية في مدينة «أميريكوس»، ووضع نصب عينيه أن يصبح كهربائياً.
مثل «مود»، كنتُ رياضياً شغوفاً في المدرسة الثانوية (كانت رياضتي الطوق) التي لم يتسن إدراجها في برنامج جامعي رئيسي. ومثل «مود»، التحقت بكلية صغيرة (تابعة لجامعة محلية) في ولايتي. شاهدت أنا و«مود» الأصدقاء يحصدون المنح الدراسية، وينطلقون إلى البلدات أو المدن في أماكن أخرى، ويواصلون ممارسة الرياضة التي أحببناها. ترك «مود» الكلية التقنية بعد عام، وعاد إلى «برونزويك» ومنزل والدته. أنا أيضاً تركت أول كلية محلية. لكن على عكس «مود»، لم أكن مضطراً للعودة إلى منزل والدتي؛ لأنني كنت أعيش معها بالفعل. «جيمس جي. تي. تريمينغز»، زميل آخر لـ«مود» في الجامعة، يعتقد أن الحنين إلى الأسرة كان السبب الأساسي لعودة «مود» المبكرة من الكلية. لكنني أظن أن «مود» قفل راجعاً لأن حياته انتهت بصفته رياضيّاً، وخيبة الأمل قد تطحن حتى الأشخاص أقواهم.

جيمس جي. تي. تريمينغز في سيلدن بارك ببرونزويك.
بعد تخرجه بعام من الثانوية، أُلقي القبض على «مود» لحمله بندقية، وحُكِم عليه بخمس سنوات من المراقبة التي انتهكها بسرقة معروضات. بعد سنوات قليلة من تخرجي في المدرسة الثانوية، اُعتقلت لحيازة مخدرات وبندقية، وقضيت 16 شهراً في سجن الولاية.
«مود» مات – يا إلهي، لماذااا؟ – وأنا، بنعمة من الله، كاتب وأستاذ جامعي مقبل على منتصف العمر.
ⓘ لماذا أدخل جاكسون نفسه في القصة؟ فعل ذلك ليظهر تعاطفه بصفته كاتباً وصحفياً مع «مود»، وأيضاً لكي يظهر الفرص التي كانت متاحة أمامه. فجاكسون اعتقل مثل «مود» ودخل إلى السجن، بينما «مود» لم يدخل السجن. كان ثمة مسدس بحوزة جاكسون. جاكسون أصبح أستاذاً جامعياً، بينما «مود» قُتل. كل هذه المقارنات تظهر كيف يمكن قطع الطريق أمام الشباب السود في أمريكا ومنعهم من إظهار أفضل ما لديهم. عائلة «مود» كانت واثقة أن سبب فشله هو عدم حصوله على منحة لدراسة كرة القدم الأمريكية، ما سبب له خيبة الأمل. المقارنات التي يقوم بها جاكسون بإدخال نفسه في القصة، تُضفي بُعداً وعمقاً عليها.
حتى لو كان «مود» يفكر في إعادة التسجيل في الكلية التقنية، فإنّه فقد إغراء الفكرة بمجرد أن التقى أول علاقة حب جادة في عام 2013. «شينيس جونسون» رأت «مود» لأول مرة عندما دخل ماكدونالدز ذات يوم، وأقنع المدير بإعادته إلى وظيفته السابقة. سرعان ما كان الحبيبان، وكلاهما خجولان، يرمق أحدهما الآخر في مناوباتهما. من غير الواضح مَنْ الذي بدأ بالخطوة الأولى. يقول «كيم» إن «مود» تحدث لأسابيع عن الفتاة الجميلة في مكان عمله، وكيف كان متوتراً من الاقتراب منها، إلى أن شجعه كيم قائلاً: «يا رجل، أنت مود. ما عليك سوى أن تسير إليها وتقدم نفسك». بحسب رواية «شينيس»، بدأت علاقتهما التي دامت خمس سنوات عندما عرضت على الصبي الوسيم «ماك فلوري» مجانية.

شينيس جونسون في جلين أوفرلوك بارك في برونزويك. التقى مود بشينيس عندما كانا يعملان معا في مطعم ماكدونالدز.
في موعدهما الأول، أخذها «مود» بسيارة «كامري» ذهبية اللون، اشترتها له والدته، ويقول «تي. جي.» إنه كان يعاملها وكأنها سيارة مرسيدس. مرتدياً قميصاً أنيقاً أبيض الياقة وحذاء «إير فورس وان» متلألئاً من «نايكي»، دعا «شينيس» إلى مأدبة مأكولات بحرية، فتح لها الأبواب، وسحب الكرسي لتجلس ودفع الفاتورة بالكامل من دون تردد. تقول والابتسامة ظاهرة في صوتها «عندما كنت معه، لم أكن أقلق بشأن أي شيء». في أول عيد فالنتين للثنائي، قاد «مود» سيارته طول الطريق إلى «سافانا»، واشترى لها دُبّاً من «بيلد-آ-بير» واسماه «كويز»، وسلمه لها جنباً إلى جنب خاتم الالتزام ما قبل الخطوبة على شكل قلب.

الأحد 23 فبراير 13:14 | 2020، تظهر مشاهد مسجلة بالهاتف «مود» على طريق «هولمز»، يفرّ مبتعداً عن شاحنة «بريان» البيك-آب، لكن باتجاه شاحنة «ماكمايكل» البيضاء. «بريان» في هذا الوقت تقريباً، أخرج هاتفه وبدأ في التصوير. في هذه الأثناء، «جريجوري مكمايكل» يتصل بالرقم 1-1-9. «آه، أنا هنا في ساتيلا شورز،» قال لمتلقي البلاغات. «هناك رجل أسود يجري في الشارع». متلقي البلاغات يسأل أين. يقول «لا أعرف في أي شارع نحن». «توقف عندك. اللعنة. قف!» التسجيل يظهر صراخه في «مود».
«مود»، هارباً الآن لما لا يقل عن ست دقائق، يركض نحو «ترافيس ماكمايكل» ذو الوجه الأحمر الذي يقف عند باب شاحنته البيك-آب المفتوح مصوباً بندقيته، ونحو «جريجوري مكمايكل» الجاثم في القسم الخلفي من الشاحنة وبيده مسدسه، يشعر وكأنه وقع في فخ، لكن ربما يشعر وكأن شجاعته تُخْتبر مجدداً. ينعطف «مود» فجأة من اتجاه إلى آخر. يندفع حول الجانب الأيمن من الشاحنة، ثم أمامها. يقطع «ترافيس مكمايكل» الطريق عليه أمام مقدمة الشاحنة، ويطلق النار على «مود» في لمح البصر. صوت الطلقة يتخلل تسجيل المشهد الذي يصوره «بريان» بهاتفه. «ترافيس!» يصرخ جريجوري مكمايكل ويسقط هاتفه في صندوق الشاحنة.
ⓘ هل يحق وضع الافتراضات؟ لاحظ هنا، وفي أماكن أخرى مختلفة، يضع جاكسون «افتراضات» حول ردود فعل «مود»، كما في هذه الجملة: «يشعر، وكأنه وقع في فخ، لكن ربما يشعر، وكأن شجاعته تُخْتبر مرة أخرى». فمن أين جاءت هذه الثقة لدى جاكسون بأن «مود» شعر كذلك، وهل يحق للصحفي وضع مثل هذه الافتراضات؟ نعم يحق للصحفي. الصحفي إنسان وليس آلة، ويستطيع فهم «بطل» قصته، كما يستطيع أي إنسان فهم شخص آخر من خلال التحدث مع أقاربه وأصدقائه. الأمر لا يتعلق بالثقة، بل يتعلق بضرورته أداةً للسرد. الصحفي يقدّر ردود الفعل والأحاسيس المحتملة للشخصيات التي يكتب عنها استناداً إلى المعلومات المتاحة وفهمه للوضع. ومن المهم أن يقوم بتوضيح هذه الافتراضات في النص إذا كانت تؤثر في التفسير الإجمالي للقصة.
انفجار الطلقة يصيب «مود» في صدره، مخترقة رئته اليمنى وأضلاعه وعظم القصّ في منتصف الصدر. ومع ذلك، بطريقة أو بأخرى، يتصارع مع «ترافيس ماكمايكل» لأخذ البندقية من يده، وبطريقة ما، يتمكن من لكمه. جريجوري يراقب للحظة من مكانه. في هذه الأثناء، يواصل «برايان» التصوير. يطلق «ترافيس» النار من بندقيته مجدداً، انفجار الطلقة يحدث خارج إطار تسجيل كاميرا «بريان»، لكنه يترك خطاً من الدخان يتصاعد في إطار التسجيل. «مود» الذي تلطخ قميصه الأبيض الآن ببقعة من الدماء، يواصل التصارع مع «ترافيس ماكمايكل»، فهو يقاتل الآن من أجل حياته. في خضم العراك، يطلق «ترافيس ماكمايكل» رصاصة أخرى من كثب على «مود»، فتخترق صدره العلوي. يرمي «مود» لكمة ضعيفة أخرى، يترنح بضع خطوات، ويسقط على وجهه بالقرب من خطوط المرور منتصف الطريق. يتراجع «ترافيس» والبندقية في يده، يشاهد «مود» ينهار، ولا يقدم أدنى رعاية له. والده الذي لا يزال ممسكًا بمسدسه، يركض إلى حيث يتمدد «مود» على وجهه، والدماء تتدفق من جروحه.

نصب تذكاري لـ«مود» في مكان مقتله بساتيلا شورز.
كان «مود» يركض وحده يوم مقتله. لا أحد يعرف على وجه اليقين الطريق الذي سلكه قبل أن يصل إلى «ساتيلا شورز»، لكنه انطلق من منزله، ما يعني أن ثمة فرصة قوية لمروره في أثناء الجري بمنازل ترفع علم الكونفدرالية أو علم «جادسدن» (لا تطأ على الممتلكات!)، تلك المنازل التي عليها لافتات ممنوع التعدي على ممتلكات الآخرين. للوصول إلى «ساتيلا شورز» من «بويكين ريدج»، كان عليه أيضاً عبور طريق الولايات المتحدة رقم 17، وهو طريق سريع كان لسنوات وبحكم الأمر الواقع حدّاً فاصلاً بين مناطق السود والبيض.
ظل مود يجري لسنوات، لكن ليس هناك اتفاق في الرأي كيف بدأ بممارسة هذه الرياضية. وفقًا لشقيقته «ياسمين» التي كانت يوماً ما عدّاءة طموحة، سألها «مود» مرّة عام 2017 عن عدد الأميال التي قطعتها في اليوم الواحد، وبعد فترة وجيزة بدأ يقوم بذلك هو نفسه. تقول إن ذلك كان طبيعياً بالنسبة لأخيها؛ لأنه أحب الهواء الطلق، وأراد «الترويح» عن نفسه. يؤكد «أكيم» على أن مود استخدم الجري نوعاً من العلاج، لكنّه يعتقد أن دافعه الرئيسي كان الحفاظ على لياقته بعد كرة القدم. هذه النظرية ستحدد التاريخ الذي بدأ فيه بالجري إلى بضع سنوات قبل عام 2017.
ⓘ الخلفيات لماذا جاكسون حريص على معرفة تاريخ علاقة «مود» مع رياضة الجري؟ لأنه أولاً كتب القصة لمجلة متخصصة برياضة الجري، وثانياً لأن علاقة «مود» مع الجري كان استثنائياً، فليس اعتيادياً أن يمارس شاب رياضة الجري خارج الأنشطة الرسمية. الشباب عادة يمارسون الجري لأن المدرب يجبرهم على ذلك. في حالة «مود» كان الأمر مختلفاً، والقارئ يحتاج يفهم هذا لبناء الصورة الأكبر للقصة.
كان «مود» يركض مرتدياً قميصاً أبيضاً وسروالاً قصيرا كاكياً. كان يركض بدون قميص مرتدياً شورت كرة السلة. كان يركض مرتدياً قميصاً من دون أكمام وحذاء كرة سلة. أو كما يلخص «كيم» كان «بمقدرته الجري بأي شكل كان». في بعض الأحيان، أقنع «مود» صاحبه «جي. تي.» الذي «لا يحب الجري بهذه الطريقة»، واثنين آخرين من زملاء الحارة، للذهاب إلى مجمع «نورث جلين كانتري» الترفيهي والركض أميالاً حول البحيرة في المنتزه. في أوقات أخرى، عند عودة «كيم» إلى المنزل من الكلية، كان يتجول هو و«مود» إلى أحد طرفي جسر «سيدني لانيير»، وهو أطول جسر في كل جورجيا، يقومان ببعض تمارين الإحماء، ويمارسان الجري ذهاباً وإياباً عبره، على بعد مسافة أقل بقليل من ثلاثة أميال. الثنائيان كانا يحافظان على وتيرة جري ثابتة. «لكن، في بعض الأحيان كان يدفعني» للجري أسرع، يقول «أكيم».
لا يوجد دليل على أن «مود» كان يتدرب على الجري لعشرات الكيلومترات أو لماراثون كامل أو نصفه، أو كان مهووساً بعدد الأميال التي يقطعها أو مدى سرعته. مع ذلك، من الواضح أنه كان شاباً يحب الجري، وكان بالمقاييس كلها عدّاءً موهوباً. من الواضح أيضاً بالنسبة لي أن القوى نفسها التي حوّلت الجري من هواية وليدة في ولايتي البيضاء إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات، خطّت أيضاً ثقافة كانت في أحسن الأحوال لا ترحب بأمثال «مود»، وفي أسوأها تقيّده.

الأحد 23 فبراير 13:15 | 2020، وفقًا لتقرير الشرطة، قام «جريجوري مكمايكل» بقلب «مود» على ظهره للتحقق ما إذا كان يحمل سلاحاً. قام بتفقده على الرغم من حقيقة أن «مود» لم يُشهر السلاح، أو يطلق الرصاص في أثناء أي جزء من رحلته، ولا حتى عندما حُصِر بين رجلين أبيضين مسلحين ورجل أبيض آخر غير مسلح، لم يعرف «مود» بوجوده خلفه. سيصل ضباط شرطة مقاطعة «جلين» في غضون ثوانٍ من إطلاق النار، وصفارات الإنذار تدوي على طول طريق «ساتيلا درايف». ولكن قبل أن تصل سيارات الشرطة هذه إلى مكان الحادث، فإن «ترافيس ماكمايكل» – وفقًا لتصريح «بريان» للمحققين في مايو – سيطلق على «مود» اسم «ز*ـجي لعـ*ـن».
الجسر الذي استخدمه «مود» و«كيم» للركض، سُمّي باسم شاعر القرن التاسع عشر الكونفدرالي «سيدني لانيير». من الصعب تخيل جورجياً يضاهي «لانيير» في مرتبة الشرف. ليس فقط لأن الجسر سُمّي باسمه، بل هناك أيضاً مقاطعة «لانيير» التي تحمل الاسم نفسه في جنوب جورجيا، وبحيرة «لانيير»، وهي خزان للمياه في شمال جورجيا. بدا «كيم» مندهشاً عندما ذكرت له ارتباطات «لانيير» بالكونفدرالية (ولايات الرقيق)، ما يجعلني أتساءل عن مدى معرفة «مود» بتاريخ موطنه. سواء كان الشباب على دراية بالسيرة التقديسية لـ«لانيير» أم لا (مَنْ يقف لقراءة لوحة على جسر؟) فإن كل جريٍ على هذا الجسر كان إهانة، كان طريقة ماكرة لإذلالهم وإذلال شعبنا. نعم، شعلة «تيكي» التي يحملها العنصريون حليقي الرؤوس تهدد المشهد. لكن ماذا عن جحافل الرجال المتعصبين غير المرئيين ورموزهم التي لا تعد ولا تحصى؟
توفي لانيير في عام 1881، ما يعني قرب نهاية عهد «إعادة الإعمار» وبداية قوانين «جيم كرو» في الفصل العنصري. في عام 1964، بعد بضعة أشهر من إعلان «قانون الحقوق المدنية» الذي مهد للنهاية القانونية لـ«جيم كرو»، قدّم فيلم وثائقي في التلفزيون الوطني التعليمي (وهو السّلف لـ«بي بي إس» بوبليك برودكاستنغ سيرفيس) «برونزويك» بكونها مدينة كانت قادرة على الاندماج دون إراقة الدماء التي سادت في كل مكان آخر في الجنوب. فاز فيلم «ذا كوايت كونفليكت» (النزاع الهادئ) بالعديد من الجوائز وكان سبباً رئيسياً في سمعة «برونزويك» باعتبارها «مدينة جنوبية نموذجية».
ⓘ تاريخ استطاع جاكسون عن طريق البحث على جوجل التعرف أكثر إلى تاريخ المدينة. كان من الضروري التحدث عن هذا التاريخ؛ لأن «أكيم» الذي كان يركض فوق الجسر مع «مود»، لم يكن يعرف شيئًا عن تاريخ الشاعر الذي سُمِّي الجسر باسمه. لا تزال هنالك الكثير من رموز «الكونفدرالية» والعبودية والقمع في أمريكا، والأشخاص السود الذين يمرون من جنبها لا يعرفون عنها شيئاً. فهي مثل وحش غير مرئي، ومن المهم إظهاره للعلن. فالكتابة فعل مقاومة.
في 23 فبراير 2020، خرج شاب للجري فأُعْدِم من دون محاكمة بمقاطعة «جلين»، جورجيا.
ربما لم تكن «برونزويك» مثل نظيراتها من مدن الجنوب في إراقة الدماء، إلا أن دعاة الفصل العنصري لا يزالون يقاومون بشدة. في أحد الأمثلة، تم استدعاء «كو كلاكس كلان» لتهديد السود الذين يحاولون إدماج صالة بولينغ محلية. في مكان آخر، ملأ البِيْض مسبحاً عاماً بالأوساخ لمنع أطفال سود من السباحة. أعلن كثيرٌ من السكان اندهاشهم من مقتل «مود» والتقليل من أهمية العرق. أما أولئك الذين يجادلون بأن روح «سيدني لانيير» وأنصار الفصل العنصري قد ولّت، أو أن «ماكمايكل» الابن ربما لم يقل ما ادّعاه «بريان» في شهادته لدى الشرطة، ثمة أدلة حديثة -بما في ذلك منشورات «ماكمايكل» على الشبكات الاجتماعية التي استشهد بها المحققون- وكمثال آخر، أعيد هنا نشر هذا البوست من فيسبوك كتبه «كريس بوتنام»، زميل دراسة سابق لـ«ترافيس مكمايكل» في المدرسة الثانوية:
«لن أكون أحد زملاء ترافيس مكمايكل الذين جلسوا هنا، ولم ينبسوا ببنت شفة. كان دائماً نموذجاً للمتخلف العنصري المحب للسلاح، وكنا جميعاً نعلم أن شيئًا كهذا سيحدث يوماً. أتذكر كثير من الأشخاص الذين كانوا هم أنفسهم عنصريين على نحو علني للغاية، وكانوا يمزحون كيف أنهم «على الأقل [ليسوا] ترافيس.»

متظاهرون يسيرون في الشارع بعد مثول جريجوري وترافيس مكمايكل أمام المحكمة، وهما المتهمان بمقتل أحمود أربيري في 4 يونيو 2020 في «برونزويك»، جورجيا.
عرّفت «الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين» ذات مرة «الإعدام بدون محاكمة» على أنه حالة وفاة حيث: 1) هناك دليل على مقتل شخص، 2) الوفاة غير قانونية، 3) شاركت مجموعة من ثلاثة أشخاص على الأقل في القتل. وفقًا لـتقرير «الإعدام بدون محاكمة في أميركا»، الذي صدر عن «مبادرة العدالة المتكافئة»، كان هناك 4084 حالة إعدام خارج نطاق القانون في الولايات الجنوبية بين عامي 1877 و1950. من أصل 594 عملية إعدام بدون محاكمة قانونية تم الإبلاغ عنها في جورجيا خلال تلك الفترة – وهي واحدة من أربع ولايات فقط لم تصدر بعد قانوناً بشأن جرائم الكراهية- ثلاث عمليات وقعت في مقاطعة «جلين».
بين عامي 1920 و1938، رفع مقر «الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين» في نيويورك علماً أعلن «مقتل رجل بدون محاكمة قانونية أمس» للإشارة إلى جريمة قتل تناسب معاييرهم.
أُعدِم اليوم صبيٌ دون محاكمة: لأنه سار مغطى الرأس في الشارع، ورفض أمر حارس الحي المتحمس. أُعدِم اليوم رجلٌ دون محاكمة: لأنه كان يبيع السجائر المفردة [وليس العلبة] خارج محل بقالة. أُعدِم اليوم مراهقٌ بدون محاكمة: بسبب نزاع حول سجائر «السيجارلو». أُعدِم اليوم طفلٌ دون محاكمة: لحمله لعبة خارج مركز للأنشطة الترفيهية. أُعدِم اليوم رجلٌ دون محاكمة؛ بسبب تجاوزه إشارة وقوف مرورية، ولم يكن يحمل سلاحاً. بسبب بيع الأقراص المدمجة خارج المتجر. بسبب تصريحه بأنه يحمل سلاحاً مرخصاً ومحاولته إخراج الرخصة. أُعدِمت اليوم امرأة من دون محاكمة؛ لأنها كانت نائمة. واليوم أُعدِم رجل آخر بدون محاكمة: للاشتباه بمحاولته الشراء بـ$20 مزورة. مـ ـ ـوـ ت! في فلوريدا، نيويورك، ميسوري، أوهايو، ساوث كارولينا، لويزيانا، مينيسوتا، كنتاكي، ومرة أخرى في مينيسوتا.
ⓘ لماذا لم يذكر أسماء كل هؤلاء؟ أراد جاكسون ألا تطغى قصة أخرى على قصة «مود» ومنحه المكانة اللائقة به، وسرد قصته الحقيقية. مع ذلك، لم يكن ممكناً تجاهل الأرواح الكثيرة؛ لأنهم فقط من السود. وثمة ملمح قوي آخر هنا: فجاكسون يقول للقارئ: لا أحتاج أن أخبرك بأسمائهم، فأنت تعرفهم جيداً، أنهم في كل مكان.

الأحد 23 فبراير 13:16 | 2020، «شخصان على طريق هولمز. إطلاق أعيرة نارية. رجل على الأرض، ينزف بغزارة،» يقول ضابط الشرطة عبر جهاز اللاسلكي. يلفظ «مود» أنفاسه الأخيرة بالقرب من تقاطع طريق «هولمز» و«ساتيلا درايف»، على بعد 300 ياردة فقط من المكان الذي تجول فيه قبل 10 دقائق، ودخل موقع بناء. سيطوّق الضباط المكان ويبدأان التحقيق. سيستجوبون «مكمايكل» الأب والابن -يدا «جريجوري» ملطختان بالدماء بسبب قلب «مود» على ظهره- و«ويليام بريان». وفي فعل يمثل بحد ذاته ممارسة عنف آخر، سيتركون الثلاثة يمضون في حال سبيلهم كرجال أحرار لمدة ثلاثة أشهر تقريباً.
ⓘ كم مرةً أُعيد تحرير القصة ومراجعتها؟ رغم شهرة جاكسون بكونه روائياً حائزاً على جوائز مرموقة، إلا أن المراجعة وإعادة التحرير لا تعرفان الشهرة؛ لا بل هما سبب الشهرة. هيكلية القصة من بداياتها كانت قصة داخل قصة، ولم يتغير ذلك. المشهد الافتتاحي والمشهد الختامي ظلا في مكانيهما، ما تبقى أعيد تحريره مراراً بنقل هذا المقطع إلى هناك، وإضافة معلومة إلى هنا، وتشذيب النص هنا وهناك.
في 23 فبراير/شباط 2020، أعدِم شاب خرج للجري في مقاطعة «جلين» بولاية جورجيا.
كان اسمه أحمود ماركيز أربيري، كان يُدعى «كويز» من قبل محبيه، و«مود» من قبل معظم الناس الآخرين. وأريدك أن تعرف أن «مود» كان لديه موهبة في ترك الانطباعات الجيدة ولديه موهبة خاصة في تقليد «مارتن لورانس». أريدك أن تعرف أن «مود» كان مولعاً بالحلويات، وكان يطلب كعكة «الفَدْج» من والدته في حفلات أعياد الميلاد، وغالباً كان يشارك الكعكة مع أخته الكبرى. أريدك أن تعرف أن «مود» كان يوقع البطاقات التي يشتريها لوالدته باسم «الطفل المدلل». أريدك أن تعرف أن «مود» وشقيقه كانا يرتديان الخوذات التي يستخدمانها في لعبة سيارات «الكارتينج»، ويلعبان بحذر على «الترامبولين»، وأنه لم يخذل قطّ شقيقه الأكبر. أريدك أن تعرف أن «مود» هرس خنصره وهو يلعب بالطوق في المدرسة الثانوية وبدلاً من معالجة الإصبع كما نصحت «ياسمين»، تركه يُشْفى من تلقاء ذاته- وظل ملتوياً للأبد. أريدك أن تعرف أن «مود» لم يكن يتأفف كلما بدأ شيئاً جديداً، وعندما يتأفف الآخرون، كان يوبخهم قائلاً «لا تبتئس يا رجل. افعل ما عليك فعله للتعامل مع الأمر». أريدك أن تعرف ما أخبرتني به «شينيس» عن «مود» أنه في بعض الأحيان كان يسجل حديثهما ليتمكن من الاستماع إلى صوتها عندما تكون بعيدة عنه. ما ينبغي أن تعرفه عن «مود» هو أنه كان يعشق طفلي أخيه «ماركوس الثالث» و«ميكا أربيري»، وأنه عندما كانا طفلين، كان يأخذهما في نزهات طويلة في العربة إلى أن يهدآ. ما ينبغي أن تعرفه عن «مود» أن «ياسمين» عندما سألتها صديقة في الجامعة بأي والديها ستتصل أولاً إذا ألمّت بها مشكلة، قالت إنها ستتصل به وليس بوالديها. أريدك أن تعرف أن «مود» كان متذوقّاً شغوفاً بساندويتش «ماك تشيكن» بالجبن. أريدك أن تعرف أن «مود» و«كيم» كانا قريبين جداً لدرجة أن الصدف شاءت أن كليهما كسر قدمه في اليوم اللعين ذاته في حادثتين منفصلتين في أثناء رفع الأثقال، وأن «مود» كان يمازح بشأن ذلك عندما كانا يتعالجان في غرفة المدرب. ينبغي أن تعلم أن «مود» كان يحلم بالعمل كهربائياً وامتلاك شركة إنشاءات. ينبغي أن تعلم أن «مود» كان يتحدث كثيراً عن رغبته في أن يصبح زوجاً وأباً عظيماً. ينبغي أن تعلم أنه كان سيخبر أولاده أن يشتروا جميعاً قطعة أرض شاسعة، وأن يبنوا عليها منازلهم، وأن يعيشوا مع عائلاتهم في مجمع مسوّر. ينبغي أن تعلم أن «مود» لم يسافر قط على متن طائرة، مع أنه سافر في رحلات إلى جامايكا واليابان وأفريقيا. ما يجب أن تعرفه عن «مود» أنه عندما طارده «ترافيس مكمايكل»، «وجريجوري مكمايكل»، و«ويليام رودي بريان» وقتلوه قبل أقل من ثلاثة أشهر من عيد ميلاده السادس والعشرين، ترك وراءه والدته «واندا»، ووالده «ماركوس»، وشقيقه «باكّ»، وشقيقته «ياسمين»، وجدته من ناحية أمه «إيلا»، وأبناء أخيه، وستة أعمام، و10 عمات، ومجموعة من أبناء عمومته، وأن حياتهم جميعاً ستكون أفقر بما لا يقبل الجدال، وما لا يمكن تخيله، وما لا رجعة فيه، بسبب غيابه.
ⓘ تكرار الصدارة هذا المقطع أروع مقطع في القصة، استخدم فيه جاكسون إيقاعاً بلا هوادة: أريدك أن تعرف.. ينبغي أن تعلم.. يجب أن تعرف.. مستخدماً تكرار صدارة الجملة، ما يذكر بالنصوص الدينية والكتاب المقدس. يكرر الصدارة ليبني نمطاً، ثم يكسره بنمط جديد. وأيضاً هذا الانتقال من أريد، ينبغي، يجب.. إذ تزداد كثافة المعنى وأهميته كلما تقدم المقطع نحو نهايته. ثم بهاء الجملة الأخيرة باستخدام «ما لا» : «وأن حياتهم جميعاً ستكون أفقر بما لا يقبل الجدال، وما لا يمكن تخيله، وما لا رجعة فيه، بسبب غيابه.»
كان «أحمود ماركيز أربيري» أكثر من مجرد انتشار مقطع فيديو. كان أكثر من هاشتاج أو اسم على قائمة الضحايا المأساويين. كان أكثر من تقرير أو مقال أو تأبين. كان أكثر من عنوان، أو افتتاحية، أو حزمة أخبار، أو تغطية خبرية. كان أكثر من إعادة تغريد أو مشاركة منشور. كان، بلا جدال، أكثر من الـ«لايكات» أو إيموجي تذرف الدمع، أو على شكل قلب أو أيادٍ تتهدج بالصلاة. كان أكثر من صورة على تيشيرت أو لافتة. كان أكثر من تشريح للجثة، أو سجل للتحقيق، أو تقرير للشرطة، أو جلسة استماع مباشرة. إنه، بكل تأكيد، أكثر من سورة غضب سريعة الزوال من صديقك الليبرالي الأبيض. كان أكبر من رمز، أكبر من حركة، أكبر من قضية. كان.. محبـوباً.
ⓘ كان.. محبوباً في نهاية المقطع يستخدم جاكسون جملة استلهمها من رواية توني موريسون «نشيد سليمان» وتُرجمت للعربية بعنوان «أغنية سليمان»: كان محبوباً. لكن جاكسون تلاعب بعلامات الترقيم واستخدام الحروف المائلة على الشكل التالي: He. Was. Loved. فأهم فكرة في نهاية الأمر هي أن هذا الشاب كان «محبوباً».

