المحور الثالث عشر: قوة الصورة

المحور الثالث عشرقوة الصورة

في هذا المحور

محاور المسار

  1. 01مفاهيم لا بدّ منها
  2. 02القصة تخاطب القلب
  3. 03قوالب القصة
  4. 04بؤرة القصة
  5. 05خاتمة القصة
  6. 06بناء الجملة: قوتها في نهايتها
  7. 07الفرق بين التقرير والقصة
  8. 08الشخصيات في القصة
  9. 09رحلة تطور الشخصية
  10. 10مطلع القصة
  11. 11دور الأفعال والأسماء
  12. 12المقابلات
  13. 13قوة الصورة
  14. 14قوة الصوت
  15. 15حواسّ الصحفي العشرة
فهرس المسار

خمسة عشر محوراً في سرد القصة الصحفية: من المفاهيم التي لا بدّ منها، إلى حواسّ الصحفي العشرة.

13المحور الثالث عشر

قوة الصورة

لقد تعلمنا أن «العين لا تكذب»؛ وهذا يفترض ضمناً أن الدماغ يسجل ما تراه العين بدقة. غير أن هذا غير صحيح.

ما الذي ستتعلمه في هذا المحور؟

  1. 01لماذا تمتاز الصور بالقوة؟
  2. 02آلية عمل الدماغ في معالجة الصور
  3. 03مفهوم سيكولوجيا «الغشطالت» في الإدراك البصري
  4. 04قوة وأهمية الصور في سرد القصص الصحفية مقارنة بالكلمات
  5. 05كيفية فهم المشاهدين للصور المرئية وتأثير الحالة العاطفية والتجارب الشخصية في تفسيرها
  6. 06العلاقة بين زوايا التصوير ومعنى الصورة (السلطة والقوة والضعف)
  7. 07أثر خلفية الصورة على المعنى العام للصورة

لماذا تمتاز الصور بالقوة؟

«لو استطعت أن أسرد قصة بالكلمات، لما اضطررت لحمل كاميرا!»

لقد تعلمنا أن «العين لا تكذب»؛ وهذا يفترض ضمناً أن الدماغ يسجل ما تراه العين بدقة. غير أن هذا غير صحيح.

تستشهد آن ماري سيوارد باري، أستاذة مساعدة في الاتصال في كلية بوسطن، بدراسة أجرتها مؤسسة التعليم التابعة لجمعية وكالات الإعلان الأمريكية، وأظهرت أنه حتى عندما نرى الصور على التلفزيون، فإننا عادةً لا نفهمها. تكتب باري: «حتى عندما نشاهد التلفزيون، يساء فهم حوالي 30٪ مما يُعرض لنا. يبدو أن حالتنا العاطفية وطريقة تفكيرنا وقتئذ وتجاربنا تتآمر جميعها ضد رؤيتنا للأشياء على حقيقتها. ومع ذلك، نستمر في حياتنا مفترضين أن ما نراه هو ما هو فعلاً، وكأن العملية التي تحدث بين العين والدماغ لا تؤثر – بعبارة أخرى، نعتقد أن الخريطة التي نشاهدها هي بالفعل الأرض».

من دون شك إن الاتصال البصري له الغلبة على الاتصال اللفظي، وهذا أمرٌ يجب على الصحفيين مراعاته. الصور تطغى على الكلمات التي تتحدث عن تلك الصور. وسنتحدث في هذا القسم عن الصورة من الزاوية التحريرية وليست التقنية؛ أي ما تحتاج إلى معرفته بوصفك صحفياً.

النظرية البصرية

كيف يسيء المشاهد فهم ثلث ما يراه على التلفزيون؟ تكمن الإجابة في الكيفية التي يعالج بها الدماغ الصور التي تراها العين. بمجرد فهم آلية معالجة الصور في الدماغ، سنفهم بشكل أفضل كيفية سرد القصص بفعالية من خلال الفيديوهات والصور والرسوم.

علم النفس «الغشطالتي» لديه نظرية في الإدراك، وتساعد على فهم قوة الصورة:

انظر إلى هذا الرسم «الغشطالتي»، ماذا ترى؟

رسم غشطالتي بالأبيض والأسود يُرى مرة كوجهين متقابلين ومرة كمزهرية

يرى بعض الأشخاص صورة ظليلة لوجهين، بينما يرى آخرون مزهرية أو كأساً.

