الفرق بين التقرير والقصة
يُستخدم تعبير «القصة» بمزيج من السحر والغموض لدى الحديث عن التقرير الخبري. فالصحفيون ينظرون إلى أنفسهم على أنهم رواةُ قصص، وهم ليسوا كذلك في كثير من الأحيان. معظم ما ينشرونه تقارير، وليس «قصصاً» كما تسمى خطأً.
ما الذي ستتعلمه في هذا المحور؟
- 01الفرق بين التقرير والقصة
- 02التقرير يوصل المعلومة
- 03القصة تخلق التجربة
- 04الفرق بين القصة الأدبية والقصة الصحافية
- 05الشخصية في الأدب وفي الصحافة
ما الفرق بين التقرير والقصة؟
إن التمييز بين «التقرير» و«القصة» أمرٌ مهم لما يتوقعه القارئ وللأسلوب الذي يكتب به الصحفي.
وإليك الفرق..
القراء يقرؤون لأحد سببين؛ فهُمْ إما:
يريدون الحصول على معلومات Information،
أو
يريدون التعرّض لتجربة Experience.
وهنا الفرق: التقارير توصل المعلومات، والقصص تخلق التجربة.
التقارير تنقل المعرفة، والقصص تنقل القارئ نفسه، عابرةً الزمان والمكان.
التقارير تدلّنا على الحدث، بينما القصص تضعنا داخل الحدث.
التقرير:
يجتمع أعضاء المجلس البلدي اليوم لمناقشة خطة جديدة لتوزيع أجهزة التنفس على مستشفيات المدينة.
القصة:
وقف إحسان أحمد أمام مبنى المجلس البلدي والدموع تتساقط من عينيه، رافعاً صورة والدته احتجاجاً على وفاتها يوم أمس نتيجة نقص حاد في أجهزة الأوكسجين.
ما الذي حدث هنا؟
في كلتا الحالتين، يلجأ الصحفي إلى جمع المعلومات عن طريق الأسئلة الستة المعروفة (مَنْ وماذا وأين ومتى ولماذا وكيف) وإيصالها إلى القراء.
في التقارير تكون الإجابات عن هذه الأسئلة بمعلومات ثابتة، جامدة.
أما القصة، فيبثّ السرد الحياة في هذه المعلومات. فمَنْ، يصبح شخصية في القصة. وماذا، يصبح الأكشن في القصة، وهكذا.
طبيعة الموضوع المتناول تفرض ما إذا كان تقريراً أم قصة أم مزيجاً بين الاثنين باستخدام تقنيات السرد في إيصال المعلومة الجامدة.
الأول يُسمى صحافة «قال وأضاف»، وهو السائد من دون منازع في الصحافة العربية، والثاني كثيراً ما يُستخدم في السرد الصحافي في الفيتشرات، ويستطيع الكاتب من خلاله مخاطبة القلب والعقل معاً، قادراً على خلق التعاطف وإفهام القارئ في آن واحد.
هذا لا يعني بأي حال أن يكون التقرير مملاً طالما أنه ليس قصة، كما لا يعني أن تكون القصص ممتعة لمجرد كونها كذلك.
لنأخذ هذا المثال من «نيويورك تايمز» عن سرطان «هودجكين»:
مقتطف — نيويورك تايمز
كان الظلام قد حلّ عندما بدأت المرأة ذات الـ 41 عاماً رحلتها الطويلة من شقة والدها في واشنطن إلى منزلها في ويستشستر. كانت توّاقة للعودة إلى زوجها وأطفالها الثلاثة. عند نقطة ما، بعد أن عبرت الحدود إلى ولاية مريلاند، أُصيبت بحكة شديدة في كامل جسدها. قبل بضعة أسابيع شعرت بحكة خفيفة، لكنها عزت الأمر إلى جفاف بشرتها التي أصبحت فاتحة بعد أن كانت داكنة، بسبب شمس الصيف. لكن الحكة هذه المرة بدت مختلفة تماماً؛ فهي أقوى وأعمق، وفي كل مكان من جسدها، وكل ذلك في وقت واحد.
في هذه المادة تمزج الكاتبة ليزا ساندرز، وهي بالأصل طبيبة، تقنيات القصة والتقرير لإيصال معلومات طبية جامدة بطريقة بديعة. والعناصر كلها في سردها تدفع القارئ للانتقال من فقرة إلى أخرى، دون أن يشعر بذلك.
