دور الأفعال والأسماء
الأفعال المبنية للمعلوم تقود القصة، وتمنحها الحياة.
ما الذي ستتعلمه في هذا المحور؟
- 01قوة استخدام الأفعال
- 02استبدال المصدر بالأفعال ينزع عن السرد دسمه
- 03ترتيب الكلمات في الجملة: استخدم نهاية الجملة بقوة
- 04أسلوب تجنب الأفعال
- 05ديناميكية الأفعال
- 06قوة الأسماء
- 07الألفاظ المقيدة
- 08مفهوم الاحتكاك
الكلمات القوية: الأفعال
الأفعال المبنية للمعلوم تقود القصة، وتمنحها الحياة.
الأفعال في اللغة العربية على كثرتها يقل استخدامها ولا سيما في الصحافة، باستبدالها بصيغة المصدر.
الصحافة أساساً تدور حول الأفعال.
وقوة الأفعال في أنها مرتبطة بزمن له بداية ونهاية، وبها حركة من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»؛ ما يضفي الأكشن (أو التشويق) إلى السرد في النص.

حتى عند استخدام الأفعال، كثيراً ما يلجأ الصحافي إلى أفعال القول (قال، أضاف، أعلن، نقل، أكد.. إلخ) التي لا تدل على أكشن.
وكثيراً ما تُزال الأفعال وتُستبدل بها صيغة المصدر الاسمية التي لا ترتبط بزمن له بداية ونهاية؛ ما ينزع عن السرد دسمه.. انظر إلى العيّنة أدناه:
المصدر..
المصدر في اللغة العربية هو اسم يدل على حدث أو فعل مجرد من الزمن؛ أي ليس له بداية ونهاية. بمعنى آخر، هو الاسم الذي يعبر عن الحدث الذي وقع دون النظر إلى متى حدث.
الفعل كتب ← المصدر كتابة.
الفعل أَكَلَ ← المصدر أَكْل.
الفعل نجح ← المصدر نجاح.
ما الفرق بين الاسم والفعل؟
الأفعال تشير إلى التحوّل والتغير، بينما الأسماء والصفات في اللغة «مثل زيد، وأزرق» تشير إلى الثبات والديمومة. انظر كيف تضيف الأفعال الحيوية على الجملة:
كان بإمكانها أن تجمع 20 طفلاً صغيراً معاً، تصحبهم إلى حديقة الحيوان، تأخذهم إلى السباحة، تطعمهم على الغداء، ثم تؤويهم إلى الفراش للقيلولة دون أن تنزّ قطرة عَرَق واحدة.
هذا النوع من الجمل يضع «اللحم» -وهو هنا «دون أن تنزّ قطرة عَرَق واحدة»- قُرب نقطة النهاية. فهي تثير تلك الغريزة البدائية عند البشر؛ تلك الذكرى الضاربة في القدم عندما كنا جميعاً نضع الفعل في نهاية الجملة في اللغة الأولى للبشرية.
وثمة نقاش جميل حول ترتيب كلمات الجملة «الفعل – الفاعل – المفعول به» واختلاف ذلك باختلاف اللغات ودلالات ذلك:
فاعل – مفعول به – فعل ← Xwendekar kitêbê dixwîne. (الكردية)
فعل – فاعل – مفعول به ← قرأَ الطالبُ الكتابَ. (العربية)
فاعل – فعل – مفعول به ← The student reads the book. (الإنكليزية)
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الترتيب الأصلي للغة البشر كان «الفاعل – المفعول به – الفعل». ويبدو ذلك منطقياً إذا نظرنا إلى أن اللغة أصلاً كانت أداة تواصل لدرء الأخطار، فأيّهما أسرع في إيصال الفكرة:
يمشي أسدٌ في الغابة
أسدٌ يمشي في الغابة
أسدٌ في الغابة يمشي
بالطبع الجملة الأخيرة، فبمجرد سماع الإنسان البدائي بكلمة الأسد (وهو هنا الفاعل) يدرك المخاطر المحدقة، ولا يهم إن كان يمشي أم لا، لذلك جاءت المعلومة المهمة في بداية الجملة.
لكن، إذا كان وضع الفاعل في بداية الجملة والفعل في نهايتها كان الأصل في لغة البشر، لأن الفاعل كان المعلومة الأهم بالنسبة لهم، فلماذا تغيرّ هذا الترتيب في عدد كبير من اللغات فيما بعد؟
على الأرجح لأن سرد القصص -بما يتطلبه من وضوح وسلاسة- بدأ يؤدي عند نقطة ما دوراً أساسياً في التاريخ.
فحاجات الإنسان البدائي ومتطلباته بدأت تأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، ولم يعد نقل المعلومة (كحال التقارير الخبرية) وحده كافياً لتحديد المخاطر التي تهدد البقاء، فالتعاون والاستفادة من تجارب الآخرين لخلق «المعنى» وتحقيق الأهداف وحل المشاكل المستجدة، تطَّلب «سرد القصص». وثمة كتاب شائق عن السرد القصصي بعنوان On the Origin of Stories لـ Brian Boyd يدخل مساحة ممتعة حول الأصول الجينية لسرد القصص عند الإنسان.
الأسلوب الذي يتجنب الأفعال
يلجأ بعض الصحفيين إلى الكتابة عمداً بأسلوب يتجنب استخدام الأفعال كلما كان ذلك ممكناً، بدعوى أنه إذا كانت:
القصة معقدة ← الأفعال (للتعبير عن الأكشن)
القصة غير معقدة ← تجنب الأفعال (لنقل العواطف)
ويرون أن الكتابة الجيدة تُشْغِل الجمهورَ عن متابعة القصة. وأن ترك مساحة للجمهور لملء الفراغات التي يخّلفها عدم استخدام الأفعال، أمر مستحسن كما هو الحال في الشعر.
لننظر إلى هذا المقطع (باللون الأصفر) من قصيدة «لاعب النرد» لمحمود درويش، عندما يصل لحظة درامية عاطفية بها ستة «ميراثات» شخصية، ويقدمها ليس في سرد موضوعي، بل بسرد عاطفي من دون استخدام أفعال للكشف عن هوية تتشكّل بالصدفة والوراثة وعدم القدرة على السيطرة:
«لاعب النرد» — محمود درويش
مَنْ أَنا لأقول لكمْ
ما أَقول لكمْ؟
وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ
فأصبح وجهاً
ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ
فأصبح ناياً…
أَنا لاعب النَرْدِ،
أَربح حيناً وأَخسر حيناً
أَنا مثلكمْ
أَو أَقلُّ قليلاً…
وُلدتُ إلى جانب البئرِ
والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ
وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ
وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً
وانتميتُ إلى عائلةْ
مصادفَةً،
ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ
وأَمراضها:
أَولاً – خَلَلاً في شرايينها
وضغطَ دمٍ مرتفعْ
ثانياً – خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ
والجدَّة – الشجرةْ
ثالثاً – أَملاً في الشفاء من الانفلونزا
بفنجان بابونجٍ ساخنٍ
رابعاً – كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة
خامساً – مللاً في ليالي الشتاءْ
سادساً – فشلاً فادحاً في الغناءْ…
ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ
كانت مصادفةً أَن أكونْ
ذَكَراً …
ومصادفةً أَن أَرى قمراً
شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات
ولو تخيلنا ذلك في منحنى درامي بصري:
يبدأ التوتر الدرامي منخفضاً مع المرض الجسدي،
يتصاعد تدريجياً مع الأزمات النفسية والاجتماعية،
يهدأ قليلاً في لحظة ساخرة (البابونج)،
ثم يعود إلى الاشتداد وصولاً إلى ذروة العجز (الفشل في الغناء).