تقول نظرية «الغشطالت» إن العقل لديه قدرات تنظيمية فطرية تسمح لنا بتفكيك الصورة الكلية إلى مكوناتها المختلفة دون الحاجة إلى تحليلها بفعالية. لذا يمكنك أن ترى واحدة ثم الأخرى – الوجوه، ثم المزهرية – دون الكثير من التفكير حول أي منهما.

فالرؤية هي عملية تجري بين العين والدماغ، لكن الإدراك هو عملية تجري كاملة داخل العقل.

نرى الصورة الكلية أولاً

المبدأ الأساسي لعلم نفس «الغشطالت» هو أن الصورة الأكبر تُرى قبل أجزائها. وهذا له أهمية خاصة للأخبار التلفزيونية، ويعادل نفسياً القول القديم «الكل أكبر من مجموع أجزائه». وبتقسيم القصة إلى أجزائها التي تتكون منها (باستخدام أطوال بؤرية وزوايا تصوير مختلفة)، يتمكن المشاهد من فهم المشهد بصورة أكثر اكتمالاً. عندما تتغير الزوايا وتتنوع اللقطات، يتاح للدماغ فرصة لتحليل القصة من وجهات نظر متعددة.

صورة رئيسية وما تبقى خلفيات

المبدأ الآخر المهم في نظرية «الغشطالت» هو قولها إنه في أي عرض بصري، هناك دائماً عنصر واحد يُدْرَك كموضوع أساسي، ويُنظر إلى بقية العناصر على أنها خلفية. وشاشات التلفزيون التي تُملأ بالمعلومات اعتقاداً أنها ستجذب انتباه المشاهدين، في الواقع، لا يستطيع الدماغ معالجة هذا القدر الكبير من المعلومات. وفي النهاية يركز المشاهد على عنصر رئيسي واحد، ويضع كل شيء آخر في الخلفية.

نرى ما نريد أن نراه

مبدأ آخر مهم في نظرية «الغشطالت» هو أنه عندما تكون هناك تفسيرات متعددة ممكنة، نختار تلقائياً التفسير الذي يتطلب أقل قدر من المعلومات الإضافية. نربط الصور المرئية بتجاربنا الشخصية. بعبارة أخرى، «يرى المشاهد ما يريد رؤيته».

حشد في مظاهرة، تُقرأ الصورة نفسها بمعنيين مختلفين
مظاهرة مخربين  « »  مظاهرة تعبير عن الرأي

فاختيار الصور لسرد قصة ما يؤثر في كيفية فهم المشاهد لها. في النهاية، القصة الصحافية البصرية هي نسخة واحدة من الحقيقة، نراها من خلال العدسة ونسمعها عبر الميكروفون. لكن بتغيير اتجاه العدسة، أو الزووم، أو ضبط الإضاءة بطريقة معينة، ستظهر نسخة أخرى مختلفة عن الحقيقة.

بالنسبة لمعظم المشاهدين، «العين لا تكذب»، لكن الفهم الحقيقي يتطلب شرحاً وسياقاً. وهذا هو الدور الأساسي الذي يقوم به الصحفي. ومن دون شك، أنت تعرف الوهم البصري:

رسم متحرك لوهم بصري

عندما تتفوق الصورة على الكلمة

على مدار عشر سنوات، بالكاد لاحظ المشاهدون في الولايات المتحدة أن أكثر من مليون صومالي ماتوا بسبب الجوع والمرض والحرب الأهلية. لكن في عامي 1991 و1992، بثت CNN أربع عشرة قصة منفصلة عن تزايد أزمة الجوع في الصومال والسودان. لم يتفاعل الجمهور إلا عندما عرضت الصحف والتلفزيون صورة لطفل يحتضر من الجوع بينما يجلس نسر على مقربة منها مترقباً. فجأة، أصبح للجوع في الصومال وجه مأساوي يحرك المشاعر، وتدخلت أمريكا بما أسمته الإدارة حينها «جهدًا إنسانياً». في ديسمبر 1992، كان هناك عشرة آلاف جندي أمريكي في طريقهم إلى الصومال.

طفل يحتضر من الجوع في السودان ونسر يترقب على مقربة منه
تصوير كيفن كارتر، 1993

أو صورة آلان كردي التي فتحت الأبواب لموجة اللجوء إلى أوروبا عام 2015:

جثمان الطفل آلان كردي على شاطئ في تركيا
تصوير نيلوفر دمير، 2015

للأصوات والصور والرسوم البيانية قوة عظيمة، لكن العين تغلب الأذن عندما يتعارض الاثنان على شاشة التلفزيون.