طريق «ساتيلا درايف» حيث قتل أحمود أربيري في «برونزويك»، جورجيا.
تمكن بعض هؤلاء الأحباء من مشاهدة «مود» يلعب المباراة الأخيرة في موسمه الأول، وهي مباراة خارج ملعبه في مدرسة «ليكسايد إيفانز» الثانوية. في غرفة خلع الملابس، يقدم المدرب حديثاً حماسياً يثير الهمم، و«مود» الذي يرتدي جوارب طويلة زرقاء بألوان مدرسته وشريط معصم أبيض متلألئاً، يقود الفريق في ترتيلة ما قبل المباراة. يصيح: «أنتم جميعاً لستم جاهزين». «شـييييييت،» يصيحون، ثم يهيمون على وجوههم خارج غرفة خلع الملابس، المسامير السفلى لأحذيتهم تصدر القرقعة على الأرضية الخراسانية، وإلى أرضية الملعب. مود كابتن الفريق، يختال متجهاً إلى خط 50 ياردة للمشاركة في القرعة.
ⓘ لماذا أنهى القصة بمشهد ختامي عن مباراة أيضاً؟ لأن كرة القدم كانت حب حياة «مود»، ولأن جاكسون أراد لقصته أن تكون على شكل دائرة كاملة (بدأ بمباراة وأنهى بالمباراة ذاتها)، ليس لها بداية أو نهاية؛ دائرة جهنمية من قتل وإعادة قتل إلى ما لا نهاية. وساعده على ذلك أن هذه المباراة الأخيرة كان مغطاة إعلامياً، ومن ثم كان هنالك معلومات كافية عنها. وثمة ملمح مهم آخر، أن نهاية مسيرة مود مع كرة القدم كانت في هذه المباراة. ومنذ ذلك الحين بدأت الأقدار تفعل فعلها إلى أن انتهت بمقتله.
نادراً ما ينهي رياضي الموسم بفوز. «مود» الذي سيمكّن الفريق من الحصول على جائزة قطع معظم الكرات من الخصم في ذلك الموسم، يتألق في جميع أنحاء الملعب، ويوقف الهجمة بعد الأخرى، مع ذلك «قراصنتـ»ـه يرتكبون أربعة ارتدادات في الشوط الأول، ويتخلفون عن الفريق الخصم بـ 20 نقطة. لكن الفريق – وسط الهتافات- ينجح في استجماع قواه في الشوط الثاني، ويحوز على أكبر فرصة واعدة عندما يقطع «مود» الكرة في منتصف الربع الرابع، وينطلق في خط متعرج هنا، ويناور هناك، ويهاجم منتصف الملعب، والريح تصفر عبر خوذته، ورشاقة ساقيه تدفعه إلى خط الـ 50، الـ 40، الـ 30، وآااه بات قريباً جداً، لكن لم ينجح في الوصول إلى خط النهاية.
لم يسجل «القراصنة» نقاطاً في الهجمات السابقة. يخسرون المباراة ويغيبون عن التصفيات لأول مرة منذ نصف عقد. بينما يحتفل خصمهم، ويعتصر المعجبون طريقهم للخروج من المدرجات، يتحلّق «مود» وبعض زملائه في دائرة في منتصف الملعب. هناك، يقفون يداً بيد، بقع العشب تلطخ لباسهم الضيق، والدموع تسيل فوق الشرائط السوداء أسفل جفونهم. الفتيان الذين سيصبحون قريبا شباناً، يندبون حداداً على خسارة نهاية الموسم، فتيان في مخاض الشباب يتفجعون على النهاية الأبدية لموسم كرة القدم. كان بإمكان «مود» أن يلجأ إلى موهبته في الفكاهة للتخفيف عنهم، لكنه هذه المرة يمتنع ويسلّم بمدى ثقل الموقف. نعم، سيستمر بعضهم باللعب في الكلية. آخرون سيذهبون في الواقع إلى الكلية طلاباً فقط. وبالتأكيد، سيتخلى البعض عن الجامعة تماماً، وينخرط في دوّامة العمل. ولكن ها هي الحقيقة، الحقيقة الكاملة، فليساعدني الرب: تحت هذا البريق الأخير لأضواء ليلة الجمعة، لا «مود» ولا أي من زملائه الآخرين يعلمون على وجه اليقين ما يخبئه لهم المستقبل.
ⓘ الجملة الأخيرة مجدداً، الجملة الأخيرة تشير إلى نقطة البداية، والشكل الدائري للقصة، فلا أحد يعلم من سيكون الآتي في سلسلة جرائم القتل العنصرية.
مَنْ هو ميتشل جاكسون؟
هو كاتب وروائي أمريكي، وحظيت روايته The Residue Years بإشادة نقدية واسعة. وقد فاز جاكسون عن روايته بجائزة وايتنغ Whiting Award. كما فازت بجائزة إرنست ج. جينز The Ernest J. Gaines Prize للتميز الأدبي وكانت من ضمن الروايات المرشحة لجائزة فلاهيرتي-دونان لأفضل أول عمل روائي The Center for Fiction Flaherty-Dunnan First Novel Prize، وجائزة بين – همنجواي PEN / Hemingway Award لأول عمل روائي، وجائزة هورستون / رايت Hurston / Wright Legacy Award. وتشمل تكريمات جاكسون زمالات ومنح وجوائز من كرييتيف كابيتال، ومركز كلمان لمكتبة نيويورك العامة، ومؤسسة لانان، ومؤسسة فورد، و«بين أمريكا»، وتيد، ومؤسسة نيويورك للفنون، ومركز الخيال.
وسُلِّطت الأضواء على كتابات جاكسون في نيويورك تايمز، وتايم، وإسكوير، وماري كلير، إضافة إلى ذلك في النيويوركر، وهاربرز، ونيويورك تايمز، والمجلة الباريسية، والجارديان، ومجلة واشنطن بوست، وهاربرز بازار، وأمكنة أخرى. نُشر كتابه غير الروائي Survival Math: Notes on an All-American Family في عام 2019 واُختير بوصفه أفضل كتاب للعام في NPR، تايم، المجلة الباريسية، ذا روت، كيركس ريفيوز، وبازفيد.
قدم جاكسون محاضرات وخطباً رئيسية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مؤتمر تيد السنوي، ومهرجان أوبود (بالي) للكتاب والقراء، ومهرجان سيدني للكتاب، بالإضافة إلى مؤسسات مرموقة مثل جامعة ييل، وجامعة براون، وجامعة كورنيل، وجامعة كولومبيا.
لكونه سجيناً سابقاً، يعمل جاكسون أيضًا كمدافع عن العدالة الاجتماعية ويشارك في التوعية في السجون ومرافق الشباب في الولايات المتحدة وخارجها.
٤/١٢/٢٤
خرج من منزله، ولم يعد
رشاد عبد القادر
قصة تدور أحداثها في ديسمبر 2024، توثق سقوط حلب والتحالفات المتشابكة التي شكلت مصير المدينة. في قلب هذا الفوضى، يقف مقاتل حرية مسنّ، كان يأمل أن يتجاوز معارك الماضي، لكنه دفع الثمن الأغلى عندما طرقت الحرب بابه مجدداً.

١٢/٤/٢٤
اللعبة التي علمتني سرد القصة
نحن نتابع الأخبار لنتعرف على الوقائع، ونحصل على المعلومات، لكننا ننجر إلى القصص المرة تلو المرة؛ لأننا نحتاج إلى معرفة ما يعنيه تموضعنا داخل تلك الوقائع والمعلومات.

٥/٣/٢٤
هل يمكن أن تنقرض الصحافة؟
التهديدات الوجودية التي تواجهها الصحافة، تفوق ما قد يتسع له فيلم رعب ذي ميزانية كبيرة. حقاً، لطالما كان الأمر كذلك.

٢٦/٩/٢٢
ترتيب الكلمات في الجملة
لم يحظَ نظام الجملة العربية بالدراسة الكافية لدى نحاة «عصور الاحتجاج» الذين أرسوا قواعد اللغة. فلا تجد بين كتبهم الكثيرة، كتاباً عن الجملة العربية، أو حتى فصول من كتاب.

٨/٩/٢٢
بناء الجملة في اللغة العربية
«العربية» تطوّرت بخصائصها في الإيجاز كلّما وجدت إليه سبيلا. لذلك قالت العرب «خَيْرُ الكلام ما قِلّ ودَلّ»، فمتى ما أمكن أن يكون الكلامُ جملةً واحدة، كانَ أَوْلَى من جعله جملتين «من غير فائدة».

٥/٩/٢٢
غاية اللغة الوضوح
متعة القراءة ليست في الوصول إلى ما تقوله الجملة لفظاً، إنما في استكشاف ديناميكيات التفاعل بين مكوّناتها

٢٢/٨/٢٢
مرونة «العربية».. لوثة لغة الصحافة
في العربية تجد التقديم والتأخير والإضمار والتقدير والحذف، وأن حرفاً واحداً يحلّ محل جملة بأكملها، وأن الزمن «مطّاط» فيمكن لصيغة المضارع أن تشير إلى الزمن الماضي أو العكس.

٣٠/١٢/٢١
نعم، لم يكن عادياً
طوّرنا نحن البشر القدرة على خلق القصص والإيمان بها. طوّرناها لأن السرد يستطيع تجاوز «هنا، الآن» من خلال تعريف الأفراد بمواقف تتجاوز تجاربهم اليومية.

٢١/٥/٢١
دع الكلمات والجمل تتصادم
المعنى يتوالد في التصادم بين الجمل، وليس كما تعتقد بأنه فكرة في دماغك يمكنك إيصالها عبر «وعاء» يسمى الجملة.

١٤/٥/٢١
الجُمَل.. ممثلون يؤدون الدور ويغادرون خشبة المسرح
لماذا التركيز على الجمل وليس الخبر أو القصة ككل؟ لأن عملك ككاتب هو بناء الجمل؛ معظم وقتك ستقضيه في إنشاء الجمل في عقلك، ألم يخبروك بذلك؟ هذه هي حياة الكاتب.

١٢/٥/٢١
الكتابة تجعلك إنساناً
الكاتب يستخدم كل شيء. يستخدم خياله، وغريزته، وعقله، وحواسه، وخبراته، وعلاقاته، وكلماته، وكل قصة تشرّبها منذ طفولته. قد تكون الكتابة عندك مهنة أو هواية أو ربما طموحاً. ولا يهم الطريق الذي تختاره، فبكل الأحوال الكتابة ستجعلك تعرف أكثر وتشعر أكثر. الكتابة ستعظِّم الإنسان بداخلك وتكثّفه.

٦/٥/٢١
الصقور الحوّامة..
اكتب كي تفاجئ نفسك حتى وإن كانت المفاجأة سيئة. «لديك الحرية. لديك الخيار. استخدمه. شجّع الآخرين على النزول عن غصن الشجرة. استثمر بعض الوقت والاهتمام للنظر فيما أنت ذاهب إليه. ولكن بعد ذلك انزلق. تحسّس تيار الهواء الصاعد. وحلّق».

٣/٥/٢١
تمرين في اللغة
الكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة. والجملة الواضحة ليست من قبيل المصادفة، إذ نادراً ما تأتي من المحاولة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة. إذا وجدت الكتابة صعبة، تذكّر هذا في لحظات اليأس: ذلك لأنها بالفعل صعبة.

٣٠/٤/٢١
الأفعال.. تلك القوة المهدورة صحافياً
الصحافة أساساً تدور حول الأفعال. وقوة الأفعال في أنها مرتبطة بزمن له بداية ونهاية، وبها حركة من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»؛ ما يضفي الأكشن (أو التشويق إذا أردت) إلى السرد في النص. استبدال الأفعال بصيغة المصدر ينزع عن السرد دسمه.

٢٥/٤/٢١
للعالقين في منتصف السُّلَّم.. ثمة مَخْرج
أن تكون كاتباً جيداً عليك صعود سُلَّم اللغة وهبوطه باستمرار؛ إياك الوقوف في منتصفه للرقص. في أعلى السُّلَّم اللغة مجرّدة كالحرية والمعرفة، وفي أسفله اللغة مادية مرتبطة بالحواس كالشجرة والصخرة.

٢٢/٤/٢١
البساطة مفتاح الصحافة الجيدة، لكن ليس دائماً
الكلمة البسيطة والجملة القصيرة والتركيب اللغوي الواضح لا غنى عنها في الموضوعات المعقدة والمبهمة والغريبة، لجعلها مفهومة بل و”مألوفة” عبر قوة الشرح. ولا أريد التحدث عنها اليوم. ما يأسرني أكثر أن الصحافي الجيد يستطيع أيضاً أن يجعلَ البسيطَ «معقداً»، ويترك أثراً جيداً لدى القارئ.

٢١/٤/٢١
صحافة «قال وأضاف».. لديك خيارات أكثر من ذلك
التقارير توصل المعلومات، القصص تخلق التجربةَ. التقارير تنقل المعرفة، القصص تنقل القارئ نفسه، عابرةً الزمان والمكان. التقارير تدلّنا على الحدث، بينما القصص تضعنا داخل الحدث.

٢٠/٤/٢١
علامات الترقيم.. إيضاح وإثارة
أما وقد تحدثتُ عن الجَوْر الذي لحق بـ”الجملة الطويلة” وما أثاره من “غيرة” المدافعين عن ميراث استخدام الجملة القصيرة في الراديو أو التلفزيون، أجدها فرصة مناسبة لتناول علامات الترقيم التي ترسم بداية الجملة ونهايتها وتضبط إيقاعها ومساحتها، وكثيراً ما يُساء فهمها واستخدامها.

١٨/٤/٢١
لا تخشَ الجملة الطويلة
الطول سيجعل الجملة السيئة أكثر سوءاً، لكنه سيجعل الجملة الجيدة أكثر بهاءً. نصائح لاستخدام الجملة الطويلة بذكاء في الكتابة.

١٦/٤/٢١
طريق الإقناع معبّد بالتفاصيل
وصف الروائي جوزيف كونراد Joseph Conrad ذات مرة مهمته في الكتابة قائلاً: “بقوة الكلمة المكتوبة، أريد أن أجعلك تسمع وتشعر، وقبل كل شيء أن أريد أن أجعلك ترى”.

٢/٤/٢١
في لعنة المعرفة
صحافياً، تعني “لعنة المعرفة” عدم قدرة الصحافي على استيعاب أن القارئ لا يمتلك المعارف التي يمتلكها هو نفسه. والمشكلة تنبع أساساً من أن المرء كلما عرف شيئاً نسي الصعوبات التي واجهته في معرفة ذلك الشيء.

٢٥/١٠/٢٠
كيف تكون مكتشفاً للمشاكل؟
الطلب في سوق العمل لن يكون على الذين يحلون المشاكل، بل على مكتشفي المشاكل. حل المشاكل سيكون مهمة سهلة ووظيفة الذكاء الاصطناعي.

٢٦/٧/٢٠
الفضول والألفة في الصحافة
البشر كائنات معقدة؛ فهم فضوليون ومحافظون؛ متعطشون لأشياء جديدة ومنحازون للأشياء المألوفة. والألفة، كما يقول صاحب كتاب Hit Makers ليست النهاية. إنها مجرد بداية فقط.

٢١/٧/٢٠
في مديح الثقة
إن المبدأ الأول للصحافة – سعيها غير المتحيز نحو الحقيقة – هو في نهاية المطاف ما يميز الصحافة عن أشكال الاتصال الأخرى. فالحقيقة ليست كاملة أبداً، إنما في طور التشكل دائماً مع كل قصة جديدة.

٢٢/٦/٢٠
لسنا وحدنا.. فالعالم مثلنا أيضاً
أنت كفرد تتوهم أنك تعرف أكثر مما كان يعرفه صياد قبل آلاف الأعوام، لكن الحقيقة أن معارفك بحاجياتك في عالمك أقل بكثير من معارفه بحاجياته في عالمه. فنحن في عالمنا المعاصر نعتمد على خبرات الآخرين في تلبية جميع احتياجاتنا تقريباً.

١٨/٦/٢٠
نحتاج إلى 3 بالمئة فقط لإحداث التغيير
عند كل مفترق حضاري، كان هنالك شخص مختلف، يفكر بطريقة مختلفة، ويريد إنجاز شيء مختلف، فيُحدِث التغيير الذي سينحدر في النهاية إلى نقطة الصفر، ولكي يستمر التطور سيحتاج إلى تغيير آخر!

١١/٦/٢٠
لا يكفي أن تكون صحفياً
أولئك الذين يعزفون على أحد الآلات الموسيقية، يعلمون تلك المساحات المحسوبة بدقة هندسية متناهية بين العلامة الموسيقية ونصف العلامة وربع العلامة. والصحفي الجيد مثل العازف الجيد، عليه أن يعرف أين يضع إصبعه.

-
أرض الكُرد

أرض الكُرد
في مخطوطات ألف عام
كيف دارت الدنيا بهم وتحوّلوا من «الحصن المنيع» إلى غير مرغوب فيهم
رشاد عبد القادر

كيف بدأ كل شيء؟
هذا مشهد يوم عادي في حياة مدينة «بدليس» ولّده الذكاء الاصطناعي بناء على وصف أوليا جلبي، الرحالة والمستكشف العثماني، في كتابه «سياحت نامه» الذي تُرجم إلى العربية بعنوان «رحلة أوليا جلبي في كردستان». وقد زار «بدليس» نحو عام 1670، وقال على مدار 55 صفحة إنها ملاذ للثقافة والحضارة.. تتمتع بحدائق غنّاء ونوافير وحمامات عامة، وحاكمها المثقف والمتعدد المواهب يشبه أمير «عصر النهضة» العثماني، ويمتلك أعيانها أشياء فاخرة مثل فراء السمّور.
قبل رحلة أوليا جلبي، كان أمير المدينة؛ إدريس البدليسي الذي توفي عام 1520، قد تعاون مع السلطان سليم الأول، واستمال الزعماء الكُرد للوقوف إلى جانب العثمانيين، وطرد الصفويين من «ديار بكر» عام 1514. ومن شدة حماسه للعثمانيين، ألّف للسلطان بايزيد الثاني عام 1512، كتاب «هشتبهشت» أو «الجنان الثمانية» (وهو بالأصل تعبير فارسي من عهد الساسانيين عن نمط معماري في البناء)، يؤرخ تاريخ 8 حكام من آل عثمان إبان صعود الصفويين في الشرق وتوسُّع العثمانيين في البلقان، ويقلل في كتابه من أهمية الأصول التركية (غير المرغوب فيها حينه) للعثمانيين، ويعيد تصويرهم على أنهم ورثة الإمبراطورية الرومانية، وأتباع الإسكندر الأكبر الحقيقيون. ولتحقيق ذلك كله، استند إلى قصص توراتية وقرآنية وغيرها، لخلق أسطورة لآل عثمان لا تمت بصلة إلى أصل سلالتهم.

صورة متخيلة للسلطان سليم الأول والأمير إدريس البدليسي
البدليسي الذي عدّ مدينته «عاصمة حكومة كردستان»، بسكانها الكُرد والأرمن والعرب، لم يكن يعلم أنه خلال 400 سنة قادمة ستتحول «كردستانـ»ـه من «حصن منيع» لحماية العثمانيين على حد تعبير السلطان سليمان القانوني (سنأتي إلى تفصيل ذلك)، إلى غير مرغوب في ذكرها.
هذا التحوّل الذي انتبه له منذ بداياته الشاعر الكردي أحمد خاني عام 1694، عندما اختار أن يبدأ قصيدته ليس بمدح الحكّام كما كان سائداً، بل بالحديث عن «استعباد» الكرد من قبل العثمانيين والصفويين، و«احتلال» كردستان، ما يعد بحق مؤسس «القومية» الكردية.

صورة متخيلة للشاعر أحمد خاني
يقول في قصيدته:
Her mîrekî wan bi ezel Hatem
[كل سيّد فيهم كأنه حاتم في السخاء]
Her mêrekî wan bi rezmê Ristem
[كل رجل فيهم كأنه رستم في القتال]
Bi’fkir ji Erab heta ve Gurcan
[انظر، من العرب إلى الجورجيين]
Kurmancîye bûye şibhê bircan
[أصبح الكرد كالأبراج الشاهقة]
Ev Rûm û Ecem bi wan hesar in
[يحيطون بالروم (الترك) والعجم (الفرس)]
Kurmanc hemî li çar kenar in
[وينتشرون في الجهات الأربع]
Herdu terefan qebîlê Kurmanc
[الطرفان جعلا القبائل الكردية]
Bo tîrê qeza kirine amanc.
[أهدافاً لسهام القدر]
Goya ku li serḧedan kilîdin
[يُقال إنهم مفاتيح للحدود]
Her taʿife seddekin sedîdin
[كل قبيلة حصن حصين]
Ev qulzimê Rûm û Beḧrê Tacîk
[بحر الروم (الترك) وبحر الطاجيك (الفرس)]
Hindê ko dikin xirûc û teḧrîk
[كلما هاج وماج]
Kurmanc dibin bi xûn milettex
[يغرق الكرد في الدماء]
Van jêk vedikin misalê berzex
[يفصلون فيما بينهم (الترك والفرس) مثل البرزخ]
Ger dê hebûya me ittifaqek
[لو اتفقنا فيما بيننا]
Vêk ra bikira me inqiyadek
[لو اعتمدنا على بعضنا البعض]
Rûm û Ereb û Ecem temamî
[لأصبح الروم والعرب والعجم]
Hemiyan ji me ra dikir xulamî.
[جميعاً في خدمتنا]
مضت 330 سنة على قصيدة خاني، وتفرقت الطرق بالكُرد أكثر؛ لأنهم -كما تنبأ- لم يتفقوا فيما بينهم، حتى إن مفهوم «كردستان» الذي لا بُدّ منه، لم يتمكنوا من تأصيله. فالقيادات منشغلة بالمناصب أكثر من انشغالها بالمفاهيم.
في إهداء إلى «لورنزو دي ميديشي»، حاكم «فلورنسا»، يقول نيكولو مكيافيلي في افتتاحية كتابه «الأمير» إن السياسة تشبه الفن من نواحٍ عديدة. فمثلما ينزل رسّام الطبيعية إلى الوديان والسهول ليتمكن من رسم الجبال، ثم يصعد الجبال ليتمكن من رسم الوديان والسهول، كذلك الحاكم عليه أن يكون أميراً حتى يفهم طبيعة الشعب، وعليه أن يكون واحداً من الشعب حتى يفهم طبيعة الأمراء.
مكيافيلي الذي سيصبح كتابه مرجعاً للكثير من قادة العالم، ولا تخلو منه مناهج العلوم السياسية في الجامعات الغربية، طاردته سمعة سيئة ذائعة الصيت بأن «الغاية تبرر الوسيلة»، مع أن الرجل في الواقع تناول الأشخاص كما هم، وليس كما يجب أن يكونوا عليه. وقد عاش في الفترة ذاتها التي عاش فيها إدريس البدليسي في «الوديان والسهول» وعينه على منصب الإمارة، وكان لديه الخيار أن يصعد «الجبل»، ويصبح «أميراً» ليرى أبعد مما كان محكوماً به في زمانه. لكنه لم يفعل.
فما هي «كردستان» إذاً؟ ولماذا تغيّرت صورتها على مرّ التاريخ في الأدبيات التركية؟ وكيف انتقلت جغرافيتها من مساحة شاسعة، إلى مطالبات محدودة هنا وهناك؟ كيف نشأ مفهوم «كردستان»، وكيف تحوّل عبر الزمن في المخيال التركي، ومخيال الشعوب المحيطة بها؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه بالاستناد(1) إلى المخطوطات وما كتبه المتخصص بالشأن الكردي في العهد العثماني متين أتماجا، البروفيسور المساعد في كلية أنقرة للعلوم الاجتماعية، وكثير من المصادر الأخرى تُذكر في حينها.

صورة متخيلة للكرد في القرن الحادي عشر

صورة متخيلة لمعركة بين السلاجقة والعجم في القرن الحادي عشر
كانت «كردستان»، على مرّ القرون، «مفهوماً» أكثر من كونها بقعة جغرافية واضحة الحدود. فـ«كردستان» شأنها شأن أي «جغرافيا سياسية»، بناءٌ اجتماعي وتاريخي؛ حدودها الجغرافية، ومعالمها الحضرية ومراكزها المدنية، وحتى سكانها، لم تكن ثابتة، إنما تتغير باستمرار، بحسب موازين القوى، وسلطة الحكام.
لكن قبل الدخول إلى الجغرافيا السياسية للكرد في التاريخ، نحتاج بداية أن نفهم كيف كانت تنظر الإمبراطورية العثمانية إلى نفسها وإلى حدودها، وهي التي كانت تجاور الكرد وتبسط عليهم سيطرتها لقرون طويلة.
العثمانيون الروم والفرس العجم
رسم العثمانيون هويتهم بناء على علاقاتهم مع الإيرانيين (العجم) من جهة والأوروبيين (الفرنجة) من جهة أخرى. وقد تبنوا التصور الروماني الذي ورثوه عن الإمبراطورية البيزنطية. ووسّع العثمانيون هذا المفهوم ليُدرجوا أنفسهم داخله على أنهم «روم» Rums أو «رومان» Romans، خاصة بالمقارنة مع صور الإيرانيين العجم وتصويرهم في الأدب والسياسة والجغرافيا، بحسب ما يشرحه(2) المؤرخ التركي جمال كافادار، بروفيسور الدراسات التركية في قسم التاريخ بجامعة هارفارد الأمريكية. إبّان فترات النزاع، كان يُستخدم جنس «الروم» و«العجم» معًا، وفي مقابلة ثنائية، غالبًا في الشعر، وكذلك في النصوص الدينية والسياسية. ومن ثم، تشكّل في الذهنية العثمانية المبكرة، عالمين منفصلين، لكنهما متجاوران لا من الناحية الجغرافية فحسب، بل من الناحية الثقافية أيضًا. لم يكن هناك اتفاق حول الحدود الجغرافية الدقيقة لهذين العالمين. وتفاقم عدم الاتفاق هذا، بحسب ما يذهب إليه متين أتماجا(3)؛ بسبب الحقيقة التاريخية المتمثلة في أن معظم الأراضي الواقعة بين العثمانيين (الروم) والصفويين (العجم) كانت مأهولة بالكرد في المقام الأول، بالإضافة إلى مجموعات عرقية ودينية أخرى.

متين أتماجا
وبسبب اختلاف الرؤية حول الحدود الجغرافية بين هاتين الدولتين وغموضها، أشار إليها العثمانيون والإيرانيون حرفياً باسم «سَرْحد» (وتعني الحدود، أو الأراضي الحدودية)، وظلت هذه المنطقة «أراض مجهولة»، من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. ومن ثم، كان تخيّل «كردستان» مبهمًا تاريخيًا؛ بسبب موقعها على حدود إمبراطوريتين قويتين؛ ولم يبدأ هذا الأمر بالتغير إلا في القرن التاسع عشر مع إعادة تعريف المكان والمعنى مع وصول الحداثة إلى المنطقة.
صورة متخيلة للكرد القرن الحادي عشر

صورة متخيلة للسلطان السلجوقي أحمد سنجر

صورة متخيلة للطقوس الشامانية

صورة متخيلة لتيمورلنك

صورة متخيلة لابن فضل الله العمري
أراضي الكرد في العصور الوسطى
استخدمت المصادر العربية في القرون الوسطى من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر، ثلاثة تصنيفات لأسماء المواقع الجغرافية، أو أسماء الأراضي التي سكنها الكرد. أحدها يشير إليها باسم «بلاد الأكراد»، حيث لم تكن هناك حدود دقيقة أو تجانس عرقي ضمني لها، باستثناء بعض العلماء مثل عماد الدين الأصبهاني، الذي أشار على وجه الدقة إلى الأراضي المحيطة بـ«حصن كيف» في كتابه «خريدة القصر وجريدة العصر» (المجلد الرابع). وكان التصنيف الثاني هو «زوزان الأكراد» (وتعني مراعي الكرد الصيفية)، التي تقع حول «جيزرة» (جزيرة ابن عمر)، ومن ثم، الجمع بين مجموعتين عرقيتين محليتين هما الكرد والأرمن، الذين ادعوا أن هذه المناطق هي أراضي أجدادهم. والثالثة كانت «جبال الأكراد»، حيث كانت الأرض تشير إلى المساحة الجبلية الواقعة بين «دينور» و«قزوين» و«سهرورد» و«همدان».
استُخدم اسم «كردستان» لأول مرة نحو عام 1153
عندما قام سنجر، زعيم إمبراطورية سلاجقة الروم Sultanate of Rum (التي سبقت الإمبراطورية العثمانية، وتأسست بعد معركة «ملاذ كرد» وهزيمة البيزنطيين عام 1071)، بتحويل الأراضي(4) المحيطة بـ«دينور» و«همدان» و«كرمانشاه» و«سنندج» إلى مقاطعة «كردستان» الإدارية، التي تعني «أرض أو مقاطعة الكرد» بالفارسية. والسلاجقة هم من موجة هجرات القبائل التركية الأولى من وسط آسيا إلى أن وصلوا إلى بلاد فارس، واستقروا فيها على مدار مئات السنين. وتحوّلوا من معتقداتهم الشامانية(5) إلى الإسلام تدريجياً وببطء متأثرين بعمق بالثقافة واللغة الفارسيتين. وكانت إمبراطوريتهم متعددة الأعراق والأديان، وتمتعوا بتسامح ديني عميق، ما مهد لظهور الحركات الصوفية في الأناضول، التي ركزت حينها على الإيمان بالله أكثر من ممارسة الإسلام كدين وشريعة. مع تقدم الكرد غربًا وشمالًا، توسعت المنطقة التي تشير إلى كردستان، وأصبحت تشمل الأراضي المحيطة ببحيرة «وان». وإلى جانب الكرد، كانت هناك مجموعات عرقية ودينية أخرى، كالأرمن والسريان والعرب، تعيش هي أيضاً على هذه الأراضي. وبدقة أكثر، كان الكرد يشكلون الأغلبية في «جبال الأكراد»، وليس في «زوزان الأكراد»، خلال هذه الفترة. فـ«زوزان الأكراد» الواقعة بين نهري دجلة والفرات، كانت سهوباً خالية إلى حد كبير. وقد استخدمها الرعاة من قبائل كردية أو مسيحية أو أيزيدية موسمياً لعدة قرون، وقد أطلق الجغرافيون العرب اسم «الأكراد» على هذه المناطق بدلاً من «الأرمن» أو «السريان» مثلاً، ربما لأسباب دينية. فالكرد مسلمون شافعيون نشطوا في الدفاع عن المنطقة أولاً ضد الأرمن المسيحيين ثم ضد الأتراك الأوغوز الشامانيين والمغول. ونتيجة لذلك، كشف العلماء العرب في اختيارهم لاسم المكان عن رغبتهم الأيديولوجية في تحويل هذه المنطقة إلى فضاء سياسي كردي إسلامي حصري.
ففي هذه الفترة، في بداية القرن الثالث عشر، تعززت الحركات الصوفية(6) في الأناضول بوصول الموجة الثانية من هجرة القبائل التركية التي سيتشكل منها الإمبراطورية العثمانية. وكانت هذه القبائل التركية الهاربة من المغول شامانية في معتقداتها، كما كانت الموجة الأولى من القبائل التركية قبل أن تغادر موطنها. غير أن الموجة الأولى من الأتراك السلاجقة كانت قد انتقلت بالتدريج إلى إيران، استقرت وأسلمت على يد الفرس عبر قرون من الزمن. وقد منحت هذه العملية البطيئة هؤلاء الأتراك متسعًا من الوقت للتكيف مع عقيدتهم الجديدة، والتحول من الروح القبلية الشامانية إلى أعراف الإسلام وقيمه الأكثر صرامة. على النقيض من ذلك، قفزت القبائل التركية التي جاءت في القرن الثالث عشر إلى الإسلام بين عشية وضحاها. ولم يكن أمامهم سوى بضع سنوات للتأقلم مع المعتقد الجديد. مع الصدمة الثقافية التي أعقبت ذلك، وجد أتراك الأناضول الشامانيين النسخة الصوفية الفضفاضة من الإسلام أقرب إلى ذوقهم، وتتسق مع جوانب من ثقافتهم الشامانية، مثل الرقص والموسيقى في العبادة والصلاة المختلطة بين الجنسين. ونتج من هذا التلاقح بين الإسلام الصوفي والشامانية ظهور نسخة محددة من الإسلام الريفي التركي. ولم يكن العرب السنة سعداء بذلك، ووجدوا(7) أن الكرد الشافعيين أقرب إليهم.
كردستان الكبرى
في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ورغم تزايد عدد المصادر التاريخية، إلا أن عدد الإشارات فيها إلى الكرد وكردستان تناقص. أحد الاستثناءات يعود إلى القرن الرابع عشر في كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (المجلد الثالث، الباب الرابع: مملكة الجبال)، الذي يتحدث عن «أرض الأكراد» باعتبارها المنطقة الواقعة بين همدان (في إيران) وكيليكيا (أو قِيلِيقِيَة في تركيا) التي يسميها العمري «مملكة سيس» (قوزان حالياً). في القرن الخامس عشر، يأخذ استخدام اسم «كردستان» معنى إداريًا مع تصاعد الصراع الإقليمي. على سبيل المثال، يشير شرف الدين علي يزدي في كتابه «ظفرنامه» (أو فتحنامه) الذي يتناول حملات «تيمورلنك» العسكرية في الأناضول وإيران، إلى «كردستان» من الناحيتين الجغرافية والإدارية. من الناحية الجغرافية، يشير اسم «كردستان» إلى الموقع الجغرافي ذاته بين همدان وكيليكيا كما ورد في «مسالك الأبصار». وقد منح تيمورلنك هذه الأرض إدارياً لأمير معين باسم «مقاطعة كردستان»، التي كانت تغطي جغرافياً المناطق الأكثر شمالاً في «بدليس» و«موش» و«أخلاط» و«وان» في شرق الأناضول. في أواخر القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كانت جمشكزك بالقرب من وسط الأناضول تُعد أيضاً جزءاً من كردستان، كما أورده كتاب «شرفنامه» لشرف خان شمس الدين البدليسي.
امتداد أراضي كردستان بحسب ابن فضل الله العمري
خلال أوائل القرن السادس عشر، أشار إدريس البدليسي (توفي 1520)، الذي كان مهندس الصفقة السياسية بين الأمراء الكرد والإمبراطورية العثمانية، إلى «بدليس» على أنها «مركز حكومة كردستان». ومع ذلك كان السكان في هذا المركز الإداري غير مسلمين في الغالب وكثير منهم أرمن. ويقترح(8) البروفيسور في جامعة كاليفورنيا باقي تيزجان، المتخصص بالشأن العثماني، إلى أن هذه المناطق كانت تسمى «كردستان» بسبب توزيع هيكل السلطة المحلية(9)، وليس بسبب التركيبة السكانية؛ لأن الكرد كانوا يحكمون إدارياً وسياسياً على الأرمن. وبالتالي، كان الأمراء الكرد تسلموا عملياً السلطة السياسية في هذه المنطقة قبل وصول العثمانيين إليها، بدعم من السلاجقة والتيموريين ودولة آق قويونلو (الخرفان البيضاء) السُّنية وقره قويونلو (الخرفان السوداء) الشيعية المحلية. من المهم ملاحظة أن مفهوم «كردستان» كان موجوداً سياسياً وجغرافياً قبل أن تبسط الخلافة العثمانية نفوذها على كردستان في عهد سليمان القانوني (1520 -1566) على عكس ما تدعيه الرواية التاريخية القومية التركية في كثير من الأحيان.