لبدت الصورة بالشكل التالي:

لكن الخبر ليس كالشعر؛ فالأسلوب الخبري الذي تقل فيه الأفعال، يخاطر بتشتيت انتباه الجمهور. القارئ أو المشاهد أو المستمع، يتابع الخبر من دون تركيز، وغالباً في أثناء قيامه بأعمال أخرى (لا سيما في حالة المشاهدة والاستماع). والأسلوب الذي تقل فيه الأفعال، ومن ثم وجود فراغات، يجعل فهم الخبر أكثر صعوبة.
لندرس هذا المثال من قصة «باري غرونو». انظر إلى النص بلسان المراسل كيف أنه يحاول التقليل من استخدام الأفعال المشار إليها باللون الأصفر، ويستخدم الأفعال فقط في جمل قليلة بالخط المائل وباللون الأخضر:
الأفعالالأسماء والمصادر
نصّ التقرير — قصة «باري غرونو»
المراسل: اليوم الوداع. في «ويست بالم بيتش» بولاية فلوريدا، تجمّع الأصدقاء والطلاب الذين أحبّوا باري غرونو وتعلموا منه في الصفوف لإحياء ذكراه.
طالب: الأمر محزنٌ حقاً؛ لقد كان رجلاً عظيماً. أفتقده كثيراً.
المراسل: معلم لمدة 13 عاماً، زوج لـ «باميلا» لمدة تسعة أعوام، وأب لـ«سام» ذي الـ5 أعوام وابنته «لي آن» ذي التسعة أشهر.
صديق: كان قلبه كبيراً وأحبَّ التعامل مع الأطفال.
المراسل: بعمر الخامسة والثلاثين، قُتل «غرونو» برصاصة قبل دقائق من نهاية العام الدراسي يوم الجمعة. المتهم بالقتل، «ناثانيال برازيل»، 13 عاماً، وهو صبي رأى «غرونو» أنّ له مستقبلاً واعداً، وفي آخر توصياته، اقترح تعيين «برازيل» وسيطاً بين زملائه في العام الدراسي المقبل، لمساعدة الطلاب الآخرين على حل نزاعاتهم.
لكن يوم الجمعة، أُرسل الطالب المتفوق إلى المنزل؛ بسبب اللعب بالبالونات المائية. وتقول الشرطة إنه عاد وهو يحمل مسدساً من عيار 25. اليوم، مسؤولو المدرسة في حيرة أمرهم؛ لم تكن هنالك إشارات على الطالب تدل على وجود مشاكل لديه، ولا تاريخ عن مشاكل سلوكية.
نات هارينغتون (من مدرسة ويست بالم بيتش): لا يزال لدينا الكثير من الأسئلة التي سيصل الناس إلى إجابات لها في نهاية المطاف حول الدوافع.
المراسل (واقفاً): أحد مجالات التحقيق وضع الصبي داخل المنزل، وتقارير عن عنف منزلي بين والدته وزوجها السابق، ثم لاحقاً مع عشيقها. تقول التحقيقات أن الشرطة اُستدعيَتْ إلى المنزل سبع عشرة مرة في السنوات الست الماضية، لكن لم يُعتقل أحد أو تُوجّه اتهامات.
هذه الليلة، أسفل سور المدرسة كان مليئاً بالتكريمات لمدرس اللغة الإنكليزية «غرونو»، الذي ترك الضواحي الثرية قبل خمس سنوات للتدريس في «لييك وورث»، وهو حي للطبقة العاملة، حيث يعتقد أصدقاؤه أنه شعر بأنه أكثر فائدة هناك.
ريتشارد راتيل (ولي أمر أحد الطلاب): كان شخصاً نزيهاً. أحب عائلته؛ واهتم بشأن مجتمعه بما يكفي للعودة إليه للتدريس.
المراسل: بالنسبة لعائلته، خسارته فتحت جراحاً قديمة. فقد توفي والد غرونو في مثل هذا اليوم قبل 18 عاماً. الآن، سيشعر أطفاله بالألم ذاته.
الأفعال في الجملة يجعلها تتنفس
وثمة مبدآان لوضوح الجملة:
المبدأ الأول: اجعل الـ«أكشن» الأساسي بصيغة «الفعل» في الجملة.
المبدأ إذاً يقول: الجملة تكون واضحة عند التعبير عن الـ«أكشن» باستخدام الأفعال.
لنأخذ مثالاً، انظر كيف أن الأكشن في المثال أدناه لا يُعبّر عنه بأفعال، إنما بصيغة المصدر الاسمية التي لا ترتبط بزمن له بداية ونهاية:
خلال أعوامها الثلاثين، تمكنت جهينة من إعادة صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، والتوسع والتنوع في إنتاجها، لتبدأ في العام الجاري تصنيع ألبان نباتية، لــتصل بمنتجاتها إلى إجمالي 200 منتج يتم توزيعــها في مصر وتصديرها لعدد من الدول الإفريقية والعربية والأوروبية. (صياغة المصدر)
ثم انظر إلى التعديل، كيف يستخدم الأفعال للتعبير عن الأكشن:
مرّت ثلاثون عاماً؛ أعادت «جهينة» خلالها صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، وحققت أرباحاً متصاعدة، ونوّعت في الإنتاج، وتصنّع هذا العام ألباناً نباتية، لــيصل عدد منتجاتها إلى 200 نوع، توزّعــها في مصر وتصدّرها إلى دول عربية وأفريقية وأوروبية.
الأكشن قد يكون أحياناً مدفوناً في الجار والمجرور، أو في الصفات، أو الصفة المشبهة بالفعل، أو الحال.. إلخ، كل ما عليك هو إخراجه إلى النور بتحويله إلى صيغة الفعل:
حالت قلة البيانات لدى منظمات المجتمع المدني دون تقييم إجراءات الأمم المتحدة في توجيه الأموال إلى المناطق التي هي في أمسِّ الحاجة إلى المساعدات.