وهنا، نص منشور «فيسبوك» يسرد قصة «آية عمر»، الرسامة التي عاشت يتيمة الأب:
منشور فيسبوك
عندما يُغلق بابٌ يفتح آخر
لمْ يكنْ عليها أنْ تستمتعَ إلى الأطفالِ في المدرسةِ، وهمْ يتحدثونَ عنْ آبائهمْ يصنعونَ المعجزات. لمْ تكنْ بحاجةِ إلى ذلكَ. لمْ يكنْ عليها أنْ تتحدثَ، مثل الآخرينَ، عنْ اللعبةِ التي اشتراها لها، ولا عنْ الثيابِ التي أهداها إليها، ولا عنْ المشوارِ الذي ذهبتْ معهُ إلى السوقِ، لتختارَ ما تشاء. لمْ تكنْ بحاجةِ إلى ذلكَ. لمْ تتحدثْ عنْ مالهِ، شخصيتهِ، وحضنهِ، فورَ خروجها منْ المدرسةِ، ترتمي فيهِ. لمْ تكنْ مضطرةً إلى ذلكَ. فقدْ عاشتْ، وبِخِلافِ الأطفالِ كُلِّهِمْ، منْ دونِ أبٍ.
معَ ذلكَ، لمْ تجدْ ما يمنعها أنْ تتخيّلَ الأبَ الغامضَ، الموثوقَ، كُلِّي القدرةِ والمعرفةِ. ففيما شُغلتْ عقولُ الأطفالِ الآخرينَ بما أنعمَ عليهمْ آبائهمْ منْ دفاترَ وألوان وقُبُلاتٍ؛ الكثيرَ منها، شُغِلَ عقلها بصفحاتٍ بيضاءٍ كثيرةٍ، وألوانٍ لا تنتهي، وإنْ كانَ الشطر الأعظم من ذلكَ خيالاً.
الخيالُ فتحَ لها بابَ الرسمِ على مِصْراعيهِ. استبدلتْ الأبَ الذي فقدتهُ، برسمِ الأمِ التي حلّتْ محله. منذُ ذلكَ الحينِ، عَرِفتْ وجهتها في الحياةِ؛ ولمْ تتوقفْ عنْ الرسمِ واحْتَرفَتْهُ.
صحيحٌ أنَّ الإمكاناتِ الماديةَ متواضعة، وموادُ الرسمِ قليلة، والألوانُ لا تتجاوزُ الأساسية، لكنها لا تأبه . إذا كانتْ الحياة قدْ حرمتها، فإنَ الخيالَ والتجريدَ قدْ أشبعاها، وإنْ بكثير منْ الألمِ.
ما الفرق بين القصة الأدبية والصحفية؟
في النثر الأدبي، يوجّه الكاتب نظر القارئ إلى الأشياء الملموسة ليشاهدها بنفسه. فالعيون تتجه إلى بطل القصة؛ محرّك الأحداث وقوتها الدافعة. وفي أثناء مسعاه إلى تحقيق أهداف معينة، تتطور شخصية البطل من خلال الخيارات المختلفة المتاحة أمامه؛ يخاطر فتنفضح دوافعه وأسراره، يتخذ مواقف فتظهر عيوبه، يتغيّر فيتكشف الشغف الذي فيه. تتطور الحبكة من خلال المفاجآت والتحولات والانعطافات؛ أي من خلال الأكشن الملموس، خالقة الشدّ والتوتر والتشويق.
في هذا، لا تختلف القصة الصحفية كثيراً عن القصة الأدبية:
القصة الصحفية تستند إلى الوقائع لنقل المعرفة وتقديم الترفيه في موضوعات تجري في العالم الحقيقي.
القصة الأدبية تستند إلى الخيال لنقل رسائل وقيم إنسانية وتقديم الترفيه من خلال سرد مبتكر، وقد يكون له صلة بالعالم الحقيقي.
لكن كلتيهما تقوم على الشخصيات؛ إنْ ضاعت، ضاع كل شيء.