باقي تيزجان

الأراضي الكردية في المصادر العثمانية

صورة متخيلة للشاه اسماعيل الأول

صورة متخيلة لمدينة ماردين

صورة متخيلة لمدينة ديار بكر

صورة متخيلة لسليمان القانوني

صورة متخيلة للتناحر بين أمراء كرد
التنافس العثماني-الصفوي في كردستان
مع وصول العثمانيين إلى منطقة «كردستان»، نشب نزاع متداخل مع الصفويين الإيرانيين، حيث تنافست كلتا الإمبراطوريتين لقرون على السلطة في المنطقة التي أصبحت فيما بعد الحدود بين الدولتين. وقد تعاون، كما ذكرنا سابقاً، الأمير الكردي إدريس البدليسي مع السلطان العثماني سليم الأول (1508 – 1520) وطور استراتيجيات محلية لعرقلة صعود وتوسع الحاكم الصفوي الإيراني إسماعيل الأول (1501 – 1524). وقبل الشروع في حملة عسكرية ضد الصفويين، أوعز سليم الأول إلى البدليسي باستمالة الأمراء والبكوات الكرد المحليين، وضمهم إلى المعسكر العثماني. ويبدو أن سليم استند في قراره إلى معرفة مفصلة بالأراضي الكردية؛ فعلى مدى سنوات، كان عملاء السلطان الذين يعيشون في الحدود الشرقية للإمبراطورية وكردستان، أو يسافرون عبرها، ينقلون إلى إسطنبول المعلومات الاستخباراتية المحلية التي يجمعونها، ويفصّل في ذلك الباحث المتخصص في الدراسات الإيرانية مصطفى دهقان، والباحث التركي فورال كنج في دراسة(10) نُشرت عام 2018. وتماشياً مع المعلومات الاستخبارية التي جُمِعت، وضع سليم ثقته بإدريس البدليسي، وضم كثير من القبائل الكردية إلى جيشه في هذه العملية.
تفاوت السياسة العثمانية
ومع أن المصادر العثمانية تقدم معلومات مفصلة عن هذه القبائل، إلا أن المصادر الصفوية(11) لا تذكرها إلا باقتضاب، وتشير إليها جميعاً باسم «الكرد». وبالإضافة إلى ذلك، كان الإيرانيون يصورون(12) الكرد في صورة نمطية على أنهم «أشرار الطباع، عنيدون، كئيبون وغادرون». ويرجع الاختلاف بين نهج السلالتين العثمانية والصفوية وتصورهما للكرد إلى الأهمية الاستراتيجية لكردستان بالنسبة إلى العثمانيين. فخلال القرن السادس عشر، عندما كان التهديد الصفوي في أوجه، حافظ العثمانيون على اهتمامهم بالمناطق الكردية، وجمعوا المعلومات المحلية. وحتى بعد دمج الإمارات الكردية في الإمبراطورية خلال القرن نفسه، استمر العثمانيون في تنويع سياستهم الإقليمية، وتغيير الحكم الإداري المحلي بناءً على خصائص(13) كل إمارة. فقد صنفوا مراكز الإقطاعات (عائلات eyalets) والبلدات الكردية مثل «ديار بكر» و«بدليس» و«وان» و«موش» و«ماردين» وما شابهها بالقرب من الحدود الشرقية إلى ضيعة عائلية (يورتلوك yurtluk) أو إقطاعية وراثية مستقلة (أوجاكليك ocaklık)، وحولوها إلى إقطاعات مع بعض الالتزامات الضريبية. وصنّف العثمانيون الإمارات الكردية القريبة من الأراضي الصفوية، مثل «هكاري» و«بهدينان» و«بابان» و«بوتان» و«سوران»، إلى إقطاعات محلية أي حكومات محلية تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية دون التزامات مالية. كان هذا التقسيم الإداري العثماني(14) مهمًا للغاية من حيث كيفية تطور هاتين المنطقتين من كردستان على نحو مختلف عبر الزمن. فالأراضي التي كان يملكها الكرد أصلاً حُوّلت إلى نظام «تيمار» (أي أرض ممنوحة من السلطان)، وأُدرجت حرفياً في نظام الأراضي العثماني التقليدي، ولذلك أصبحت مدمجة في الجسم السياسي العثماني. في المقابل، ظلت الأراضي الكردية(15) التي تحولت إلى «حكومة» (hükûmet) مستقلة بذاتها، وبعيدة عن نظام الأراضي العثمانية، وكانت أشبه بـ«مناطق عازلة»؛ كما كانت هذه الأراضي أكثر عرضة للخطر من الناحية الاستراتيجية، وكثيراً ما كانت تتنقل(16) بين أيدي العثمانيين والصفويين إما بالقوة، وإما بالإرادة.
وبعد انتصار العثمانيين السُّنة في عدة حروب ضد الصفويين الشيعة ودولة المماليك في القرن السادس عشر، التي رافقتها مذابح كثيرة، شعر العثمانيون بأنهم أقوى وأكثر أمناً من الناحية العسكرية، وتباطؤ التوسع، حتى بات حكمهم يمتاز بسيادة «القانون» أكثر من ممارسة العنف ضد رعاياهم، مما دفعهم إلى أن يصبحوا أكثر تساهلاً تجاه الأمراء الكرد أيضاً. وفي عام 1521، أي بعد عام من اعتلاء السلطان العثماني سليمان القانوني العرش، صُنِّفت ثمان وعشرون وحدة إدارية في كردستان على أنها مجتمعات كردية Cema’at-i Kürdân (جماعة كردان)، ومنحهم الحق(17) في حكم أراضيهم. حتى إن السلطان حَمَدَ الله الذي جعل كردستان بين السلالتين المسلمتين العثمانية والصفوية، قائلاً: «سخّر الله كردستان لحماية مملكتي الإمبراطورية مثل حاجز منيع وحصن من حديد ضد فتنة شياطين يأجوج فارس».
إلا أن الوضع لم يكن مستقراً دائماً
فالوحدات الإدارية الكردية في الدولة العثمانية لم تبقَ على حالها، بل كانت تتغير مع وصول كل سلطان عثماني جديد إلى الحكم. ومع أن السلاطين الذين تعاقبوا على الحكم كانوا في الغالب يصادقون على أحكام أسلافهم، إلا أن الفرمان (المرسوم السلطاني) الذي يجدد وضع الإمارات الكردية خضع لتغييرات محددة تتماشى حرفياً مع الحالة الراهنة لعلاقات العثمانيين السياسية مع الصفويين. كما أثرت السياسة الداخلية بين الأمراء الكرد أنفسهم على وضع الوحدات الإدارية العثمانية، خاصةً عندما تكون هناك صراعات على السلطة(18) بين الأسر الكردية الحاكمة. ففي أوائل القرن السابع عشر، على سبيل المثال، قدم المسؤول العثماني علي أفندي في أوائل القرن السابع عشر هيكلاً إدارياً مختلفاً بعض الشيء للإمارات الكردية، حيث وُضعت امتيازاتها تحت سيطرة إدارات المقاطعات. فقد أضاف المسؤولون العثمانيون ثمانية سناجق لبكوات كورد إلى مقاطعة ديار بكر، التي كانت تتألف من أحد عشر سنجقاً sancaks وخمس حكومات hükûmets، ولديها التزامات ضريبية.
ثم تحوّلت النظرة من «جماعة» إلى «أفراد»
المثير للاهتمام ملاحظة تحول النظرة الرسمية العثمانية للكرد. فقد كان يُنظر إليهم على أنهم جماعة cema’at في بداية إدماجهم في الجسم السياسي العثماني، إلا أن هذا التصور تغير بعد قرن تقريباً من كونه قائماً على أساس الجماعة إلى كونه قائماً على أساس البكوات أو الزعماء الكرد. وعندما لم يعد يُنظر إلى الكرد(19) في كردستان على أنهم مجتمع، أصبح من السهل استلحاقهم في الهيكل الإمبراطوري العثماني كرعايا كما يشرح متين أتماجا. ثم أن تحديد الكرد من خلال قادتهم وحدهم، جعل من السهل على العثمانيين في نهاية المطاف إبعادهم عن السلطة.

صورة متخيلة لشرف خان البدليسي
تاريخ البدليسي
قبل نهاية القرن السادس عشر، قرر شرف خان شمس الدين البدليسي (توفي 1601)، أمير «بدليس» الكردي، أن يكتب باللغة الفارسية، وهي اللغة الأدبية التي كانت مستخدمة آنذاك في الأراضي الممتدة من الهند إلى الأناضول، سرداً لتاريخ السلالات الكردية والأسر الحاكمة، وأطلق عليه اسم «شرفنامه». ونظراً لأن شرف خان كان يقصد أن يكون جمهوره من الحكام العثمانيين والكرد، فقد احتوت روايته على تحيز واضح للعثمانيين والسنة. ومن حيث حياته المهنية على أرض الواقع، فقد تأثرت على نحو كبير بالتنافس العثماني الصفوي، مثل حياة والده شمس الدين بيك (توفي 1576).
يتتبع «شرفنامه» الأصول التاريخية للأمراء الكرد إلى كثير من السلالات الحاكمة في المنطقة، بما في ذلك الأيوبيين والعباسيين والأمويين، وكذلك إلى حكام ما قبل الإسلام مثل الساسانيين والقائد المقدوني الإسكندر الأكبر. كما يناقش شرف خان في المقدمة كثير من الأساطير المتعلقة بالجذور الكردية. في إحدى الأساطير، يرجع الكرد إلى أولئك الذين هربوا من اضطهاد ملك إيراني يدعى «الضحاك»، ولجؤوا إلى الجبال. وفي أسطورة أخرى، ينحدر الكرد من مجموعة من الجن الخارقين الذين حولهم الله بعد ذلك إلى بشر. وتذكر أسطورة ثالثة أن الكرد انبثقوا من زواج بين إنسان وعملاق. ويتبع ذلك وصف لبعض الخصائص النموذجية للكرد. ويقول «إنهم شجعان وجريئون للغاية، لا يعرفون الخوف، لكنهم أيضًا كثيرو الجدل في تحديد من يكون قائدهم.. ثم أنهم بارعون في العلوم الإسلامية، لكنهم يفتقرون إلى الموهبة الأدبية في الخط والشعر.»
بالإضافة إلى مناقشته لأصول الكرد، قدم شرف خان أيضًا الموقع الجغرافي لكردستان. ووفقاً له، كانت حدود كردستان تبدأ من البصرة على الخليج «الفارسي»، وتمتد إلى «ملاطية» و«مرعش» في وسط الأناضول، وكانت محاطة ببلاد فارس، عراق العجم، أذربيجان وأرمينيا من الشمال، وبعراق العرب، ديار بكر، والموصل من الجنوب. وخلص إلى أنه لم يحاول أي ملك احتلال كردستان؛ بسبب طبيعة الكرد الشجاعة والمشاكسة وجغرافيتهم الجبلية. وبدلاً من ذلك، كان هؤلاء الحكام يتظاهرون رمزياً بأنهم سادة الكرد، ويعاملهم الكرد على أنهم سادة، ويرسلون إلى الحكام بعض «الهدايا» لإظهار ولائهم، خاصة في أثناء الحملات العسكرية.
الكرد عالقون بين الإمبراطوريتين

صورة متخيلة لقبائل عربية وتركمانية

صورة متخيلة لقافلة قبيلة الـ«مِلّان»

صورة متخيلة لـ«تمرد ماردين»

أوستن هنري لايارد

جلادت بدرخان

إبراهيم باشا الملّي
الغموض يكتنف كردستان
مع أن شرف خان حدد حدود كردستان بدقة أكبر بكثير مما فعل الآخرون، إلا أن الأرض التي امتدت بين الموصل وحلب وباتجاه الشمال الغربي حتى ملاطية من جهة أخرى، ظلّ وضعها غامضاً. ويقترح(20) المؤرخ التركي جمال كافادار، إنها كانت «منطقة رمادية أو منطقة تنقّلت واختلطت فيها القبائل الكردية بحرية مع القبائل العربية والتركمانية في شمال بلاد ما بين النهرين». فالحدود بين الأراضي التركية والإيرانية والعربية كانت مائعة من الناحية العملية؛ لأن معظمها لم يكن خاضعاً لسيطرة الكرد فحسب، بل كانت تضم العرب والتركمان بالإضافة إلى مجموعات غير مسلمة مثل الأرمن والآشوريين واليهود والكلدان.

جمال كافدار
وستتحول هذه المنطقة فيما بعد، إلى منطقة توتر رئيسة بين الكرد والعرب.
كانت منطقة «الجزيرة» شمال شرق سوريا، سهولاً خالية إلى حد كبير وامتداداً طبيعي لـ«ماردين» على سلسلة جبال «طور عابدين». وقد استخدمها الرعاة الكرد من قبائل مختلفة على نحو موسمي لعدة قرون(21)، لا سيما قبائل اتحاد الـ«مِلّان» Millan (وسنأخذها هنا كحالة دراسية)، التي كانت تقيم فيها شتاءً، ثم تتجه إلى سفوح سلسلة جبال الأناضول للرعي صيفاً. كان لاتحاد «المِلّان» تأثير كبير(22) منذ القرن الحادي العشر، وكانت تسيطر على منطقة واسعة تمتد من «الرقة» في الجنوب إلى «أرضروم» في الشمال، ومن «يوزغات» في الغرب إلى «أرومية» في إيران في الشرق. وكان يتناوب على قيادتها، إبان عهد دولة «آق قويونلو» (الخرفان البيضاء)، إحدى العشائر السبع الأساسية، وكانوا يلقبون باسم «أصحاب الأختام السبعة»(23). وابتداء من عام 1520، سيطرت عائلة «خضركان» وحدها على إدارة الاتحاد، ما أدى إلى نشوب خلافات داخلية فيما بين العائلات انتهت بانشقاق الاتحاد. القسم الذي بقي في ماردين وسُمّي «الملان الكبير» Millanên Mezin، و«الملان الصغير» Millanên Biçûk، الذين اتخذوا من «ويرانشهر» مقراً لهم في الشتاء، واتجهوا إلى «أرومية» في إيران صيفاً. وتوثق(24) المصادر العثمانية ذكر «المِلّان» منذ عام 1518.
وعندما طرد العثمانيون الصفويين من «ديار بكر» عام 1514 بمساعدة وبتخطيط من الأمير إدريس البدليسي، كان «المِلّان» يسيطرون على السفوح الجنوبية لجبال «كاراجا داغ» Karaca Dağ البركانية الغنية بالينابيع التي ترفد نهري الخابور والفرات. وكثيرا ما كانوا يتبعون لحكومة voyvodalık «ماردين» ووادي الخابور التي كانت جزءاً من ولاية «ديار بكر»(25). وقدّرت الوثائق العثمانية(26) في القرن السادس عشر، أن ثلاثة أرباع سكان جبال ماردين من «المِلّان». وظلت علاقتهم بالجبال البركانية مستمرة حتى عندما استقروا في مراعيهم بشمال شرق سوريا؛ فقد كان جبل «كوكب» البركاني قرب مدينة الحسكة يُعرف في المنطقة سابقاً بـ Girê Millan (هضبة المِلّان).
ابتداءً من أواخر القرن السابع عشر 1691 – 1699، خضع «المِلّان» لمشروع الاستيطان القبلي الذي بدأته الدولة العثمانية، بدعوى أن الارتحال القبلي المستمر يسبب الأضرار لحقول وممتلكات السكان المستقرين. كمثال على ذلك، ثمة شكوى مسجلة(27) عام 1679 في أرشيف مدينة «يوزغات» عن أضرار وشكاوى؛ بسبب مرور قافلة قبيلة «المِلّان». ثم إن حوادث النهب وقطع الطرق دفعت السلطات العثمانية إلى تطبيق التوطين، وأُجبرت(28) قبيلة «المِلّان» بعد عودتهم من «أرومية» عام 1711، على الاستقرار أولاً حول «ديار بكر» ثم في «إيالة الرقة» eyalet of Raqqa. إلا أنهم لم يستقروا تماماً، فكثيراً ما غادروا الأراضي المخصصة لهم، واتجهوا شمالاً وغرباً وشرقاً بحثاً عن الماء والكلأ.
ومنذ القرن الثامن عشر، كانت قبيلة «المِلّان» قوية بما فيه الكفاية لرفض دفع الجزية والقتال ضد الباب العالي، لكن شوكتها بدأت تضعف (1830-1840)، بسبب الصراعات الداخلية والصراع مع القبائل العربية القادمة حديثاً من شبه الجزيرة العربية، كقبيلة الشمر التي هبت لنجدة شريف مكة والحجاز غالب بن مساعد في حروبه ضد الوهابيين عام 1787، لكنها تكبدت خسائر فادحة، فهربت(29) نحو العراق ثم تابع قسم منهم ترحالهم إلى منطقة الجزيرة. وتزامنت(30) مع قدوم الشمر، هجرات «العنزة»، و«الجبور»، و«طي» في الفترة ذاتها.
تمرد ماردين 1832
لكن الحادث الأهم، الذي ضعضع القبيلة، وأضعفها، كان «تمرد ماردين» في عام 1832، بسبب الاضطرابات بين السكان المحليين، ولا سيما قبيلة «المِلّان»، نتيجة عدم الرضا عن «الإصلاحات» التي أجرتها الدولة العثمانية، ووصلت إلى ذروتها فيما تُعرف بالـ«تنظيمات».
في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع، شهدت الإمبراطورية العثمانية ضعفاً متزايداً؛ ومع اعتلاء السلطان محمود الثاني العرش (1808 – 1839) بعد انقلاب أطاح فيه بأخيه غير الشقيق مصطفى الرابع، تنازلت الدولة العثمانية عن منطقة «بيسارابيا» للإمبراطورية الروسية مع نهاية الحرب معها (1806 – 1812)، وكانت اليونان قد بدأت منذ عام 1821 بخوض حرب الاستقلال، ثم خسر العثمانيون المزيد من الأراضي في الحرب الروسية التركية الثانية 1828 – 1829، واحتلت فرنسا «الجزائر» العثمانية بداية من عام 1830.
كل ذلك دفع السلطان محمود الثاني إلى استئناف الإصلاحات الخجولة التي توقفت بعد أن بدأها أسلافه، وأجرى تغييرات إدارية وعسكرية ومالية واسعة النطاق، حلّ بموجبها فيلق الإنكشارية المحافظ الذي كان عقبة رئيسة أمامه، وأنشئ جيشاً عثمانياً حديثاً، وقلّص صلاحيات الزعماء المحليين ودمج ميليشياتهم في الجيش المركزي، وأجرى تغييرات شاملة في الإجراءات الإدارية البيروقراطية لإعادة تأسيس السلطة الملكية وزيادة الكفاءة؛ حتى عُرف بـ«بطرس تركيا الأكبر».
قُوبِلت هذه التغييرات بمقاومة في أجزاء مختلفة من أرجاء الإمبراطورية، بما في ذلك المناطق التي كانت تتمتع تاريخياً بالحكم الذاتي مثل «ماردين». وعَدّ زعماء المدينة الإصلاحات تهديداً مباشراً لسلطتهم، وعلى ما يتمتعون به من حكم ذاتي وامتيازات تقليدية.
ويوثق أرجان غموش، البروفيسور المساعد في قسم التاريخ بجامعة «ماردين»، أن «تمرد ماردين»(31) قاده بشكل رئيسي زعماء قبيلة «المِلّان»، وأبرزهم شخصيات مثل حاجي عزت بك وعلي بك. كان لهؤلاء الزعماء نفوذ كبير، وتحت إمرتهم ميليشيات كبيرة قادرة على تحدي السلطات المركزية.

أرجان غموش
وتحولت التوترات إلى تمرد مفتوح في عام 1832. حشد زعماء «المِلٌان» قواتهم، وتمكنوا من السيطرة على ماردين وطرد ممثلي الحكومة المركزية. ورداً على ذلك، أرسلت الإمبراطورية العثمانية قوات من بغداد وإسطنبول لقمع التمرد.
ضربت القوات العثمانية الحصار على ماردين، وواجهت مقاومة شديدة من المتمردين الذين كانوا متحصنين جيداً، وعلى دراية بتضاريس المنطقة. وجرت معارك ضارية، تكبد فيها الطرفان خسائر كبيرة في الأرواح. إلا أن الموارد العسكرية المتفوقة للقوات العثمانية أدّت دورها في نهاية المطاف، وأدى الحصار الذي استمر شهوراً إلى إنهاك المدافعين، ثم سحق التمرد في وقت لاحق من عام 1832. أُسر قادة التمرد، بمن فيهم حاجي عزت بك وعلي بك، أو قُتلوا. ثم شرعت السلطات العثمانية بعد ذلك في فرض سيطرة أكثر صرامة على المنطقة، حيث عيّنت إداريين موالين لها ونزع سلاح السكان المحليين لمنع حدوث تمردات في المستقبل.
أدى التمرد بعواقبه إلى تحول كبير في حكم ماردين. فقد قُلِّصت سلطة زعماء القبائل المحلية، وأعيد تنظيم إدارة المنطقة لضمان سيطرة أكبر للحكومة المركزية. كما كان هذا التمرد بمكانة درس للإمبراطورية العثمانية في إدارة التوازن الدقيق بين السلطة المركزية والحكم الذاتي المحلي.
يُعدّ «تمرد ماردين» مثالاً على التحديات الأوسع نطاقاً التي واجهتها المجتمعات المحلية خلال فترة الإصلاح والمركزية المكثفة في الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني، حيث تصادمت الهويات المحلية والاستقلالية التاريخية في كثير من الأحيان مع رؤى الدولة المركزية. وقد تصاعدت وتيرة الإصلاحات التي باتت تُعرف الآن بـ«فرمان الكلخانة»، بضغوط من القوى الأوروبية على الدولة العثمانية بعد مساعدتها على إخراج إبراهيم محمد علي باشا، من سوريا عام 1841.
عملياً خلال السنوات التسع التي فرض فيها إبراهيم محمد علي باشا سلطته على سوريا، كان قد فكك هو أيضا الميليشيات المحلية، ونزع عنها السلاح، ما أدى إلى تضرر كبير في سلطة الـ«آغوات» الكرد، بعدما تضررت سابقاً بالإصلاحات العثمانية، فذابت سلطتهم، وانهارت مجتمعاتهم، ما عدا فئة قليلة تمكنت من التفاوض على الإصلاح والانتقال إلى مركزية الدولة بالتدريج.
والجانب الأبرز لهذه الإصلاحات، الذي علق في أذهان المسلمين حينها، هو منح غير المسلمين (من أهل الذمة) المساواة الرسمية مع رعايا الإمبراطورية العثمانية المسلمين أمام القانون.
في عام 1848، سافر الرحالة والمستكشف البريطاني أوستن هنري لايارد عبر كردستان، ويذكر في كتابه «اكتشافات بين أطلال نينوى وبابل»، أنه التقى زعيم كردي في منطقة «موش»:
فقال، وهو يداعب لحيته ناصعة البياض تأكيداً على كلامه، أنه تجاوز التسعين من عمره، ولم ير أوروبياً قط قبل ذلك. وكان نصف أعمى يرمقني من خلال عينيه المغشيتين إلى أن أشبع فضوله تماماً، ثم تحدث بازدراء عن الفرنجة، وانتقد الـ«تنظيمات» التي قال عنها إنها دمرت روح المسلمين جميعاً، وحولت المؤمنين الحقيقيين إلى كفار، وجلبت الخراب على قبيلته، وهذا يعني بالتأكيد أنهم لم يعودوا قادرين على نهب جيرانهم [غير المسلمين].
كانت هذه الآراء منتشرة على نطاق واسع في تلك الفترة. وتقدم، بصرف النظر عن الاعتبارات الإنسانية، تفسيراً لما حدث فيما بعد من تدمير للمجتمعات المسيحية التي كانت جزءاً مهماً من اقتصاد المنطقة، ومن ثم تفككه.
ووصلت التوترات ذروتها في بلاد الشام في «أحداث دمشق» عام 1860، حيث قتل فيها المسلمون آلاف المسيحيين، وسيتشكل الشرق الأوسط، فيما بعد، على أساس هذه الأحداث، ويرصد ذلك المؤرخ الأمريكي يوجين روغن في كتابه الصادر حديثاً «The Damascus Events».
«المِلّان»، والبدرخانيون، وحاجو آغا.. تشكيل هوية الكرد في سوريا
لم تنته قصة «المِلّان» بعد «تمرد ماردين». ففي نسيج تاريخ منطقة «الجزيرة» في سوريا، قليلة هي السرديات المعقدة والمشحونة بالصراعات من أجل الهوية والوجود مثل سردية(32) قبيلة «المِلّان» والبدرخانيين؛ السلالتين الكرديتين التي تقدم مساراتهما المتباينة ومناوراتهما السياسية خلال فترتي أفول العثمانيين والانتداب الفرنسي، لمحة عن النسيج المعقد للسياسة الإقليمية في بدايات القرن العشرين.
وجدت عائلة بدرخان، المنحدرة من إمارة «بوتان» القوية، نفسها منفية إلى سوريا بعد مقاومتها للإصلاحات العثمانية. وبحلول أوائل القرن العشرين، أصبحوا شخصيات مؤثرة في الحركات الفكرية والثقافية الكردية. وقد لعبت شخصيات بارزة مثل جلادت بدرخان وكاميران بدرخان دورًا أساسيًا في نشر الدوريات الأدبية والثقافية الكردية مثل «هوار» و«روناهي»، التي هدفت إلى توحيد اللهجة الكرمانجية وتعزيز التراث الكردي.
في عام 1932، دفعت الرواية القومية للتاريخ التركي، التي أكدت التفوق العرقي التركي، البدرخانيين إلى إبراز الجذور الآرية للكرد، ومن ثم فصلهم عن الهوية التركية. ومع ذلك، ظلت هذه الحركة الفكرية غير سياسية إلى حد كبير في ظل قيود الانتداب الفرنسي، وركزت بدلاً من ذلك على النهضة الثقافية. انتقل كاميران بدرخان إلى باريس بعد استقلال سوريا عام 1946، وواصل مساعيه الأكاديمية في معهد INALCO.
وفي هذه الفترة برزت شخصية أخرى، حاجو آغا، من عشيرة هفيركا، ودعم منظمة «خويبون» القومية الكردية. وشارك في الأنشطة المناهضة لفرنسا. مع ذلك، وبحلول أواخر العشرينيات من القرن العشرين، تحول تركيزه(33) نحو المساعي الثقافية وإدارة ممتلكاته الواسعة من الأراضي في منطقة الجزيرة. وقد عكست إقامته لعلاقات استراتيجية مع الرعاة الفرنسيين انخراطه الثقافي مع مشروع البدرخانيين الثقافي، لكنه تميز بمشاركة أكثر مباشرة في الحكم المحلي وإدارة الأراضي. كان هذا التحول مؤشراً على تكيف حاجو آغا مع الواقع السياسي الجديد في ظل الحكم الفرنسي، حيث وازن بين طموحاته الثقافية والقومية والحكم البراغماتي.
على النقيض من تركيز البدرخانيين الثقافي، جسدت قبيلة «المِلّان» السلطة القبلية والمناورة السياسية. كان لـ«المِلّان»، كما ذُكر سابقاً، تاريخ طويل من التفاعل مع السلطات العثمانية. وبحلول القرن الثامن عشر، وتحت قيادة شخصيات مثل تيمور باشا وإبراهيم باشا، عززت القبيلة مكانتها في شمال شرق سوريا. وعلى الرغم من المحاولات العثمانية المتكررة لإخضاعها، إلا أن تحالفات «المِلّان» الاستراتيجية، بما في ذلك مع ولاية بغداد المملوكية، ضمنت بقاءها وبروزها.
أظهر «المِلّان» نهجاً عملياً. فخلال الانتداب الفرنسي الذي بدأ في عام 1920 في سوريا، سعوا إلى الحفاظ على نفوذهم من خلال التكيف مع الحكام الجدد والاندماج في الدولة السورية الناشئة. وخلافاً لتطلعات البدرخانيين القومية الأوسع نطاقاً، ركّز «المِلّان» على ديناميكيات السلطة المحلية مستفيدين من نفوذهم القبلي الكبير في المنطقة، وتعاونوا في كثير من الأحيان مع السلطات الفرنسية.
يعكس التباين بين البدرخانيين و«المِلّان» موضوعات أوسع في التاريخ الكردي: التوتر بين الجهود الفكرية الثقافية والسياسة القبلية البراغماتية. فقد أرسى تركيز البدرخانيين على الإحياء الثقافي والتعليم الأساس لهوية كردية حديثة، وأثروا في الكرد خارج سوريا. بينما ضمنت مناورات «المِلآن» السياسية الماهرة تمثيل الكرد ونفوذهم في المشهد السياسي المتغير في سوريا حينئذ، وتأصيل وجودهم فيها.