التعديل:
لأن منظمات المجتمع المدني كانت تفتقد البيانات، لم تستطع تقييم ما إذا كانت الأمم المتحدة قد وجهت الأموال إلى المناطق التي تحتاج إلى المساعدات العاجلة.
المبدأ الثاني: اجعل الشخصيات الرئيسية بصيغة «الفاعلَ» في الجملة.
يتوقع القارئ أن تستخدمَ الأفعال للتعبير عن الأكشن، لكنه يتطلّع أكثر إلى أن تكون الشخصيات هي الفاعل في الجملة. إن استخدام الأسماء المجردة فاعلاً في الجملة من دون سبب وجيه، غالباً يتسبب في تشويش القارئ. من المهم التعبير عن الأكشن بأفعال، لكن المبدأ الأهم في الوضوح: اجعل الشخصيات الأساسية الفاعلَ في جملك الرئيسية.
لنأخذ هذه التركيبة المألوفة في الأخبار، فقد جاء الفاعل مجرداً، وليس الشخصية الرئيسية في الجملة:

كانت المخاوف تتصاعد -بالأخص في أوروبا- من الزيادة النسبية في عدد المساجد الضخمة التي شيَّدتها الحكومة التركية في السنوات الماضية في القارة السمراء. (صياغة المصدر)
لنضع الفاعل في مكانه الصحيح باستخدام مبدأ «الشخصيات» في الجملة، ونسهّل على القارئ فهم الجملة ونوفّر عليه أي تشويش محتمل:
أبدت أوروبا مخاوفها، بسبب تزايد أعداد المساجد الضخمة التي تشيّدها الحكومة التركية أخيراً في أفريقيا.
وإليك تفصيل التعديل:

وهنا مثال آخر اقتصادي:
التدخلات الحكومية الخاطئة في سوق التكنولوجيا سريعة التغيير أدت إلى تشويه نمو السوق وإعاقة تطوير منتجات جديدة.
التعديل:
عندما تتدخل الحكومة في سوق التكنولوجيا سريعة التغيير، فــإنها تشوّه الكيفية التي تنمو بها هذه السوق، وتعيق قدرتها على تطوير منتجات جديدة.
وإليك تفصيل التعديل:

الكلمات القوية: الأسماء
الأسماء الملموسة، تساعد القارئ على استحضار Visualize القصة ذهنياً.
يمكن أن يكون الأطفال هم أفضل من يعلِّم الصحفيين الكتابة جيداً.
في البداية، يتعلمون الأسماء، ومن ثم الضمائر والأفعال، ومن ثم يتعلمون حروف الجر.. إلخ.
في مرحلة لاحقة، عندما يصبحون أكثر مهارة في اللغة، يبدؤون بـ«فذلكة» كثرة استخدام الألفاظ المقيدة كالظروف والصفات والأحوال.
لذا، قد تحتاج أن تعود مرة أخرى -ربما إلى طفولتك- لتتعلم كيف تستخدم الأسماء والأفعال، وتستكشف القوة التي تكمن فيها؛ وتتجنب قدر الإمكان «فذلكات» الأطفال.
تتغذى القصص على التفاصيل الملموسة، وليس على اللغة المجردة فقط.
وضح جورج أورويل المثال الكلاسيكي للغة التي تروق الحواس والعواطف بالضد من اللغة المعاصرة المبهمة، وذلك بإعادة صياغة الآية 11 من الإصحاح 9 سفر «الجامعة»:
سفر الجامعة ٩: ١١
فَعُدْتُ ورأَيْتُ تحت الشمسِ: أنَّ السَّعيَ ليس للخفيفِ، ولا الحرْبَ للأقوِياءِ، ولا الخُبزَ للحكَمَاءِ، ولا الغِنى للفُهَمَاءِ، ولا النِّعْمةَ لذَوِي المعرِفةِ، لأَنَهُ الوَقتُ والعَرَضُ يلاقِيَانِهِمْ كافَّةً.
أما النسخة التي أعاد صياغتها أورويل في مقالته Politics and the English Language، بالمصطلحات الحديثة:
إعادة صياغة أورويل
إنَّ النظرةَ الموضوعيةَ للظواهرِ المعاصرةِ تفرضُ استنتاجاً مفاده أنَّ النجاحَ أو الفشلَ في الأنشطةِ التنافسيةِ لا يَظهران بأنّهُما متكافئان مع القدراتِ الفطريةِ لدَىَ الأشخاص، بلْ ينبغي أخذُ عوامل كثيرة لا يمكن التنبؤ بها بعينِ الاعتبارِ.
أي نسخة تروق القراءة؟ بالتأكيد نسخة «سِفْر الجامعة».
لنأخذ مثالاً آخر عن قوة استخدام الأسماء، ويُعد الصحفي الأمريكي ماير بيرغر أفضل من أتقن ذلك. فحيوية الأفعال والأسماء التي يستخدمها، وعدم استخدام الظروف والصفات إلا في مكانها المناسب، أكثر ما يميز أسلوبه الكتابي. ويعد بحق سيّد السرد الحيوي الذي يصف بالتفصيل مشاهد الأحداث وأصواتها.
بيرغر مات باكراً في الـ 60 من عمره، وفاز عام 1950 بجائزة بوليتزر عن قصة كُلِّف بها الساعة الـ 11 صباحاً، فسافر بالقطار، وأجرى عشرات المقابلات، وكتب قصته، وسلّمها في الـ 9:20 مساءً لتلحق المطبعة، وتُنشر في صباح اليوم التالي.
كانت القصة عن جريمة سبتمبر 1949. حينئذ، ارتكب هوارد أونريه، المحارب القديم في الحرب العالمية الثانية، أعمال عنف مروعة استمرت نحو 20 دقيقة باستخدام مسدس «لوجر»، ما أسفر عن مقتل 12 شخصًا، وفيما بعد توفي أحد المصابين الأربعة. وكان من ضمن ضحاياه ثلاثة أطفال تحت سن العاشرة وعشرة بالغين تتراوح أعمارهم بين 24 و68 عامًا.
بعد جريمة «كامدن»، وُجِّهت لأونريه 13 تهمة قتل، لكن تشخيصه بالانفصام في الشخصية أنقذه من الإعدام، فحُجِزَ في مستشفى للأمراض النفسية في غرفة منعزلة لمدة 60 عاماً إلى أن توفي عام 2008.
وإليك مطلع القصة:
مطلع قصة ماير بيرغر (1949)
هوارد بي. أونريه، 28 عاماً، محارب قديم، هادئ ولبق، خاض العديد من معارك المدفعية المدرّعة في إيطاليا، فرنسا، النمسا، بلجيكا وألمانيا، قَتَلَ هذا الصباح اثني عشر شخصاً بمسدس «لوجر» حصل عليه كتذكار حرب، وذلك في حيِّه بشرق «كامدن» بولاية نيو جرسي. وأصاب أربعة آخرين.