ما الدور الذي تقوم به الشخصيات؟
فكّر في الروايات التي أعجبتك، هل تتذكّر الشخصيات التي عشت معها الصفحة تلو الأخرى، حتى كنتَ تتمنى ألا تنتهي الرواية أبداً؟ ما الذي تتذكره بوضوح أكبر: الشخصيات أم الحبكة؟
فكّر أيضاً في الأفلام التي شاهدتها، وأثّرت فيك، أتتذكر حبكة الفيلم أم الممثلين؟ إذا دبّت الحياة في الشخصيات على الصفحة، فإن ما تفعله هذه الشخصيات يصبح القصة.
والحال، أن الأدب كان مدخلاً لتيار في الصحافة سُمّي فيما بعد الصحافة الأدبية أو السردية، ابتدأه الصحفي والروائي البريطاني جورج أورويل بمقالة كتبها خلال رحلة استشفاء من مرض السل في المغرب عام 1939 بعنوان «مراكش»، وأُسيل حولها الكثير من الحبر. وفي الستينيات وجد هذا التيار زخماً ليتوج في عام 1973 بكتاب نشره الصحفي الأمريكي توم وولف بعنوان «الصحافة الجديدة» وهو مجموعة من المقالات المختارة، وكان بمثابة البيان رقم واحد أو مانفيستو الصحافة الأدبية. مشكلة وولف أنه كان يروّج حينها لموت الرواية الأدبية القائمة على تخيل الأحداث والشخصيات، ولفكرة أن الصحافة الأدبية ستحل محلها بأحداثها وشخصياتها الحقيقية. لم تمت الرواية، لكن استعارة تقنياتها في الصحافة استمرت.
مرّاكش
عندما مرّ الجثمان، غادر الذباب على صورة سحابة طاولة المطعم، واندفع وراءه، لكنه عاد أدراجه بعد بضع دقائق.
شقت جماعة المشيعين الصغيرة – جميعهم رجال وأولاد، وما من نساء – طريقها وسط السوق بين أكوام الرمان وسيارات الأجرة والجِمال، يرددون ترتيلة نحيب قصيرة، المرة بعد الأخرى. ما يجتذب الذباب هنا عملياً هو أن الجثث لا تُوضع أبداً داخل توابيت، بل تُلف في قطعة قماش، وتُحمَل على نعش خشبي خشن فوق أكتاف أربعة من أصدقاء المتوفى. عندما يصل الأصدقاء إلى المقبرة يحفرون حفرة مستطيلة بعمق ثلاثين أو ستين سنتيمتراً، يلقون الجثة داخلها، ثم يهيلون فوقها بعض التراب الجاف المتكتل الشبيه بطوب متكسر. لا شاهدة قبر، لا اسم، لا علامة فارقة من أي نوع. المقبرة مجرد تلّة شاسعة وعرة، تشبه موقع بناء مهجور. ثم بعد شهر أو شهرين، يتعذر على المرء التعرف بيقين على المكان الذي دُفن فيه قريبه.
عندما تتمشى وسط بلدة مثل هذه –بها مئتا ألف نسمة، عشرون ألفاً منهم على الأقل لا يملكون حرفياً سوى تلك الخرق التي تستر أجسادهم– عندما ترى كيف يعيش الناس، بل وكيف يموتون بسهولة، يصعب عليك دائماً التصديق بأنك تتمشى بين كائنات بشرية. جميع الإمبراطوريات الاستعمارية تأسست في الواقع على هذه الحقيقة. الناس هنا ذوو بشرة بنية؛ إضافة إلى ذلك، عددهم كبير! هل هم حقاً من نفس طينتك؟ هل لهم أسماء؟ أم أنهم مجرد نوع من الكائنات البنية التي يصعب التمييز فيما بينها، تماماً كما النحل أو حشرات الشعاب المرجانية؟ يخرجون من الأرض، يعرقون ويعانون الجوع لبضع سنين، ثم يُغمرون في ركام قبور لا أسماء لها، وما من أحد يلاحظ غيابهم. حتى القبور سريعاً ما تتلاشى في التراب. أحياناً، خارجاً تتمشى، وأنت تشق طريقك عبر نباتات التين الشوكي، تجد أن الأرض تحت قدميك ذات مطبات، وأن ذاك الانتظام المعين بين المطب والآخر، يخبرك بأنك تسير فوق هياكل عظمية.
كنت أطعم أحد الغزلان في الحديقة العامة.