صورة متخيلة لتوقيع معاهدة أرضروم

صورة متخيلة لكاتب جلبي

صورة متخيلة لأوليا جلبي

صورة متخيلة لمصطفى نعيمة
والحال أن الغموض الذي أحاط بحدود وتخوم أراضي الكرد، استمر حتى منتصف القرن التاسع، ولكن ثمة حدث يستحق تناوله:
معاهدة أرضروم الثانية
في عام 1847 مع معاهدة أرضروم الثانية، اجتمعت الإمبراطوريتان العثمانية والإيرانية (القاجارية) وكذلك المملكة المتحدة وروسيا في محاولة للتفاوض بشأن النزاعات الحدودية بين الإمبراطوريتين؛ وقد فعلوا ذلك للتوصل إلى تسوية نهائية(33) وملزمة لنزاعهم الإقليمي ولترسيم المنطقة الحدودية في خط قابل للتعيين. ولإثبات مطالبهم في بعض المناطق، خاصةً مدن «المحمّرة» (خرمشهر) و«زوهاب» (سربل ذهاب) و«سليماني» (السليمانية)، لجأ المسؤولون الإيرانيون والأتراك إلى الفرمانات والخرائط وروايات الرحلات القديمة، مثل كتاب كاتب جلبي (توفي 1657) الذي يعود إلى القرن السابع عشر بعنوان «جيهانوما» (مرآة العالم). بما أن رواية كاتب جلبي تحمل ختم السلطان العثماني، فقد استخدمها المندوبون الإيرانيون كدليل للمطالبة بالسيادة على مناطق «أهيسكا» (مسخيتي الجورجية) و«وان» و«قارص» و«بايزيد»، وطالبوا أيضاً بالاعتراف بحقوقهم على مقاطعة «سليماني» (السليمانية). ومن المثير للاهتمام أن كتاب «جيهانوما» لكاتب جلبي لم يستخدمه العثمانيون والإيرانيون كشهادة على ادعاءاتهم في الأراضي فحسب، بل استخدمه العلماء الأوروبيون على نطاق واسع.
مع أن كتابه كان تفصيلياً لدى نشره في منتصف القرن السابع عشر، إلا أن كاتب جلبي لا يسمي كردستان على أي من خرائطه في نسخها الأصلية، بل يدرج المنطقة التي يسكنها الكرد والأرمن على أنها «منطقة مجهولة»، ربما باعتبارها «منطقة محرمة». مع ذلك، فإن السرد التفصيلي المستفيض للمنطقة في نصه يكشف أنه لا يتعمد إخفاء الموقع الجغرافي لكردستان. فبعد وصف كثير من المناطق المأهولة بالكرد مثل «وان» و«عادلجواز» و«بدليس» و«موش» و«أرضروم» و«هكاري» و«الموصل» و«سعرد» (سيرت) و«ديار بكر» وبعض الأماكن الأخرى في شرق الإمبراطورية العثمانية، يتناول كاتب جلبي في هذا النص مناقشة مستفيضة عن كردستان. ويصف أولاً بإيجاز أصول الكرد لينقل التكهنات وقتها ما إذا كان الكرد عرباً بالفعل. ثم يوسّع حدود الأراضي التي يقطنها الكرد إلى «مرعش» و«ملاطية»، ويخلص إلى أن الأراضي الكردية كانت تتألف من ثماني عشرة ولاية عثمانية. في رواية كاتب جلبي، مدينة «جيزرة» هي قلب كردستان؛ ويعدها أهم مدينة كردية.
كردستان لدى أوليا جلبي
في الفترة ذاتها تقريبًا، التي أكمل فيها كاتب جلبي مؤلفه المهم «جيهانوما»، سافر أيضًا أوليا جلبي (توفي 1684) عبر «ديار بكر» و«ماردين» و«بدليس» و«وان» وبعض المدن القريبة التي أشار إليها باختصار باسم «كردستان». وبالمقارنة مع كاتب جلبي، فإن أوليا جلبي أكثر تحديداً في تحديد الأراضي الكردية. فهو يشير إلى «ديار بكر» وجميع الأراضي المحيطة بها مباشرةً باسم «مقاطعة ديار بكر الكردية» («eyalet-i Diyarbekr-i Kürdistan») في كتابه «سياحت نامه» وقد تُرجم إلى العربية بعنوان «رحلة أوليا جلبي في كوردستان». ويستخدم جلبي أيضاً عبارة «مقاطعة كردستان» («إيالة كردستان») عندما يشير تحديداً إلى «ديار بكر»؛ ثم يستخدم عبارة «أرض كردستان» («ديار كردستان») عندما يشير إلى منطقة أوسع بكثير تمتد حتى شمال العراق وشمال غرب إيران. وهو يشمل مدن «وان» (Kürdistan-ı Van) و«سوران» (شرق وشمال أربيل) و«بدليس» في كردستان أيضاً. وفي هذا المنعطف أيضًا يميّز منطقة كردستان ضمن الأراضي الصفوية باسم «كردستان إيران» (Kürdistan-ı Acemistan).
على وجه الدقة، يصف أوليا ما يعتقد أنه الحدود الجغرافية الأوسع لكردستان:
سُمّيت كردستان وأرض الصخور [سنجستان]، وهي أرض عظيمة تضم سبعين مستوطنة مختلفة. وتبدأ إحدى زواياها من الجهة الشمالية من أرضروم ووان إلى أرض هكاري وجيزرة والعمادية والموصل وشهرزور [منطقة كركوك] وهرير وأردلان [منطقة سنندج] وبغداد ودرنه [قلعة] ودرتنك Derteng والبصرة. وتقع هذه المرتفعات بين العراق والأناضول، ويسكنها ستة آلاف قبيلة وعشيرة كردية، حيث كان من السهل على أمة العجم الاستيلاء على الأراضي العثمانية [ديار الروم] لو لم يصبحوا [الأكراد] معقلاً حصيناً.
يقسم جلبي كردستان أيضًا إلى مكوناتها الريفية والحضرية. فبينما يصوّر كردستان الريفية على أنها «أرض الصخور»، يصوّر «بدليس» و«ديار بكر» على أنها «ملاذات للثقافة والحضارة على النقيض من محيطها». وفقًا لجلبي، تتمتع «بدليس» بحدائق غنّاء ونوافير وحمامات عامة. وحاكمها المثقف والمتعدد المواهب يشبه أمير «عصر النهضة» العثماني، ويمتلك أعيانها سلعاً فاخرة مثل فراء السمّور.
كردستان في «تاريخ نعيمة»
بعد نصف قرن تقريبًا من كتابة جلبي لرحلته، لا يزال مصطفى نعيمة (توفي 1716)، وهو مؤرخ البلاط العثماني، يشير إلى الأراضي الكردية على هذا النحو في كتابه «تاريخ نعيمة». في إحدى الروايات، يذكر نعيمة شيخًا نقشبنديًا حظي باستقبال حسن في جميع «مناطق كردستان [ممالك كردستان]،» التي حددها بأنها تضم «أرضروم» و«الموصل» و«الروها» (أورفا) و«وان». وقد ذكر «ديار بكر» على نحو منفصل، بسبب اختلاف هويتها الإدارية؛ حيث كان يدير ثمانية من أصل تسعة عشر سنجقًا حاكم كردي يقيم فيها. ويذكر كثير من هذه السناجق على أنها كانت خاضعة للضرائب. لا يناقش نعيمة الكرد الذين يقطنون المنطقة المشار إليها باسم كردستان فحسب، بل يصف أيضاً بتفصيل كبير أولئك الكرد الذين يعيشون خارج كردستان، وتحديداً في «سيواس» و«جوروم» و«يوزغات». على سبيل المثال، يسجل أنه في إحدى المرات في «سيواس» اتحد كثير من الأتراك والكرد والتركمان والمجموعات العرقية الأخرى التي تجمعت معًا من بين الجنود العثمانيين في مسيرة احتجاج ضد قائد المنطقة.

تغيير «طبيعة» الكرد وصورتهم
بمرور الزمن أصبح المؤرخون العثمانيون والبيروقراطيون والشعراء وعلماء الدين أكثر وعيًا بوجود منطقة كردستان علنًا، وكذلك المجتمعات الكردية المنتشرة في جميع أنحاء الأناضول والعراق والشام. لذلك ليس من قبيل المصادفة أن يزداد عدد الإشارات إلى الكرد في المصادر العثمانية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، حيث اسْتُبْدِلَت الإشارات العامة في نهاية الأمر بإشارات أكثر تحديدًا. ومع ذلك فإن هذه الإشارات لا تزال انتقائية من حيث إن الكرد يُذْكَرُون على نحو متكرر أكثر فيما يتعلق بالصراع، أي عند ظهور تمرد أو حادثة تهتم بها الحكومة العثمانية. وعلى هذا النحو، يبدأ الكرد في أن يصبحوا مرتبطين في مخيلة المنطقة بالعنف بدلاً من ارتباطهم بشعب يعيش في مناطق معينة في الإمبراطورية.
في هذه الفترة، القرن التاسع عشر، انهارت الإمارات الكردية وتقوضت أساليب الحياة التقليدية تباعاً مع تزايد المركزية في الدولة العثمانية نتيجة الـ«تنظيمات».
إذاً، لم تبق حدود كردستان وعاصمتها على حالها عبر القرون. فقد كان يُنظر إلى «بدليس» على أنها مركز الثقافة والسياسة والاقتصاد الكُردي في القرن السادس عشر، بسبب قوتها الأدبية والسياسية، وحلّت محلّها مدينة «سِليماني» (السليمانية) في القرن التاسع عشر. إن ما كان يدل على كردستان ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوى المحلية التي حكمت المناطق التي عاش فيها الكرد؛ لأن هذه القوى، مثل العثمانيين، هي التي حددت في النهاية ما يشكل كردستان. ومنذ القرن التاسع عشر فصاعدًا، عندما أصبح الكرد تابعين كوحدات إدارية أو مدن حدودية، بدأ العثمانيون يشيرون إلى «كردستان» كأرض بعيدة عن مركز الإمبراطورية. وهكذا أُبْعِد الكرد رمزيًا من المخيال العثماني، وظل وضعهم داخل الإمبراطورية يزداد سوءًا بمرور الوقت.
المصادر والمراجع:
(1). Atmaca, Metin. 2022. “Land of the Kurds” or “Land of the Rocks”? Changing Perceptions of Kurdistan in Ottoman and European Sources.” Kurds in Dark Times.
(2). Kafadar, Cemal. 2007. “A Rome of One’s Own: Reflections on Cultural Geography and Identity in the Lands of Rum.” Muqarnas 24:7–25.
(3). راجع رقم (1)
(4). James, Boris. 2009. “The tribal territory of the Kurds through Arabic medieval historiography.”
(5). Cagaptay, Soner. 2007. “Secularism and Foreign Policy in Turkey.” The Washington Institute.
(6). المرجع السابق
(7). راجع رقم (1)
(8). Tezcan, Baki. 2000. “The Development of the Use of ‘Kurdistan’ as a Geographical Description and the Incorporation of This Region into the Ottoman Em-pire in the 16th Century.” In The Great Ottoman-Turkish Civilisation, vol. 3, edited by Kemal Çiçek, 540–53. Ankara: Yeni Türkiye.
(9). Dursteler, Eric R. 2012. “Infidel Foods: Food and Identity in Early Modern Ottoman Travel Literature.” THE JOURNAL OF OTTOMAN STUDIES.
(10). Dehqan, Mustafa –Genç, Vural. 2018. “Kurds as spies: Information-gathering on the 16th-century Ottoman–Safavid frontier.” Acta Orientalia.
(11). Yamaguchi, Akihiko. 2012. “Shāh Tahmāsp’s Kurdish Policy.”
(12). Matthee, Rudolph (Rudi). 2003. “The Safavid-Ottoman Frontier: Iraq-i Arab as Seen by the Safavids.”
(13). Fuccaro , Nelida. 2011. The Ottoman Frontier in Kurdistan in the Sixteenth and Seventeenth Centuries.
(14). Ateş, Sabri. 2013. Ottoman–Iranian Borderlands: Making a Boundary, 1843–1914. New York: Cambridge Univ. Press.
(15). O’Shea, Maria Theresa. 2012. Trapped between the Map and Reality: Geography and Perceptions of Kurdistan. New York: Routledge.
(16). راجع رقم (14)
(17). Barkan, Ömer Lütfi. 1953–54. “H. 933–934 (M. 1527–1528) Malî yılına ait bir bütçe örneği.” İstanbul Üniversitesi İktisat Fakültesi mecmuası 14, no. 5: 251–329.
(18). Özcoşar , İbrahim. “Town and Tribe: The Conflict Between Aşiret (tribe) and Eşraf (nobility) in Ottoman Diyarbekir (1891-1909).”
(19). Atmaca , Metin. 2017. Three Stages of Political Transformation in the 19th century Ottoman Kurdistan.
(20). Kafadar, Cemal. 2007. “A Rome of One’s Own: Reflections on Cultural Geography and Identity in the Lands of Rum.” Muqarnas 24:7–25.
(21). Mcdowall, David. 2020. A Modern History of the Kurds. Fourth Edition.
22. Gümüş, Ercan. 2006. XVI. Yüzyildan XIX. Yüzyila Kadar Mardin Idaresinde Milli Aşireti ve Aşiretin Nüfuz Mücadeleleri. 1st International Symposium of Mardin History Papers.
23. Gökalp, Ziya. 1977. Kürt Aşiretleri Hakkında İçtimai Tetkikler. P. 60. 61.
24. Winter, Stefan. 2006. The Other Nahdah: The Bedirxans, the Millis, and the Tribal Roots of Kurdish Nationalism in Syria. Oriente Moderno 86, 461-474.
25. راجع المصدر السابق
26. Gümüş, Ercan. 2023. Milli Kalash (Keleş) Abdi Dynasty in the Ottoman Ayan Period. s. 284-313.DOI: 10.19059/mukaddime.1352532.
27. Orhonlu, Cengiz. 1987. Osmanlı İmparatorluğunda Aşiretlerin İskânı, İstanbul, P. 39–47.
28. Gümüş, Ercan 2019. Devlet ve Asi 18. Yüzyil Ortalarinda Osmanli Diyarbekiri’nde Eşkiyalik. (لمزيد من التعمق حول تاريخ قبيلة المِلّان)
29. أحمد وصفي زكريا، عشائر الشام، المجلد الثاني، ص 614
30. المرجع السابق، ص 636
31. Gümüş, Ercan. 2006. XVI. Yüzyildan XIX. Yüzyila Kadar Mardin Idaresinde Milli Aşireti ve Aşiretin Nüfuz Mücadeleleri. 1st International Symposium of Mardin History Papers.
32. Winter, Stefan. 2006. The Other Nahdah: The Bedirxans, the Millis, and the Tribal Roots of Kurdish Nationalism in Syria. Oriente Moderno 86, 461-474.
33. المرجع السابق
(33). Schofield, Richard. 2008. “Narrowing the Frontier: Mid–Nineteenth Century Efforts to Delimit and Map the Perso-Ottoman Border.” In War and Peace in Qajar Persia: Implications Past and Present, edited by Roxane Farman– farmaian, 149–73. New York: Routledge.

٤/١٢/٢٤
خرج من منزله، ولم يعد
قصة تدور أحداثها في ديسمبر 2024، توثق سقوط حلب والتحالفات المتشابكة التي شكلت مصير المدينة. في قلب هذا الفوضى، يقف مقاتل حرية مسنّ، كان يأمل أن يتجاوز معارك الماضي، لكنه دفع الثمن الأغلى عندما طرقت الحرب بابه مجدداً.

١٢/٤/٢٤
اللعبة التي علمتني سرد القصة
نحن نتابع الأخبار لنتعرف على الوقائع، ونحصل على المعلومات، لكننا ننجر إلى القصص المرة تلو المرة؛ لأننا نحتاج إلى معرفة ما يعنيه تموضعنا داخل تلك الوقائع والمعلومات.

٥/٣/٢٤
هل يمكن أن تنقرض الصحافة؟
التهديدات الوجودية التي تواجهها الصحافة، تفوق ما قد يتسع له فيلم رعب ذي ميزانية كبيرة. حقاً، لطالما كان الأمر كذلك.

٢٦/٩/٢٢
ترتيب الكلمات في الجملة
لم يحظَ نظام الجملة العربية بالدراسة الكافية لدى نحاة «عصور الاحتجاج» الذين أرسوا قواعد اللغة. فلا تجد بين كتبهم الكثيرة، كتاباً عن الجملة العربية، أو حتى فصول من كتاب.

٨/٩/٢٢
بناء الجملة في اللغة العربية
«العربية» تطوّرت بخصائصها في الإيجاز كلّما وجدت إليه سبيلا. لذلك قالت العرب «خَيْرُ الكلام ما قِلّ ودَلّ»، فمتى ما أمكن أن يكون الكلامُ جملةً واحدة، كانَ أَوْلَى من جعله جملتين «من غير فائدة».

٥/٩/٢٢
غاية اللغة الوضوح
متعة القراءة ليست في الوصول إلى ما تقوله الجملة لفظاً، إنما في استكشاف ديناميكيات التفاعل بين مكوّناتها

٢٢/٨/٢٢
مرونة «العربية».. لوثة لغة الصحافة
في العربية تجد التقديم والتأخير والإضمار والتقدير والحذف، وأن حرفاً واحداً يحلّ محل جملة بأكملها، وأن الزمن «مطّاط» فيمكن لصيغة المضارع أن تشير إلى الزمن الماضي أو العكس.

٣٠/١٢/٢١
نعم، لم يكن عادياً
طوّرنا نحن البشر القدرة على خلق القصص والإيمان بها. طوّرناها لأن السرد يستطيع تجاوز «هنا، الآن» من خلال تعريف الأفراد بمواقف تتجاوز تجاربهم اليومية.

٢١/٥/٢١
دع الكلمات والجمل تتصادم
المعنى يتوالد في التصادم بين الجمل، وليس كما تعتقد بأنه فكرة في دماغك يمكنك إيصالها عبر «وعاء» يسمى الجملة.

١٤/٥/٢١
الجُمَل.. ممثلون يؤدون الدور ويغادرون خشبة المسرح
لماذا التركيز على الجمل وليس الخبر أو القصة ككل؟ لأن عملك ككاتب هو بناء الجمل؛ معظم وقتك ستقضيه في إنشاء الجمل في عقلك، ألم يخبروك بذلك؟ هذه هي حياة الكاتب.

١٢/٥/٢١
الكتابة تجعلك إنساناً
الكاتب يستخدم كل شيء. يستخدم خياله، وغريزته، وعقله، وحواسه، وخبراته، وعلاقاته، وكلماته، وكل قصة تشرّبها منذ طفولته. قد تكون الكتابة عندك مهنة أو هواية أو ربما طموحاً. ولا يهم الطريق الذي تختاره، فبكل الأحوال الكتابة ستجعلك تعرف أكثر وتشعر أكثر. الكتابة ستعظِّم الإنسان بداخلك وتكثّفه.

٦/٥/٢١
الصقور الحوّامة..
اكتب كي تفاجئ نفسك حتى وإن كانت المفاجأة سيئة. «لديك الحرية. لديك الخيار. استخدمه. شجّع الآخرين على النزول عن غصن الشجرة. استثمر بعض الوقت والاهتمام للنظر فيما أنت ذاهب إليه. ولكن بعد ذلك انزلق. تحسّس تيار الهواء الصاعد. وحلّق».

٣/٥/٢١
تمرين في اللغة
الكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة. والجملة الواضحة ليست من قبيل المصادفة، إذ نادراً ما تأتي من المحاولة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة. إذا وجدت الكتابة صعبة، تذكّر هذا في لحظات اليأس: ذلك لأنها بالفعل صعبة.

٣٠/٤/٢١
الأفعال.. تلك القوة المهدورة صحافياً
الصحافة أساساً تدور حول الأفعال. وقوة الأفعال في أنها مرتبطة بزمن له بداية ونهاية، وبها حركة من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»؛ ما يضفي الأكشن (أو التشويق إذا أردت) إلى السرد في النص. استبدال الأفعال بصيغة المصدر ينزع عن السرد دسمه.

٢٥/٤/٢١
للعالقين في منتصف السُّلَّم.. ثمة مَخْرج
أن تكون كاتباً جيداً عليك صعود سُلَّم اللغة وهبوطه باستمرار؛ إياك الوقوف في منتصفه للرقص. في أعلى السُّلَّم اللغة مجرّدة كالحرية والمعرفة، وفي أسفله اللغة مادية مرتبطة بالحواس كالشجرة والصخرة.

٢٢/٤/٢١
البساطة مفتاح الصحافة الجيدة، لكن ليس دائماً
الكلمة البسيطة والجملة القصيرة والتركيب اللغوي الواضح لا غنى عنها في الموضوعات المعقدة والمبهمة والغريبة، لجعلها مفهومة بل و”مألوفة” عبر قوة الشرح. ولا أريد التحدث عنها اليوم. ما يأسرني أكثر أن الصحافي الجيد يستطيع أيضاً أن يجعلَ البسيطَ «معقداً»، ويترك أثراً جيداً لدى القارئ.

٢١/٤/٢١
صحافة «قال وأضاف».. لديك خيارات أكثر من ذلك
التقارير توصل المعلومات، القصص تخلق التجربةَ. التقارير تنقل المعرفة، القصص تنقل القارئ نفسه، عابرةً الزمان والمكان. التقارير تدلّنا على الحدث، بينما القصص تضعنا داخل الحدث.

٢٠/٤/٢١
علامات الترقيم.. إيضاح وإثارة
أما وقد تحدثتُ عن الجَوْر الذي لحق بـ”الجملة الطويلة” وما أثاره من “غيرة” المدافعين عن ميراث استخدام الجملة القصيرة في الراديو أو التلفزيون، أجدها فرصة مناسبة لتناول علامات الترقيم التي ترسم بداية الجملة ونهايتها وتضبط إيقاعها ومساحتها، وكثيراً ما يُساء فهمها واستخدامها.

١٨/٤/٢١
لا تخشَ الجملة الطويلة
الطول سيجعل الجملة السيئة أكثر سوءاً، لكنه سيجعل الجملة الجيدة أكثر بهاءً. نصائح لاستخدام الجملة الطويلة بذكاء في الكتابة.

١٦/٤/٢١
طريق الإقناع معبّد بالتفاصيل
وصف الروائي جوزيف كونراد Joseph Conrad ذات مرة مهمته في الكتابة قائلاً: “بقوة الكلمة المكتوبة، أريد أن أجعلك تسمع وتشعر، وقبل كل شيء أن أريد أن أجعلك ترى”.

٢/٤/٢١
في لعنة المعرفة
صحافياً، تعني “لعنة المعرفة” عدم قدرة الصحافي على استيعاب أن القارئ لا يمتلك المعارف التي يمتلكها هو نفسه. والمشكلة تنبع أساساً من أن المرء كلما عرف شيئاً نسي الصعوبات التي واجهته في معرفة ذلك الشيء.

٢٥/١٠/٢٠
كيف تكون مكتشفاً للمشاكل؟
الطلب في سوق العمل لن يكون على الذين يحلون المشاكل، بل على مكتشفي المشاكل. حل المشاكل سيكون مهمة سهلة ووظيفة الذكاء الاصطناعي.

٢٦/٧/٢٠
الفضول والألفة في الصحافة
البشر كائنات معقدة؛ فهم فضوليون ومحافظون؛ متعطشون لأشياء جديدة ومنحازون للأشياء المألوفة. والألفة، كما يقول صاحب كتاب Hit Makers ليست النهاية. إنها مجرد بداية فقط.

٢١/٧/٢٠
في مديح الثقة
إن المبدأ الأول للصحافة – سعيها غير المتحيز نحو الحقيقة – هو في نهاية المطاف ما يميز الصحافة عن أشكال الاتصال الأخرى. فالحقيقة ليست كاملة أبداً، إنما في طور التشكل دائماً مع كل قصة جديدة.

٢٢/٦/٢٠
لسنا وحدنا.. فالعالم مثلنا أيضاً
أنت كفرد تتوهم أنك تعرف أكثر مما كان يعرفه صياد قبل آلاف الأعوام، لكن الحقيقة أن معارفك بحاجياتك في عالمك أقل بكثير من معارفه بحاجياته في عالمه. فنحن في عالمنا المعاصر نعتمد على خبرات الآخرين في تلبية جميع احتياجاتنا تقريباً.

١٨/٦/٢٠
نحتاج إلى 3 بالمئة فقط لإحداث التغيير
عند كل مفترق حضاري، كان هنالك شخص مختلف، يفكر بطريقة مختلفة، ويريد إنجاز شيء مختلف، فيُحدِث التغيير الذي سينحدر في النهاية إلى نقطة الصفر، ولكي يستمر التطور سيحتاج إلى تغيير آخر!

١١/٦/٢٠
لا يكفي أن تكون صحفياً
أولئك الذين يعزفون على أحد الآلات الموسيقية، يعلمون تلك المساحات المحسوبة بدقة هندسية متناهية بين العلامة الموسيقية ونصف العلامة وربع العلامة. والصحفي الجيد مثل العازف الجيد، عليه أن يعرف أين يضع إصبعه.
-
هل يلوح أفقٌ جديد للكرد في سوريا؟

سيجد الكرد في سوريا أنهم مضطرون إلى خوض رحلة شاقة في إقناع الآخرين بأنهم رصيد، وليسوا تهديداً، وأنه يمكن بناء منطقة، إقليم، دولة، سلميٍّة سعيدٍة مزدهرة، وأنّ تنوّع الهويات إغناءٌ، وإنكارها إفقارٌ ومضيعة. ومهما يكن من أمر “عملية السلام” التي أطلقها بهتشلي وأوجلان؛ فقد تفشل وقد تنجح، لكن المؤكد أن “قضية الكرد” لم تعد مجرد تطلّعات قومية، بل عاملاً حاسماً في بناء مجتمع رفاه متصالح مع نفسه.
بين زغرودة أمٍّ كردية وحسابات أردوغان:
هل يلوح أفقٌ جديد للكرد في سوريا؟
بقلم: رشاد عبد القادر
7.3.2025
لم تكن تلك السيدة الكردية المسنّة التي تجلس في الصف الثاني، تهتمُّ بعشرات الصحفيين المتواجدين في قاعة المؤتمرات في فندقٍ قرب ساحة “تقسيم” بإسطنبول، ولا بالمتحدثين السبعة الجالسين على المنصة، ولا بمئات آخرين تجمّعوا في القاعة المزدحمة يوم الخميس الدافئ على غير عادته، في 27 فبراير/شباط 2025. لم تكن تهتم بكل ذلك. كانت تعرف ماذا تريد؛ تنظر إلى الشاشة العملاقة خلف الصف الطويل للمتحدثين من حزب المساواة والديمقراطية (DEM)؛ تعدّل وضعية جلوسها بأن تميل شمالاً مرّة، ويميناً مرّة أخرى، وكأنها تجلس على الجَمر.
بدَتْ السيدةُ في السبعينات من عمرها، ترتدي سترة صوفية بيضاء بدون أكمام، وشال رأس أبيض يغطي فمها، لكنها أبعدته عندما تغلّب حماسها على حصافتها؛ وأطلقت “زغرودة” في غير أوانها، ربما احتفاءً بالمتحدث الذي رحّب بالحاضرين باللغة الكردية. تصفّق قبل الجميع، وتتوقف آخر الجميع؛ تشجع المتحدثين على المضي قُدُماً، وتجاوز المداخلات، والتمهيدات، للوصول إلى لحظة الذروة التي تنتظرها بنفاد صبر.
السيدة الكردية المحافظة بثيابها الريفية لا تعرف -على الأرجح- السياسةَ. ولا تعرف مفاهيم “الاستراتيجية”، “الاشتراكية الواقعية”، “الرأسمالية”، “النزعات القومية المتطرفة”، “الفيدرالية”، “الحكم الذاتي”، أو مفهوم “الحلول الثقافوية”، التي تحدّث عنها الزعيم عبد الله أوجلان في رسالة قُرِأت بالتركية والكردية. مع ذلك، وقفت، وبدأت تزغرد وتزغرد وبصوت أعلى هذه المرّة، عندما ظهرت صورة الزعيم على الشاشة العملاقة.

فهي في قرارة نفسها، تعلم بغريزتها أن هذه مجرّد مفاهيم؛ تفصيلات صغيرة أمام حقيقة الزعيم الذي يجلس هناك في وسط الصورة، بشحمه ولحمه، يحمل رسالته التي كتبها بخط يده، وينظر إلى عدسة الكاميرا من دون مواربة، أو تردد، بعد 26 سنة سجيناً في جزيرة إمرالي المعزولة، وقبل ذلك بـ20 عاماً لاجئاً في سوريا هرباً من الاعتقال، ثم قبل ذلك بـ10 سنوات، عندما بدأت تتشكل في ذهنه لأول مرّة فكرة “كردستان” عام 1969. لقد أمضى الرجل 56 عاماً من حياته البالغة 76 عاماً، ساعياً وراء حلم يتخلّى عنه الآن بِرمّته، ومن دون شروط.
صفّقتْ طويلاً، مثل آخرين كثيرين في قاعة المؤتمر الصحفي. البعض الآخر كان مشدوهاً تماماً من مضمون رسالة أوجلان التي استمعوا إليها توّاً، لكن السيدة انتظرت، غير عابئة، حتى لحظات المؤتمر الأخيرة لتعبّر عن امتنانها لممثلي حزب (DEM)، وتَربُت على أكتافهم بعد إدارتهم لهذه العملية المعقدة التي أطلقها أصلاً زعيم حزب “الحركة القومية التركية” (MHP) دولت بهتشلي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو يرقد الآن في المستشفى معلّقاً بين الحياة والموت.

لا تميّز السيدةُ بين “القضية” و”الزعيم”؛ كلاهما واحدٌ لديها. إلّا أنّ أنصاراً آخرين، وجدوا صعوبة في استيعاب ما جرى: هل تخلّى أوجلان فعلاً عن “الكرد وكردستان؟” مقابل ماذا وافق على عملية المصالحة؟ أذهبَ كل شيء سُدىً؟ أكثر من 50 ألف قتيل، ونحو 450 مليار دولار نفقات، ونحو 14٪ خسائر في الناتج المحلي الإجمالي التركي. لم يستطع البعض الآخر التوفيق بين فَدَاحة الخسائر وغموض المكتسبات، فلجأ إلى نظريات المؤامرة، ومفادها أن: رسالة الزعيم مشفّرة؛ لا يستطيع حلّ شيفرتها إلّا أصحاب الحلّ والعقد. بينما ذهب آخرون إلى أنه “قصد عكس ما قاله”، فـ”رَمْيُ السلاح” معناه التمسك به، و”وقف القتال” معناه المضي قُدُماً فيه.
إلّا إن رسالة الزعيم ليس بها شيفرات، ولم تقصد عكس ما قالته. إنها ببساطة تدعو إلى السلام القائم على “الأخوة الكردية التركية”، منذ أن شارك الكرد المروانيون بطريقة حاسمة إلى جانب القائد ألب أرسلان السلجوقي التركي في هزيمة البيزنطيين وفتح أبواب الأناضول في معركة “ملاذكرد” عام 1071. وكان من نتائج هذا التحالف أن أعلن أحمد سنجر (1086-1118)، حفيد ألب أرسلان، تأسيس مقاطعة “كردستان”. لكن الزعيم في رسالته يرفض فكرة دولة قومية كردية، أو إقليماً كردستانياً فيدرالياً، أو حكماً ذاتياً، أو “حلولاً ثقافية”، ويرى أن العالم قد تجاوز هذه الطروحات، وأن الحلّ هو في بناء “المجتمعات الديمقراطية”، وعلى الكرد والأتراك النضال معاً من أجل تحقيق ذلك. ومن المفيد في هذا السياق الإشارة إلى خريطة التركي محمود الكاشغري التي تعود إلى عام 1072، ويوضح فيها “أرض الأكراد”، في الموقع الجغرافي ذاته الذي يوجد فيه الكرد اليوم.

غالباً، لا تهتم السيدة بمعرفة ما تعنيه “المجتمعات الديمقراطية”، فـ”كردستانـ”ـها واضحة كالشمس في كبد السماء: حاضرة في وقفتها، تصفيقها، زيّها، زغاريدها، حماسها؛ حاضرة في اتخاذها قرارَ مشقّة حضور مؤتمر صحفي؛ حاضرة في الجَمْر الذي كانت تجلس عليه، في ابتسامتها العريضة، وهي تشاهد بعد طول انتظار الزعيمَ على الشاشة؛ حاضرة في تَرْبِيْتِها على الأكتاف؛ تُطَمْئن، تُؤكّد، تُوقِن بأنها “كردية”، وأن “كردستانـ”ـها في القلب قبل أن يكون كياناً بحدود جغرافية.