لم يكن لدى أونريه، وهو رجل نحيل بخدّين بارزين، وبطول 183 سم، شغوف بقراءة الكتاب المقدس والتدريب المستمر على استخدام الأسلحة النارية، ما يدلّ على إصابته بمرض عقلي، لكن الاختصاصيين أشاروا هذه الليلة إلى أنه لا شك مريض نفسياً، وأنه كان يعاني خُفية «عقدة الاضطهاد» طوال عامين أو أكثر.
المحارب القديم أُصيب برصاصة في فخذه الأيسر أطلقها صاحب حانة محلية، لكنه أبقى هذه الواقعة أيضاً سرّاً، فيما كان رجال الشرطة وميتشل كوهين، مدعي مقاطعة «كامدن»، يستجوبونه في مركز الشرطة لأكثر من ساعتين مباشرة بعد أن اضطرته قذائف الغاز المسيل للدموع على الخروج من غرفة نومه والاستسلام.
بُقَع الدم التي خلّفها على المقعد الذي كان يجلس عليه في أثناء الاستجواب، أظهرت إصابته. عند اكتشاف ذلك، نُقل إلى مستشفى «كوبر» في «كامدن»، كسجين متهم بالقتل العمد.
كان هادئاً خلال التحقيق معه، كهدوئه خلال العشرين دقيقة التي قضاها في إطلاق النار على الرجال والنساء والأطفال. فقط تألّقُ عينيه الداكنتين على نحو مفرط بين الحين والآخر، كان يشير إلى أنه ليس شخصاً عادياً.
قال للمدعي العام إنه منذ أمد بعيد كان يكتنف الغيظ تجاه الجيران وأصحاب المتاجر في الحي. «كانوا يتحدثون بألفاظ مهينة عن شخصيتي»، قال. بدا استياؤه منصبّاً على نحو أكبر تجاه السيد موريس كوهين وزوجته، اللذين كانا يعيشان في منزل مجاور له. وهما من بين القتلى.
الألفاظ المقيدة
الألفاظ المقيّدة Modifiers غير الضرورية، أو في غير سياقها الصحيح، تشوّش على الجملة؛ لأنها تغيّر معناها، كالظروف والصفات والأحوال.
ما ينبغي أن تعرفه عن الألفاظ المقيدة، هي أنها تقيد المعنى:
فـ:
وردة، قد تكون أية وردة بالعموم.
وردة حمراء، أصبحت الوردة مقيدة باللون الأحمر.
وردة حمراء قانية، أصبحت الوردة من ذات اللون الأحمر القاني، وليس أي أحمر، وهكذا.
كَمَّاً، ستلاحظ أن عدد الورود عموماً أكبر من عدد الورود الحمراء، وهذه عددها أكبر من عدد الورود الحمراء القانية، ذلك لأنك تقيّد المعنى بـ«الأحمر»، ثم «القاني». وتقييد المعنى يعني أنه أقل كمّاً، وليس كما يُتوَهّم عند استخدام الألفاظ المقيدة بأنها «إضافة» إلى المعنى أو زيادة عليه. عندما تدرك ذلك، فإن استخدام الألفاظ المقيدة عن إدراك ومعرفة، سيضفي الحيوية على نصك.
لنقرأ هذه القصة «تائهة في أمريكا»، للصحفي «ديف باري»، أحد أكثر الصحفيين المعاصرين فكاهة، وقد حاز جائزة بوليتزر عام 1988. وذكرت اللجنة أن الجائزة جاءت تقديراً لاستخدامه المستمر والفعّال للفكاهة كوسيلة لتقديم رؤى جديدة حول مسائل جادة.
انظر إلى جمله؛ كيف أنه لا يستخدم النعت (الصفات) وأدوات الربط إلا عندما يتطلب الأمر ذلك، ما يخلق احتكاكاً بين الجمل مولِّدة المعنى والعمق.
«تائهة في أمريكا» — ديف باري
أقود السيارة مع والدتي عبر مدينة «هارتفورد»، بكونتيكت، في طريقنا إلى بلدة تسمى «إسكس». لم يسبق لكلينا زيارة «إسكس»، لكن كلانا يأمل وبشدة أن توافق والدتي على الاستقرار هناك.
منذ عدة أشهر، وهي بدون منزل، تنتقل من ابن إلى ابن عبر البلد، بعد أن باعت المنزل الذي عاشت فيه مدة 40 عاماً؛ المنزل الذي ربتنا فيه، المنزل الذي بناه والدي. المنزل الذي مات فيه، في 4 أبريل 1984. كانت تدوِّن ملاحظة بهذا التاريخ كل عام على التقويم في المطبخ.
«توفي ديف، 1984،» تقول الملاحظة. «عُدْ إلينا، يا ديف.»
في 5 يوليو، ذكرى زواجهما، كانت تدوِّن ملاحظة أخرى: «تزوّجت ديف عام 1942. لقد كان أفضل ما فعلته في حياتي.»
المنزل كان أكبر من أن تعتني به والدتي وحدها؛ نصحناها جميعاً ببيعه. في نهاية الأمر، فعلت ذلك، وشحنت كل أثاثها إلى «سانيفيل» بكاليفورنيا، حيث يعيش أخي «فِلْ». كانت تنوي الإقامة معه إلى أن تجد منزلاً مناسباً هناك.
إلّا أنها كرهت «سانيفيل». في أول الأمر، بدا ذلك مضحكاً نوعاً ما، حتى بالنسبة إليها. كانت تقول باستغراب: «كل ممتلكاتي الدنيوية، في مستودع ببلدة سانيفيل، التي أكرهها.» كان دائماً لديها حس دعابة رائع.
بعد فترة، لم يعد الأمر مضحكاً. غادرت والدتي «سانيفيل» لتقيم بعض الوقت مع أخي «سام»، في سان فرانسيسكو، ثم معي، في فلوريدا؛ لكنها لم ترغب في الإقامة معنا. ما أرادته كان منزلاً.
الحق، ما أرادته، كان استعادة منزلها القديم.
مع والدي فيه.
بالتأكيد كانت تدرك عدم إمكانية تحقيق ذلك؛ وكلما حاولتِ التفكيرَ في أمر آخر تريده، كان ذهنها يتجمد فجأة. بدأت تقضي الكثير من الوقت في مشاهدة المسلسلات الدرامية.
«عليكِ أن تمضي في حياتك،» كنت أقول لها بصوت أبوي جديد بدأت أكتسبه عندما أتحادث معها. من دون تردد، كانت تطفئ التلفزيون وتُخْرِج خريطة للولايات المتحدة، اشتريتها لها لمساعدتها على التفكير.
