حواسّ الصحفي العشرة
يبحث الصحفي عمّا هو غير موجود بقدر بحثه عمّا هو موجود، وعليه أن يسمع ما لا يقال بقدر سماعه ما يقال.
ما الذي ستتعلمه في هذا المحور؟
- 01استخدام الحواس جميعها لكتابة قصة قوية وجذابة
- 02الصحافة هي تدوين للتاريخ في لحظة وقوعه
- 03القصص سجلات للتغيير والصراع والتأثير في حياة الناس
- 04القدرة على تمييز التغييرات الصغيرة التي تشير إلى تحولات قادمة
- 05التعبير عن الذات بموضوعية، وتوظيف تجارب الصحفي الشخصية بوصفها جزءاً من سرد القصة
حواسّ الصحفي العشرة
لدى استكشاف العالم لكتابة قصة، يبحث الصحفي عمّا هو غير موجود بقدر بحثه عمّا هو موجود، عليه أن يسمع ما لا يقال بقدر سماعه ما يقال.
تتطلب القصة أن يستخدم الصحفي كل حاسة من حواسه، لا بل أن يطوّر حواسّ لم تكن لديه. ويأتي كل ذلك من خلال الممارسة، وهو ليس ضرباً من السحر.
ويتحدث عنها الصحفي والكاتب والمعلم دونالد موري في كتابه: Writing to Deadline.
ابدأ باستخدام كل حاسة على انفراد، وابدأ بالأقوى لديك:
الشم
إحدى الحواس التي نعتمد عليها أحياناً أكثر من غيرها، مع ذلك نادراً ما نتحدث عنها، أو نذكرها في الكتابة الصحفية. هذه الحاسّة يمكنها أن تكون ذات انطباع قوي لدى استخدامها مثلاً لالتقاط رائحة الخبز الطازج قبل أن نجد المخبز، أو رائحة ذاك المشرّد الذي يحلم يومياً بترف الاستحمام، أو حتى رائحة الخوف.
البصر
هل تنظر بطرف عينيك لتستوعب ما يجري حولك وما لا يجري؟ وكيف يجري ذلك؟ الفعل والاستجابة؟ الإيماءات والتعبيرات؟ كيف يتحدث الناس؟ ما الذي يجري علناً وما الذي يكشفه؟ ما الذي يجري خفاء وما الذي يكشفه؟
التذوق
إذا تمكنت من جعل القارئ يرى ويشم، فإن التذوق أيضاً سيجعل القارئ يفهم القصة ويختبر التجربة بشكل أعمق؛ والعوالم التي تتحدث عنها ستنبض بالحياة.
السمع
نحن البشر مستمعون سيئون. نسمع ما نتوقع سماعه. الصحفي الجيد يدرب نفسه على الاستماع. تسجيل الملاحظات في أثناء الحديث قد يساعدك على الاستماع الجيد؛ وهذا يساعد على طرح أسئلة جيدة.
انظر ما كتبته الصحفية الفلسطينية ريم قسيس لـ «نيويورك تايمز»، عن «النَّفَس في الأكل» عند العرب، ورغم أنها لا تتحدث عن التذوق مباشرة، فإنّ اللعاب يكاد يسيل بسبب وصفها لإعداد الطبق:
مقتطف
النَّفَس في الأكل
كلمة «النَّفَس» تنطوي على تلك الحميمية التي تمتد إلى ما وراء السمات المادية المحسوسة في الطبق. فهي تتعلق بالشخص الذي يعد الطبخ بقدر ما تتعلق بما «ينفخه من روح» في الطعام. إنها الوقت والجهد المبذولان في اختيار المكونات وإعدادها؛ تلك الرقصة الصبورة مع التوابل ذهاباً وإياباً إلى أن تصل كل نكهة إلى حد الكمال؛ ذاك السخاء في مدّ السُّفْرة والحفاوة بالضيوف؛ وقبل كل شيء، إنه عشق للطبخ وشهوة إطعام الآخرين.
ريم قسيس — نيويورك تايمز
وبدلاً من أن تضع المتحدِّث معك في أجواء استجواب غير مريحة، دردش معه ودِّياً. لفعل ذلك، عليك أن تبدو مسترخياً، وأن تستمع، وتومئ برأسك، وتستجيب بلغة جسدك لما يقوله.