لكن كرداً آخرين، بكوا في ذلك اليوم. كان الحدث أكبر من طاقتهم على الاحتمال. ففكرة “كردستان” الكبرى التي ظنّوا أنهم رضعوها مع حليب أمهاتهم، بَدَت أبعد ما تكون عن التحقيق، منذ أن دعا إلى ذلك الشاعر أحمد خاني في قصيدته المشهورة قبل أربعة قرون؛ وبعد أكثر من مئة سنةٍ من محاولة طمس هويتهم بنعتهم أنهم “أتراك الجبال” إبّان سردية الدولة القومية التركية، وبـ”البويجية” إبّان سردية الدولة القومية العربية. فشلت السرديتان، وبقي الكرد، بل وازدادوا قوة بفضل حركتهم السياسية المدنية.
لم يكن الكرد وحدهم مَنْ بكى. سبقهم الأتراك إلى ذلك قبل أربعة أشهر، عندما طلب دولت بهتشلي القومي المتشدد، في كلمة طويلة من داخل قاعة مجلس الأمة التركي الكبير (البرلمان)، في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، من عبد الله أوجلان إعلان حلّ حزب العمال الكردستاني وإلقاء السلاح مقابل العفو المشروط عنه، داعياً إلى إطلاق عملية سلام ومصالحة واسعة في البلاد. وقتها بكى القوميون الأتراك أيضاً، فقد كان خطابه تاريخياً، يتجاوز الخطوط الحمراء التي اعتادوها، وقد يكسر ذلك الصدع بين المجتمع التركي والكردي، ويؤدي إلى تغيير واسع في تشكيل الكتل الانتخابية في البلاد.
لكن، لماذا أطلق بهتشلي مبادرته هذه؟
قبل أشهر من سقوط الأسد، كان واضحاً تزايد خشية الرئيس رجب طيب أردوغان وحليفه بهتشلي، من عواقب الحرب التي تخوضها إسرائيل في غزة ولبنان، والفوضى التي قد تحدثها في الشرق الأوسط، لا سيما وأن الكرد كانوا قد بدأوا يستعدون للاستفادة من الفراغ الذي تركه تراجع نفوذ إيران في سوريا، وانهيار حزب الله أمام الضربات الإسرائيلية المتتالية. وفي كلمته في البرلمان، أثنى بهتشلي ولأول مرّة على التنوع الذي كان في الدولة العثمانية، رغم أن القوميين الأتراك دأبوا تاريخياً على عدم الاعتراف بذلك. وسَرَت في أوساط القوميين حينه أن بهتشلي أقدم على هذه الخطوة استجابة لتغير موازين القوى بسبب الحرب الإسرائيلية، وقطع الطريق على أي سيناريو قد تفقد فيه تركيا النفوذ في سوريا، أو ربما وفي سيناريو أسوأ، قد تضيع فيه أراضٍ تركية. ولكن يبدو أن الأمر أعقد من ذلك. ففي أكتوبر/تشرين الأول عندما أطلق دعوته، لم يكن بهتشلي يتوقع سقوط الأسد في التوقيت الذي سقط فيه، إلّا أن الضرورة دفعته إلى طرح عملية السلام في تركيا لتجنب “الكارثة الاستراتيجية” المحتملة في سوريا. وقد رأى بهتشلي، ومن خلفه أردوغان، أن تركيا تحتاج إلى إقناع الكرد الذين باتوا أكثر جرأةً لا سيما في سوريا، بأن أفضل خيارٍ لهم هو التحالف مع الأتراك.
المبادرة يكتنفها الغموض
ومنذ ذلك اليوم، ما زلنا نتناقش حول أبعاد الكلمة التي ألقاها بهتشلي، ونتابع الخطوات التي اُتخِذت بعد ذلك، بكثير من الغموض؛ لأن السلطات التركية غير شفافة تجاهها. وثمة أسئلة مهمة لا تزال تطرح نفسها حتى بعد قراءة رسالة أوجلان: هل عملية السلام بدأت حقاً؟ هل تفاوضَ على الخطوات التالية أم لا؟ وما هي هذه الخطوات؟ وإذا كانت عملية السلام قد بدأت فعلاً، فلماذا تبدو وكأن بهتشلي هو صاحبها ومحرّكها الوحيد، رغم أنه على فراش الموت؟ ولماذا يحرص أردوغان لدى الحديث عن هذه العملية، أن يكون كلامه مقتضباً؛ ويستخدم عبارات عامة ومحايدة؟ لماذا لا يُظهر أي التزام علني بالعملية؟ لماذا تتحدث تركيا عن انفراج مع “الكرد”، بينما تضغط عليهم من طرف آخر: تعزل الساسة الكرد من الإدارات المحلية، وتضغط على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عسكرياً؟ والأهم من كل ذلك: هل هو حقاً بداية حلّ تاريخي؟
إذاً، على الرغم من ذهاب التحليلات إلى ربط عملية السلام مع التطورات في سوريا، إلّا أن تسلسل خطوات بدء الانفتاح، لا تتطابق مع ذلك. والإصرار على هذا الربط، قد يحول دون رؤية الدوافع الأكثر براغماتية وحيوية بالنسبة إلى أردوغان.
ويمكن اختصار أهداف/توقّعات أردوغان من هذه العملية في ثلاث نقاط:
الهدف الأول: يحتاج أردوغان إلى قرار إجراء انتخابات مبكرة، كي يتمكن من الترشح مجدداً إلى الانتخابات الرئاسية. فبعد انتخابه ثلاث مرات، يُحظر عليه دستورياً الترشح لمرة رابعة في انتخابات 2028، إلّا عن طريق تعديل دستوري أو إجراء انتخابات مبكرة. ويبدو أن الانتخابات المبكرة هو الأسهل كخطوة أولى، لكن موازين القوى الحالية داخل البرلمان لا تسمح لحزب “العدالة والتنمية” بتمرير القرار. أمّا إذا تعاون نوّاب حزب المساواة والديمقراطية (DEM)، فإن أزمة أردوغان يمكن حلّها. ويبدو أن هذا الهدف متفق عليه ما لم يحدث انهيار في عملية السلام. الهدف الثاني: هو خشية أردوغان من مرشح الحزب الجمهوري الذي سينافسه في الانتخابات الرئاسية. والمرشحون المحتملون للرئاسة هم: أكرم إمام أوغلو (جمهوري)، وهو رئيس بلدية إسطنبول، ومنصور يافاش (جمهوري بتوجهات قومية)، وهو رئيس بلدية أنقرة، ثم أوزغور أوزيل، زعيم الحزب الجمهوري، وأخيراً أوميت أوزداغ، زعيم حزب “النصر” القومي المتطرف، وقد اعتقلته السلطات التركية أخيراً بتهمة الحض على الكراهية. لذلك يسعى أردوغان إلى تفتيت صفوف المعارضة قدر الإمكان، ودفعها إلى الاقتتال الداخلي. ويأمل أن يزج بأبرز المرشحين، أكرم إمام أوغلو في السجن، ليمهّد الطريق أمام المرشحين المتبقين الثلاث للدخول في منافسة وتفتيت الأصوات. ففي حالة وفاة بهتشلي، قد يقنع أردوغان منصور يافاش الانتقال إلى صف القوميين، واستلام زعامة الحركة القومية. وسيلجأ أردوغان إلى إقناع حزب المساواة والديمقراطية (DEM) بتقديم مرشح كردي قوي، على الأقل في المرحلة الأولى من الترشيحات، وذلك كي يدفع بأصوات الناخبين إلى التشتت على أساس عرقي. وإذا استطاع أردوغان المضي قُدُماً في عملية السلام، فإن أصواتاً كردية كثيرة ستذهب إليه في نهاية الأمر. الهدف الثالث: يسعى أردوغان إلى الضغط على حزب المساواة والديمقراطية (DEM) لدعمه في مشروع تعديل الدستور، الذي يهدف أساساً إلى السماح بإمكانية انتخاب الرئيس إلى الأبد، وألّا يكون حاجز الـ50٪ شرطاً للفوز. ورغم أنه من المستبعد أن يوافق حزب (DEM) على ذلك، لكن إن حصل ووافق، فإن تركيا ستتحول إلى نسخة روسية في الحكم، وستظل هذه الوصمة تلاحق الكرد لفترة طويلة قادمة. إن كان الأمر كذلك، لماذا يبدو أردوغان متردداً تجاه العملية؟ يبدو من الواضح أن أردوغان قد خطط تماماً لذلك مستفيداً من الدروس والتجارب التي تعلّمها إبّان عملية السلام في 2013-2015. والدرس الأول هو أنه لا يمكن تحقيق النجاح في الانفتاح على الكرد، إذا وَاجَهتْهُ معارضةٌ قومية تركية متماسكة. فعلى الرغم من أن الأحزاب القومية التركية تشكّل 20٪ من الأصوات في الانتخابات، إلا أن الخطاب القومي قادر على التعبئة بما يفوق ثقله الانتخابي. والدرس الذي تعلّمه أردوغان في تلك التجربة، أنه ينبغي تفكيك صفّ القوميين الأتراك، لإنجاح العملية. أما الدرس الثاني، فهو السلوك الذي ينبغي أن تنتهجه الحكومة في أثناء عملية التفاوض. فقد تعلم أردوغان من تجربة 2013-2015، أن انخراط الحكومة العلني في التفاوض، سيرتدّ سلباً، وقد يتسبب في فشل العملية. ومن اللافت للنظر، أن حزب “الحركة القومية” الذي كان أحد أهم أسباب فشل عملية السلام في 2013-2015، هو من أهم الداعمين في عملية السلام الجديدة، رغم أنه لا يزال غير واضح كيف استطاع أردوغان أن يقنع بهتشلي أن يكون هو من يُطلق صافرة البداية. ويبذل أردوغان جهداً استثنائياً، كي لا يظهر بأنه منخرط في العملية أو رافضاً لها. ففي عملية السلام الجديدة، يتبع تكتيكاً دقيقاً: يظهر وكأنه غير مستعدٍّ للتصالح، مع الاستمرار في التفاوض؛ أي أنه يتبع سياسة “العصا والجزرة” مع حزب (DEM)، وهذا ما يمنحه اليد العليا في المفاوضات. وستؤدي في نهاية المطاف، إلى تقسيم الكرد؛ قسم يقبل التفاوض، وآخر يرفضه. وسيصب ذلك في مصلحة أردوغان ليقول لجمهوره من القوميين: انظروا إلى الكرد الذين يرفضون التفاوض. كما أن اتّباع سياسة “اللّين المتشدد” بتبادل الأدوار بينه وبين بهتشلي، سيربك صفوف الناخبين المعارضين والمؤيدين الذين سيشعرون بالحيرة تجاه السلوكيات المتناقضة التي تتخذها الحكومة؛ فهي تتفاوض وفي الوقت ذاته تقمع. ومن شأن ذلك أيضاً أن يخلق البلبلة في صفوف الحزب الجمهوري، وعدم قدرته على اتخاذ موقف واضح من العملية: فإذا أعلن صراحةً تأييده للعملية الجديدة، سيُتهم بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني، ومحاولة تقسيم الدولة، وإذا اتّخذَ موقفاً متحفظاً، فسيُتَّهم بالوقوف عائقًا في وجه السلام وعرقلة العملية. وإذا دعم العملية، سيخسر أصوات القوميين المتشددين والقوى اليمينية الوسطية؛ وإذا لم يدعمها، سيفقد بعض الأصوات الكردية. وكلما ازداد تخبطه في هذا الوضع، ترسّخ الانطباع بأنه حزب “لا يجيد الإدارة، ولا يصلح للحكم”. وأردوغان سيكون هو الفائز مهما كانت النتيجة. فإذا ما سارت الأمور بسلاسة وحلّ حزب العمال الكردستاني نفسه، فإنه سيزعم أن الفضل في إنهاء تمرد دام 40 عاماً يعود إليه، وسيدخل الانتخابات القادمة في مواجهة معارضة ضعيفة. وفي حال لم تسر الأمور كما هو مخطط لها، فإنه سيبدو قوياً من خلال تضييق الخناق على المعارضة، وملاحقة القوات الكردية في سوريا. لقد امتنع أردوغان طوال هذه الفترة عمداً عن تولّي دور مباشر في العملية، تاركاً الساحة لبهتشلي، وذلك للفصل بين مستقبله السياسي ومجرى المفاوضات. وإذا صحّ هذا الاستنتاج، فهذا يعني أن عملية “الانفتاح” على الكرد، ليس مجرد مناورة سياسية، بل مبادرة أوسع تقودها الدولة. وقد عبّر عن ذلك بصورة غير مباشرة نائب رئيس حزب “العدالة والتنمية”، أفكان علاء، عندما قال “إن جوهر نداء [أوجلان] هو أن يلقي التنظيم السلاح، ويحل نفسه، لكننا ننظر أيضاً إلى ما سينتج عن ذلك.” فالأمر لا يتعلق فقط بإلقاء السلاح، بل يكتنفه أيضاً مدى إمكانية تحقيق ذلك. فتحقيق النتائج المطلوبة لا يزال أمراً غير مؤكد، ويحتاج إلى مبادرة أوسع لضمان نجاحه.
لكن لماذا أصلاً سيتخلى حزب العمال الكردستاني عن سلاحه؟
بعد تأسيسه في نوفمبر 1978، بدأت قيادة حزب العمال الكردستاني بنقل نشاطه خارج تركيا، وانتقلت إلى سوريا في بداية عام 1979، مستفيدةً من ظروف إقليمية سمحت له بتأسيس قاعدة عمليات خارج نطاق الضغط التركي. وكان هذا التحوّل جزءاً من استراتيجية الحزب لتأمين بيئة أكثر أماناً واستقراراً لاستمرارية النضال الكردي. ويعني ذلك عملياً، أن الحزب وُلِدَ تركياً، لكنه ترعرع ونما سورياً. أردوغان وبهتشلي يدركان ذلك.
عندما انسحب نظام الأسد من مناطق بشمال شرق سوريا في بدايات الحرب الأهلية، استطاع أبناء المنطقة، بمختلف مكوّناتهم، وبقيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومجلس سوريا الديمقراطي (مسد)، تأسيس كيان أشبه بدويلة لها هياكلها العسكرية والإدارية والقضائية. واستطاعت “قسد” و”مسد” أن تحكم ولأول مرة المنطقة ذاتياً. وتمكنت من توطيد سيطرتها على الأرض وإضفاء الشرعية على سلطتها من خلال مؤسسات الإدارة الذاتية. وفي أثناء حربها مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ترسّخ دورها بوصفها فاعلاً إقليمياً رئيسياً، وضمَنَتْ أيضاً الدعم الدولي عسكرياً، وفي أحيان كثيرة سياسياً. وعرفت “قسد” سريعاً المزايا الاستراتيجية لبناء الدولة والدبلوماسية وإقامة التحالفات. وبعد 30 عاماً من القتال المسلح، وآلاف القتلى، بات حزب العمال الكردستاني ابناً شرعياً للمنطقة التي ترعرع فيها، ويجد أنّ مستقبل شمال شرق سوريا يستحق أن يضحّي الحزب بحلّ نفسه، ويفتح الطريق كاملاً أمام “قسد” ككيان بتوجهات سورية، فذلك أكثر صواباً استراتيجياً.
لقد كان للقضية الكردية دائماً بُعداً جيوسياسياً. وكلّما أَمْعنت الدول التي تسيطر على كردستان في قمع الكرد، استطاعوا التحوّر والتكيف؛ فقد تحوّلت قضيتهم القومية من التمثيل السياسي والثقافي، إلى قضية أمن إقليمي، ولم تعد قضية الكرد تنحصر في مسائل الهوية وحقوق الأقليات، بل أصبحت مسألة إقليمية، تشكل ديناميكيات القوى الأوسع في الشرق الأوسط، وتتأثر بها.
مع ذلك، لا يزال مستقبل شمال شرق سوريا غير واضح. إذْ أنّ قوات سوريا الديمقراطية لا تزال تتصدى يومياً لهجمات “الجيش الوطني السوري” الذي يعمل وكيلاً لتركيا. ولن تخفّف أنقرة هذا الضغط، إلّا إذا نجحت “عملية السلام” مع حزب “العمال الكردستاني”. حينها، قد تصبح تركيا أكثر استعداداً لتلطيف موقفها تجاه “قسد”، وتعيد النظر في مخاوفها من أن حكم الكرد السوريين للمنطقة يشكل تهديداً وجودياً على أمنها القومي. ولكي تغيّر تركيا موقفها، يجب أن يكون هناك فصل واضح بين “قسد” و”مسد” من جهة، وحزب العمال الكردستاني من جهة أخرى، وحلّه وتقديم ضمانات بأن الحدود الحالية ستظل من دون تغيير. كما أن إشراك الكرد في هيكلية الحكم في سوريا أو استبعادهم، يُعدّ عاملاً حاسماً في تشكيل ميزان القوى الإقليمي، لا سيّما في التأثير في ديناميكية العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية التي لا تزال حذرة من توسع نفوذ أنقرة في المنطقة. ومن دون اندماج الكرد في العملية السياسية، لن تشهد سوريا استقراراً على المدى البعيد.
وأردوغان يدرك أن “القضية الكردية” داخل تركيا، لم تعد مسألة اعتراف بالحقوق الثقافية أو التمثيل السياسي، بل باتت تتعلق بالتموضع الاستراتيجي والأمن الإقليمي. وقالت الباحثة التركية آرزو يلماظ، إن عملية السلام الحالية لم تعد “مبادرة سلام تقليدية تهدف إلى حل المظالم التاريخية؛ بل هي عملية بناء تحالفات، حيث تُملي التحالفات الإقليمية وميزان القوى إطار المشاركة.”
في هذا السياق، يمكن فهم مضمون رسالة أوجلان. فالرؤية التي يقدمها، تحاول أن تخرج “القضية الكردية” من إطارها القومي الضيق، إلى قضية بناء “مجتمع ديمقراطي”، وكان هذا واضحاً في الرسالة إلى وجهها صلاح دمرتاش إلى الكرد والأتراك عموماً. ويقول فيها:
لا تخَفْ من السلام ولا من المصالحة يا أخي. لا تخف من تكاتف التركي والكردي معاً لجعل تركيا أقوى. لا تخف من دعم أي خطوة تنقل المنطقة إلى السلام. لا تخفْ، حتى نستطيع هذه المرة إسكات الأسلحة وإفساح المجال للسياسة كي تتحدث. وبالنضال السياسي فلنتغلّب سوياً على الفقر والبطالة والجوع والظلم وعدم المساواة. ولْنسعَ إلى توجيه المليارات التي تُنفَق على الحرب نحو الشعب مباشرةً. ولا ننسَ أن السلام يعني أيضاً الخبز والعمل والرزق.
أردوغان ليس ديمقراطياً إلّا بمقدار ما تخدم في ضبط معارضيه، وهو أيضاً ليس قومياً إلّا بمقدار ما تجلب من أصوات إلى صناديق الاقتراع. الإسلاميون لا يؤمنون بالديمقراطية ولا بالقومية. مع ذلك، سيضطر أردوغان، إذا نزع سلاح حزب “العمال الكردستاني”، إلى إطلاق سراح الآلاف من الساسة الكرد من السجن، والسماح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية، طالما أن هذه المشاركة لا تصب في مصلحة معارضيه، ولا تناقض أجندته.
ودمرتاش يدرك ذلك، فالنبرة العامة في رسالته أنه يدعو إلى الصبر والإصرار، إذْ أن السلام والمجتمع الديمقراطي لا يأتي دفعة واحدة، ويدرك أيضاً مشقة الطريق الطويلة إلى إقناع الأتراك بأن الكرد رصيد في تركيا، وليسوا تهديداً لها. ويحاول أن يوضح أن عملية السلام هذه ينبغي أن تنتقل من عملية تتمحور حول العنف، إلى عملية تتمحور حول السياسة والقانون.
وسيجد الكرد في سوريا أنهم مضطرون إلى خوض هذه الرحلة الشاقة أيضاً في إقناع الآخرين بأنهم رصيد، وليسوا تهديداً، وأنه يمكن بناء منطقة، إقليم، دولة، سلميٍّة سعيدٍة مزدهرة، وأنّ تنوّع الهويات إغناءٌ، وإنكارها إفقارٌ ومضيعة. ومهما يكن من أمر “عملية السلام” التي أطلقها بهتشلي وأوجلان؛ فقد تفشل وقد تنجح، لكن المؤكد أن “قضية الكرد” لم تعد مجرد تطلّعات قومية، بل عاملاً حاسماً في بناء مجتمع رفاه متصالح مع نفسه.
السيدة الكردية الريفية في المؤتمر الصحفي كانت تعرف بغريزتها التي عجنتها مئات سنوات الكفاح، أن المغزى ليس في مضمون الرسالة؛ المغزى في الصورة الأكبر، العملاقة.
-
كيف تكتب مذكرة قانونية مقنعة: دروس من الصحافة

المحامي كينيث بليفان أحياناً لا تكون مشكلة الكتابة القانونية أن الحجة ضعيفة، بل أن القارئ يصل إليها متأخراً.
توقفتُ عند هذه الملاحظة وأنا أقرأ عن كتابة الاستهلال (أو ما يُسمى صحفياً المطلع) في النصوص القانونية. ليست ملاحظة عن الزينة البلاغية، ولا عن جعل المذكرة «جذابة» بالمعنى السطحي. إنها أقرب إلى سؤال مهني: ماذا يرى القاضي في أول دقيقة من القراءة؟ هل يرى القضية، أم يرى الملف؟ هل يدخل مباشرة إلى النزاع، أم يُترك ليتجوّل بين التواريخ والطلبات والردود والتعريفات حتى يعثر وحده على النقطة التي كان ينبغي أن تقوده إليها الجملة الأولى؟
المحامي يعرف أن القاضي مشغول، وأن الملف ليس الوحيد على مكتبه، وأن الخصم لن ينتظر حتى تتجلّى الحجة في الصفحة الخامسة. ومع ذلك، كثيراً ما تبدأ المذكرات القانونية كما يبدأ ترتيب الأرشيف: هذا ما حدث أولاً، ثم هذا ما حدث بعده، ثم هذا ما قيل رداً عليه، ثم هذا ما أُرفق. كأن الكاتب يظن أن ترتيب الوقائع زمنياً هو نفسه ترتيبها من حيث الإقناع. ما حدث أولاً ليس دائماً ما ينبغي أن يُقال أولاً، وما يحتاجه القارئ في البداية ليس كل شيء، بل المفتاح الذي يفهم به كل شيء.
في كتاب The Lawyer’s Guide to Writing Well مثالٌ لمحامٍ اسمه كينيث بليفان، كان عليه أن يكتب في يوم واحد مذكرة تمنع صدور أمر تقييدي مؤقت ضد موكّله، مستوردِ ألعابٍ اتُّهم بانتهاك علامة تجارية. بدأ بليفان كما يبدأ كثير من المحامين: فقرة عن الوضع الإجرائي للقضية. ثم انتبه إلى أنه سيفقد أهم قارئ لديه قبل أن يصل إلى حجته.
ما فعله بعد ذلك يستحق التأمل. كانت شركة «هاسبرو» تتهم موكّله بسرقة تصميم دمى ديناصورات، فكتب استهلالاً يقول في خلاصته إن هاسبرو، صاحبة المبيعات الضخمة، تريد حماية تجارتها، لكن لا يحق لها أن تحتكر دمى الديناصورات؛ فالربّ، لا هاسبرو، هو الذي جاء بالترايسيراتوبس والبرونتوصور إلى هذه الأرض قبل مئات ملايين السنين:
تستهل «هاسبرو» مذكرتها بالقول إن سلسلة ألعابها «THE TRANSFORMERS»، التي حققت «نجاحاً هائلاً»، قد «أفرخت، كما كان متوقّعاً، نسخاً مقلّدة». وليس مفاجئاً كذلك أن تذهب «هاسبرو»، بعدما حقق هذا الخط الناجح من الألعاب مبيعات بلغت 300,000,000 دولار، إلى أبعد مدى في الدفاع عن تجارتها. غير أن «هاسبرو»، كما سنبيّن أدناه، لا تستطيع أن تدّعي لنفسها احتكار الدمى المجسّمة على هيئة ديناصورات. ففي نهاية الأمر، الربّ، لا «هاسبرو»، هو من أتى بـ«ترايسيراتوبس» و«برونتوصور» إلى هذه الأرض قبل مئات الملايين من السنين.
Hasbro opens its memorandum by stating that its “enormously successful ‘THE TRANSFORMERS’ series of toys has predictably spawned knock-offs.” What is equally predictable is that Hasbro, with $300,000,000 in sales riding on this successful line of toys, will go to any length to defend its business. As we show below, however, Hasbro cannot arrogate to itself a monopoly in dinosaur-converting figures. It was, after all, the Lord, and not Hasbro, that brought the Triceratops and Brontosaurus to this earth, several hundred million years ago.

هذا الاستهلال لا يضيّع وقته. يضع النزاع في حجمه الصحيح من أول سطر: شركة كبرى تحاول توسيع علامتها التجارية إلى ما يشبه احتكار الفكرة الطبيعية ذاتها. لا نكتة ولا استعراض، بل إعادة تأطير قانونية بالغة الجدية. القاضي لم يَعُد ينظر إلى دعوى سرقة تصميم، بل إلى دعوى تطلب أكثر مما يحقّ لصاحبها أن يطلبه.
هنا يظهر ما يمكن أن يتعلمه المحامي من الصحافة دون أن يتحول إلى صحفي. الصحافة الجيدة لا تبدأ من أول حدث في الزمن، بل من أول معنى في القصة. تسأل: ما الذي يهم القارئ الآن؟ ما الزاوية؟ ما الجملة التي تجعل الوقائع اللاحقة مفهومة؟ والمذكرة القانونية تحتاج السؤال نفسه، لأنها ليست مخزناً للمعلومات، بل طريقاً نحو حكم أو قرار. القارئ القانوني لا يحتاج أن يُرمى أمامه الملف كاملاً، بل أن يأخذ أحدٌ بيده إلى موضع النزاع.
لذلك يصبح الاستهلال أكثر من بداية أنيقة؛ إنه عقد بين الكاتب والقارئ: سأقول لك منذ البداية لماذا تقرأ، وما المسألة التي سنفكر فيها، وأي طريق سنسلك.
ولعل المثال الضريبي أقرب إلى العمل اليومي للمحامي. مذكرة عن تركة فيها لوحة لفان غوخ، تبدأ بتاريخ الوفاة، ثم تاريخ إقرار الضريبة، ثم تعريف «تاريخ الوفاة»، ثم تعريف «التركة»، ثم عنوان اللوحة، ثم قيمتها، ثم تاريخ التقييم البديل، ثم تقييم «سوذبيز»، ثم خطاب مصلحة الإيرادات، ثم لجنة المشورة الفنية. ولا تظهر المسألة الفعلية إلا في آخر حاشية: قيمة لوحة فان غوخ في تاريخ التقييم البديل هي موضع النزاع:
إلى: الشريك
من: معاون في السنة الثالثة
الموضوع: [بلا موضوع]
مقدمة
توفيت جين دو سميث في 31 يوليو 1985، ويشار إلى تاريخ الوفاة فيما يلي بـ «تاريخ الوفاة». وفي 31 أبريل 1986، قدّم المنفذان المشاركان لوصيتها، وسيشار إليها بـ«التركة»، إقراراً فدرالياً بضريبة التركات، وردت فيه لوحة لفنسنت فان غوخ بعنوان «لارليزيان» وسيشار إليها أحياناً فيما يلي باسم «فان غوخ»، مقدّرة بقيمة 2,250,000 دولار ابتداءً من 31 يناير 1986، وهو تاريخ التقييم البديل، وسيشار إليه فيما يلي باسم «تاريخ التقييم البديل».* واستندت هذه القيمة إلى تقييم ضريبي للتركة أجرته شركة سوذبيز، وسيشار إليها باسم «سوذبيز». وفي 11 أبريل 1986، أصدرت مصلحة الإيرادات الداخلية، وسيشار إليها باسم «المصلحة»، خطاب «التسعين يوماً»، حدّدت فيه المصلحة أن قيمة لوحة فان غوخ كانت 5,000,000 دولار كما في تاريخ التقييم البديل. وقد استند تحديد المصلحة إلى تقييم لجنة المشورة الفنية التابعة لها للوحة فان غوخ. كما قيّمت لجنة المشورة الفنية لوحة فان غوخ كما في تاريخ الوفاة بمبلغ 3,500,000 دولار.
* التاريخ الواقع بعد ستة أشهر من الوفاة. انظر المادة 2032 من قانون الإيرادات الداخلية لسنة 1986، بصيغته المعدلة، وسيشار إليه باسم «القانون». ويكون تاريخ التقييم البديل، إذا اختاره منفذ الوصية، هو التاريخ المعتمد لتقييم التركة لأغراض ضريبة التركات الفدرالية. وقد اختار المنفذان المشاركان هذا الخيار في ما يتعلق بالتركة. ومن ثم فإن قيمة لوحة فان غوخ كما في تاريخ التقييم البديل هي موضع النزاع.
الكاتب لم يكتب كلاماً فارغاً؛ كل ما ذكره قد يكون لازماً في مكانه. لكنه دفن الاستهلال الأساسي في الحاشية، ووضع القارئ أمام التفاصيل قبل أن يخبره لماذا يحتاج إليها. لو بدأ بقوله إن النزاع يدور حول القيمة الضريبية للوحة فان غوخ في تاريخ التقييم البديل، وأن التركة قدّرتها بمبلغ بينما قدّرتها مصلحة الضرائب بأكثر من الضعف، لصار لكل تاريخ لاحق وظيفة. عندئذ يصبح تاريخ الوفاة ضرورياً، وتاريخ التقييم البديل مفهوماً، وتقييم سوذبيز جزءاً من الصراع. أما قبل ذلك، فهي قطع متناثرة.
المشكلة ليست في وجود التفاصيل، بل في غياب العدسة. من دون العدسة تبدو الوقائع كثيرة؛ ومعها تصبح مرتبة. الاستهلال الجيد لا يحذف التعقيد، بل يضع له باباً.
ومن أمثلة «الاستهلال المدفون» ما حدث مع الفقيه الدستوري لورنس ترايب. بدأ مذكرته في قضية تتعلق بمطعم في هارفارد سكوير يسعى إلى ترخيص بيع الخمور، بفقرة مزدحمة بالإحالات والتعريفات وأرقام المواد والكنائس والمعابد وسلطة النقض ونصف قطر يبلغ 500 قدم. كل شيء موجود تقريباً، إلا الصورة التي تساعد القارئ على رؤية المسألة:
موضع النزاع في هذه القضية هو صحة قوانين ماساتشوستس العامة، الفصل 138، المادة 16C، مذكرة المستأنِفين من الولاية، الصفحات 2a–3a، التي تفوّض كنائس ومعابد يهودية معيّنة، أي تلك التي، بحسب عبارات القانون، «مكرّسة للعبادة الإلهية»، بسلطة نقض ظرفية ومطلقة على الموافقة على كل ترخيص لبيع الخمور ضمن دائرة نصف قطرها 500 قدم من الكنيسة أو المعبد اليهودي. وبما أن كنيسة الصليب المقدس الأرمنية الكاثوليكية تقع، بعناية إلهية، قرب تقاطع شارعي «ماونت أوبورن» و«بويلستون» في كامبريدج، وبما أنها مخوّلة من الولاية بسلطة نقض غير قابلة للمراجعة بموجب المادة 16C، فإن كنيسة الصليب المقدس الأرمنية الكاثوليكية تستطيع، وهي تفعل، أن تمارس سلطة تنظيمية مطلقة على الحصول على تراخيص بيع الخمور في كامل منطقة هارفارد سكوير تقريباً.
ثم يتبيّن أن الجملة الأقوى كانت مدفونة في حاشية لاحقة:
تقع كل منطقة تجارية وترفيهية كبرى تقريباً في ماساتشوستس ضمن مسافة 500 قدم من كنيسة ما. وعلى كل حال، فخلاصة طعن غريندلز في المادة 16C هي أنها تعهد بسلطة حكومية إلى الكنائس. أما نصف القطر المحدد لمجال النفوذ الذي يُسلَّم بذلك إلى الهيئات الدينية، سواء كان عشرة أقدام أو عشرة أميال، فلا أهمية دستورية له: فالتعديلان الأول والرابع عشر لم يُكتبا، في نهاية المطاف، بالمسطرة والفرجار.
هذه هي الفكرة، وكان ينبغي أن تكون في الباب لا في القبو. ما الذي تغيّر حين خرجت الصورة من الحاشية إلى المقدمة؟ القانون لم يتغير، والمسألة لم تُبسَّط إلى حد الإخلال بها، والبعد الدستوري لم يُحذف. الذي تغير هو أن القارئ صار يرى النزاع: هل يجوز للدولة أن تمنح جهة دينية سلطة تعطيل ترخيص تجاري داخل نطاق معين؟ وهل تكون دستورية الحق مرهونة بعدد الأقدام؟
تفعل هذه الجملة ما تفعله الصحافة الجيدة: تجعل المجرد مرئياً. لا تكتفي بقول «تفويض سلطة نقض»، بل تجعلنا نرى الخريطة والكنائس والمنطقة التجارية ونطاق النفوذ، ثم تعود إلى الدستور. تبدأ من الصورة لتصل إلى القاعدة، لا لأنها تستبدل القاعدة بالصورة، بل لأنها تمنح القاعدة جسداً يراه القارئ.
وهذا درس عملي: أحياناً تكون أقوى جملة في مذكرتك مختبئة في الحاشية، أو في منتصف الصفحة الثالثة، أو في آخر فقرة كتبتها بعدما فهمت القضية حقاً. لا تتركها هناك. بعد المسودة، اسأل نفسك: أين قلتُ لأول مرة ما تعنيه القضية فعلاً؟ في الغالب، تلك هي البداية التي تبحث عنها.
ثمة أداة أخرى ينبغي ألا يفوّتها المحامي وهو يصوغ استهلاله، وهي اختيار الفعل. الجملة القانونية الضعيفة تبدأ غالباً بفعل ضبابي: «يتعلق هذا الجانب بالعقد بين…»، أو «يتصل هذا الطلب بمسألة…». ما معنى «يتعلق»؟ هل العقد يمنع البيع؟ يؤخره؟ يشترط موافقة طرف ثالث؟ يخلق تعارض مصالح؟ الكاتب يعرف لكنه لا يخبر، فيترك القارئ يركّب العلاقات بنفسه، كأن الوضوح عمل القارئ لا عمل الكاتب. الفعل في الجملة القانونية حاملُ العلاقة القانونية، لا زينة نحوية. وكلما كان أضعف، احتاجت الجملة إلى مزيد من الشروح لتغطي ضعفه. لا تقل «يتعلق» إذا كنت تقصد «يعطّل» أو «يشترط» أو «يهدد» أو «يستوجب موافقة».
في مقابل كل ذلك، تبدو فقرة القاضي ليرند هاند مثالاً على أقصى ما يمكن أن يفعله الاستهلال الهادئ. في خمس جمل يعرض غرض الدعوى، وحقوق المدّعين، ونقطة النزاع، ودفاع المدعى عليهم، وسبب الطعن في ذلك الدفاع، ورأي المحكمة الأدنى. لا مبالغة ولا زخرفة، ومع ذلك لا يضل القارئ لحظة. يعرف منذ البداية أن القضية تتعلق بمنع عرض فيلم بسبب ادعاء انتهاك حقوق ملكية مسرحية، وأن الملكية وصحة الحق ليستا محل نزاع، وأن المسألة الوحيدة هي: هل وقع الانتهاك؟ هذه قوة هادئة، ليست قوة الصوت العالي، بل قوة الطريق الواضح:
ترمي هذه الدعوى إلى منع عرض فيلم «Letty Lynton»، بدعوى أنه يعتدي على حق المؤلف في مسرحية المدّعين «Dishonored Lady». ولا خلاف على أن الحق يعود إلى المدّعين، ولا على صحة حمايته؛ فالنزاع كله يدور حول مسألة واحدة: هل وقع الاعتداء؟ يقول المدّعى عليهم إنهم لم يستخدموا المسرحية بأي صورة في إنتاج الفيلم. أما المدّعون فيطعنون في صدق هذا النفي، بسبب المفاوضات التي جرت بين الطرفين لشراء حقوق المسرحية، وبسبب أوجه الشبه بين العملين، وهي أوجه بلغت من الخصوصية والتفصيل ما يستبعد أن تكون محض مصادفة. غير أن القاضي رأى أن المدّعى عليهم، إن كانوا قد أخذوا شيئاً من المسرحية، فإنهم لم يأخذوا إلا ما يسمح به القانون: الموضوعات العامة أو العناصر القصصية أو الأفكار التي لا يحميها حق المؤلف. ولذلك ردّ الدعوى.
The suit is to enjoin the performance of the picture play, “Letty Lynton,” as an infringement of the plaintiffs’ copyrighted play, “Dishonored Lady.” The plaintiffs’ title is conceded, so too the validity of the copyright; the only issue is infringement. The defendants say that they did not use the play in any way to produce the picture; the plaintiffs discredit this denial because of the negotiations between the parties for the purchase of rights in the play, and because the similarities between the two are too specific and detailed to have resulted from chance. The judge thought that, so far as the defendants had used the play, they had taken only what the law allowed, that is, those general themes, motives, or ideas in which there could be no copyright. Therefore he dismissed the bill.
حين نتحدث عن استفادة المحامين من الصحافة، لا نقصد العناوين الصاخبة ولا الإثارة ولا اختزال القانون في حكاية لطيفة. نقصد شيئاً أكثر مهنية: احترام انتباه القارئ. الصحافة علّمت كتّابها، تحت ضغط المساحة والوقت، أن يسألوا دائماً: ما المهم؟ ما الزائد؟ أين يدخل القارئ؟ هذه الأسئلة نافعة للمحامي أيضاً، وربما أشد نفعاً، لأن القارئ هنا لا يقرأ للتسلية، بل ليقرر أو يدافع أو يحكم أو يوقّع أو ينصح.
ومن هذه الأمثلة تخرج أدوات قليلة لكنها ثمينة. ضع المسألة قبل الخلفية حين تكون الخلفية خادمة للمسألة. ابدأ بالنزاع لا بسيرة الملف. لا تجعل التسلسل الزمني بديلاً عن بناء الحجة. اختر فعلاً دقيقاً يكشف العلاقة القانونية. أخرج أقوى جملة من الحاشية وضعها حيث يستحقها القارئ. واسأل دائماً، قبل أن تطلب من القاضي أن يحكم: هل منحته طريقاً واضحاً إلى موضع الحكم؟
قد يملك المحامي الحجة الأقوى، لكنه يضعها أحياناً في المكان الأضعف. وقد تكون المذكرة ممتلئة بالوقائع الصحيحة دون أن تقول للقارئ لماذا تهم. وقد يكون النص دقيقاً اصطلاحياً وغامضاً اتجاهياً. والاتجاه، في الكتابة القانونية، ليس ترفاً؛ إنه جزء من الإقناع. الكتابة الواضحة لا تضعف القانون، بل تجعله مرئياً، ولا تنتزع من الحجة صرامتها، بل تزيل ما يحجب هذه الصرامة عن القارئ.
في النهاية، ليس المطلوب من المحامي أن يكتب كصحفي، بل أن يتعلّم منه هذا السؤال البسيط: أين النقطة التي لا يجوز أن يفتش عنها القارئ وحده؟ القاضي لا ينبغي أن يُترك لينبش عن الحجة، والعميل لا ينبغي أن يُترك وسط التعاريف، والخصم لا ينبغي أن يُمنح فرصة الاستفادة من غموضك. أول واجب في الاستهلال القانوني ليس أن يثبت الكاتب أنه يعرف الملف، بل أن يثبت أنه يعرف لماذا يكتبه.
-
كيف تجعل الجملة تشي بالجنون؟ درس من إدغار آلان بو