تفسر هذه الحقيقة البسيطة سبب تجاهل الرجال محاولة زوجاتهم التحدث إليهم في أثناء مشاهدة مباريات كرة القدم، أو عدم سماع الأطفال ما تقوله والدتهم في أثناء مشاهدة أفلام الكرتون. المشاهد ببساطة لا يستطيع سماع ما يقال عندما يكون هناك مشهد يجذب انتباهه بشدة.

استخدم الكلمات لتفسير الصور، وليس لوصفها

يجب ألا تتطابق الصور والكلمات في القصة التلفزيونية. لا تقل «هذا كلب» عندما يظهر كلب في الصورة، فالمشاهد يعرف أنه كلب. بدلاً من ذلك، يمكن الحديث عن كونه صديقاً للإنسان أو كيف أنه أنقذ حياة طفل، لكن لا تخبر المشاهد بأنه مجرد كلب.

الكلمات يجب أن تفسر الصور، لا أن تكرر وصف ما هو واضح فيها. عندما تتنافس الكلمات والصور، تفوز الصور. لكن عندما تعمل معاً، تصبح الصور أقوى وأكثر معنى.

فكر في الصور بوصفك صحافياً أوّلاً ثم مصوِّراً ثانياً

من المهم أن يفكر المصور الصحفي أولًا كصحفي، وثانياً كمصور فوتوغرافي.

مثلما أن الكتابة هي مهارة يمكنك تعلمها، كذلك التصوير الفوتوغرافي، فهو أيضا مهارة قابلة للتعلم، حيث يمكنك معرفة المهارات الأساسية التي ستساعدك على تصوير فيديو أفضل.

الصور تسرد قصصاً، وقد سرد إنسان الكهف قصصاً معقدة عن الصيد أو مواجهة مع دب دون الحاجة إلى كتابة كلمة واحدة. فقد رسموا على جدران الكهوف صوراً تحكي قصصاً واضحة لدرجة أن طفلاً في المدرسة الابتدائية يستطيع تفسيرها بعد قرون.

لكن التصوير الصحفي التلفزيوني / الفيديو يضيف إلى تلك الصور الصوت وتسلسل المشاهد وحركة الكاميرا.

الفيديو الجيد يسرد قصة بلقطات قريبة حتى يجعل المشاهد يشعر ويتذوق ويسمع ويشم ويرى، ولقطات عريضة لتريه السياق والمنظور. اللقطات العريضة تمنح المشاهد الإحساس بالمكان وتضفي عليه مساحة بصرية، اللقطة الواسعة بالنسبة للفيديو مثل الوقفات في الموسيقى.

الفيديو الجيد يتضمن لقطات واسعة، ومتوسطة، وقريبة، وقريبة جداً للقصة. ومثلما أن كتابة الجمل بأطوال مختلفة يمنح السرد التدفق، كذلك اللقطات بمسافات مختلفة للكاميرا يضفي التدفق على القصة.

اللقطة الواسعة تمثل السياق للقصة، بينما اللقطة القريبة تبرز التفاصيل وغالباً العواطف. وتباين اللقطات يضفي المصداقية على القصة.

فعلٌ بلا رد فعلٍ هو نصف فعلٍ فقط

وقوع حدث يجذب المصورين الصحفيين والمراسلين، فعندما يصلون إلى مكان حدث عاجل، يلتقطون بطبيعة الحال صوراً للنيران والفوضى. وثمة قاعدة صحفية تقول إنه عند تغطية الأخبار العاجلة، تسجيل ما سيختفي أولًا له الأولوية، إذا كانت النيران ستنطفئ سريعاً مثلاً، فلها الأولوية في التصوير. بمعنى آخر، قم بتصوير النار فوراً، صور عملية الإنقاذ، صور الحدث. لكن من المهم أيضاً أن يدير الصحفي ظهره للحدث لرؤية ردود الفعل على الحدث ذاته.

إذا ركز الصحفي على الحدث ذاته، لن يرى ردود الفعل العاطفية على وجوه رجال الإطفاء، ولا مشاهد الرعب والخوف لدى الأشخاص الذين تلتهم النار منازلهم. النصيحة بسيطة وواضحة بما فيه الكفاية، لكنها تتعارض مع كل غريزة عندما تكون القصة عاجلة والنيران تتصاعد. يمكن لأي شخص أن يصور النار. الهواة يفعلون ذلك. لكن نادراً ما تجد هاوياً يلتقط ردود الفعل على الحدث. وغالباً ستسمع صوت رد الفعل في الخلفية، وتتمنى لو أن الكاميرا تحركت لترى مصدر الصوت.