يتطلب الإصغاء قدراً كبيراً من الطاقة للانتباه والاستماع الجيدين. عليك أن تستمع لما يقال وكيف يقال. قد تحمل نغمة الصوت، الوقفات، التعبيرات، والإيماءات، معنى مختلفاً عن المعنى الذي تحمله الكلمات وحدها. استمع إلى سياق ما يقال وما لا يُقال أيضاً. استمع إلى الأصوات الأخرى التي قد تكشف عن المكان المحيط.
اللمس
حاسة، نادراً ما يستخدمها الصحفي. بوصفي قارئاً، أود معرفة كيف يكون الإحساس في الملعب ذي العشب الطبيعي مقارنة بالاصطناعي. أود من الصحفي الرياضي أن يمسك بيدي وقدمي، ويضعهما على أرضية الملعب أو المدرجات. أود أن أعرف ما يحسّ به الجراح وهو يبضع بطن مريضه، أين يرتكز توازن المِشرط: يده؟ معصمه؟ ربما كتفه؟ لعلّه ظهره؟ أود معرفة ثقل ذاك المسدس الذي أردى قتيلاً يوم أمس، وأريد أن أعرف كيف يستطيع الشرطي الركض بكامل معداته على جسده؛ كيف يحس بكل ذلك؟ أود بوصفي قارئاً أن أمرّر يدي تماماً على المكان ذاته، التراب ذاته، الذي مرّغت فيه يديها تلك الأم التي دفنت ابنها للتو. وأود أن أشعر بالأوتار، وهي تحتك بأصابع عازف البزق أو العود. أريد، أريد، أريد.
التغيير
يجب أن تكون على دراية بالتغييرات. الحق، أن معظم القصص الصحفية هي أولاً وأخيراً سِجِلٌّ للتغييرات؛ فالصحافة تدوين للتاريخ في لحظة وقوعه. انظر إلى مجتمعاتنا، ستجد أن العلاقات الاجتماعية تغيرت، النظرة إلى العالم تغيرت، حتى المناخ تغير. فأينما نظرت، ستجد ذاكرة الماضي وظلال المستقبل. مهمة الصحفي هي أن يلتقط إشارات التغيير القادم، تلك التلميحات لما سيكون عليه ما هو موجود الآن.
السياق
يفشل الصحفي أيضاً عندما لا يضع التفاصيل المحددة في سياقاتها. فالأحداث لا تقع بمعزل عن بعضها؛ لكل حدث أسبابه وتداعياته. الصحفيون هم مؤرِّخو اللحظة. ينبغي أن يضعوا حدثَ اليوم في سياق الماضي والمستقبل. تكتسب التفاصيل حقيقتها وأهميتها عندما توضع في سياقها الصحيح.
الصراع
نحن نعيش في عالم حيث القوى فيه دائماً على مسارات التصادم. من مهام الصحفي تغطية التصادمات قبل وقوعها، وعند حدوثها، وبعد انتهائها. يحتاج الصحفي إلى تطوير حس الصراع؛ عندما تفضي مصالح مجموعة ما، إلى تصادم مع مصالح مجموعة أخرى.
التأثير
أحد الإخفاقات التي قد تعترض الصحفي، الفشلُ في الإحساس بتأثير الأخبار في حياة الناس. فتغيير بسيط في خط الحافلات، بسبب التصليحات، قد يؤثر في حياة مئات المسنين. وانقطاع الكهرباء عنهم في الصيف الحار، قد يودي بحياتهم. ربما تغيير بسيط في أسعار السلع، قد يدفع الأسر إلى الاقتصاد في وجباتها.
الذات
يتعلم الصحفيون أن يكونوا موضوعيين، وهذا أمر جيد؛ لأنه يمنعهم من اختلاق الحقائق. إنهم يحتاجون إلى نقل المعلومات بدقة، وتوثيق ما يقولونه بالأدلة، ولكن كثيراً منهم ينأون بأنفسهم عن تجاربهم، ويتنكرون لردود فعلهم على الأشخاص والأحداث التي يغطّونها، رغم أنهم قد يكونون جزءاً من الحدث.
استفد من تجربتك بوصفك واحداً من الجمهور المتأثر بالحدث، لأن ذلك سيساعد القارئ على فهم مادتك على نحو أفضل.