إدغار آلان بو من السهل أن تكتب عن شخصٍ مجنون. ومن الصعب أن تجعل الجملة نفسها تبدو كأنها فقدت اتزانها.
كثير من الكتّاب حين يريدون تصوير الجنون يذهبون إلى الكلمات المباشرة: كان مضطرباً. كان مهووساً. كان يسمع أصواتاً. كان عقله ينهار.
لكن إدغار آلان بو في افتتاحية قصته الشهيرة «القلب الواشي» لا يكتفي بأن يخبرنا عن اضطراب الراوي. إنه يجعل اضطرابه يتسرب إلى الجملة نفسها: إلى ترتيبها، وتكرارها، وانقطاعاتها، وعلامات ترقيمها، وطريقتها العصبية في الدفاع عن نفسها.
و«القلب الواشي» واحدة من أشهر قصص بو القصيرة، نُشرت أول مرة في يناير/كانون الثاني 1843 في مجلة The Pioneer، ثم أعاد بو نشرها بصيغة منقحة قليلًا في The Broadway Journal عام 1845. حبكتها بسيطة ومخيفة: راوٍ مجهول يحاول منذ الجملة الأولى أن يثبت أنه ليس مجنوناً، ثم يروي كيف قتل رجلاً عجوزاً لا يكرهه ولا يطمع في ماله، بل لأن عينه الزرقاء الشاحبة — التي يشبّهها بعين نسر — كانت تطارده وتثير رعبه. يراقبه سبع ليالٍ، ثم يقتله في الليلة الثامنة، يقطّع الجثة ويخفيها تحت ألواح الأرض. وحين تأتي الشرطة، يكاد ينجو، لكنه يسمع دقات قلب تتصاعد في أذنه، فيظن أنها قلب القتيل المدفون، ثم ينهار ويعترف. ومن المعلومات اللافتة عن القصة أن بو لا يذكر اسم الراوي ولا جنسه ولا علاقته الدقيقة بالعجوز، ولذلك ظلّ النقاد يتساءلون: هل العجوز أب؟ مالك بيت؟ سيد؟ وهل الراوي رجل أصلًا؟ كما أن القلب الذي يسمعه في النهاية قد يكون صوت ذنب الراوي نفسه وقد تحوّل إلى هلوسة سمعية. لذلك لا تكمن قوة القصة في جريمة القتل وحدها، بل في المفارقة الكبرى: الراوي يريد أن يبرهن على سلامة عقله، لكن كل جملة يقولها تتحول إلى دليل ضده.
انظر إلى هذا المقطع:
«صحيح! — كنتُ عصبيّاً — عصبيّاً على نحوٍ بالغ، بالغ الفظاعة، وما زلتُ كذلك؛ ولكن لِمَ تُصِرّون على أنني مجنون؟ لقد حدَّ المرضُ من حدَّة حواسي — لم يُفْنِها — لم يُخْمِدها. وكان أشدَّها حدَّةً حاسّةُ السمع. لقد سمعتُ كلَّ شيءٍ في السماء وعلى الأرض. سمعتُ أشياءَ كثيرةً في الجحيم. فكيف أكون، إذن، مجنوناً؟ أَصْغُوا! وتأمّلوا كيف أروي لكم بعافيةٍ تامّة — وبهدوءٍ كامل القصة بأكملها.»
True! — nervous — very, very dreadfully nervous I had been and am; but why will you say that I am mad? The disease had sharpened my senses — not destroyed — not dulled them. Above all was the sense of hearing acute. I heard all things in the heaven and in the earth. I heard many things in hell. How, then, am I mad? Hearken! and observe how healthily — how calmly I can tell you the whole story.

هذه الفقرة لا تسير في خط مستقيم. إنها تتقدم، ثم تقاطع نفسها، ثم تصحح نفسها، ثم تستأنف، ثم تنفجر بسؤال، ثم تأمرنا بالإصغاء. كأن الراوي لا يروي لنا القصة فقط، بل يحاول أن يسيطر علينا ونحن نقرأها.
وهذا بالضبط ما يجعلها عظيمة.
لكن لو عرضنا هذه الفقرة على النحو التقليدي، فسيتوقف عند مواضع محددة من التقديم والتأخير.
سيقول مثلًا في الجملة:
وكان أشدَّها حدّةً حاسّةُ السمع.
إن الأصل فيها هو:
-
وكانت حاسّةُ السمع أشدَّها حدّةً.
أي إن «حاسّة السمع» اسم كان، و«أشدّها حدّة» خبرها. لكن بو، قدّم الخبر على الاسم: «أشدَّها حدّةً»، «حاسّةُ السمع».
فيقول النحو التقليدي: هذا تقديم خبر الفعل الناقص على اسمه. والغرض منه العناية بالخبر، أو التشويق إلى الاسم المؤخر.
وفي الجملة الأخيرة:
أروي لكم بعافيةٍ تامّة — وبهدوءٍ كامل القصة بأكملها.
قد يقول النحو التقليدي إن الأصل الأقرب:
-
أروي القصة بأكملها لكم بعافية تامة وبهدوء كامل.
لكن النص قدّم المتعلقات (ما يُسمى نحوياً الفضلة):
-
لكم
-
بعافية تامة
-
وبهدوء كامل
وأخّر المفعول به:
-
القصة بأكملها
فيقول النحو: هذا تقديم للفضلات أو المتعلقات على المفعول، والغرض منه العناية والاهتمام والتشويق إلى المؤخر.
وهذا التحليل صحيح من حيث الوصف. لكنه، في رأيي، لا يكفي كدرس في الكتابة؛ لأنه يخبرنا ماذا حدث في الجملة، ولا يخبرنا لماذا احتاج الكاتب إلى يفعل ذلك. يخبرنا أن التقديم يثير التشويق عند السامع، لكنه لا يشرح لنا ما الذي يحدث في عقل المتكلم (الكاتب) لحظة اختار هذا الترتيب.
وهنا يبدأ الدرس الحقيقي.
ليست المشكلة في النحو. المشكلة في الطريقة المدرسية التي تستعمل النحو كأنها تلصق لافتات على الجمل:
-
تقديم للتشويق.
-
تقديم للعناية.
-
تقديم للاختصاص.
-
تقديم للاهتمام.
هذه الكلمات صحيحة، لكنها أحيانًا تصبح كسولة. لأنها تُريحنا من السؤال الأهم:
لماذا كان هذا الشيء موضع العناية أصلًا؟ لماذا لم يستطع المتكلم تأخيره؟ ما الذي يكشفه هذا الترتيب عن اضطرابه، أو رغبته، أو خوفه، أو كذبه، أو محاولته إقناع الآخرين؟
حين يقول النحو التقليدي إن تقديم «أشدّها حدّة» في جملة بو يفيد التشويق إلى «حاسة السمع»، فهو يصف ما يحدث للقارئ. لكن الكاتب يحتاج إلى شيء آخر: يحتاج إلى أن يعرف كيف يجعل ترتيب الجملة صورةً لترتيب المعنى في نفس الشخصية.
وهذا ما يجعل عبد القاهر الجرجاني أكثر نفعاً للكاتب من النحو المدرسي. فالنظم عنده ليس مجرد أن تقدّم كلمة وتؤخر أخرى. النظم هو أن تتعالق المعاني في النفس أولاً، ثم تأتي الألفاظ على وفق ذلك التعالق.
بعبارة أبسط: الجملة الجيدة لا ترتب الكلمات فقط. إنها ترتب الهواجس.
الراوي لا يحكي، بل يدافع عن نفسه
أول ما ينبغي أن نلاحظه أن الراوي في «القلب الواشي» لا يبدأ الحكاية بداية هادئة. لا يقول: حدث هذا في ليلة كذا. لا يصف المكان. لا يهيئ المشهد.
ويمكن قراءة افتتاحية «القلب الواشي» بوصفها مرافعة فاشلة: الراوي يقف في موضع الدفاع، يريد أن يثبت أنه عاقل، لكن نبرة دفاعه، وتقطّع عباراته، وتكراره، وإلحاحه على الهدوء والعافية، كلها تتحول إلى أدلة اتهام:
صحيح! — كنتُ عصبيّاً — عصبيّاً على نحوٍ بالغ، بالغ الفظاعة، وما زلتُ كذلك؛ ولكن لِمَ تُصِرّون على أنني مجنون؟
هذه ليست جملة راوي محايد. هذه جملة متهم.
الراوي يعرف أن هناك حكمًا مسبقًا عليه: أنتم تظنون أنني مجنون. ولذلك يبدأ بمناورة دفاعية ذكية: يعترف بتهمة صغيرة ليدفع تهمة أكبر:
نعم، كنت عصبياً.
نعم، كنت عصبياً على نحو بالغ.
نعم، ما زلت كذلك.
لكن لماذا تصرون على أنني مجنون؟
هنا لا يعمل التكرار بوصفه زينة. إنه جزء من استراتيجية نفسية. المتكلم يحاول أن يرسم حدّاً بين «العصبية» و«الجنون». كأنه يقول: لا تخلطوا بينهما. أنا مضطرب، لكنني لست مجنوناً.
لكن المفارقة أن طريقته في الدفاع تجعله يبدو أقرب إلى الجنون. فهو لا يقول «كنت عصبياً» مرة واحدة، بل يكررها، ويضاعفها، ويقاطع نفسه، ويزيد عليها:
عصبيّاً — عصبيّاً على نحوٍ بالغ، بالغ الفظاعة
إنه لا يسيطر على الجملة. الجملة تسيطر عليه.
وهذه أول أداة في كتابة الجنون: لا تجعل الشخصية تقول إنها مضطربة. اجعلها تفشل في ترتيب دفاعها عن نفسها.
بعد ذلك يقول:
لقد حدَّ المرضُ من حدَّة حواسي — لم يُفْنِها — لم يُخْمِدها.
هذه جملة شديدة الذكاء. يبدأ الراوي بجملة يمكن أن تُفهم ضده:
-
حدَّ المرضُ من حدَّة حواسي
ربما يسمعها القارئ هكذا: المرض أضعفه. المرض أفسده. المرض جعله غير موثوق.
فيخاف الراوي من هذا الفهم، فيقفز فوراً إلى التصحيح:
لم يُفنِها — لم يُخمدها
إنه يراقب أثر كلماته أثناء خروجها. كل عبارة عنده تحتاج إلى حارس. يقول شيئاً، ثم يخشى أن يُستعمل ضده، فيسارع إلى تعديله.
هذه ليست جملة تفسيرية فقط. إنها جملة محاكمة داخلية. والشرطتان المعترضتان ليستا مجرد علامة ترقيم. إنهما تشبهان ارتجافتين في الصوت. كل شرطة تقول: انتظروا، لا تفهموني خطأ. كل شرطة تكشف متكلّماً لا يثق بأن عبارته الأولى كافية للدفاع عنه.
هذا درس مهم للكاتب: الشخصية القلقة لا تسرد على نحو مستقيم. الشخصية القلقة تصحح نفسها قبل أن يصححها الآخرون.
ثم تأتي الجملة التي سيتوقف عندها النحو التقليدي:
وكان أشدَّها حدَّةً حاسّةُ السمع.
كما قلنا، يستطيع النحوي أن يقول: تقديم خبر كان على اسمها. لكن ماذا يفيد هذا للكاتب؟
الأهم أن نرى ترتيب الهوس في نفس الراوي. هو لا يبدأ بـ«حاسة السمع»، ثم يصفها بأنها حادة. بل يبدأ بالحدة نفسها: «أشدَّها حدّةً». ثم يأتي بعد ذلك بالشيء الذي يحمل هذه الحدة: «حاسّةُ السمع».
كأن الوعي عنده لا يتحرك من الشيء إلى صفته، بل من الشعور الطاغي إلى الشيء الذي سيُعلَّق عليه. أول ما يملأ نفسه ليس «السمع» بوصفه حاسة طبيعية، بل «الحدة» بوصفها لعنة. السمع يأتي لاحقاً ليكون حاملًا لهذه الحدة.
وهذا درس جميل في الكتابة: حين تكون الصفة أقوى من الموصوف في نفس الشخصية، قدّم الصفة. حين تكون التجربة أسبق من تفسيرها، اجعل الجملة تبدأ بالتجربة لا بالشرح.
لو قال:
-
وكانت حاسة السمع أشدَّها حدةً.
لكانت الجملة أكثر استقراراً، وأكثر مدرسية. لكن قوله:
وكان أشدَّها حدّةً حاسّةُ السمع.
يجعلنا ندخل رأسه من الباب الخطأ، وهذا هو المطلوب. نحن لا نرى العالم مرتباً كما يراه العاقل، بل كما يراه عقلٌ مسكون بفرط الحس.
بعد ذلك يقول:
لقد سمعتُ كلَّ شيءٍ في السماء وعلى الأرض. سمعتُ أشياءَ كثيرةً في الجحيم.
هو يظن أنه يقدّم دليلًا على سلامته. انظروا، يقول لنا: المرض لم يضعفني. بالعكس، لقد جعل حواسي مرهفة. أسمع كل شيء. لكن ما يظنه دليلًا على العقل يصبح دليلًا على الجنون.
لا أحد يسمع كل شيء في السماء وعلى الأرض. ولا أحد يسمع أشياء كثيرة في الجحيم. هذه مبالغة لا يريد بو أن تبدو بلاغية فحسب، بل مرضية أيضاً. الراوي يبالغ لأنه يحتاج إلى حجّة، لكنه لا يدري أن حجته تهدمه.
وهنا واحدة من أجمل حيل الكتابة: اجعل الشخصية تدافع عن نفسها بالكلمات التي تفضحها.
هذا أقوى بكثير من أن يقول الكاتب: كان مجنوناً. لأننا هنا لا نحتاج إلى حكم خارجي. نحن نرى الجنون يعمل داخل المنطق نفسه. الراوي لا يبدو مجنوناً لأنه يتصرف بلا منطق، بل لأنه يملك منطقاً مختلّاً، منطقاً شديد التماسك في داخله، شديد الانهيار من خارجه.
ثم يقول:
فكيف أكون، إذن، مجنوناً؟
هذا سؤال، لكنه ليس سؤالًا. إنه محاولة لإغلاق النقاش. الراوي لا ينتظر جواباً. بل يريد أن يفرض نتيجة: ما دمت أسمع بهذه الدقة، فكيف أكون مجنونًا؟ لكن السؤال يرتد عليه. لأن ما سبق لا يثبت سلامته، بل يثبت اضطرابه.
وهذه مفارقة مهمة في الكتابة: أحياناً أقوى سؤال بلاغي هو السؤال الذي لا يقنع إلا صاحبه.
كلما أصرّ الراوي على أنه ليس مجنوناً، ازددنا اقتناعاً بعكس ذلك. وكلما رفع صوته في الدفاع، ازداد صوته دليلاً عليه.
ثم تأتي الأوامر:
أَصْغُوا! وتأمّلوا كيف أروي لكم بعافيةٍ تامّة — وبهدوءٍ كامل القصة بأكملها.
هذه ليست دعوة لطيفة إلى الاستماع. إنها محاولة سيطرة. الراوي لا يقول: سأروي لكم القصة. بل يقول: «أصغوا!»، «تأمّلوا!»
إنه يريد أن يتحكم في طريقة تلقينا. لا يكفيه أن يقول. يريد أن يعلّمنا كيف نسمع، وكيف نحكم، وكيف نستنتج.
ثم لاحظ الترتيب:
أروي لكم بعافيةٍ تامّة — وبهدوءٍ كامل القصة بأكملها.
النحو التقليدي سيقول إن «لكم» و«بعافية تامة» و«بهدوء كامل» تقدمت على «القصة بأكملها» للعناية والتشويق. لكن الأعمق من ذلك أن الراوي لا يهتم بالقصة أولًا. إنه يهتم بالطريقة التي ستثبت أنه عاقل. لذلك يؤخر القصة، ويقدم صفات الأداء: «بعافية تامة»، و«بهدوء كامل».
المسألة عنده ليست: ماذا حدث؟ إنها: هل ستصدقون أنني أروي ما حدث بعقل سليم؟
وهذا ترتيب نفسي دقيق جداً. فلو كان الراوي واثقاً بنفسه، لقال ببساطة: سأروي لكم القصة. لكنه ليس واثقاً. لذلك يضع «العافية» و«الهدوء» قبل القصة. كأنه يقدّم شهادة حسن سلوك لغوية قبل الاعتراف. والمفارقة، مرة أخرى، أن هذا الإصرار على الهدوء يجعله أقل هدوءاً.
علامات الترقيم جزء من الجنون
في الكتابة الحديثة، كثيراً ما نسمع نصائح من نوع: قلل الشرطات. لا تكثر من التعجب. اجعل الجمل قصيرة. لا تقاطع نفسك. ادخل في صلب الموضوع.
هذه نصائح جيدة أحياناً. لكنها لا تصلح دائماً. ففي مقتطف بو، لو أصلحنا علامات الترقيم (وعددها 19 علامة)، قتلنا الفقرة. تخيّلها هكذا:
-
كنت عصبياً جداً، وما زلت كذلك، لكنني لست مجنوناً. لقد زاد المرض من حدة حواسي، وكان سمعي أشدها حدة. سمعت أشياء كثيرة، وسأروي لكم القصة بهدوء.
هذه نسخة عاقلة من فقرة عن الجنون. ولهذا هي نسخة فاشلة.
بو يحتاج إلى الشرطات، والتكرار، والتعجب، والأسئلة البلاغية، والجمل القصيرة المفاجئة؛ لأنها ليست عيوباً هنا، بل أدوات. الفقرة لا تتحدث عن الجنون فحسب. الفقرة تتصرف كما يتصرف الجنون: تقفز، ترتجف، تعود، تصرّ، تنكر، تأمر، وتستأنف.
القواعد هنا لا تُلغى لأن الكاتب جاهل بها. تُكسر لأن الموضوع يطلب كسرها.
ما الذي يتعلمه الكاتب من هذا؟
الدرس ليس: اكتب دائماً بجمل متقطعة. ولا: أكثر من الشرطات وعلامات التعجب. ولا: كرر الكلمات كلما أردت تصوير الجنون. الدرس أدق من ذلك.
حين تكتب حالة نفسية، لا تصفها من الخارج فقط. ابحث عن «نحوها» الداخلي، وتذكر الجرجاني. اسأل نفسك:
-
ما أول شيء يضغط على وعي الشخصية؟
-
ما الكلمة التي لا تستطيع تأخيرها؟
-
ما الفكرة التي تعود إليها رغماً عنها؟
-
ما الجملة التي تقولها لتدافع عن نفسها، لكنها تفضحها؟
-
ما الذي تخاف أن يُفهم من كلامها، فتسارع إلى تصحيحه؟
-
ما الذي تريد أن تفرضه على القارئ قبل أن يبدأ الحكم عليها؟
في فقرة بو، الإجابات واضحة:
الراوي يقدّم العصبية لأنه يريد أن يعترف بها لينفي الجنون. يقدّم الحدة لأنها هوسه الحقيقي قبل أن تكون صفة للسمع. يكرر «سمعت» لأنه يريد تحويل الهلوسة إلى دليل. يسأل عن الجنون لأنه يريد أن يبعد التهمة لا أن يفهمها. يأمرنا بالإصغاء لأنه لا يثق بأن القصة وحدها ستبرئه. يقدّم العافية والهدوء على القصة لأن قضيته ليست القصة، بل إثبات اتزانه.
وهكذا يصبح ترتيب الكلمات خريطةً للخوف.
النحو بوصفه أداة كتابة لا تمريناً مدرسياً
النحو التقليدي مفيد حين يعلّمنا أسماء الظواهر. يخبرنا أن هذا تقديم خبر، وهذا تقديم معمول، وهذا استفهام إنكاري، وهذا اعتراض.
لكن الكاتب لا يحتاج إلى الأسماء وحدها. يحتاج إلى أن يرى كيف تتحول هذه الظواهر إلى طاقة داخل النص.
حين نقول: «تقديم للتشويق»، ينبغي ألا نتوقف. يجب أن نسأل: تشويق إلى ماذا؟ ولماذا يريد المتكلم أن يؤخره؟ وماذا يكشف هذا التأخير عن نفسه؟
وحين نقول: «تقديم للعناية»، ينبغي أن نسأل: لماذا صار هذا الشيء موضع العناية؟ أهو محبوب؟ مخيف؟ مشبوه؟ هل يريد المتكلم أن يخفي شيئًا بتقديم شيء آخر؟
وحين نقول: «تقديم للاختصاص»، ينبغي أن نسأل: لماذا يحتاج المتكلم إلى هذا الاختصاص الآن؟ هل يدافع؟ هل يتهم؟ هل يحاول أن يحصر المعنى قبل أن ينفلت منه؟
بهذا فقط يصبح النحو نافعاً للكتابة. لا بوصفه قائمة مصطلحات، بل بوصفه طريقة لرؤية حركة النفس داخل الجملة؛ كما أراده الجرجاني.
القاعدة الأخيرة
إذا أردت أن تكتب الجنون، لا تكتب جملة عاقلة تقول إن صاحبها مجنون.اكتب جملة تحاول أن تبدو عاقلة، لكنها تفشل. هذا هو سر افتتاحية «القلب الواشي». الراوي لا يقول لنا: أنا أفقد عقلي. بل يقول العكس تماماً:
لِمَ تُصِرّون على أنني مجنون؟
لكن كل ما في الجملة — التكرار، التقديم، الاعتراض، علامات التعجب، الأسئلة، الأوامر، الإفراط في الدفاع — يقول لنا ما يحاول هو إنكاره.
وهذا هو الأدب في أعلى درجاته: أن تقول الشخصية شيئاً، ويقول الأسلوب شيئاً آخر.
فلا تصف الجنون. اجعل الجملة تشي به.
-
-
كيف تفعل «إنّ» فعل السحر؟

مريد البرغوثي حين وصل الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي إلى جسر «اللنبي» — الجسر الذي يفصل الضفة الغربية عن الأردن، والذي ظل لعقود بوابة العبور الوحيدة للفلسطينيين — بعد ثلاثين عاماً من الغربة، لم يقل ما يقوله الناس في لحظات العودة. لم يصف الشوق، ولم يصف الدموع. قال:
«إنني لا أشكرك أيها الجسر القليل الشأن والأمتار».
وفي نهاية المقطع، بعد محاكمة طويلة، يقول:
«إنني لا أسامحك، وأنت لا تسامحني».
شيء ما في هاتين الجملتين يجعلهما تجيئان بثقل غير عادي. ليس المعنى وحده؛ فالمعنى واضح. وليس الصورة؛ فلا صورة هنا. الثقل يأتي من الحرف الصغير الذي يفتح كل جملة: «إنّ».
قبل أكثر من تسعة قرون، انشغل عبد القاهر الجرجاني بسؤال: ما الذي تفعله «إنّ» في الجملة العربية؟ وقد أجاب إجابة من لا يرضى بالسطح. لم يقل فحسب إنها للتوكيد؛ هذا ما يقوله أي نحوي. بل ذهب إلى ما تصنعه فعلاً حين تدخل على الجملة وحين تُحذف منها. يقول:
«هل شيء أبيَن في الفائدة من أنك ترى الجملة إذا هي [أي «إنّ»] دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أُفرغا إفراغاً واحداً؟ ثم إذا جئت إلى «إنّ» فأسقطتها، رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول وجفا معناه عن معناه».
هذه ليست قاعدة؛ إنها دهشة. الجرجاني لا يُعرّف «إنّ»، بل يجري عليها تجربة: أسقطها، وانظر ماذا يبقى.
ومن هذه الدهشة يستخرج الجرجاني ستة أغراض لـ«إنّ»، لا يراها النحو التقليدي.
أولها الربط «أنفقتُ في سبيل الله؛ إنّ الله يحب المنفقين». الجملتان كيان واحد، الأولى سبب والثانية تعليل. احذف «إنّ» وستجد الثانية قد انفصلت عن الأولى وجفت عنها كأنها جاءت من نص آخر.
وثانيها تحسين ضمير الشأن ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. «الهاء» في «إِنَّهُ» ضمير مبهم لا يعود على شيء سبق، و«إنّ» هي التي تمنحه قوته وتهيئ النفس لما يأتي بعده. احذف «إِنَّهُ» وقل «هو من يتق» بدلاً منها وستحس بالكلام قد خفت وفقد توتره.
وثالثها تهيئة النكرة للإخبار عنها «إنّ رجلاً من أصحابنا فعل ذلك». النكرة لا يُبتدأ بها في العربية عادةً، لكن «إنّ» تمنحها مكانة المبتدأ وتجعلها قابلة للإخبار عنها. احذفها وستجد الجملة قد ترنحت.
ورابعها الإغناء عن الخبر المحذوف «إنّ مالاً وإنّ ولداً». الخبر غائب، لكن الجملة مكتفية بذاتها. احذف «إنّ» وقل «مالٌ وولدٌ» وستجد أنك لم تقل شيئاً.
وخامسها دفع ظنٍّ خاطئ في ذهن السامع، حين تقول لمن أحسنت إليه فخذلك: «إنه كان من الأمر ما ترى». «إنّ» تؤكد أن ما حدث واقعة لا مراء فيها وإن بدت مفاجئة. هي تدفع ظنّك أنت قبل ظنّ السامع.
وسادسها التهكم «جاء شقيقٌ عارضاً رمحَهُ … إنّ بني عمَّك فيهم رماحُ». الشاعر يُصدّق ساخراً ظن شقيق بأنه لا منازع له. «إنّ» لا تؤكد حقيقة، تؤكد ادعاءً مستحيلاً كي تُظهر سخافته.
ستة أغراض، وكلها تقوم على تجربة واحدة: أسقط «إنّ»، وانظر ما يتبقى. ما يتبقى دائماً أضعف مما كان.
لكن نص البرغوثي يفتح غرضاً سابعاً لم يذكره الجرجاني. الجرجاني تحدث عن «إنّ» مع الإثبات دائماً؛ تؤكد ما هو موجود، أو تدفع ظناً خاطئاً بشيء واقع. لكن في «رأيت رام الله» لمريد البرغوثي «إنّ» تدخل على النفي المطلق: «إنني لا أشكرك»، «إنني لا أسامحك». وهذا يختلف اختلافاً جوهرياً. حين تقول «لا أشكرك» تنفي. لكن حين تقول «إنني لا أشكرك» تُحكم إغلاق الباب. والباب الذي يُغلق ليس في وجه الجسر — الجسر لا يسمع — بل في وجه القارئ الذي قد يظن أن ثلاثين عاماً كافية للمصالحة. «إنّ» تغلق هذا الاحتمال قبل أن يُفتح. وحين تُسقطها من الجملتين يظهر الفرق: «لا أشكرك» و«لا أسامحك» نفيان. لكن «إنني لا أشكرك» و«إنني لا أسامحك» إعلانان أمام شاهد. والشاهد هو القارئ.