عندما تصور، حاول أن تحصل على أكبر عدد ممكن من خيارات التصوير وزواياه، ستحتاجها عندما تبدأ العمل على تحرير الفيديو.

الصحفي هو تاجر اللحظات. لا شيء أكثر قيمة في سرد القصص بالفيديو من تفاعل بشري حقيقي. بوصفك صحفياً عليك أن تضع نفسك في مكان الناس، في أسرّتهم بالمستشفيات، في حياتهم. لا تكتفِ فقط بتصوير طفل يكافح ليأخذ خطواته الأولى على العكاز في مركز إعادة التأهيل. تخيل الصعوبات التي مر بها هذا الطفل. فكر في رد فعل المعالج؛ فكر في الوالدين الذين يمسكون دموعهم ويشجعون بصمت. عندما تفكر بهذه الطريقة، ستتوقع اللحظات وتخطط لتصوير اللقطة التالية. كن مستعداً ليس فقط لتسجيل ما أمامك، ولكن توقع ما سيأتي. لا يمكنك فعل ذلك إذا لم تصور بقلبك.

جزء كبير من العمل الصحفي هو التنبؤ بما سيفعله الناس. إذا كنت تلتقط اللحظة الحاضرة فقط، ستفوتك اللحظة التالية. إذا كنت تصور، على سبيل المثال، طفلًا يأكل مخروط الآيس كريم في يوم صيفي، يجب أن تكون متيقظاً لاحتمال سقوط الآيس كريم من المخروط. عندما يبدأ في السقوط، تقترب بالتصوير. ثم تتوقع أن يبدأ الطفل في البكاء، لذا لا تنتظر حتى يصرخ لتحرك الكاميرا على وجهه. إذا انتظرت حتى يصرخ، فقد فاتتك اللقطة. بمجرد خروج الصرخة من فمه، كن منتبهاً للأب أو الأم الذين سيأتون لتهدئته بمنديل وعناق.

ستجد مصوراً صحافياً يلتقط تسلسل الأحداث كحدث طويل واحد. بينما يرى المصور الصحفي المتميز سقوط الآيس كريم كحدث يتبعه سلسلة من ردود الفعل: المفاجأة، والبكاء، والتعاطف. وهذه اللقطات ليست تسلسلاً للحدث، بل قصة تتكشف بوصفها دراما. المصور الصحفي الذين لا يتوقع رد الفعل ليس لديه تأثير كبير على صوره؛ هو فقط يصور ما أمامه. بينما المصور الصحفي الذي يتوقع الحدث ورد الفعل يمكنه اتخاذ قرارات مهمة حول تأطير الصورة، البعد البؤري، والخلفية قبل أن تبدأ اللقطة أصلاً.

في هذه الأثناء، يمكن للمراسل مساعدة المصور في توقع ما سيحدث من خلال كونه عينين وأذنين إضافيتين. هذه الوظيفة كمراقب يمكن أن تكون مهمة على نحو خاص إذا كانت الأحداث على وشك الحدوث على الجانب الأيمن من الكاميرا.

أكثر من مجرد مقابلة

خذ أكبر قدر ممكن من اللقطات للشخص قبل المقابلة. فكلما زادت معرفتك عنه، تصبح المقابلة أكثر إنتاجية. وسيكون الشخص أكثر راحة في المقابلة بعد أن يقضي وقتاً في إظهار ما يجعله مثيراً للأخبار.

إذا أمكنك، قم بتسجيل مقابلة من نوعين. أجرِ حواراً غير رسمي، بينما يقوم الشخص بما يفعله في لقطات الـ B-Roll (الفيديو الذي لا يتضمن المقابلة).

ثم أجرِ حواراً رسمياً بالجلوس (لقطات الـ A-Roll)، يتضمن إضاءة جيدة وصوتاً مثالياً. وتذكر أن هذه ليست مقابلة بل محادثة. فالمقابلة يمكن أن تشعر الشخص بأنها استجواب جامد. لكن المحادثة تقود غالباً إلى فهم ما يشمل التعاطف.