«قد تكون بلدة بولدر خياراً جيداً،» كانت تقول، وهي تنظر إلى كولورادو. «لقد ولدت بالقرب من بولدر.»
«أمي،» أقول ذلك بصوتي الجديد. «لقد تحدثنا عن بولدر 50 مرة، وكنتِ دائماً في نهاية الأمر تقولين إنكِ حقاً لا تريدين الإقامة هناك.»
تشعر بالندم؛ تعود إلى النظر إلى الخريطة، لكن أستطيع أن أقول بثقة إنها حقيقة لم تكن تُبصر الخريطة.
«عليكِ أن تكون واقعية،» أقول ذلك بصوت الحكيم.
عندما بلغت المماحكة فيما بيننا حد الجنون، عادت إلى كاليفورنيا، وكررت العملية ذاتها مع إخواني الاثنين. ثم في ليلةٍ، اتصلت لتسأل، بكثير من الحرج، ما إذا كنت سأذهب معها للبحث عن منزل في «إسكس»، بكونتيكت؛ سمِعَتْ أنها بلدة لطيفة. كنت أمر بفترة سيئة، لكن بالتأكيد قلت لها «نعم»، فأمك هي أمك. قابلتها في «هارتفورد»، واستأجرت سيارة.
أقود السيارة؛ ووالدتي تنظر عبر النافذة.
تقول: «مررت بـهارتفورد العام الماضي مع فرانك ومِل، في طريقنا إلى ماين،». «فرانك» هو شقيق والدي؛ لقد توفي قبل أيام. كانت والدتي تحب رؤيته. كان يذكرها بوالدي.
«كنّا نغني،» تقول والدتي. ثم تبدأ في الغناء.
أنفخ أبداً الفقاعات
فقاعات جميلة في الهواء.
أستشعر أنها تريدني أن أغني أيضاً. أعرف الكلمات؛ كنا نغني هذه الأغنية في الصغر.
تطير إلى الأعالي، لتصل إلى حد السماء.
ثم مثل أحلامي، تتلاشى وتذهب أدراج الرياح.
لكنني لا أغني معها. أتظاهر بالانشغال.
«أشتاق إلى فرانك،» تقول والدتي.
تبيّن أن «إسكس» بلدة صغيرة جميلة، ورأينا فيها شقتين جميلتين بسعر جيد. لكنني أستشعر تماماً أن والدتي لا تريد أن تظلّ هناك. لا تريد قول ذلك، بعد أن جرجرتني بالطائرة من ميامي؛ كلانا يعرف ذلك.
صباح اليوم التالي، في مقهى الموتيل، تناولنا وجبة إفطار مشحون.
«انظري، أمي،» قلت لها، «عليكِ أن تتخذي قراراً.» تحدثت بالمنطق.
نظرت إلى خريطتها. بدأت تتحدث مجدداً عن «بولدر». أثار هذا غضبي. ألقيت عليها محاضرة، وأخبرتها أنها تتصرف كالأطفال. كانت تنظر إلى خريطتها، وتمسك بها بقوة. أعدتُها إلى «هارتفورد»، بالكاد تحدثنا في الطريق. وضعتها على متن طائرة؛ ستذهب إلى «ميلوَوْكي» لزيارة شقيقة والدي، ثم ستعود إلى أخي في «سانيفيل» بكاليفورنيا، التي تكرهها.
الحق، شعرت بارتياح عند مغادرتها.
«لا يمكنكَ مساعدتها،» قلت في نفسي، «إلى أن تقرر هي ما تريد.» كان موقفاً سليماً.
بعد أسبوع تقريباً، تلقينا أنا وزوجتي بطاقة من والدتي.
«هذه لأقول لكما عيد ميلاد سعيد في هذا العام الخاص جداً»، كتبت على البطاقة، «وشكرًا لكما على كل شيء.»
عيد ميلادنا لا يزال أمامه أسابيع.
بعد يومين تقريباً، اتصل أخي «فِل»، باكياً، من المستشفى. تناولت والدتي جرعة كبيرة من الفاليوم والكحول. الأطباء يطلبون الإذن لنزع الأجهزة التي تبقيها على قيد الحياة. قالوا أنْ ليس ثمة أمل.
تحدثنا عن ذلك، لكن حقاً، لا خيارات لدينا. منحناهم الإذن.
إنه الخيار الوحيد المنطقي.
آخر شيء فعلته والدتي، قبل أن تذهب عبر النفق نحو طائرتها، كان التفاتة نحوي، ثم ابتسمت لي ابتسامة عريضة. لم تكن ابتسامة سعادة؛ إنها الابتسامة ذاتها التي أغدقها على ابني عندما يزعجه الاستماع إلى الأخبار، وأقول له: «لا تقلق، لن تنشب حرب نووية قط».
لا يزال يمكنني رؤية تلك الابتسامة في أي وقت أريد. أغلق عيني، وها هي هناك. أمُّ تحاول أن تطمئن ابنها بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
النعت الذاتي والنعت الموضوعي
تجنب النعوت الذاتية، مثل: رائع، لا يصدق، يعتصر القلب، إلّا إذا كان هناك ما يتطلب ذلك.
قدم مارك توين بعض النصائح حول استخدام النعت. قال: «اكتب كلمة “تبّاً” في كل مرة تميل فيها إلى كتابة كلمة “جداً”؛ سيحذفها المحرر فيما بعد وستصبح الجملة كما ينبغي أن تكون.»
كل واحد منا يرى العالم من خلال عدسته الخاصة. وتتلون هذه العدسة بعوامل عديدة؛ مثل المكان الذي نشأنا فيه؛ ودرجتنا التعليمية؛ وعرقنا وجنسنا وقوميتنا؛ وترتيبنا بين أفراد الأسرة. لدينا جميعاً تحيزاتنا وتجاربنا الخاصة.
تظهر وجهات النظر هذه كلها في كتاباتنا، خاصة عندما نستخدم النعوت الذاتية.
ابحث ودمّر النعوت الذاتية جميعها في كتابتك، وستصبح أفضل.
ولكي تستطيع استخدام النعت في سياقه الصحيح، عليك التمييز بين النعت الذاتي والنعت الموضوعي. فالنعت الموضوعي لا حرج في استخدامه طالما أنه يضيف معلومة قيّمة.
مثال على النعت الذاتي:
كان مشهداً مروّعاً. ضربت المرأة المخيفة زوجها بمقلاة ضخمة.
يرى كاتب الجملة أن المشهد كان «مروّعاً»، وأن المرأة كانت «مخيفة» وأن المقلاة كانت «ضخمة».