وهذا هو قلب ما يصنعه هذا المقطع كله. البرغوثي يخاطب الجسر لكنه لا يتوقع جواباً. الخطاب أداة لا هدف. والقارئ يجلس في المنتصف شاهداً على محاكمة لن تُحسم:
أخيراً! ها أنا أمشي بحقيبتي الصغيرة على الجسر، الذي لا يزيد طوله عن بضعة أمتار من الخشب، وثلاثين عاماً من الغربة.
كيف استطاعت هذه القطعة الخشبية الداكنة أن تُقصي أمّة بأكملها عن أحلامها؟ أن تمنع أجيالاً بأكملها من تناول قهوتها في بيوت كانت لها؟
كيف رمتنا إلى كل هذا الصبر وكل ذلك الموت؟ كيف استطاعت أن توزّعنا على المنافي والخيام وأحزاب الوشوشة الخائفة؟
إنني لا أشكرك أيها الجسر القليل الشأن والأمتار. لستَ بحراً ولستَ محيطاً حتى نلتمس في أهوالك أعذاراً. لست سلسلة جبال تسكنها ضواري البر وغيلان الخرافة حتى نستدعي الغرائز والوقاية دونك. كنت سأشكرك، أيها الجسر، لو كنت على كوكب غير هذا، وعلى بقعة لا تصل إليها المرسيدس القديمة في ثلاثين دقيقة. كنت سأشكرك، لو كنت من صنع البراكين، ورعبها البرتقالي السميك. لكنك من صنع نجارين تعساء، يضعون المسامير في زوايا الشفاه، والسيجارة على الأذن. لا أقول لك شكراً أيها الجسر الصغير. هل أخجل منك؟ أم تخجل مني؟ أيها الغريب كنجوم الشاعر الساذج، أيها البعيد كخطوة المشلول. أي حَرَج هذا؟ إنني لا أسامحك، وأنت لا تسامحني.
صوت الأخشاب تحت قدميّ.
فيروز تسمّيه جسر العودة. الأردنيون يسمّونه جسر الملك حسين. السلطة الفلسطينية تسمّيه معبر الكرامة. عامة الناس وسائقو الباصات والتكسي يسمّونه جسر اللّنبي. أمي وقبلها جدتي وأبي وامرأة عمي أم طلال يسمّونه ببساطة: الجسر.
وبنية المحاكمة نفسها تعمل بآلية لغوية محددة:
«لستَ بحراً ولستَ محيطاً حتى نلتمس في أهوالك أعذاراً. لست سلسلة جبال تسكنها ضواري البر وغيلان الخرافة»
ثلاث جمل نافية متتالية، لكنها ليست وصفاً. هي رفض أعذار لم تُقَل. البرغوثي يدفع دفاعاً مُتخيَّلاً، كأن الجسر كان سيحتج: أنا بحر، أنا جبل. ويُسقط هذه الحجج قبل أن تُرفع. ثم ينقلب الإيقاع:
«كنت سأشكرك، أيها الجسر، لو كنت على كوكب غير هذا. كنت سأشكرك، لو كنت من صنع البراكين».
تكرار «كنت سأشكرك» مرتين يصنع إيقاع المرافعة: أثبت أنك تعرف الشكر، ثم اسحبه. حتى تأتي الضربة الأخيرة:
«لكنك من صنع نجارين تعساء، يضعون المسامير في زوايا الشفاه، والسيجارة على الأذن».
النزول من المجرد إلى المحسوس الدقيق «يضعون المسامير في زوايا الشفاه، السيجارة على الأذن» هو ما يجعل الجملة أشد تأثيراً. الجسر الذي أقصى أمّة بأكملها بناه رجل يضع المسمار في زاوية شفتيه والسيجارة على أذنه. الفجوة بين الأثر والسبب هي مصدر الألم، ولا يحتاج البرغوثي إلى أن يقولها.
ثم يتوقف كل شيء:
«صوت الأخشاب تحت قدميّ».
جملة واحدة بلا فعل ولا حكم ولا خطاب. الجسر لا يُجيب بكلام، صرير فحسب. وهذا الصوت الصغير يجري بعد كل تلك المحاكمة الكبيرة كالسكوت الذي يُفحم.
وتأتي النهاية لتقول ما لم يستطع الخطاب كله قوله:
«فيروز تسميّه جسر العودة. الأردنيون يسمّونه جسر الملك حسين. السلطة الفلسطينية تسميّه معبر الكرامة. عامة الناس وسائقو الباصات والتكسي يسمّونه جسر اللّنبي. أمي وقبلها جدتي وأبي وامرأة عمي أم طلال يسمونه ببساطة: الجسر».
التدرج من الأسماء الرسمية الكبيرة إلى «الجسر» وحده هو الحكم الأعمق في النص. كل الأسماء الرسمية تحمل أيديولوجيا أو سياسة أو غرضاً. لكن «الجسر» بلا صفة ولا إضافة هو الاسم الحقيقي؛ الاسم الذي تستخدمه الأم والجدة لأنهما لا تحتاجان إلى وصف ما هو واضح.
وهذا هو ما يفعله البرغوثي طوال النص؛ يُزيل الطبقات حتى يصل إلى الشيء نفسه، بلا أعذار ولا أسماء كبيرة. مجرد جسر صغير، وثلاثون عاماً.
-
كيف يصنع الإبهام المعنى؟

مارسيل بروست في مقال سابق تناولت أن وضع المبتدأ في صدارة الجملة الاسمية؛ وهو موضعه الأصلي، ليس حياداً بل اختيار واعٍ؛ إذ يمكنك أن تُقدّم المبتدأ أو تؤخّره لإحداث تأثيرات مختلفة، ليس فقط تلك التي تحدّث عنها البلاغيون. وما لم يتحدثوا عنه أهم مما تحدثوا عنه.
وفي مقال ثانٍ تناولت الفاعل والمفعول؛ ذلك الترتيب الذي يبدو بديهياً حتى تكتشف أنه ليس كذلك. فالنحو يرى في تقديم الفاعل على المفعول أصلاً يُحافظ عليه، والبلاغة ترى فيه غرضاً يُؤدَّى. لكن ما لا يراه أحدهما أن هذا الترتيب يصنع أحياناً ما لا تستطيع الكلمات وحدها صنعه؛ يحبس التصادم، ويُؤخّر الكشف، ويجعل الضمير المجهول توتراً لا خطأً.
وقد أوضحت في كليهما كيف تطوّر النحو بطريقة فصلت ما بين المبنى والمعنى بما لا يخدم مهنة الكتابة. وأورده هنا في نص قابل للطيّ.
كيف صار النحو عائقاً أمام الكتابة؟
لستُ من المغرمين بالنحو العربي. خضتُ محاولاتٍ عديدة، لكنّ جميعها باءت بالفشل؛ ليس لأنّ النحو صعبٌ ومعقّد، وهو كذلك، بل لأنّه عند حدٍّ معيّن، يصبح لا طائل من ورائه. من الجيد أن تتعلّمه، لكنه لا يفيدك كثيراً في حياتك بوصفك كاتباً.
الحقّ، أن النحو العربي لم يبدأ علماً، بل بدأ مشكلةً؛ مشكلةَ فهم. بدأ داخل التفسير والقراءات وشرح ألفاظ القرآن. ففي اللحظة التي أصبح فيها النصّ القرآني محور الحياة الدينية والفكرية، لم تكن اللغة موضوعاً مستقلاً، بل كانت شيئاً يُستخدم لفهم ذلك النص. لم يكن أحد يسأل: كيف تعمل اللغة؟ بل كان السؤال الوحيد: ماذا تعني هذه الآية؟ كيف تُقرأ؟ ولماذا اختلفت القراءة؟ وأيّها أدقّ في الدلالة؟
في هذه المرحلة، لم تكن هناك حاجة إلى بناء قواعد عامة. كان يكفي أن تُفسَّر كل حالة في سياقها. فإذا وُجدت عبارة غامضة، فُسِّرت، وإذا ظهرت قراءة مختلفة، شُرحت. كانت اللغة هنا تُعالج موضعياً، لا نظرياً. ولذلك كانت المصطلحات قليلة، مرنة، وغير مستقرة، لأنها لم تكن جزءاً من نظام، بل أدواتٍ مساعدة تُستعمل وتُترك. وقد تطور هذا التقليد، في المقام الأول، في الكوفة.
وهذا على خلاف التصور الشائع القائل إنه كان هناك منذ البداية «مدرستان» واضحتان: بصرة وكوفة، وأن النحو كان علماً ناضجاً مبكراً، وأن تطوره كان يسير في خط مستقيم من أبي الأسود إلى سيبويه ثم من بعده، وأن البصرة كانت تمثل العلم الصحيح، وأن الكوفة أقل قيمة. هذه الصورة صنعتها المصادر المتأخرة إلى حد كبير، ولا تعكس الواقع المبكر بدقة.
أي إنّ النحو في البداية لم يكن «نحواً» بالمعنى المتأخر، بل كان اهتماماً بالنص القرآني: كيف يُفهم؟ كيف تُشرح ألفاظه؟ كيف تُبيَّن معانيه؟ كيف تُفهم وجوه القراءة فيه؟
في تلك المرحلة، لم تكن العلوم منفصلة كما صارت لاحقاً. لم يكن هناك حدٌّ صارم بين: التفسير، والقراءة، واللغة، والأخبار، والفقه، والعقيدة، وشرح الألفاظ، والنحو. بل كانت هذه كلها متداخلة داخل جهد واحد هدفه الأساسي: فهم كلام الله.
وكثيرٌ من المصطلحات التي نعدّها لاحقاً «نحوية» بدأت في الأصل كلماتٍ عادية غير تقنية استعملها المفسرون والقراء في شرح النص، مثل ألفاظ من نوع: نعت، وخبر، وصلة، وبدل، واستفهام، وماضٍ، ومستقبل. وهذه لم تكن، في أول أمرها، جزءاً من جهاز علمي صارم، بل ألفاظاً تفسيرية مرنة تُستخدم بقدر ما يخدم المعنى.
إذن، لم يكن المنشأ الأول علم اللغة لذاته، إنما خدمة النص.
ومع أن الكوفة احتفظت بصلات أوثق بهذا الأصل التفسيري، فإن طريقتها في التعامل مع اللغة واجهت مشكلة مع مرور الوقت. فكلما كثرت الحالات، وكثرت القراءات، وكثر الداخلون في اللغة من غير أهلها، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالشرح الجزئي. صار هناك ضغط خفي يدفع نحو شيء آخر: نحو التعميم. فبدل أن تفسّر كل جملة على حدة، أصبح من الأسهل أن تقول: هذه قاعدة، وما يحدث هنا مثال عليها.
هنا تبدأ النقلة الأولى نحو التعقيد، لكنها لا تظهر بعد بوصفها تعقيداً، بل بوصفها اختصاراً للجهد. القاعدة تُغني عن عشرات الشروح. لكن كل قاعدة تفتح باباً جديداً: إذا كانت هذه قاعدة، فماذا نفعل بالاستثناء؟ وإذا وُجد استثناء، هل هو حقيقي أم له تفسير؟ وإذا كان له تفسير، فما هو؟
في هذه اللحظة بالذات، بدأت اللغة تتحول من مادة تُستعمل إلى مادة تُفسَّر؛ لا تفسيراً دلالياً كما كان في البداية، أو كما فعل الكوفيون، بل تفسيراً بنيوياً. ثم جاءت اللحظة الحاسمة: محاولة بناء نظام كامل، وهنا برزت البصرة.
ما فعله سيبويه في البصرة لم يكن مجرد جمع لهذه القواعد، بل محاولة لإغلاق النظام؛ أي جعل اللغة قابلة للتفسير الكامل داخل شبكة من العلاقات الداخلية: هذا يرفع، وذاك ينصب، وهذايتعدى، وذاك يُحذف، وهذا يُقدَّر. لم يعد هناك مكان للصدفة أو للسليقة وحدها. كل شيء يجب أن يكون له موقع داخل النظام.
وهكذا انفصل المبنى عن المعنى، على النحو الذي لم يكن مألوفاً من قبل.
لكن هذه الخطوة تحمل في داخلها بذرة التعقيد الهائل؛ لأنك عندما تقرر أن كل شيء له تفسير، فإنك تُلزم نفسك بتفسر حتى ما لا يحتاج إلى تفسير.
خذ مثالاً بسيطاً: الجملة التي تُقال: العرب قالوها هكذا.
في النظام الجديد، هذا الجواب لم يعد كافياً. صار لا بد من السؤال: لماذا قالوها هكذا؟ ما العامل؟ ما العلة؟ هل يمكن القياس عليها؟ وإذا لم يمكن، فلماذا؟
كل سؤال من هذا النوع لا يُغلق، بل يفتح سؤالاً آخر. وهكذا تبدأ السلسلة:
قاعدة »»» استثناء »»» تعليل »»» تعليل للتعليل »»» تقسيم »»» تقسيم للتقسيم.
وهنا لا يكون التعقيد نتيجة خطأ، بل نتيجة منطق داخلي بنيوي صارم.
إذن، الفرق بين الكوفة والبصرة ليس مجرد خلافات صغيرة بين مدرستين متشابهتين، بل بين طريقتين مختلفتين في النظر إلى اللغة: فالكوفة أقرب إلى المعنى، وأقرب إلى التفسير، وأقرب إلى القراءات، وأقرب إلى التراث الأقدم، بينما البصرة، لا سيّما عند سيبويه، أقرب إلى التحليل البنيوي، وأقرب إلى التجريد، وأقرب إلى بناء جهاز نظري مستقل.
وحاولت كتب التراجم والطبقات والنحو اللاحقة أن تقلل من إسهام القراء في نشأة النحو. وكان لسان حالها يقول: إذا كانت الكوفة متصلة بالقراء، والقراء ليسوا علماء لغة حقيقيين، فالكوفة إذن أضعف علمياً. لقد أعادوا بناء تاريخ النحو بطريقة فضّلت البصرة وهمّشت دور القراء.
لكن في الواقع، كان القراء فعلاً مؤثرين، وإلا لما احتاجت المصادر المتأخرة إلى محاربتهم أو تقليل شأنهم. أي إنّ تهميشهم في الرواية المتأخرة عن النحو ليس دليلاً على غيابهم، بل قد يكون دليلاً على قوة حضورهم القديم.
الحقيقة أنّ سيبويه لم يكن مجرد جامع لما قبله، بل أحدث قطيعة كبيرة. لم يعد هدفه الأساسي تفسير القرآن، ولم يعد يشرح اللغة فقط لفهم النص، بل صار هدفه تحليل الوقائع اللغوية نفسها؛ أي تحويل اللغة إلى موضوع علم قائم بذاته.
فاللغة عند سيبويه أصبحت نظاماً له علاقات، ووظائف، ورُتَب، وأبواب، وعلل، وقياس، وبنية داخلية. وليس المعنى أن سيبويه ظهر من فراغ، بل إن ما فعله كان أكبر بكثير من مجرد تطوير بسيط لما كان قبله.
ثم إنّ عاملاً آخر دخل وزاد الأمر تعقيداً وتورّماً: البيئة العلمية.
حين أصبح النحو علماً، لم يعد مجرد وسيلة، بل صار مجالاً للتميّز. كل نحوي لا يريد فقط أن يشرح، بل أن يضيف؛ أن يأتي بتفسير أدق، أو تقسيم جديد، أو مصطلح لم يُستخدم من قبل. ليس بدافع المال وحده، بل بدافع المكانة: أن يكون له رأي، وأن يُنسب إليه مذهب، وأن يُذكر اسمه في السلسلة.
لكن هذا التنافس لا يخلق التعقيد من الصفر، بل يعمل كجهاز مسرّع. فكل مفهوم موجود يُعاد تفريعه، وكل قاعدة تُعاد صياغتها، وكل استثناء يُعاد تأويله. ومع مرور الزمن، لا تُحذف الطبقات القديمة، بل تبقى، وتُضاف فوقها طبقات جديدة.
والنتيجة أننا لا نتعامل اليوم مع نحو واحد، بل مع تاريخ متراكم من المحاولات.
في هذه اللحظة، يفقد النحو علاقته الأولى باللغة كما تُستعمل؛ لأن اللغة في الاستعمال لا تحتاج إلى كل هذا. الجملة تُبنى بدافع المعنى، والإيقاع، والسياق. أما النحو، فقد أصبح يلاحق الجملة بعد أن تُقال، ليعيد تفسيرها داخل نظامه.
وهنا يظهر التوتر الذي نحسّ به في الكتابة.
في الكتابة، نبني الجملة من الداخل: من إحساسها، ومن حركتها، ومن موقع كلماتها في الزمن. بينما النحو يأتي من الخارج: يسأل عن مواقع ثابتة، وعلاقات محددة، وتعريفات مغلقة.
لذلك يبدو لي أحياناً هذا النحو ساذجاً؛ لأنه يقدّم تفسيراً شكلياً لشيء أُنتج أصلاً بطريقة غير شكلية. والأهم من ذلك أن النحو، في صورته المتأخرة، لا يهدف إلى مساعدتنا على الكتابة، بل إلى ضبط ما كُتب. هو علم يُغلق، لا علم يفتح.
من هنا، لا يكون الحل في رفض النحو، ولا في تبسيطه السطحي، بل في إعادة وضعه في مكانه الصحيح داخل عملية الكتابة.
أن نفصل بين مستويين لعملية واحدة:
مستوى يُعنى بصحة الجملة، وهذا مكانه النحو،
ومستوى يُعنى بقوة الجملة، وهذا مكانه الكتابة.
وحين نعود إلى الجملة من هذا الباب، لن نحتاج إلى هدم النحو، بل إلى تجاوزه مؤقتاً: أن نكتب أولاً، ثم ننظر بعد ذلك إن كانت الجملة تنكسر في موضع ما؛ لا لنُعرِبها، بل لنُصلح الكسر.
بهذا المعنى، فإن ما أحاول فعله في كتابيَّ: أدوات كتابة القصة، وكيف تسرد قصة؟ وفي كتاب جديد قادم، ليس خروجاً على اللغة، بل عودة إلى لحظة سابقة في تاريخها: اللحظة التي كانت فيها الجملة تُبنى لتُفهم وتُؤثّر، لا لتُفسَّر داخل نظام.
وهذه، في النهاية، ليست ابتداعاً في اللغة؛ إنما قراءة مختلفة لمسار طويل انتهى بنا إلى مكان لم يُصمَّم أصلاً للكتابة. قراءة تريد العودة إلى اللغة في أثناء الكتابة، لا بعدها.
ولأن هذا الكلام يبقى نظرياً ما لم يُختبر داخل نص حيّ، فالأجدر أن نأخذ مفهوماً نحوياً بسيطاً، ونرى كيف يعمل داخل الكتابة نفسها.
في المقال الجديد أتناول شيئاً مختلفاً: ليس الترتيب الذي يصنع المعنى، بل الغياب الذي يصنعه. حين تُبهم قبل أن تُوضح، وتُعلّق قبل أن تكشف، وتترك فراغاً قبل أن تملأه؛ تصنع توتراً لا تستطيع أي كلمة صريحة صنعه.
النحو يعرف هذا المبدأ ويُسمّيه، لكنه يراه في مواضع محدودة. الكتابة الحية تطبّقه في كل مكان.
فالنحو يعرف قاعدة بسيطة: الأصل أن يعود الضمير على ما قبله؛ تذكر الاسم أولاً ثم تُحيل إليه بالضمير. لكن العربية تخرج على هذا الأصل أحياناً فيأتي الضمير أولاً دون أن يعرف القارئ ما يعود عليه، ثم يأتي التفسير بعده. وهذا ما يسميه النحويون الإيضاح بعد الإبهام.
والسبب الذي يذكره البلاغيون بسيط. يقول القزويني: «إذا أُلقي المعنى على سبيل الإجمال والإبهام تشوّقت نفس السامع إلى معرفته، فإذا أُلقي كذلك تمكّن فيها فضل تمكّن… واللذة عقب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم»
لكن ما لا يراه النحو أن هذا المبدأ لا يقف عند الضمير؛ هو يسري في بنية النص كله.
الإبهام في كلمة واحدة
أشهر صور الإبهام المقصود هي ضمير الشأن؛ ضمير يأتي في بداية الجملة دون أن يعود على شيء ذُكر قبله، ثم تأتي الجملة بعده لتفسّره كله. مثاله الأشهر:
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾
«هو» هنا لا يعود على شيء سبق. القارئ يسمعها ويتوقف: هو مَن؟ ثم تأتي «الله أحد» لتكشف. ويقول الرضي إن هذا الإبهام ثم التفسير يصنع تعظيماً: «لا بد أن يكون مضمون الجملة المفسِّرة عظيماً يُعتنى به، فلا يُقال: هو الذباب يطير».
الجرجاني يُعمّق هذا: «إن الشيء إذا أُضمر ثم فُسِّر كان أفخم مما إذا لم يتقدم إضمار». أي أن الكلمة حين تأتي بعد انتظار تكون أثقل مما لو جاءت مباشرة.
لكن ما يجري أكثر من هذا:
النحو يرى ضمير الشأن ظاهرة نحوية محدودة المواضع. والبلاغة ترى فيه أداة تعظيم. لكن ما لا يراه أحدهما أن هذا المبدأ يعمل في الكتابة الحديثة دون ضمير شأن بالمعنى النحوي.
خذ هذا المقطع الافتتاحي:
«عاد هذا الصباح أيضاً من عند طبيب القلبية بأنباء غير سارة. لقد فقد قلبُه الإيقاع.»
الفاعل ضمير مستتر «هو»؛ والقارئ لا يعرف من هو بعد. النحو يرى هنا إيجازاً مشروعاً. لكنه لا يرى أن الكاتب يبدأ من المنتصف عمداً، يرمي القارئ في عالم شخصية لم تُعرَّف بعد. الضمير المجهول لا يُخبر القارئ بمن يتحدث، بل يجعله يبحث. وهذا البحث هو ما يشدّه إلى الأمام.
الفرق بين ضمير الشأن في الآية وهذا الضمير المستتر أن الأول إبهام في كلمة واحدة ينفرج في الجملة التالية مباشرة، والثاني إبهام يمتد؛ القارئ يبحث عن «هو» على مدى فقرات. لكن المبدأ واحد: الجهل المقصود يشدّ، والكشف التدريجي يُمتع.
لكن الإبهام لا يقف عند كلمة واحدة، هو يمتد أحياناً عبر جمل متتالية، يبني فيها التشوق طبقة فوق طبقة قبل أن يأتي الكشف.
الإبهام التدريجي
من مواضع عودة الضمير على متأخر ما يسميه النحويون «الإيضاح بعد الإبهام» في صورة التراكم؛ حين تتوالى جمل النفي أو الشرط قبل أن يأتي الكشف. ويقول صاحب «الطراز»، يحيى بن حمزة العلوي: «إن المعنى المقصود إذا ورد في الكلام مُهماً فإنه يفيده بلاغة، ويكسبه إعجاباً وفخامة، وذلك لأنه يُفرغ السمع على جهة الإبهام».
ما تُشوّق إليه القارئ يصل إليه بجهد، وما يصل إليه بجهد يبقى فيه أعمق. أو كما قال البلاغيون: «الآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب»، هذه العبارة تلخّص المبدأ كله: المعنى الذي يُنتظر يكون أثمن من المعنى الذي يُعطى مجاناً.
لكن ما يجري أكثر من هذا:
النحو والبلاغة يصفان هذا المبدأ في حدود الجملة أو الجملتين. لكن مارسيل بروست في روايته «البحث عن الزمن المفقود» يطبّقه على مستوى الفقرة كلها:
«لكن حين لا يبقى شيءٌ من ماضٍ بعيدٍ قائماً، بعد أن يموت الناس، بعد أن تتكسّر الأشياء وتتناثر، لا يظلّ إلّا الطّعمُ والرّائحةُ؛ وهما، على ما فيهما من هشاشة، أطول بقاءً، أكثر تجرّداً، أكثر دواماً، وأكثر وفاءً؛ يظلان زمناً طويلاً عالقين، كالأرواح، يتذكّران، ينتظران، يأملان، على أنقاض كلّ ما سواهما، ويحملان بثباتٍ، في قطرة دقيقة تكاد لا تُدرك من جوهرهما، الصرح الضخم للذكرى.»
But when from a long-distant past nothing subsists, after the people are dead, after the things are broken and scattered, taste and smell alone, more fragile but more enduring. more unsubstantial, more persistent, more faithful, remain poised a long time, like souls, remembering, waiting, hoping, amid the ruins of all the rest; and bear unflinchingly, in the tiny and almost impalpable drop of their essence, the vast structure of recollection.

الجملة تبدأ بتراكم من النفي — «لا يبقى»، «بعد أن يموت»، «بعد أن تتكسّر» — وكل نفي يُضيف طبقة من الغياب. ثم «لا يظلّ إلّا الطعمُ والرائحةُ» تأتي كالكشف بعد هذا التراكم. النحو يرى «إلّا» أداة حصر. لكنه لا يرى أن هذا الحصر لا يعمل بمفرده؛ قوّته تأتي من كل ما بُني قبله من غياب.
ثم تتوالى الأوصاف: «أطول بقاءً، أكثر تجرّداً، أكثر دواماً، أكثر وفاءً»، وكل وصف يُعمّق الإبهام: ما هذان الكيانان الهشّان اللذان يحملان كل هذا؟ حتى تأتي الجملة الأخيرة: «ويحملان بثباتٍ، في قطرة دقيقة تكاد لا تُدرك من جوهرهما، الصرح الضخم للذكرى».
«الصرح الضخم للذكرى» مفعول به مؤخّر؛ النحو يرى تأخيراً مشروعاً. لكن ما يصنعه هذا التأخير أنه يجعل المفعول يقع في نهاية الجملة بعد أن حُشر بين «يحملان» و«الصرح» كل ذلك الوصف الدقيق: «في قطرة دقيقة تكاد لا تُدرك من جوهرهما». التناقض بين القطرة الدقيقة والصرح الضخم لا يُحلّ؛ يُحبس في نهاية الجملة حيث يقع بكل ثقله على القارئ.
وحين يتجاوز الإبهام حدود الفقرة ليسري في النص كله، يتحول من أداة جملة إلى استراتيجية سرد.
الإبهام كبنية سردية كاملة
من أهم ما يذكره النحو والبلاغة في باب الإبهام أن «النفس قد فُطرت على حب اكتشاف المجهول»؛ وهذا ما يجعل الإبهام أداة سردية لا مجرد ظاهرة نحوية. وحين يمتد الإبهام على مساحة نصية كبيرة، يتحول من ضمير مجهول إلى لغز كامل.
يقول القزويني إن المعنى حين يأتي بعد تشوّق «يتمكن في النفس فضل تمكّن»، أي أن الانتظار الطويل يجعل الكشف أعمق أثراً.
لكن ما يجري أكثر من هذا:
نص «رحلتي لكشف اللغز الأكبر لبيتكوين» يطبّق هذا المبدأ على مستوى النص كله:
بسبب طول النص، أورده هنا قابلاً للطي: اللغز الأكبر لبيتكوين
في إحدى أمسيات خريف عام 2024، كنتُ أنا وزوجتي عالقين في زحام السير على طريق لونغ آيلاند السريع، وحين ضاقت ذرعاً بمحطة الجاز-فانك التي اعتدتُ الاستماع إليها في أثناء القيادة، شغّلت بودكاست.
كان البودكاست هو Hard Fork، برنامج التكنولوجيا التابع لصحيفة نيويورك تايمز، وكان مقدّماه يناقشان فيلماً وثائقياً جديداً من إنتاج HBO يزعم أنّه كشف هوية مخترع بيتكوين، الذي يستخدم الاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو.
شدّني الموضوع على الفور. لطالما اعتبرتُ مسألة الهوية الحقيقية لساتوشي واحدةً من أعظم ألغاز عصرنا، وكنتُ قد حاولتُ استكشافها من قبل من دون جدوى. بل إنني، قبل عامين، أمضيتُ عدة أشهر أبحث في كتابٍ حول هذا الموضوع، لكنني أدركت سريعاً أنني أخوض في ما يفوق خبرتي، فتراجعتُ على مضض.
وكان مجرد سماع أنّ شخصاً آخر ربما نجح أخيراً في تحديد هوية تلك الشخصية الغامضة التي غيّرت عالم المال، وأطلقت صناعةً تُقدّر قيمتها بـ 2.4 تريليون دولار، وجمعت واحدةً من أكبر الثروات في العالم بضربة عبقرية مذهلة، كفيلاً بأن يوقظ في داخلي مزيجاً من الإعجاب والغيرة. لم أستطع الانتظار لمشاهدة الفيلم؛ فما إن وصلنا إلى المنزل تلك الليلة حتى فتحتُ تطبيق HBO Max وضغطتُ على زر التشغيل.
غير أنّ خاتمة الفيلم الوثائقي Money Electric: The Bitcoin Mystery لم تُقنعني؛ إذ ركّزت HBO على مطوّر برمجيات كندي استناداً إلى أدلة بدت واهية للغاية. مع ذلك، وبينما كنت أتابع هذا العمل المسلّي الذي يجول في عالم العملات المشفّرة، استوقفني مشهد بعينه.
كان آدم باك، عالم التشفير البريطاني وأحد أبرز وجوه حركة بيتكوين، جالساً على مقعد في حديقة بمدينة «ريغا» في لاتفيا، وقد بدا طرف قميصه خارجاً من حزام البنطال، يعلوه معطف بني. وأخذ المخرج، على نحو عابر، يسرد أسماء عدة يُشتبه في كونها ساتوشي. وعندما ذُكر اسمه، توتر باك، ونفى بشدة أن يكون ساتوشي، وطلب أن يبقى الحديث خارج التسجيل.
وقد صادفتُ في مسيرتي عدداً غير قليل من الكاذبين، واكتسبت شيئاً من الخبرة في التقاط إشاراتهم. لذلك بدا لي سلوك باك بعينيه المراوغتين، وضحكته الخافتة المتكلّفة، وحركة يده اليسرى الخرقاء، مثيراً للريبة. وحين انتهت شارة الختام، أعدتُ مشاهدة ذلك المقطع مرات عدة على شاشة التلفاز.
وبينما كنتُ أتأمل ردّة فعله، خطر لي احتمال آخر. فقد رُفعت دعوى قضائية ضد مدّعٍ أسترالي زعم زوراً أنه ساتوشي. فهل يمكن أن تساعد الأدلة التي كُشف عنها في تلك القضية، وقد نُظرت قبل أشهر قليلة في محاكم لندن، في فكّ هذا اللغز؟
كما يعلم كل من تعمّق في بواطن بيتكوين، كان ساتوشي بارعاً في إخفاء هويته على الإنترنت، فلم يترك وراءه سوى آثار رقمية نادرة، إن وُجدت أصلاً.
ومع ذلك، فقد ترك مجموعةً من النصوص، تشمل ورقةً تأسيسية من تسع صفحات يشرح فيها اختراعه، إلى جانب منشوراته العديدة على منتدى Bitcointalk، وهو منصة رسائل إلكترونية كان المستخدمون يجتمعون فيها لمناقشة برمجيات العملة الرقمية واقتصادها وفلسفتها. وقد تبيّن أن هذه المجموعة قد اتّسعت على نحو ملحوظ خلال المحاكمة المدنية لذلك المدّعي، حين نشر مارتي مالمي، وهو مبرمج فنلندي تعاون مع ساتوشي في الأيام الأولى لبيتكوين، مجموعة نفيسة من مئات الرسائل الإلكترونية التي تبادلها معه. صحيح أنّ رسائل أخرى لساتوشي مع أوائل مستخدمي بيتكوين ظهرت من قبل، لكن أياً منها لم يقترب، من حيث الحجم، من مجموعة مالمي. وكنتُ مقتنعاً بأن المفتاح؛ إن كان ثمة مفتاح، يكمن في هذه النصوص.
ومع ذلك، لا بد أنّ آخرين قد سلكوا هذا الطريق قبلي. فقد حاول صحفيون وأكاديميون ومحققون على الإنترنت كشف هوية ساتوشي على مدى ستة عشر عاماً، وطُرحت خلال تلك الفترة أكثر من مئة فرضية، شملت طالباً إيرلندياً في علم التشفير، ومهندساً أميركياً من أصل ياباني عاطلاً عن العمل، وعقلاً إجرامياً مدبّراً من جنوب أفريقيا، بل وحتى عالم الرياضيات الذي صُوّر في فيلم A Beautiful Mind.
وقد استندت أكثر النظريات إغراءً إلى مصادفات تتقاطع مع القليل المعروف عن ساتوشي: أسلوب معيّن في كتابة الشيفرة، ومسار مهني غامض، وخبرة عميقة في المفاهيم التقنية الأساسية لبيتكوين، ونظرة معادية للحكومات. غير أنّ هذه النظريات كانت تنهار تحت وطأة حجة غيابٍ أو دليلٍ متناقض. وكان كل فشل يُقابل بشيء من الشماتة لدى كثير من أفراد مجتمع بيتكوين، الذين دأبوا على التذكير بأن ساتوشي وحده قادر على إثبات هويته بشكل قاطع عبر تحريك بعض عملاته؛ أما ما دون ذلك، فليس سوى أدلة ظرفية.
بدا من السذاجة أن أظن أنني قادر على حلّ لغز حيّر هذا العدد الكبير من الباحثين. ومع ذلك، كنت أتوق إلى إثارة قصة كبيرة ومليئة بالتحدي. لذلك قررت أن أحاول مرةً أخرى نزع القناع عن مبتكر بيتكوين الغامض.
«في إحدى أمسيات خريف عام 2024، كنتُ أنا وزوجتي عالقين في زحام السير على طريق لونغ آيلاند السريع.»
الكاتب لا يبدأ بساتوشي؛ يبدأ بنفسه عالقاً في زحام السير. المجهول الحقيقي — هوية مخترع بيتكوين — لا يُذكر في الجملة الأولى ولا الثانية. الكاتب يبني طبقات من السياق الشخصي قبل أن يُدخل القارئ إلى قلب اللغز.
ثم حين يصل إلى آدم باك:
«وعندما ذُكر اسمه، توتّر باك، ونفى بشدة أن يكون ساتوشي، وطلب أن يبقى الحديث خارج التسجيل»
النحو يرى جملاً فعلية متتالية بترتيب سليم. لكنه لا يرى أن هذا التتابع: توتّر، نفى، طلب، هو نفسه بنية إبهام وإيضاح: كل فعل يفتح سؤالاً يُغلقه الفعل التالي جزئياً، لكن اللغز الكبير يبقى معلقاً.
والكاتب يُعلن هذا صراحة في النهاية:
«بدا من السذاجة أن أظن أنني قادر على حلّ لغز حيّر هذا العدد الكبير من الباحثين. ومع ذلك، كنت أتوق إلى إثارة قصة كبيرة ومليئة بالتحدي»
هذا إعلان عن الإبهام لا حلّ له. الكاتب يُبهم عمداً ليشرك القارئ في البحث لا في تلقّي الجواب. وهذا ما لا يستطيع النحو رؤيته: الإبهام هنا ليس ضميراً مجهولاً ولا حصراً بـ«إلّا»؛ هو قرار بنائي يسري في النص من أوله إلى آخره.
النحو يمنحك مواضع محددة للإبهام المشروع. والبلاغة تخبرك أن الإبهام يُشوّق والإيضاح يُمتّع. لكن ما تعلّمه النصوص الحية أعمق: الكاتب الذي يفهم هذا المبدأ لا يسأل «أين أضع الضمير؟» بل يسأل «أين أُعلّق قارئي؟ وأين أُفرج عنه؟»
الإبهام ليس غموضاً؛ الغموض يُخفي ولا يعد بشيء، والقارئ يشعر بأنه أُغلق عليه. أما الإبهام فعقد مع القارئ: أنت تعده بكشف، وهو يمنحك انتباهه حتى يأتي. وحين يأتي الكشف بعد انتظار، يكون — كما قال القزويني — أقوى مما لو جاء مجاناً.
-
كيف يخلق ترتيب المفردات المعنى في الجملة؟ الفاعل والمفعول نموذجاً