مثال: فتاة النافذة
اقرأ مطلع هذه القصة للصحفية لين ديغريغوري، التي فازت بجائزة بوليتزر عام 2009 عن فئة الفيتشر.
المشهد الافتتاحي أدناه، أعيد بناؤه بعد ثلاث سنوات من الحادث، من خلال الشهادات وتحقيقات الشرطة؛ إذ إن ديغريغوري لم تكن حاضرة هناك. انظر كيف تستخدم الحواس بصورة بديعة، وتنقل القارئ إلى داخل منزل «فتاة النافذة»:
مطلع قصة
فتاة النافذة
كانت العائلة تعيش في منزل مستأجر متهالك منذ ثلاث سنوات تقريباً عندما رأى أحدهم لأوّل مرة وجه طفلة في النافذة.
فتاة صغيرة شاحبة ذات عيون داكنة، رفعت بطانية قذرة فوق زجاج النافذة المكسور، وهي تحدّق في الخارج؛ بحسب ما تذَكّرَه أحد الجيران.
كان الجيران يعرفون أن امرأة تعيش في المنزل مع صديقها وابنيها البالغين. لكنهم لم يروا طفلاً هناك من قبل. لم يحدث أن شاهدوا أحداً يلعب في الفناء الذي تغطيه الأعشاب البرية بسبب الإهمال.
بدت الفتاة صغيرة السن، 5 أو 6 أعوام، ونحيفة. نحيفة جداً. خدّاها مقعران؛ وعيناها غائرتان.
تأملت الطفلة في البقعة التي تضربها أشعة الشمس، ثم انسحبت.
مرّت الشهور. لم تظهر الفتاة ثانيةً.
تماماً، قبيل ظهيرة يوم 13 يوليو 2005، توقفت سيارة شرطة «بلانت سيتي» أمام تلك النافذة المكسورة. دخل شرطيان إلى المنزل، ثم خرج أحدهما مترنّحاً.
الشرطي المستجد أمسك ببطنه، وتقيأ على الأعشاب.
كان المحقق مارك هولستي قد قضى 18 عاماً في شرطة «بلانت سيتي» عندما أُرْسِل هو وشريكه الشاب إلى المنزل في شارع «أولد سيدني» للمساندة في تحقيق عن حالة إساءة معاملة الأطفال. كان أحدهم قد اتصل أخيراً بالشرطة.
وجدوا سيارة أمام المنزل. كان باب السائق مفتوحاً وامرأة منهارة على المقعد، تبكي. كانت المحققة من دائرة «الطفل والأسرة» في ولاية فلوريدا.
«لا يُصدَق»، قالت لهولستي. «هذا أسوأ ما رأيته في حياتي.»
دخل الشرطيان عبر الباب الأمامي، إلى غرفة المعيشة الضيقة.
«مررت بغرف تعفنت فيها جثث لمدة أسبوع، ولم يكن رائحتها بهذا السوء،» قال هولستي لاحقاً. «أمرٌ يفوق الوصف. بول وفضلات؛ براز الكلاب والقطط والبشر، ملطخة على الجدران ومهروسة على السجادة. كل شيء رطب وعفن.»
ستائر رثة مصفرّة، بسبب دخان السجائر، تتدلى من قضبان معدنية معوجّة. الكرتون وَاللُّحُف القديمة محشورة في نوافذ وسخة ومكسورة. القمامة تغطي الأريكة الملطخة والمناضد الدبقة.
الأرضية والجدران وحتى السقف، بدت كأنها تتمايل مع جحافل الصراصير المتزاحمة.
«بدا الأمر كأنك تمشي على قشور البيض. إذ لا يمكنك أن تخطو خطوة واحدة دون طقطقة الصراصير تنسحق تحت رجليك»، قال المحقق. «كانت داخل الإضاءات، داخل الأثاث. حتى داخل الثلاجة. الثلاجة!»
بينما كان هولستي يلقي نظرة حوله، اعترضت المرأة البدينة بردائها المنزلي الباهت مطالبة بمعرفة ما يجري داخل بيتها. نعم، كانت تعيش هنا. نعم، كان هؤلاء ابناها في غرفة المعيشة. ابنتها؟ حسناً، نعم، كانت لديها ابنة…
مشى المحقق مارّاً بها، باتجاه الممر الضيق. دفع الباب من مقبضه ففتح على مساحة بحجم خزانة الملابس. أمعن النظر في العتمة.