لو استخدمتَ النعت الموضوعي، لكتبتَ:
شاهدَ الأطفالُ الثلاثة، وهم في سن المدرسة الابتدائية، والدتَهم تَضْرِبُ رأسَ والدهم المخمور بمقلاة حديدية تزن ثلاثة كيلوغرامات.
تثبت الوقائع الواردة في الجملة أن الأطفال كانوا في سن المدرسة الابتدائية، وأن الرجل كان مخموراً، وأن المقلاة كانت تزن ثلاثة كيلو غرامات، وكانت مصنوعة من الحديد الصب. هذه الحقائق تضفي تفاصيل غنية على القصة.
الكاتب الجيد يستخدم تفاصيل محددة في قصصه ليس فقط لنقل المعلومات، ولكن أيضاً لنقل المشاعر، وسيتذكر الجمهور ما يشعرون به أكثر مما يعرفونه.
عندما يعتمد الصحفي على كليشيهات النعوت البالية لوصف مشهد ما، يشعر الجمهور أن هذه ليست قصة فريدة من نوعها أو أن لها أهمية. إنها قصة مكررة، لا طعم فيها.
ستجد، مثلاً، صحفياً يستخدم: «جريمة قتل مأساوية»، وكأن بعض جرائم القتل ليست مأساوية. لا أحد يحتاج إلى وصف جريمة قتل أو حريق بـ«المأساوية»، الجمهور يعرف ذلك.
ومن النعوت المبتذلة الأخرى «رائع» و«لا يصدق». وتظهر هذه النعوت في أغلب الأحيان في اليوم الثاني أو الثالث من الحادث، عندما يحاول الصحفي ضخ الأكسجين في قصة تحتضر، لذلك يستخدم هذه الكلمات المضخمة.
مثلاً، لا تقل: حادث سير؛ قل: تصادم سيارتين، لأن استخدام مفردة «حادث» ينزع المسؤولية عن المنخرطين في فعل التصادم.
مفهوم الاحتكاك
متعة القراءة ليست في الوصول إلى ما تقوله الجملة لفظاً، إنما في استكشاف ديناميكيات التفاعل بين مكوّناتها؛ فتنفصل أحياناً، وتترابط أو ترتبط أحياناً أخرى في طريقها لتوليد «المعنى.»
انظر إلى الديناميكيات التي تنشأ من خلالها علاقة الارتباط بين «خَاتَم» و«فِضَّة» في الجمل التالية:
خَاتمُ فِضَّــةٍ: علاقة إضافة.
خَاتمٌ فِضَّــةً: علاقة تمييز.
خَاتمٌ فِضَّــةٌ: علاقة وصفية.
خَاتمٌ من فِضَّةٍ: اصطناع علاقة رَبْط بأداة «من.»
ستلاحظ أن الارتباط في «1، 2، 3» عضويّ؛ أي أن الجملة لا تحتاج إلى أداة إضافية لخلق الارتباط، وهذا هو الأصل في اللغة العربية، ومفهوم «الاحتكاك» بين الجمل هو بهذا المعنى. بينما «4» احتاجت إلى حرف «من» لخلق الربط لهذا فهو اصطناعي.
عندما تكتب، استكشف الديناميكيات الداخلية لمكونات الجملة.
بناء الجملة في اللغة العربية
لسببٍ ما، تتجاذبُ قوّتان متضادتان بناءَ الجُملةِ في اللغات جميعها. فالأصلُ في الجُمَل الانفصال والاستقلال، والأصل في المفردات الارتباط والتركيب.
أرْجعَ الألماني جوتهلف برجشتراسر في كتابه «التطور النحوي للغة العربية»، نزعةَ الاستغناء عن ربط الجمل بعضها ببعض، إلى خصائص اللغات عموماً، وأنها من بقايا حالِها الأوّليةِ البسيطة عندما كان لا يزال معجم البشر حُفنة مفردات لا تساعد على الإسهاب.
انظر:
جاء محمد وعبد الله.
فهذه الجملة – على بساطتها- هي بالأصل جملتان:
جاء محمد
جاء عبد الله
ولأنّ الجملتين السابقتين تنزعان إلى الانفصال، رُبِطتا بأداة ربط (حرف العطف: و) لتجنّب تكرار الفعل. والربط هنا يُسميه النحويون «أمْن اللَّبس» في فهم الانفصال بين الجملتين؛ إذْ لا نستطيع القول: جاء محمد عبد الله. والربط اصطناعيّ؛ لأنه ليس من أصل الجملة؛ فهي بالأصل جملتان، وليس جملة واحدة.

الارتباط يزيد الاحتكاك بين مكونات الجملة، بينما الربط (بإحدى أدوات الربط) يقلله.
الاحتكاك يولّد الحرارة في الجملة.
لنأخذ مثالاً:
مرّ عام على جرائم القتل، ثم آخر، والآن قطع المحققون رَدْحاً من العام الثالث. عملوا ليلاً ونهاراً، وعملوا في العطلات الأسبوعية، وألغوا الإجازات، ونحفوا، وسمنوا، وأصبحوا شاحبين وناحلين ومنهكين، ويستيقظون في الثالثة صباحاً بصدمةٍ وخربشات على دفاتر الملاحظات الملقاة بجانب أسِرَّتِهِم.
الآن، دعنا نزيل حرف العطف -و- ونرى كيف أن الحرارة في النص تزداد:
مرّ عام على جرائم القتل، ثم آخر، والآن قطع المحققون رَدْحاً من العام الثالث. عملوا ليلاً ونهاراً، عملوا في العطلات الأسبوعية، ألغوا الإجازات، نحفوا، سمنوا، أصبحوا شاحبين وناحلين ومنهكين، يستيقظون في الثالثة صباحاً بصدمةٍ وخربشات على دفاتر الملاحظات الملقاة بجانب أسِرَّتِهِم.
العربية تلجأ إلى الرّبط بأداة لفظية ظاهرة -حرف (و) في المثال أعلاه- حين تَخْشى اللَّبْس في فهم الانفصال بين مَعْنَيَين، أو اللَّبْس في فهم الارتباط بين مَعْنَيَين.
ليس ذلك فحسب، «العربية» تطوّرت بخصائصها في الإيجاز كلّما وجدت إليه سبيلا. لذلك قالت العرب «خَيْرُ الكلام ما قِلّ ودَلّ»، فمتى ما أمكن أن يكون الكلامُ جملةً واحدة، كانَ أَوْلَى من جعله جملتين «من غير فائدة». وذلك أنّ «الكلام إنما وُضِعَ للفائدة،» فـ«الفائدة لا تُجنى من الكلمة الواحدة، وإنما تُجنى من الجُمَل ومدارج القول؛ فلذلك كانت حال الوصل عند العرب أشرف، وأقوم وأعدل من حال الوقف».