تكاد تكون الغزلان هي الحيوانات الوحيدة التي تثير شهية الأكل، وهي بعد حية. الحق، لا يمكن للمرء النظر إلى عجيزتها من دون أن تخطر بباله صلصة النعناع. الغزال الذي كنت أُطعمه بدا، كأنه يُدرك الخاطر الذي ورد في ذهني، فمع أنه تناول قطعة الخبز التي ناولته إياها، كان واضحاً أنني لم أرق له. قضم الخبزة بسرعة، ثم حنى رأسه، وحاول أن ينطحني، ثم قضم قضمةً أخرى ونطح مجدداً. ربما فكّر أنه إذا تمكن من إبعادي، فسيظل الخبز بصورة ما عالقا في الهواء.
حفّار عربي كان يعمل في الطريق القريب، وضع معوله الثقيل وانحرف نحونا. جال بنظره من الغزال إلى الخبز، ومن الخبز إلى الغزال بنوع من الدهشة الهادئة، وكأنه لم يشهد حدوث أمر مثل ذلك من قبل. أخيراً قال في خجل باللغة الفرنسية:
«بإمكاني أكْل بعض من ذلك الخبز».
قطعت له بعضاً من الخبز، فخبأه بامتنان في مكان سري تحت ثيابه الرثة. هذا الرجل هو عامل في البلدية.
عندما تمر بحارات اليهود، تأخذ فكرة عما كانت عليه على الأرجح الغيتوهات في القرون الوسطى. فالحكام المغاربة لم يكونوا يسمحون لليهود بامتلاك الأرض إلا في مناطق محدودة مخصصة، ومع مرور قرون على مثل هذه المعاملة، لم يعد اليهود يعبئون بالاكتظاظ. فكثير من الشوارع عرضها أقل من مترين بكثير، والمنازل بلا نوافذ تماماً، والأطفال المصابون بالرمد يتجمعون بأعداد لا تصدق في كل مكان مثل سحابة الذباب. وهناك غالباً ساقية بول صغيرة تجري وسط الزقاق.
في البازار، ترى عائلات يهودية كبيرة، جميعهم يرتدون الرداء الأسود الطويل وقلنسوات صغيرة سوداء. يعملون داخل وَرِشٍ مظلمة مليئة الذباب تبدو كأنها كهوف. يجلس نجاّر متربعاً أمام مخرطة من عصور ما قبل التاريخ، يدير بسرعة البرق أرجل الكراسي. يُشَغّل المخرطة بقوس في يده اليمني، ويحرك الإزميل بقدمه اليسرى، ولأنه قضى حياته جالساً في هذه الوضعية، تشوّهت ساقه اليسرى. حفيده الجالس بجانبه، والبالغ ست سنوات، بدأ العمل بالفعل على تعلّم المهام البسيطة في هذه المهنة.
كنت ماراً توّاً بِوَرِش النحاسين عندما رمقني أحدهم أُشعلُ سيجارةً. وفوراً، من داخل فتحات الحفر المظلمة كلها، اندفع اليهود بصورة محمومة، كثير منهم كانوا أجداداً مسنين بلحى رمادية مسترسلة، جميعهم يتوسلون سيجارةً. حتى إن رجلاً أعمى سمع في مكان ما في نهاية إحدى الورش، حديثاً عن السيجارة فخرج زاحفاً، متحسساً الهواء بيده. خلال دقيقة واحدة نفذت علبة السجائر. أظن أن لا أحد منهم يعمل أقل من اثنتي عشرة ساعة في اليوم، وكل واحد منهم يعدّ السيجارة ضرباً من الرفاهية المستحيلة.
كون اليهود يعيشون في مجتمعات مغلقة، فإنهم يعملون في التجارات نفسها التي يعمل فيها العرب، باستثناء الزراعة. باعة الفاكهة، الخزافون، الصاغة، الحدادون، الجزارون، عمال الجلد، الخياطون، السقاؤون، المتسولون، الحمالون – حيثما نظرت لا ترى سوى اليهود. ثمة في الواقع ثلاثة عشر ألف يهودي، يعيشون جميعا في حيز لا يتعدى بضع هكتارات. لحسن الحظ أن هتلر لا يعيش هنا. لعله، على أي حال، في طريقه إلى ذلك. تسمع الأحاديث السيئة المعتادة عن اليهود، ليس من العرب وحدهم، بل أيضاً من الأوروبيين الأكثر فقراً.