يواجه الصحفي ضغوطاً في عامل الوقت في أثناء تصوير القصة. هذا يجعل من الأهمية بمكان أن يعرف منذ البداية ضرورة وجود الشخصيات الرئيسية في أكثر من مشهد واحد. لذلك الأفضل تصوير الشخصية الرئيسية في القصة في موقعين مختلفين على الأقل. إحداها يكون بمشهد رسمي باستخدام الحامل الثابت للكاميرا، وهي مناسبة للأسئلة التي تتطلب تفكيراً عميقاً وتحليلاً. المقابلة الثانية تكون والكاميرا محمولة ومتحركة في جو أكثر استرخاءً. هذا النوع من المقابلات يكون غير رسمي، وغالباً ما ينتج عنه مقاطع صوتية عاطفية تشكل الجزء المؤثر من القصة.

باستخدام مقاطع الـ B-Roll والـ A-Roll، سيشعر المشاهد بأنك قضيت وقتاً طويلاً مع الشخص، لأنه يراه في أكثر من موقع.

اجعل الأشخاص مرتاحين أمام الكاميرا

أفضل المصورين الصحفيين يتحركون بسرعة وهدوء حول الشخص الذي يصورونه. يفعلون كل ما في وسعهم لجعل الكاميرا والميكروفون والأضواء غير مرئية قدر الإمكان. يدركون أنه كلما قلَّ الانتباه الموجه إلى الكاميرا، كان الشخص أكثر طبيعية أمامها. وإن كانوا يصورون أطفالاً، فيوضحون لهم كيف تعمل معدات الكاميرا لإزالة الغموض عنها. معظم الأطفال يملّون منها سريعاً، ويعودون إلى طبيعتهم المعتادة.

افعل ما بوسعك لتشجيع الشخص الذي تجري معه مقابلة على تجاهل الكاميرا والمعدات الأخرى. حاول أن تجعل الكاميرا تبدو وكأنها مجرد جزء عادي وغير مثير للاهتمام في المكان. الصور الأولى التي يلتقطها المصور غالباً تكون للشخص، وهو يقوم بنشاط يومي بسيط، وليس اللحظة التصويرية المهمة التي ستجري لاحقاً. والسبب وراء ذلك هو أنه يريد أن يشعر الشخص بالراحة قبل أن تظهر اللحظات الكبيرة، أو ما يُعرف بـ«Money Shots.»

حاول أن تكون مرتاحاً عندما تكون في منزل الشخص الذي تجري معه مقابلة. إذا عرض عليك كوب شاي، اقبله. كن ودوداً وامنح الآخرين فرصة لتقديم أنفسهم براحة. حاول أن تظهر نفسك بأنك أنت أيضاً إنسان تماماً مثل الشخص الذي تُجري معه المقابلة. يمكنك مثلاً أن تظهر صور أطفالك كطريقة للتواصل ولكي يشعر الضيف بالحميمية. انتبه للأشياء الصغيرة في المنزل التي تعطيك إشارات وأفكاراً عن حياة الشخص.

توجيهات أساسية لتحقيق الموضوعية في التصوير

لا يوجد ما يُعرف بالصورة الفوتوغرافية الموضوعية. فقبل أن تسجل أو إنتاج أو تعديل أي صورة، تتخذ قرارات تؤثر في النتيجة النهائية. إن طبيعة عملية الأخبار تتضمن حذف معلومات. ومن ثم، فإن كل قرار يتخذه الصحفي، هو قرار ذاتي، يعتمد على آراء وخبرات وأحكام شخصية حول ما هو جدير بالنشر ومهم. والقرارات التي تتخذها تؤثر في كيفية استيعاب الجمهور للقصة.

توجيه المشاهد من خلال القص والتأطير

اعتماداً على كيفية تأطير اللّقطة، قد تبدو المشاهد قريبة أو بعيدة، أو شبه متصلة أو مفصولة بمساحة كبيرة. التقريب الشديد للصورة قد يعطي تأثيراً حميمياً، وقد يكون له تأثير يشبه استجواباً في السجن.

فكر في إطار الصورة على شكل أثلاث. أفقياً هناك الثلث العلوي، والثلث الأوسط، والثلث السفلي. وعامودياً: هناك الثلث الأيمن، والوسط، والثلث الأيسر.

إطار صورة مقسوم إلى تسعة مربعات يوضح قاعدة الأثلاث

قد يكون من الآمن ولكن الممل وضع الصورة في منتصف الإطار. ولكن حاول ألّا تهمل الزوايا الأخرى، أظهر بعض العناصر المثيرة للاهتمام.