كما ترى، ثمة نزعتان متناقضتان هنا: نزعة متأصلة في الجملة العربية نحو الانفصال، ونزعة نقيضة في ميل مستخدميها إلى الإيجاز والوصل؛ وقد خَلقتا بضع عشرات من أدوات الرّبط الاصطناعية، تُضْفي معنىً جديداً ودلالةً في كل سياق تُسْتَخدم فيه، بخاصة إذا علمنا أن الإعراب بذاته لا يُضفي ثُقلاً معنوياً على الجملة. فأفعال الماضي والحاضر والأمر والفاعل والمفعول به والمبتدأ والخبر.. إلخ، هي هي، لا يتغير سلوكها ومعناها من كلام إلى كلام.
دع الكلمات والجمل تتصادم، كلما أمكن ذلك، عوضاً عن عقد صلح وسلام مصطنع بينها باستخدام أدوات الربط.
لا تصادم = لا احتكاك.
لا احتكاك = لا حرارة.
لا حرارة = لا نور.
لا نور = لا رؤية.
لا رؤية = لا معنى.
مدخل قصير في التحرير
مثال:
هذا اليوم لا أنساه، هو السبب في اختياري للتخصص كطبيب أشعة تشخيصية. حدث في هذا اليوم أكثر من واقعة ساهمت في الوصول إلى هذا القرار.. لكني سأذكر واقعة واحدة فقط نهايتها غير متوقعة.
التعديل:
ذلك اليوم لن أنساه. اخترت التخصص في الأشعة التشخيصية بسببــه. الحق، تضافرت يومئذٍ سلسلة أحداث في اتخاذ القرار، لكني سأذكر واقعة واحدة؛ واقعة كانت كفيلة بتغيير مسار حياتي، وربما حياة آخرين.
والآن، لنشرح التعديل:
- حدث في هذا اليوم: الأفضل تجنب تكرار المفردات ذاتها متتالية (أحياناً تكون جميلة، وسأذكر ذلك بعد قليل)، فقد ذُكر «اليوم» في أول جملة ثم ذُكر أيضاً في الجملة التي تليه. لذلك استبدلته بـ«يومئذٍ»، وهو يحيل أيضاً على الجملة الأولى، فما زالت هذه العبارة تؤكد للقارئ «لن أنساه». ولا يزال شبح «ذلك اليوم لن أنساه» حاضراً في الجملة الثالثة.
- هو السبب: نقلته إلى نهاية الجملة. نهايات الجمل لها وزنها، والقصة تدور حول سبب اختياره للتخصص. فـ«بسببه» أصبح أكثر ثقلاً، محمّلاً بالمعنى، والضمير «ـه» يحيل على اليوم في الجملة الأولى ما يخلق الإيقاع.
- لا / لن: «لا» ليس بها زمن وتفتقر للأكشن. مثلاً: أحمد لا يحب الرياضة (فعدم حبه مطلق ليس له زمن). «لن» له زمن، ينقل الحاضر إلى المستقبل، ومن ثم به أكشن، فهو يضفي امتداداً على الفعل «أنساه» من اللحظة التي تحدث فيها إلى نقطة بعيدة في المستقبل.
- حدث: لا مشكلة فيه في حد ذاته، لكن وجدت في «تضافرت» حيوية وإيقاعاً درامياً يتناسب مع السياق، وهي أيضاً تنطوي على «حدث» و«ساهمت»، أي استخدمت فعلاً واحداً للتعبير عن معنى فعلين.
- نهايتها غير متوقعة: الأفضل ألّا نقدم المعنى مباشراً، دع القارئ يكتشف ذلك: «كفيلة بتغيير مسار حياتي». فهي لا تزال تنطوي على «غير متوقعة»، وتحفيزية أكثر.
- سأذكر واقعة واحدة؛ واقعة…: أحياناً التكرار يكون جميلاً لأنه يؤكد المعنى، ويسلط الضوء عليه، وأيضاً ساعدني ذلك على التخلص من «فقط» لأنها تضعف المعنى.
- اختيار: صيغة مصدر، وليس به أكشن، بينما «اخترتُ» فعل يضفي الأكشن على الجملة. صيغة المصدر تبرز جمالياتها في نهايات الجمل.
- الفصل: فصل أول جملة إلى جملتين. الفصل يخلق إيقاعاً. جملة قصيرة ثم واحدة أكثر طولاً، ثم الثالثة أطول.
- هذا / ذلك: «هذا» للقريب، «ذلك» للبعيد. والأفضل استخدام البعيد؛ لأن الكاتب يريد أن يوصل للقارئ: مع أن ذلك اليوم بعيد، لكن لم ينسه.
وهنا ملف PDF يشرح التعديل بصورة أوضح.
الآن، وقد تعرّفنا على بعض أدوات كتابة الجملة القوية، لنتعمق أكثر في الحسن في اللغة.
مدخل إلى الحُسْن
إذا كنت قد استفدت من هذا المسار التدريبي حتى الآن، وأصبحت قادراً على بناء قصة وإن كانت بسيطة، فعليك أن تَسْعد؛ لقد أنجزت الكثير. إلّا أن عليك أن تعلم أن الطريق إلى الكتابة الحسنة ليس يسيراً. وفيما سيفضل القراء معظمهم الوضوح والبساطة على رطانة اللغة، يمكن للبساطة المبالغ فيها، أن تتحول إلى لغة جافة، عقيمة لا حياة فيها، نادراً ما تعلق بالذاكرة. إن دفقةً من الْحُسْن في جملك، لن تجعل فكرتها واضحة في الأذهان فقط، بل في كل مرّة تُسْتَدْعَى إلى الذاكرة، ستبث المتعة والإشباع.
للأسف، ليس ثمة طريق واحد إلى الْحُسْن، ولا يمكن تعلمه، بإتقان هذا الأسلوب أو ذاك. مع ذلك، ثمة أدوات ستساعد على استكشاف الطريق إليه. وقد تحدثنا عن العديد من هذه الأدوات فيما تقدم. لكن كتابتك لن تصبح حسنة بمجرد معرفة هذه الأدوات، تماماً مثل معرفتك بمكونات وصفة ما، لن تجعلك طاهياً ماهراً. ستحتاج أحياناً إلى نسيان بعض تلك الأدوات؛ إلى تجاوزها كي تجد صوتك بصفتك كاتباً. لا تتردد؛ إفعل ذلك. الكتابة الحسنة قد تكون هبة؛ الهبات أيضاً تحتاج إلى الممارسة والتعلم. وأفضل أنواع الْحُسْن، هو ذاك الذي يساعد على التفكير. وأهم تلك الأدوات:
التناظر والتوازن
فما يجعل جملة ما حسنة هو بشكل رئيسي ذاك التوازن والتناظر بين أجزائها، إذ يردد كل جزء صدى الأجزاء الأخرى من حيث الصوت، والإيقاع، والتركيب، والمعنى. الكاتب الجيد يستطيع تقريباً تحقيق التوازن بين أجزاء الجملة أياً كانت، ولكن التوازن الأكثر شيوعاً يعتمد على التناظر المتوازن.