«أجل يا صاحبي، لقد أخذوا مني عملي وأعطوه ليهودي. اليهود! إنهم حكام هذا البلد الحقيقيين، هل تعرف ذلك. يملكون المال كله، ويتحكمون في المصارف، الأموال – كل شيء.»
«لكن» قلت «أليس اليهودي العادي في الواقع مجرد عامل يشتغل ساعة مقابل سنت واحد؟»
«أوه، هذا تمثيل فقط! هم في الواقع مرابون. إنهم ماكرون، اليهود.»
بالمنطق ذاته، قبل بضع مئات من السنين، كانت النساء المسنات الفقيرات يُحرقن بدعوى ممارسة السحر، عندما لم يكن لديهن ما يكفي من السحر للحصول على وجبة طعام مشبعة.
الناس جميعهم الذين يعملون بأعمال يدوية، غير مرئيين إلى حد ما، وكلما زادت أهمية العمل الذي يقومون به، باتوا غير مرئيين بصورة أكبر. مع ذلك، البشرة البيضاء دائماً ما تكون لافتة للنظر. في شمال أوروبا، عندما ترى عاملاً يحرث الأرض، فإنك على الأرجح ستعاود النظر إليه مرة ثانية. أما في البلدان ذات الطقس الحار، في أي جهة جنوب جبل طارق أو شرقي السويس، فالاحتمال أنك لن تراه. لاحظت هذا الأمر على نحو متكرر. ففي المنطقة الاستوائية تلتقط العين كل شيء إلا الإنسان. تلتقط التربة الجافة، التين الشوكي، شجر النخيل، والجبل البعيد، لكنها دائماً تخطئ الفلاح، وهو يعزق حقله. إنه بلون الأرض ذاتها، وأقل إثارة للاهتمام للنظر إليه.
لهذا السبب فقط باتت البلدان التي تتضور جوعاً في آسيا وإفريقيا وجهة سياحية. لن يفكر أحد قط في تنظيم رحلات رخيصة إلى المناطق المنكوبة. لكن حيثما وُجِد البشر ذوو البشرة البنية، فإن فقرهم ببساطة غير مرئي. ماذا يعني المغرب للرجل الفرنسي؟ بستان برتقال أو وظيفة في خدمة الحكومة. أو ماذا يعني للرجل الإنجليزي؟ جِمال، قلاع، شجر نخيل، فيالق أجنبية، صواني نحاسية وقطاع طرق. يمكن للمرء أن يعيش سنوات هنا، دون أن يلتفت إلى حقيقة أن حياة تسعة أعشار الناس هنا صراع مرير لا نهاية له من أجل انتزاع القليل من القوت من تربة عصفت بها الرياح.
معظم أراضي المغرب مقفرة تماماً لدرجة أنه لا يمكن لحيوان بري أكبر من حجم الأرنب العيش عليها. مساحات شاسعة كانت تغطيها الغابات يوماً أصبحت يباباً لا شجر فيها، والتربة تشبه الطوب المتكسر. مع ذلك، فإن مساحة كبيرة منها تُفلح بكدح مخيف. الأشغال كلها هنا يدوية. طوابير طويلة من النساء المعقوفات الظهر كحرف L مقلوب، يشققن طريقهن ببطء عبر الحقول، ينتزعن الأعشاب الشوكية بأيديهن، والفلاحون الذين يجمعون البرسيم علفاً للماشية، يقتلعونها ساقاً ساقاً بدلاً من حصاده ليحصلوا على بضعة سنتيمترات زيادة في كل ساق. المحراث عبارة عن شيء خشبي بائس، خفيف الوزن جداً حتى يسهل على المرء حمله على الكتف، مزوداً في أسفله بمسمار حديدي كبير خشن يقلب التربة بعمق عشرة سنتيمترات تقريباً. هذا أقصى ما تستطيع دواب الجرّ فعله. عادة ما يحرثون الأرض بحمار وبقرة مقيدين إلى بعضهما البعض. حماران اثنان لن يكونا قويين بما يكفي. لكن، من ناحية أخرى، استخدام بقرتين يكلف علفاً أكثر. لا يمتلك الفلاحون مسالف حديدية (الهارو)، فقط يحرثون الأرض عدة مرات في اتجاهات مختلفة، والنتيجة تكون أخاديد غير مستوية، فيعمدون إلى المعاول لتسوية كامل الحقل على شكل رقع صغيرة مستطيلة تحتفظ بالمياه، فباستثناء يوم ماطر أو يومين إثر عاصفة نادرة، لا توجد مياه كافية. تُشق قنوات بعمق ثلاثين أو أربعين قدماً على طول أطراف الحقول، بهدف الوصول إلى المياه الشحيحة التي تجري في باطن الأرض.