أورسن سكوت كارد في مقال سابق تناولت أن وضع المبتدأ في صدارة الجملة الاسمية؛ وهو موضعه الأصلي، ليس حياداً بل اختيار واعٍ؛ لأن هذا الاختيار هو جوازاً: إذ إنك يمكنك أن تُقدّم المبتدأ أو تؤخّره لإحداث تأثيرات مختلفة، ليس فقط تلك التي تحدّث عنها البلاغيون. إذ إن ما لم يتحدثوا عنه أهم مما تحدثوا عنه.
وقد أوضحت كيف تطوّر النحو بطريقة فصلت ما بين المبنى والمعنى بما لا يخدم مهنة الكتابة. وأورده هنا في نص قابل للطيّ.
كيف صار النحو عائقاً أمام الكتابة؟
لستُ من المغرمين بالنحو العربي. خضتُ محاولاتٍ عديدة، لكنّ جميعها باءت بالفشل؛ ليس لأنّ النحو صعبٌ ومعقّد، وهو كذلك، بل لأنّه عند حدٍّ معيّن، يصبح لا طائل من ورائه. من الجيد أن تتعلّمه، لكنه لا يفيدك كثيراً في حياتك بوصفك كاتباً.
الحقّ، أن النحو العربي لم يبدأ علماً، بل بدأ مشكلةً؛ مشكلةَ فهم. بدأ داخل التفسير والقراءات وشرح ألفاظ القرآن. ففي اللحظة التي أصبح فيها النصّ القرآني محور الحياة الدينية والفكرية، لم تكن اللغة موضوعاً مستقلاً، بل كانت شيئاً يُستخدم لفهم ذلك النص. لم يكن أحد يسأل: كيف تعمل اللغة؟ بل كان السؤال الوحيد: ماذا تعني هذه الآية؟ كيف تُقرأ؟ ولماذا اختلفت القراءة؟ وأيّها أدقّ في الدلالة؟
في هذه المرحلة، لم تكن هناك حاجة إلى بناء قواعد عامة. كان يكفي أن تُفسَّر كل حالة في سياقها. فإذا وُجدت عبارة غامضة، فُسِّرت، وإذا ظهرت قراءة مختلفة، شُرحت. كانت اللغة هنا تُعالج موضعياً، لا نظرياً. ولذلك كانت المصطلحات قليلة، مرنة، وغير مستقرة، لأنها لم تكن جزءاً من نظام، بل أدواتٍ مساعدة تُستعمل وتُترك. وقد تطور هذا التقليد، في المقام الأول، في الكوفة.
وهذا على خلاف التصور الشائع القائل إنه كان هناك منذ البداية «مدرستان» واضحتان: بصرة وكوفة، وأن النحو كان علماً ناضجاً مبكراً، وأن تطوره كان يسير في خط مستقيم من أبي الأسود إلى سيبويه ثم من بعده، وأن البصرة كانت تمثل العلم الصحيح، وأن الكوفة أقل قيمة. هذه الصورة صنعتها المصادر المتأخرة إلى حد كبير، ولا تعكس الواقع المبكر بدقة.
أي إنّ النحو في البداية لم يكن «نحواً» بالمعنى المتأخر، بل كان اهتماماً بالنص القرآني: كيف يُفهم؟ كيف تُشرح ألفاظه؟ كيف تُبيَّن معانيه؟ كيف تُفهم وجوه القراءة فيه؟
في تلك المرحلة، لم تكن العلوم منفصلة كما صارت لاحقاً. لم يكن هناك حدٌّ صارم بين: التفسير، والقراءة، واللغة، والأخبار، والفقه، والعقيدة، وشرح الألفاظ، والنحو. بل كانت هذه كلها متداخلة داخل جهد واحد هدفه الأساسي: فهم كلام الله.
وكثيرٌ من المصطلحات التي نعدّها لاحقاً «نحوية» بدأت في الأصل كلماتٍ عادية غير تقنية استعملها المفسرون والقراء في شرح النص، مثل ألفاظ من نوع: نعت، وخبر، وصلة، وبدل، واستفهام، وماضٍ، ومستقبل. وهذه لم تكن، في أول أمرها، جزءاً من جهاز علمي صارم، بل ألفاظاً تفسيرية مرنة تُستخدم بقدر ما يخدم المعنى.
إذن، لم يكن المنشأ الأول علم اللغة لذاته، إنما خدمة النص.
ومع أن الكوفة احتفظت بصلات أوثق بهذا الأصل التفسيري، فإن طريقتها في التعامل مع اللغة واجهت مشكلة مع مرور الوقت. فكلما كثرت الحالات، وكثرت القراءات، وكثر الداخلون في اللغة من غير أهلها، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالشرح الجزئي. صار هناك ضغط خفي يدفع نحو شيء آخر: نحو التعميم. فبدل أن تفسّر كل جملة على حدة، أصبح من الأسهل أن تقول: هذه قاعدة، وما يحدث هنا مثال عليها.
هنا تبدأ النقلة الأولى نحو التعقيد، لكنها لا تظهر بعد بوصفها تعقيداً، بل بوصفها اختصاراً للجهد. القاعدة تُغني عن عشرات الشروح. لكن كل قاعدة تفتح باباً جديداً: إذا كانت هذه قاعدة، فماذا نفعل بالاستثناء؟ وإذا وُجد استثناء، هل هو حقيقي أم له تفسير؟ وإذا كان له تفسير، فما هو؟
في هذه اللحظة بالذات، بدأت اللغة تتحول من مادة تُستعمل إلى مادة تُفسَّر؛ لا تفسيراً دلالياً كما كان في البداية، أو كما فعل الكوفيون، بل تفسيراً بنيوياً. ثم جاءت اللحظة الحاسمة: محاولة بناء نظام كامل، وهنا برزت البصرة.
ما فعله سيبويه في البصرة لم يكن مجرد جمع لهذه القواعد، بل محاولة لإغلاق النظام؛ أي جعل اللغة قابلة للتفسير الكامل داخل شبكة من العلاقات الداخلية: هذا يرفع، وذاك ينصب، وهذايتعدى، وذاك يُحذف، وهذا يُقدَّر. لم يعد هناك مكان للصدفة أو للسليقة وحدها. كل شيء يجب أن يكون له موقع داخل النظام.
وهكذا انفصل المبنى عن المعنى، على النحو الذي لم يكن مألوفاً من قبل.
لكن هذه الخطوة تحمل في داخلها بذرة التعقيد الهائل؛ لأنك عندما تقرر أن كل شيء له تفسير، فإنك تُلزم نفسك بتفسر حتى ما لا يحتاج إلى تفسير.
خذ مثالاً بسيطاً: الجملة التي تُقال: العرب قالوها هكذا.
في النظام الجديد، هذا الجواب لم يعد كافياً. صار لا بد من السؤال: لماذا قالوها هكذا؟ ما العامل؟ ما العلة؟ هل يمكن القياس عليها؟ وإذا لم يمكن، فلماذا؟
كل سؤال من هذا النوع لا يُغلق، بل يفتح سؤالاً آخر. وهكذا تبدأ السلسلة:
قاعدة »»» استثناء »»» تعليل »»» تعليل للتعليل »»» تقسيم »»» تقسيم للتقسيم.
وهنا لا يكون التعقيد نتيجة خطأ، بل نتيجة منطق داخلي بنيوي صارم.
إذن، الفرق بين الكوفة والبصرة ليس مجرد خلافات صغيرة بين مدرستين متشابهتين، بل بين طريقتين مختلفتين في النظر إلى اللغة: فالكوفة أقرب إلى المعنى، وأقرب إلى التفسير، وأقرب إلى القراءات، وأقرب إلى التراث الأقدم، بينما البصرة، لا سيّما عند سيبويه، أقرب إلى التحليل البنيوي، وأقرب إلى التجريد، وأقرب إلى بناء جهاز نظري مستقل.
وحاولت كتب التراجم والطبقات والنحو اللاحقة أن تقلل من إسهام القراء في نشأة النحو. وكان لسان حالها يقول: إذا كانت الكوفة متصلة بالقراء، والقراء ليسوا علماء لغة حقيقيين، فالكوفة إذن أضعف علمياً. لقد أعادوا بناء تاريخ النحو بطريقة فضّلت البصرة وهمّشت دور القراء.
لكن في الواقع، كان القراء فعلاً مؤثرين، وإلا لما احتاجت المصادر المتأخرة إلى محاربتهم أو تقليل شأنهم. أي إنّ تهميشهم في الرواية المتأخرة عن النحو ليس دليلاً على غيابهم، بل قد يكون دليلاً على قوة حضورهم القديم.
الحقيقة أنّ سيبويه لم يكن مجرد جامع لما قبله، بل أحدث قطيعة كبيرة. لم يعد هدفه الأساسي تفسير القرآن، ولم يعد يشرح اللغة فقط لفهم النص، بل صار هدفه تحليل الوقائع اللغوية نفسها؛ أي تحويل اللغة إلى موضوع علم قائم بذاته.
فاللغة عند سيبويه أصبحت نظاماً له علاقات، ووظائف، ورُتَب، وأبواب، وعلل، وقياس، وبنية داخلية. وليس المعنى أن سيبويه ظهر من فراغ، بل إن ما فعله كان أكبر بكثير من مجرد تطوير بسيط لما كان قبله.
ثم إنّ عاملاً آخر دخل وزاد الأمر تعقيداً وتورّماً: البيئة العلمية.
حين أصبح النحو علماً، لم يعد مجرد وسيلة، بل صار مجالاً للتميّز. كل نحوي لا يريد فقط أن يشرح، بل أن يضيف؛ أن يأتي بتفسير أدق، أو تقسيم جديد، أو مصطلح لم يُستخدم من قبل. ليس بدافع المال وحده، بل بدافع المكانة: أن يكون له رأي، وأن يُنسب إليه مذهب، وأن يُذكر اسمه في السلسلة.
لكن هذا التنافس لا يخلق التعقيد من الصفر، بل يعمل كجهاز مسرّع. فكل مفهوم موجود يُعاد تفريعه، وكل قاعدة تُعاد صياغتها، وكل استثناء يُعاد تأويله. ومع مرور الزمن، لا تُحذف الطبقات القديمة، بل تبقى، وتُضاف فوقها طبقات جديدة.
والنتيجة أننا لا نتعامل اليوم مع نحو واحد، بل مع تاريخ متراكم من المحاولات.
في هذه اللحظة، يفقد النحو علاقته الأولى باللغة كما تُستعمل؛ لأن اللغة في الاستعمال لا تحتاج إلى كل هذا. الجملة تُبنى بدافع المعنى، والإيقاع، والسياق. أما النحو، فقد أصبح يلاحق الجملة بعد أن تُقال، ليعيد تفسيرها داخل نظامه.
وهنا يظهر التوتر الذي نحسّ به في الكتابة.
في الكتابة، نبني الجملة من الداخل: من إحساسها، ومن حركتها، ومن موقع كلماتها في الزمن. بينما النحو يأتي من الخارج: يسأل عن مواقع ثابتة، وعلاقات محددة، وتعريفات مغلقة.
لذلك يبدو لي أحياناً هذا النحو ساذجاً؛ لأنه يقدّم تفسيراً شكلياً لشيء أُنتج أصلاً بطريقة غير شكلية. والأهم من ذلك أن النحو، في صورته المتأخرة، لا يهدف إلى مساعدتنا على الكتابة، بل إلى ضبط ما كُتب. هو علم يُغلق، لا علم يفتح.
من هنا، لا يكون الحل في رفض النحو، ولا في تبسيطه السطحي، بل في إعادة وضعه في مكانه الصحيح داخل عملية الكتابة.
أن نفصل بين مستويين لعملية واحدة:
مستوى يُعنى بصحة الجملة، وهذا مكانه النحو،
ومستوى يُعنى بقوة الجملة، وهذا مكانه الكتابة.
وحين نعود إلى الجملة من هذا الباب، لن نحتاج إلى هدم النحو، بل إلى تجاوزه مؤقتاً: أن نكتب أولاً، ثم ننظر بعد ذلك إن كانت الجملة تنكسر في موضع ما؛ لا لنُعرِبها، بل لنُصلح الكسر.
بهذا المعنى، فإن ما أحاول فعله في كتابيَّ: أدوات كتابة القصة، وكيف تسرد قصة؟ وفي كتاب جديد قادم، ليس خروجاً على اللغة، بل عودة إلى لحظة سابقة في تاريخها: اللحظة التي كانت فيها الجملة تُبنى لتُفهم وتُؤثّر، لا لتُفسَّر داخل نظام.
وهذه، في النهاية، ليست ابتداعاً في اللغة؛ إنما قراءة مختلفة لمسار طويل انتهى بنا إلى مكان لم يُصمَّم أصلاً للكتابة. قراءة تريد العودة إلى اللغة في أثناء الكتابة، لا بعدها.
ولأن هذا الكلام يبقى نظرياً ما لم يُختبر داخل نص حيّ، فالأجدر أن نأخذ مفهوماً نحوياً بسيطاً، ونرى كيف يعمل داخل الكتابة نفسها.
المقال الجديد يتناول شيئاً مختلفاً: مواضع لا يجوز فيها التقديم أو التأخير لأن الترتيب نفسه هو الذي يصنع المعنى، ويمنع انهيار الجملة.
الترتيب هنا ليس خدمةً للمعنى، بل هو المعنى.
ولمناقشة ذلك، أتناول هذا المقتطف من رواية Ender’s Game للأمريكي أورسن سكوت كارد:

مقتطف من رواية Ender’s Game في اللحظة التي أفهم فيها عدوي حقّ الفهم، أفهمه بما يكفي لهزيمته، في تلك اللحظة أحبّه أيضاً. أعتقد أنّه من المستحيل أن تفهم إنساناً حقّاً، ما الذي يريده، ما الذي يؤمن به، ولا تحبّه كما يحبّ نفسه. ثم إنه في تلك اللحظة ذاتها حين أحبّه… أدمّره.
In the moment when I truly understand my enemy, understand him well enough to defeat him, then in that very moment I also love him. I think it’s impossible to really understand somebody, what they want, what they believe, and not love them the way they love themselves. And then, in that very moment when I love them… I destroy them.
نحوياً، تتدرّج العناية والاهتمام من الفعل ثم الفاعل ثم ما يسميه البلاغيون «ترقية الفائدة»، أي زيادة المعلومة عند السامع خطوة خطوة.
هذا التدرج هو العمود الفقري للجملة الفعلية التي تسير في خط متصاعد: فعل ← فاعل ← مفعول أول ← مفعول ثاني. وكل عنصر يُضيف «بياناً تقييدياً» إلى ما قبله؛ يُضيّق الاحتمال، ويُحدّد الحدود.
فإن قلت:
ضربَ أحمدُ، كانت الجملة مطلقة ومحتملة لأشياء كثيرة.
فإن قلت:
ضرب أحمدُ خالداً، بيّنت حدود الضرب، وقيّدته بالوقوع على خالد.
وإن قلت:
أعطى أحمدُ خالداً ديناراً، بيّنت في المفعول الأول حدود من تَلَقّى الإعطاء (خالداً)، وفي الثاني (ديناراً) نوع الإعطاء.
وإن قلت:
أعلم أحمدُ خالداً أخاه ناجحاً، كنت قد زدت بياناً تقييدياً آخر (ناجحاً) على حدود الفعل.
كل إضافة ترقية، أي صعودٌ بالفائدة من درجة إلى درجة أعلى. حين تضيف «ناجحاً»، رقّيتها مرة أخرى. كل إضافة تُغلق احتمالاً. وحين تُغلق الاحتمالات بهذا الترتيب، يُصبح الإخلال به، التقديم أو التأخير، تهديداً للمعنى لا مجرد خروج على الأصل.
الآن لنأخذ جملة من المقتطف:
في اللحظة التي أفهم فيها عدوي حقّ الفهم، أفهمه بما يكفي لهزيمته
في الجملة: «أفهمه بما يكفي لهزيمته»
الفاعل ضمير مستتر «أنا»، والمفعول ضمير «الهاء». أي الفاعل والمفعول كلاهما ضمير، وهو إيجاز مكثّف جداً، ويشترط له أن يكون المخاطب والمتكلم عالمَين بالفاعل والمفعول.
الجملة تؤدي غرض «ترقية الفائدة»، الفعل «أفهم» جاء مطلقاً في الجملة السابقة «أفهم عدوي»، ثم قُيِّد هنا بـ«بما يكفي لهزيمته». كل قيد يُضيّق الاحتمال ويُعمّق البيان، هذا ما يُسمى «البيان التقييدي».
لكن ما يجري أكثر من هذا:
النحو يرى أن هذا الترتيب جاء إيجازاً، والبلاغة تراه تقييداً. لكن لا أحد منهما يرى أن «الهاء» في «أفهمه» هي أول خطوة في مسار تلاشي العدو. العدو بدأ في الجملة السابقة اسماً ظاهراً «عدوي»؛ كياناً محدداً مسمى، ثم صار في «أفهمه» ضميراً مجرداً. هذا التلاشي التدريجي من الاسم إلى الضمير ليس إيجازاً نحوياً فحسب؛ هو المسار الذي يُفضي إلى الحب:
في اللحظة التي أفهم فيها عدوي حقّ الفهم، أفهمه بما يكفي لهزيمته، في تلك اللحظة أحبّه أيضاً.
لا نرى في «الهاء» عدواً بعينه، بل كياناً بدأ يفقد حدوده.
بينما النحو يرى في هذا اختصار مشروع؛ إيجاز مكثّف جدّاً؛ وهذا الإيجاز ممكن فقط حين يكون «المخاطب والمتكلم عالمَين بالفاعل والمفعول». فالجملة، بحسب النحو، تتقلّص لأنها لا تحتاج إلى تصريح أو إعلان.
في الجملة الثانية:
أعتقد أنّه من المستحيل أن تفهم إنساناً حقّاً، ما الذي يريده، ما الذي يؤمن به، ولا تحبّه كما يحبّ نفسه.
يقول النحو: «أعتقد» فعل وفاعل ضمير. ثم تأتي المفاعيل في سلسلة متدرجة: «أن تفهم إنساناً» مفعول «أعتقد»، ثم «ما الذي يريده، ما الذي يؤمن به» بيانان تقييديان للفهم. الترتيب يسير من المعلوم إلى المجهول؛ وهذا مبدأ واضح في البلاغة: الضمير المعلوم أولاً، ثم الاسم الظاهر المجهول.
وتضيف البلاغة: هذا تطبيق لمبدأ «ترقية الفائدة» بزيادة عناصرها. البناء يسير: أعتقد ← أن تفهم ← إنساناً ← ما يريده ← ما يؤمن به. كل خطوة تُضيّق الاحتمال وتُعمّق المعنى المطلوب، فكلما ازدادت المفاعيل ازدادت القيود المبيّنة لحدود الفعل.
لكن ما يجري أكثر من هذا:
النحو والبلاغة يصفان بنية الجملة من الخارج. لكنهما لا يريان أن «ولا تحبّه كما يحبّ نفسه» ليست مفعولاً ثالثاً، هي شرط الفهم الحقيقي. الكاتب يُدرج الحب داخل بنية الفهم نفسها: لا تفهم إنساناً حقاً إلا حين تحبه. هذا ليس بياناً تقييدياً يُضيّق الفعل؛ هو قلب المقولة الفلسفية. والنحو يرى في «ولا تحبّه» معطوفاً على «تفهم»، أي نفياً موازياً. لكن ما تفعله الجملة أعمق: هي تجعل الفهم والحب شرطين متلازمين لا فعلين متوازيين، ولا يستطيع النحو أن يرى هذا التلازم لأنه يُحلّل العلاقة لا يُحلّل الشرط.
ويذهب النحو إلى أنه حين يكون الفاعل ضميراً والمفعول اسماً ظاهراً، كما في «أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ» الآية:
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ﴾
في النحو، الضمير المستتر في «أَسْلَمْتُ» يتقدم على المفعول الظاهر «وجهي» لأن: الضمير معلوم فيُقدَّم، والاسم الظاهر مجهول فيُؤخَّر. ثم يرى النحو في «ومن اتّبعنِ» معطوفاً على الضمير المستتر في «أسلمتُ». كل هذا صحيح. لكن النحو لا يرى أن «أسلمتُ وجهي لله» جاء تمهيداً لا غاية، وأن «ومن اتّبعن» هي مركز ثقل الجملة لا ذيلها. البداية تُعلن، والنهاية تُؤسّس، والفرق بين الإعلان والتأسيس لا يستطيع النحو تفسيره.
«أسلمتُ وجهي لله» فعل فردي مكتمل، لو وقفت الجملة هنا، لكانت شهادة شخصية لا أكثر. لكن «ومن اتّبعن» تحوّل هذا الفعل الفردي إلى مرجع، ويصبح النموذج الذي يُقاس عليه كل من يأتي بعده. الجملة لم تعد تصف فعلاً واحداً في لحظة واحدة، بل تصف فعلاً يتكرر في كل من يتبع.
ولو قلنا:
فإِنْ حاجُّوكَ فقُلْ أسْلَمْتُ وَجْهِيَ ومنِ اتَّبعنِ لِلَّهِ.
لَصَارَ «أسلمتُ وجهي ومن اتّبعن لِلَّهِ» تجمع وجهي أنا ووجوه الأتباع في مفعول واحد، الفرد والجماعة يُعلَنان معاً دفعة واحدة، ثم تأتي الغاية «لله» لتستوعبهما.
لكن الآية اختارت أن تُغلق «أسلمتُ وجهي لله» أولاً؛ فعل فردي مكتمل، ثم تفتح على «ومن اتّبعن». الفرد يُعلن موقفه كاملاً، ثم تتّسع منه الجماعة. الاتساع يأتي بعد الاكتمال الفردي لا معه.
وهذا هو الفرق: الصياغة التي وضعتها أنا للجملة بعد تغيير موقع «ومنِ اتَّبعنِ» تُخبر بالنتيجة، بينما الآية تُرينا كيف ينشأ فعل الاستسلام ويتطور.
الترتيب هنا مفروض من السياق، لكنه في الوقت نفسه يخلق المعنى: البداية تُعلن، والنهاية تُؤسّس؛ تحوّل الفعل الفردي إلى معيار تقيس عليه كل جماعة تتبع. وهذا الثقل لا يأتي وحده من موقع ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ﴾ في نهاية الجملة، بل من تضافر شيئين: معنى يحمل فكرة الاستمرار والاتساع، وموقع يقع في نهاية الجملة حيث يتضاعف الأثر. وحين يتضافران، ينتج شيء لا يستطيع النحو تفسيره، يستطيع فقط الإشارة إليه.
ونعود إلى المقتطف، حيث الجملة الأخيرة:
ثم أنه في تلك اللحظة ذاتها حين أحبّه… أدمّره.
في النحو، «أحبّه… أدمّره» جملتان فعليتان. في كلتيهما الفاعل ضمير مستتر «أنا» والمفعول ضمير «الهاء». إيجاز مكثف، مشروع، لأن الفاعل والمفعول معلومان للطرفين.
وفي البلاغة، الجملة القصيرة بعد الجمل المطوّلة تقع كالضربة. القِصَر المفاجئ بعد التراكم يمنح الجملة ثقلاً لا تملكه بحجمها.
لكن ما يجري أكثر من هذا: النحو يرى في «أحبّه» و«أدمّره» إيجازاً مزدوجاً؛ ضميران اختصرا فاعلين ومفعولين. والبلاغة ترى فيهما تضاداً بلاغياً، الحب والتدمير في مقابلة. لكن ما لا يراه أحدهما أن «الهاء» في «أحبّه» و«الهاء» في «أدمّره» هي الهاء ذاتها؛ الكائن الواحد يتلقى الفعلين المتضادين في آنٍ واحد. النحو يرى اختصاراً مشروعاً، والبلاغة ترى مقابلة جمالية. لكن ما تصنعه الجملة فعلاً هو حبس التصادم: الضمير المتكرر لا يُسمّي التضاد ولا يُفككه؛ يُبقي القارئ محبوساً داخل التجربة دون أن يمنحه مسافة للتأمل. لو كتب «أحبّ عدوي وأدمّر عدوي»؛ والجملة صحيحة نحوياً ومشروعة بلاغياً، لتسرّب التوتر. التصريح باسم «عدوي» يفتح باباً للمسافة، ومن المسافة يبدأ الفهم المريح. لكن استخدام «الهاء» لا يمنح هذا الباب.
ثم نقطتا الحذف «…» بين الجملتين؛ وهذا ما يعجز عن تفسيره النحو والبلاغة معاً؛ لا الفاعل ولا المفعول ولا الترتيب. لكن النقطتان تحملان ثقل الجملة كلها: الفجوة بين الحب والتدمير، اللحظة التي لا تستطيع اللغة ملؤها فتتركها صامتة.
وكذلك يجب أن يتقدم الفاعل على المفعول حين يُخشى اللبس، كما في:
زار موسى عيسى؛
إذ لا قرينة لفظية ولا معنوية تُرجّح أيّهما الزائر وأيّهما المَزور.
والنحو يرى في الرتبة هنا الحكم الوحيد، الفاعل أولاً لأنه لا شيء سواه يُعيّنه. وهذا صحيح. لكن النحو لا يرى أن اللبس نفسه قد يكون مقصوداً، وهو ما أُشير إليه حين قيل إن العرب قد «تُلْبِس عمداً»، إذ يحتمل التركيب أن يكون كلٌّ من موسى وعيسى فاعلاً ومفعولاً. وهذا الغموض المقصود لا يراه النحو لأنه يبحث عن قاعدة تضبط لا عن طاقة تفتح.
ثم هناك الحصر بـ«إلّا»، كما في:
﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾
النحو يرى أن المفعول المحصور «أَنفُسَهُمْ» لا يتقدم على الفاعل لأن الحصر يحتاج مساراً تمهيدياً: فاعل ثم فعل ثم الضربة الأخيرة في المحصور. وهذا صحيح. لكن النحو لا يرى أن المفعول المحصور هنا هو نفس الفاعل: «يخدعون» و«أنفسهم» يعودان على الكيان ذاته «هم». الخداع يخرج ويرتد إلى مصدره. والحصر هنا ليس تضييقاً للفعل؛ هو انقلاب: الفعل لا يصل إلى الآخر بل يعود على فاعله.
وكذلك الحصر بـ«إنما»، في:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾
النحو يرى «إنما» أداة حصر في الصدارة، والفاعل والمفعول في موضعيهما. لكنه يرى الحصر في حدود الجملة وحدها. ما لا يراه أن «إنما» هنا تعمل بين جملتين؛ هي تغلق سؤالاً فتحته الآية السابقة:
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله»
فالحصر لا يبدأ عند «إنما»، بل قبلها، والفرق بين «إلّا» و«إنما» هنا ليس في الحكم النحوي؛ كلتاهما تمنعان تقديم المحصور، بل في المسار: «إلّا» تبني توقعاً داخل جملتها ثم تقلبه، و«إنما» تستعير سؤالاً من خارجها ثم تجيب عليه. والنحو لا يرى هذا لأنه يقف عند حدود الجملة ولا يرى ما بينها.
وهذا هو الفرق الحقيقي بين الأداتين: «إلّا» تبني مسارها بنفسها داخل جملتها وتنقلب عليه. و«إنما» تستعير مسارها من خارجها وتُجيب عليه. كلتاهما حصر، لكن إحداهما تُفاجئ والأخرى تُجيب.
إذن، أسلوب الحصر أداة قوة في الكتابة، لكنه يشترط الترتيب. قوّته تأتي من كونه يأتي أخيراً.
الفائدة الكتابية: حين تبدأ جملتك بضمير: أنا، هو، هي، نحن، فأنت تُقرّر أن المتلقي يعرف من تتحدث عنه. إن لم يكن يعرفه، فالضمير خطأ، لا الترتيب. المعلوم يُقدَّم، والمجهول يُؤخَّر. ليس لأن هذا جمال أو قيد، بل لأن هذا هو مسار اكتساب المعرفة؛ تنطلق مما تعرف، ثم تُضاف إليه ما لا تعرف.
لكن هذه القاعدة تصف سياقاً واحداً؛ حين يكون الجهل بالضمير إهمالاً لا اختياراً. أما حين يكون الجهل مقصوداً، فالضمير المستتر المجهول ليس خطأً في الترتيب، بل هو الترتيب نفسه يعمل بطريقة لم يتحدث عنها النحو.
خذ هذا المقتطف الافتتاحي:
عاد هذا الصباح أيضاً من عند طبيب القلبية بأنباء غير سارة. لقد فقد قلبُه الإيقاع. القلب يعمل عادة بتواتر منتظم؛ تنقبض حجرتا الأُذين، ثم حجرتا البطين، في تتابع نادراً ما يشعر به الإنسان. عندما يحدث خلل في هذا التناغم، فإنه يحوّل الحياة اليومية إلى قطعة جحيم. لسببٍ ما، لا يعرف الأطباء كيف بدأ البطين لديه في الانقباض قبل أوانه، فيحدِث انتفاضة تهزّ كامل الجسم. ليس مرة واحدة في اليوم أو اثنتين أو حتى عشراً، بل 14,000 مرّة، وكأن جَرْوين صغيرين يتقاتلان باستمرار داخل صدره؛ يخضّانه، يرجّانه، وينفضانه من دون رحمة.
الفاعل ضمير مستتر «هو»، والقارئ لا يعرف من هو بعد. النحو يرى هنا إيجازاً مشروعاً، لكنه لا يرى أن الكاتب يبدأ من المنتصف عمداً، يرمي القارئ في عالم شخصية لم تُعرَّف بعد. الضمير المجهول لا يُخبر القارئ بمن يتحدث؛ بل يجعله يبحث. وهذا البحث هو ما يشدّه إلى الأمام.
القاعدة إذن صحيحة في سياقها: المعلوم يُقدَّم حين يكون الجهل إهمالاً. لكن حين يكون الجهل مقصوداً، يتحول الضمير المستتر من اختصار إلى توتر، توتر في معرفة: مَنْ هذا؟ وهو ما لا يستطيع النحو رؤيته لأنه يصف الصحة ولا يصف القصد.