مثال تطبيقي على وضع الموضوع خارج مركز الإطار

العناصر في خلفية الصورة لها معنى

إذا كنت تصور كلمة رسمية لمسؤول كبير وخلفه يقف صف من القضاة، أو العسكر، أو المسؤولين الآخرين، أو الناس العاديين، أو الحشود، فإن الخطاب يأخذ معنى مختلفاً في كل مرة.

زوايا الكاميرا بوصفها إشارة إلى السلطة والقوة

لغة زوايا الكاميرا شديدة التأثير عاطفياً، وهي ربما إحدى أبسط الأمثلة على اللغة البصرية التي تستند إلى التجربة الإدراكية.

عندما يكون الشخص الذي تجري معه مقابلة والمشاهِد على المستوى نفسه، فإنهما في موقف محايد من حيث القوة. ولكن عند تصوير الشخص من زاوية منخفضة، سيبدو الشخص بمظهر السلطة والقوة. وعند تصوير الشخص من زاوية مرتفعة، يظهر الشخص في صورة ضعيفة أو عديمة القوة.

في ملصقات الدعاية النازية، تظهر الأسرة الآرية، الجندي النازي، والعامل في الحقل، وشباب هتلر دائماً من زاوية منخفضة ومضاءة بألوان مشرقة. كذلك، في كتب الأطفال التابعة للحزب النازي، يظهر العمال والضباط الألمان في زوايا منخفضة وألوان مشرقة؛ بينما يظهر اليهود بألوان داكنة، غير حليقي الذقن، ومكشرين، وغالباً من زاوية عالية وبالأبيض والأسود.

عند إعداد مقابلة، كن واعياً للإشارات الدقيقة التي ترسلها إلى المشاهدين من خلال زاوية الكاميرا.

استخدم حركة الكاميرا كأداة

الحركة المدروسة للكاميرا تمنح إحساساً بأن «الحدث يجري الآن»، ويشعر المشاهد بأن المشهد غير مُعد مسبقاً، وأنه يتكشف أمامهم بصورة طبيعية. ومع ذلك، فإن كثرة حركة الكاميرا، أو الحركة التي لا تكون مستوحاة من حدث مرئي على الشاشة، تجعل المشاهدين يركزون على الحركة أكثر من المحتوى البصري والمحتوى التحريري للقصة.

تُعد كثرة حركة الكاميرا سمة من سمات تصوير الهواة. يجب أن تكون حركة الكاميرا أداة للتصوير، مدفوعة بالمحتوى، وليس من باب الملل من اللقطة الثابتة.

حافظ على النسب الحقيقية في الصور

إذا قمت بقص الصورة، كُنْ أميناً في الحفاظ على نسب الصورة. وتذكر أن الصحفي يتحمل مسؤولية تقديم الصور على نحو دقيق وصادق بما يعكس ما حدث فعلاً. قاوم استخدام التأثيرات البصرية التي قد تحرف فهم المشاهد للحدث أو للشخص الذي تجري معه المقابلة.

القص، التأطير، الخلفية، زوايا الكاميرا، وحركة الكاميرا، قد تعكس التحيزات الشخصية. تعرف على هذه التحيزات، وابحث عن طرق للالتفاف حولها في تقاريرك.

المؤثرات «الخاصة»: استخدمها بحذر

قد تكون للمؤثرات الخاصة، مثل الحركة البطيئة، دوراً أساسياً في كيفية فهم المشاهد للقصة. وجد باحث أن المشاهدين يعتقدون غالباً أن الحركة البطيئة تكشف الحقيقة لما حدث. ولكن يمكن للحركة البطيئة أيضاً أن تغير الواقع. يوضح البروفيسور آرثر شيمامورا من معهد «هيلين ويلز» لعلم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، في كتابه «علم النفس السينمائي» أن الحركة البطيئة يمكن أن تغير الفهم الأساسي لما حدث عن طريق تغيير سرعة الحدث.

الصورة القوية وحدها لا تكفي لسرد قصة مكتملة الأركان، فهي بحاجة إلى الصوت كي يمنحها الحياة والتأثير والعمق. الصوت لا يقل أهمية عن الصورة، بل قد يفوقها أحياناً في قدرته على نقل المشاعر وتوضيح التفاصيل الخفية. إذا كانت الصورة تروي لنا ما حدث، فإن الصوت يُشعرنا وكأننا هناك، ويجعلنا نعيش الحدث بتفاصيله الدقيقة. لذلك، دعنا الآن نتعرف في القسم التالي على قوة الصوت وكيفية توظيفه ليصبح حليفاً قوياً في رواية القصص الصحفية بشكل لا يُنسى.

..تذكّر هذا