في ظهيرة كل يوم تمر مجموعة من النساء المسنات جداً على الطريق المحاذي لبيتي، كل واحدة منهن تحمل كومة من الحطب. جميعهن يَبْدين من المومياوات بفعل السن والشمس، ويَبْدين صغيرات الحجم. يبدو أن المرأة بوجهٍ عام في المجتمعات البدائية تتقلص إلى حجم طفل عندما تتجاوز عمراً معيناً. في أحد الأيام مر من أمامي كائن مسن ضعيف لا يتجاوز طوله متر و20 سنتيمتراً تحت حمل هائل من الحطب. أوقفت المرأة ودسست في يدها قطعة من فئة 5 سنتيم (أكثر قليلاً من ربع بنس). فأصدرت عويلاً حاداً، أشبه بالصراخ، تعبيراً عن الدهشة أكثر من كونه امتناناً. أفترض أنه من وجهة نظرها، بدوت من خلال اهتمامي بها، وكأنني انتهك قانوناً من قوانين الطبيعة. لقد قبِلَتْ وضعها كامرأة عجوز، أو بعبارة أخرى كبهيمة حمل أثقال. عندما ترتحل أسرة ما في الطريق، تشاهد في غالب الأحيان الأب وابنه الراشد يمتطيان حمارين في المقدمة، بينما امرأة عجوز تتبعهما مرتجلة حاملة المتاع.
لكن الغريب في هؤلاء الناس هو كونهم غير مرئيين. لعدة أسابيع، ودائماً في الوقت نفسه من النهار، تمر مجموعة النساء العجائز بمحاذاة بيتي حاملات الحطب. ومع أن صورتهن قد انطبعت في بؤبؤ عيني، لا أستطيع الجزم حقا أنني رأيتهن فعلاً. ما كنت أراه، كان كومة حطب تمر أمامي، هذا ما كنت أراه. حدث مرة أنني كنت أسير خلفهن، وقد لفتت انتباهي حركة حمولة الحطب في صعودها وهبوطها المثيرة للفضول، إلى ذلك الإنسان الرازح تحتها. ثم لاحظت لأول مرة الأجساد الضعيفة الملونة بلون الأرض، أجساد اُختزلت إلى عظم وجلد مجعد، منحنية تحت ثقل الحمولة الساحق. مع ذلك، حين وطئت أرض المغرب لم تكد تمر خمس دقائق على ما أظن حتى لاحظت فوراً الحمولة الزائدة على ظهور الحمير، وقد أغاظني ذلك. ما من شك أن الحمير تُعامل بفظاعة. الحمار المغربي لا يكاد يتعدى حجمه حجم كلب من فصيلة سانت برنارد، لكنه يحمل أثقالا تُعدّ من منظور الجيش البريطاني ثقيلة جداً حتى على بغل ارتفاعه 15 شبراً، كما تظل البردعة في غالب الوقت على ظهره لأسابيع متواصلة. لكن ما يثير الشفقة بصورة غريبة هو أن الحمار أكثر الكائنات على الأرض طاعة، فهو يتبع سيده مثل كلب دون حاجة إلى لجام أو رسن، بعد دزينة سنوات من العمل المتفاني يسقط فجأة ميتاً، يرمي به صاحبه في خندق ما لتنهش كلاب القرية أحشاءه قبل أن تبرد.
مثل هذا الأمر يجعل الدم يغلي في العروق، في حين أن محنة البشر بصورة عامة لا تفعل ذلك. أنا لا أعلق، بل أشير فقط إلى حقيقة. الناس ذوو البشرة البنية لا يعدون عن كونهم غير مرئيين. يمكن لأي شخص أن يشعر بالأسف من أجل الحمار ذي ظهر متقرح، لكن الصدفة؛ الصدفة وحدها، قد تجعل الشخص ذاته ينتبه للمرأة العجوز الرازحة تحت ثقل حمولة العصيّ.