إليك أمثلة أوردها كتاب في غاية الأهمية، واعتمدت عليه كثيراً، لجوزيف وليامز وجوزيف بيزآب بعنوان: Style: Lessons in Clarity and Grace. لنقرأ هذا النص المتناظر الذي كتبه الصحفي والكاتب والتر ليبمان:
والتر ليبمان
إن الوحدة الوطنية لشعبٍ حرٍّ تعتمد على توازنٍ في السلطة السياسية بمقدارٍ يكفي أن يجعل من المستحيل على الحكومة أن تكون تعسفية، وعلى المعارضة أن تكون متطرفة ومعاندة. حيثما يختل هذا التوازن، تفنى الديمقراطية. لأنه، ما لم تُجبِر الظروف جميع مواطني الدولة على عقد تسوية، ما لم يشعروا أن بمقدرتهم التأثير في السياسة، وأنه ليس لأحدٍ الهيمنة عليها كاملاً، ما لم يأخذوا ويعطوا بحكم العادة والاضطرار، فإن الحرية لا يمكن صونها.
في نص ليبمان، نجد أن كل عبارة تردد صدى الأخرى من حيث الترتيب، والصوت، والمعنى، بما يضفي على النص ككل تناظراً معمارياً معقداً.
دعنا نعمل على تشريح نص ليبمان:
انظر كيف تُردِّد كل كلمة مهمة في عبارةٍ، ما يقابلها في العبارة الأخرى. لاحظ كيف أن «متطرفة» و«معاندة» تردد صدى «تعسفية»:

ليبمان يخلق توازناً بين الكلمتين الحكومة والمعارضة، ويختم بتوازن الأصوات والمعاني في النبرات «تعسفية، متطرفة، ومعاندة». ثم يتبع ذلك بجملة استنتاجية قصيرة لا تنطوي على تناظر بين الكلمات، لكنها لا تزال متوازنة:

ثم بعد ذلك، يبدع تركيباً معقداً، بثلاث عبارات تمهيدية قبل الجملة الرئيسية، على عكس بعض النصائح التي جاءت في هذا الكتاب، خالقاً التوازن بين العديد من الأصوات والمعاني:

انظر إلى الاحتكاكات التي تخلقها «ما لم» في ثلاث عبارات متتالية، ثم المقابلة بين «التأثير» و«الهيمنة»، ثم ذاك التوازن في المعنى بين «يأخذوا» و«يعطوا»، وبين «العادة» و«الاضطرار»، ثم في العبارة الأخيرة «فإن الحرية لا يمكن صونها» يردد صدى «حيثما يختل هذا التوازن، تفنى الديمقراطية»، من حيث طريقة بنائها.
إذاً، إحدى ميزات النثر الحسن هو البناء المتوازن. وقد يكون هذا التوازن بين أي جزأين من الجملة، أو الجمل، ويمكنك بسهولة خلق التوازن باستخدام أدوات العطف أو الاستدراك، أو العديد من أدوات الربط. ليس بالضرورة أن تكون كل جملة متوازنة. لا بل إن الاستخدام المفرط لهذه الأداة سيبدو تحاذقاً. إذا استخدمت هذه الأداة بحكمة ورويّة داخل نصك لتختتم سلسلة أفكار، أو عندما تريد تسليط الضوء على نقطة مهمة، فإن القارئ النبيه سيلحظ الجهد المبذول في بناء الجملة ويقدّره.
التشويق
قد يلجأ الكاتب الجيد، إذا أراد إضفاء الحسن على كتابته، إلى البدء بسلسلة من العبارات والجمل المتوازية، لتأخير الوصول إلى ذروة الجملة، ومن ثَمّ خلق التشويق. انظر إلى هذا النص للصحفي جيمس فالوز:
جيمس فالوز
إذا اعتبرَ الصحفيون أنفسهم مسؤولين عن تزايد الريبة لدى الناس، بالقدر ذاته الذي يحمِّلون فيه المسؤولية على السياسيين «الفاسدين» والجمهور «الأناني»؛ إذا اعتبروا أن الرخصة التي يمتلكونها للانتقاد والتشهير، تنطوي ضمناً على مسؤولية خدمة الجمهور؛ إذا فعلوا ما ذكر جميعه أو أيّاً منه، فإنهم سيجعلون الصحافة أكثر فائدة، والحياة العامة أكثر قوة، وسيجعلون أنفسهم أكثر جدارة بالاحترام.
كما ترى، يفتتح فالوز جملته الطويلة هذه، بثلاث عبارات شرطية، والأخيرة منها هي أطولها. أيضاً، عليك أن تنتبه أن هذه الأداة مثل غيرها؛ كثرة استخدامها يقلل من تأثيرها. كلما استخدمت على نحو أقل، كلما كان تأثيرها أكبر.
إليك الفكرة: الجملة الحسنة الأنيقة تنتهي دائماً بقوة. يمكن تحقيق هذه القوة بأربعة طرق:
الجملة التي تنتهي بكلمة قوية، أو الأفضل، بكلمتين قويتين.
الجملة التي تنتهي بعبارة تردد صدى عبارة سابقة.
الجملة التي تنتهي بعبارة تتقاطع مع عبارة أخرى.
ابنِ الجملة بحيث تتصاعد فيها الدراما تدريجياً إلى أن تصل ذروتها في نهاية الجملة.
وهنا جملة للروائية الأمريكية جويس كارول أوتس، من كتابها New Heaven and New Earth:
جويس كارول أوتس
هيهات أن نكون محتجزين داخل جلودنا، داخل «زنزانات» أجسادنا، بمقدرتنا الآن إدراك أن عقولنا تنتمي، بطبيعتها، إلى «عقل» جماعي، عقلٍ نتشارك بما هو ذهني فيه؛ اللغة ذاتها كأوضح تجلياته، وأن تلك التخوم القديمة لجِلْدِ الإنسان ليست تخوماً إطلاقاً، بل غشاءً يربط بين تجربة الوجود الداخلية والخارجية. ذكاؤنا، فطنتنا، حِذْقَنا، شخصياتنا الفريدة؛ هي كلها في الآن ذاته «ملكيتنا» وملكية العالم.
وإليك تشريح هذا النص:

وفي نهاية الأمر، فمن أبسط احتياجات الإنسان أن يَفْهمَ ويُفْهَمْ. وأفضل طريقة لفهم الناس هي الاستماع إليهم؛ وهذا ما سنتناوله في القسم التالي.