عند قدميه، تحرّك شيء ما.
أوّل ما رآه كان عينا الفتاة: كانتا داكنتين وواسعتين، من غير تركيز، لا ترمشان. لم تكن تنظر إليه بقدر ما كانت تنظر عبره.
استلقت في فراش ممزق، وعفن على الأرض. تلوَّتْ على جانبها، بينما كانت ساقاها الطويلتان مثنيتين نحو صدرها النحيل. ضلوعها وعظميا الترقوة ناتئة؛ ذراعها النحيفة التفَّتْ حول وجهها؛ وشعرها الأسود متشابك ومليء بالقمل. لدغات الحشرات والطفح الجلدي والقروح تغطي بشرتها. ورغم أنها بدت كبيرة بما يكفي لتكون الآن في المدرسة، إلا أنها كانت هناك عارية من كل شيء ما عدا الحفاظة المنتفخة.
«كومة الحفاظات القذرة في تلك الغرفة كانت بارتفاع 4 أقدام»، قال المحقق. «كُسِرَ زجاج النافذة، والطفلة كانت ترقد تماماً هناك محاطة ببرازها وبالحشرات.»
عندما انحنى ليرفعها، أصدرت صوتاً كثغاء الخروف. «شعرتُ وكأنني أرفع رضيعًا»، قال هولستي، «وضعتها على كتفي، وبدأ سوائل الحفاض تتسرب على ساقي.»
الفتاة لم تقاوم. سأل هولستي: ما اسمك، حبيبتي؟ بدت الفتاة كأنها لم تسمع.
بحثَ عن ثياب ليُلبسها، ولكنه وجد فقط ثياباً متكتلة ملطخة بالبراز. بحث عن لعبة أو دمية حيوان محشو، «ولكن ما وجدته كان مغطى باليرقات والصراصير.»
كبح جماح غضبه، اقترب من الأم، وسألها: كيف تجرّأت على فعل هذا؟
«قالت الأم: هذا ما استطعته»، قال المحقق. «قلت لها: ما استطعتِه يبدو سيئاً جداً!»
أراد أن يعتقل المرأة على الفور، لكن عندما اتصل برئيسه، قال له أن يترك الأمر لوكالة الرعاية الاجتماعية لتجري تحقيقها الخاص.
حمل المحقق الفتاة عبر الممر المظلم، مارّاً بشقيقيها، وبوالدتها عند الباب، التي كانت تزعق: «لا تأخذوا طفلتي!» ثم ثبّت الطفلة بحزام مقعد سيارة محققة الولاية. المحققة وافقت قائلة: يجب أخذ الفتاة من هنا فوراً.
«اتّصلْ مع مستشفى تامبا العام»، يتذكر المحقق ما قاله لشريكه. «إذا لم تصل هذه الطفلة إلى المستشفى، فلن تبقى على قيد الحياة».
لين ديغريغوري — تامبا باي تايمز، 2008
تدريبٌ فرديّعلى سرد القصة
جلسات واحدٌ لواحد، على منهج كتاب «كيف تسرد قصة؟» — لا محاضرة عامة، بل عملٌ على نصّك أنت، سطراً سطراً، حتى يصير قصةً تُقرأ إلى آخرها.
ماذا نعمل عليه
- فكرة القصة وبؤرتها: ما الذي تدور حوله فعلاً، وما الذي يجب أن يسقط منها.
- المطلع والخاتمة: أوّل سطر يمسك القارئ، وآخر سطر يبقى معه.
- الشخصية وصراعها، وإيقاع الجملة ومواضع قوّتها.
المسار كاملاً على نصوصك: خمس عشرة جلسة، جلسةٌ لكل محور. تبدأ من 1000 دولار.
وأفتح الآن 3 مقاعد لجلسةٍ أولى بلا مقابل، على أن تأذن لي بنشر رأيك فيها إن رضيتَ عنها.
ترسل نصّك قبل الجلسة بيومين، فأصل وقد قرأتُه.
نتّفق على الموعد والتفاصيل بالمراسلة.