فيما كانت اللقالق تحلق شمالاً، كان الزنوج يتجهون جنوباً – طابور طويل مغبرّ، فرقة مشاة، بطاريات مدفعية، ثم المزيد من المشاة، أربعة أو خمسة آلاف رجل إجمالاً، يسيرون على وقع الأحذية الثقيلة، وقرقعة العجلات الحديدية.
كانوا سنغاليين، أشد الزنوج سواداً في القارة الإفريقية، لدرجة يصعب معها أحياناً معرفة أين يبدأ شعر الرأس على الرقبة. كانت أجسادهم البهية متوارية تحت بدلات «الكاكي» البالية، بينما أقدامهم المحشورة داخل الأحذية الثقيلة تبدو ككتل من الخشب، وكانت كل خوذة معدن تبدو أصغر بقياسين أو أكثر مقارنة بحجم رؤوسهم. كان الجو حاراً جداً والرجال قطعوا مسافة طويلة يرزحون تحت ثقل حقائب الظهر، فيما وجوههم السمراء الحساسة بصورة غريبة تلمع عرقاً.
عندما مرّوا، استدار نحوي شاب زنجي طويل القامة في ريعان شبابه، ما لفت انتباهي. لكن النظرة التي رمقني بها، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها لم تكن النظرة التي قد يتوقعها المرء. لم تكن نظرة عدوانية، أو مزدرية، أو عابسة، أو حتى فضولية. كانت نظرة زنجي خجولة بعينين واسعتين، كانت في الواقع نظرة احترام عميق. لقد رأيت ما كانت تعنيه. هذا الفتى البائس، الذي هو مواطن فرنسي، ومن ثَمَّ فقد أُخذ من الغابة سَحلْاً لينظف الأرضيات، ويُصاب بعدوى الزهري في الحاميات العسكرية، يشعر في الواقع بأحاسيس الإجلال تجاه ذوي البشرة البيضاء. لقد لقنوه أن البيض سادته، وهو لمّا يزل يصدق ذلك.
لكن هنالك فكرة واحدة تخطر في بال كل رجل أبيض (ولا يهم بتاتاً إن كان يعدّ نفسه اشتراكياً) عندما يرى كتيبة من السود تمر أمامه «إلى متى يمكننا الاستمرار في الضحك على ذقون هؤلاء الناس؟ كم يلزم من الوقت قبل أن يوجهوا بنادقهم إلى الجهة الأخرى؟»
كان الأمر غريباً حقاً. كل رجل أبيض يخبئ هذه الفكرة في مكان داخل ذهنه. كانت تراودني، وتراود المتفرجين الآخرين، تراود الضباط الممتطين صهوات خيولهم المتعرقة، تراود ضباط الصف البيض الذين يسيرون بين الصفوف. كان الأمر أشبه ما يكون بالسر الذي نعرفه جميعاً، لكننا أذكى من أن نبوح به. فقط الزنوج لم يعرفوه. الحق، كان الطابور الطويل أشبه ما يكون بقطيع من الماشية، ميل أو ميلين من الرجال المسلحين، يتدفقون في سكينة على طول الطريق، فيما الطيور البيضاء الكبيرة تحلق فوق رؤوسهم في الاتجاه المعاكس، تلمع مثل قصاصات ورق.

أدى تطبيق تقنيات السرد في الكتابة الصحفية إلى إنتاج بعض القصص الأكثر إثارة خلال العقود القليلة الماضية. فبدلاً من «الراوي» الغامض mysterious الموثوق authoritative كلَّي المعرفة omniscient في صياغة الأخبار، تلجأ الصحافة السردية إلى بناء القصة مشهداً بعد مشهد؛ لأن الصحفي يكون متواجداً -ولو مجازاً- على «الأرض» حيث يدون الملاحظات، ويجري المقابلات والحوارات المعمقة مع الشخصيات المنخرطة في الحدث المعني. ويُروى الحدث من وجهة نظر الشخص الثالث أو ما يُسمى في اللغة العربية ضمائر الغائب: هو، هي، هم، ما يساعد الكاتب على تقديم شخصيات متعددة ومستويات مختلفة للسرد والحبكة بالطريقة التي تعمل بها الكاميرا في الأفلام من زووم-آوت وزووم-إن.
في عام 1963، استطاع الصحفي الأسطورة جيمي بريسلين أن يخلّد ما كتبه عن مقتل جون كينيدي، بشخصية حفّار القبور «كليفتون بولارد» في قصة بعنوان: «إنه لشرف لي».
لنقارن بين أسلوبي التقرير والسرد في أحد أكثر أحداث القرن العشرين جسامة:
صحيفة نيويورك تايمز
قُتِلَ الرَئِيسُ جون فيتزجيرالد كينيدي اليَوْمَ عَلَى يَدٍ قاتِلٍ مَأْجُورٍ. وَقَدْ تُوُفِّيَ مُتَأَثِّراً بِإِصابَتِهِ بِرَصاصَةٍ فِي الدِماغِ حَوالَيْ الساعَةِ الواحِدَةِ ظُهْراً (بِالتَوْقِيتِ المَرْكَزِيِّ) بَيْنَما كانَ يَسْتَقِلُّ مَوْكِباً فِي دالاس. وَكانَتْ زَوْجَتُهُ جاكلين بِجانِبِهِ. أَدَّى ليندون جونسون اليَمِينَ الدُسْتُورِيَّةَ بَعْدَ ساعَتَيْنِ بِوَصْفِهِ الرَئِيسَ السادِسَ وَالثَلاثِينَ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ.
صحيفة نيويورك تايمز هيرالد تريبيون
كانَ كليفتون بولارد واثِقاً تَماماً أَنَّهُ سَيَذْهَبُ إِلَى العَمَلِ الأَحَدِ، فَعِنْدَما اِسْتَيْقَظَ فِي التاسِعَةِ صَباحاً فِي شِقَّتِهِ المُكَوَّنَةِ مِنْ ثَلاثِ غُرَفٍ فِي شارِعِ «كوركورين»، اِرْتَدَى أفرولَ العَمَلِ الكاكِي قَبْلَ التَوَجُّهِ إِلَى المَطْبَخِ لِتَناوُلِ الفُطُورِ. زَوْجَتُهُ، هَيتِي، أَعَدَّتْ لَهُ اللَحْمَ المُقَدَّدَ مَعَ البَيْضِ. كانَ بولارد قَدْ بَدَأَ بِتَناوُلِ طَعامِهِ عِنْدَما جاءَتْهُ المُكالَمَةُ الهاتِفِيَّةُ الَّتِي كانَ يَنْتَظِرُها. كانَتْ مِنْ مازو كوالشيك، كَبِيرِ حَفارِي القُبُورِ فِي مَقْبَرَةِ «أرلينغتون» الوَطَنِيَّةِ، حَيْثُ يَعْمَلُ بولارد لِكَسْبِ لُقْمَةِ العَيْشِ. سَأَلَهُ كوالشيك: «بولي، هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ هُنا بِحُلُولِ الساعَةِ 11 هٰذا الصَباحَ؟ أَظُنُّ أَنَّكَ تَعْرِفُ السَبَبَ»، بولارد كانَ يَعْرِفُ حَقّاً. أَنْهَى المُكالَمَةَ، فَرَغَ مِنْ تَناوَلِ فُطُورِهِ، وَغادَرَ شِقَّتَهُ لِيَقْضِيَ يَوْمَ الأَحَدِ فِي حَفْرِ قَبْرِ جون فِيتِزْجِيرالد كِينِيدِي.
في الأدب، يبدأ الروائيون العمل عادةً بتخيّل شخصية ما. وكذا في الروايات البوليسية التي تتمحور حول الشخصية، مثل: «شارلوك هولمز». ومع أن روايات المغامرات والجاسوسية والخيال العلمي والروايات الرومانسية الشعبية وأفلام الأكشن تبدأ أولاً بالحبكة، ثم تُسكَّن بالشخصيات، إلا أن هذه الشخصيات تبدو غالباً «مختلقة»، ولا تترك أثراً يُذكر.
الكاتب الذي يكون ولاؤه للشخصية تكون قصته أكثر قابلية للبقاء والاستمرار. فأحداث القصة لا تؤثر فينا إلا إذا عرفنا الشخصيات المنخرطة فيها. لماذا أصلاً سيهتم أي قارئ بأمر «قصة» لا شخصية فيها، أو لا يعرفها؟! نحن نريد دائماً أن نقع في حب الشخصية، كما وقعت أمريكا في حب «كليفتون بولارد»؛ أن ننغمس بأسرع وقت ممكن في تفاصيل حياتها.
لكن كيف يمكن أن نجعل الشخصية مقنعة؟ هذا ما نتناوله في القسم التالي.
