بناء الجملة: قوتها في نهايتها
كما أن للقصص أشكالاً، كذلك للجمل. أحد طرق كتابة جمل تستسيغها الأذن، هي وضع قوة الجملة في نهايتها.
ما الذي ستتعلمه في هذا المحور؟
- 01قوة الجملة في نهايتها: قاعدة: 2-3-1
- 02نهايات الجمل، مثال: مورغان فريمان-1
- 03حذف مفعول الفعل المتعدي
- 04نهايات الجمل، مثال: مورغان فريمان-2
- 05الكتابة صنعة، والجملة الجيدة هي نتاج العمل الشاق
الجمل لها أشكال أيضاً: قوتها في نهايتها
في تأبين لسمكة قرش الحوت يُدعى «رالف» مات في حوض أسماك في «أتلانتا»، قال المراسل:
تجمع الحشد وركع أمام السمكة العملاقة بطولها البالغ 15 قدماً.
لنحاول تجزئة الجملة، بأن نضع الرقم 1 أمام العبارة الأكثر أهمية وإثارة للدهشة، ثم الرقم 2 أمام العبارة التي تأتي بالدرجة الثانية، ثم الرقم 3 أمام العبارة المملة الأقل أهمية:
تجمع الحشد (…) وركع (…) أمام السمكة العملاقة بطولها البالغ 15 قدماً (…)
قبل أن تتابع القراءة، جرّب أنت بنفسك أن تضع الأرقام التي تجدها مناسبة، ثم تابع.
إن أكثر ما يدهش المرء هو أن الحشد «ركع» على ركبتيه أمام سمكة قرش الحوت الميت. فهذا يدل على الخشوع والاحترام وحتى الحزن. لذا نضع الرقم 1 أمام «ركع».
ويأتي بالدرجة الثانية هو وُجود «حشد» بالأصل، لذا نضع أمامه الرقم 2، أما المخلوق الذي يبلغ «طوله 15 قدماً»، فهو الأقل أهمية؛ لأننا سلفاً نعلم أن القصة تدور حوله.
تجمع الحشد (2) وركع (1) أمام السمكة العملاقة بطولها البالغ 15 قدماً (3)
الجمل تتحدى قوانين الفيزياء، نقطة قوتها في بدايتها أو نهايتها. والنهاية هي الأقوى. لذلك دعنا نعيد ترتيب الجملة باستخدام هذه القاعدة:
2 – 3 – 1
فتصبح الجملة على الصورة التالية:
تجمع الحشد (2) أمام السمكة العملاقة بطولها البالغ 15 قدماً (3) وركع (1).
يا له من تحسن! أليس كذلك؟

لنأخذ هذا المثال من مسرحية شكسبير «مكبث» (الفصل الخامس / المشهد الخامس)، أي من هذه الجملة تعتقد أن شكسبير كتبها:
»»» مولاي، لقد ماتت الملكة. (ترجمة: حسين أحمد أمين)
»»» الملكة يا مولاي ماتت. (ترجمة: محمد مصطفى بدوي)
»»» الملكة ماتت يا مولاي. (ترجمة: لويس عوض)
كتب شكسبير الجملة الثانية. دعنا نرقم كلماته حسب قوة المعلومة وأهميتها:
الملكة (2) يا مولاي (3) ماتت (1).
«ماتت» هو الحدث الأكثر أهمية في الجملة، يليه «الملكة»، ثم الأقل أهمية «مولاي».
انظر إلى هذه الجمل الشهيرة الأخرى من الأفلام، وانظر كيف أن قوة الجملة في نهايتها. رقمت كل عبارة حسب أهميتها في الجملة:
ذهب مع الريح
Gone With the Wind
“Frankly, my dear, I don’t give a damn.”
بصراحة (2)، يا عزيزتي (3)، لا أبالي إطلاقاً (1).
فوريست غامب
Forrest Gump
My mama always said, Life was like a box of chocolates; you never know what you’re gonna get.
اعتادت أمي أن تقول (2): الحياة مثل علبة الشوكولاتة (3)؛ لن تعرف أبداً ما ستحصل عليه. (1)
كازابلانكا
Casablanca
Of all the gin joints in all the towns in all the world, she walks into mine.
من بين الحانات جميعها (2)، في المدن كلها في العالم بأسره (3)، تدخل إلى حانتي (1).
صمت الحملان
Silence of the Lambs
A census taker once tried to test me. I ate his liver with some fava beans and a nice Chianti.
موظف التعداد السكاني حاول أن يختبرني مرّة. أكلت كبده (2) مع بعض الفول (3) ونبيذ كيانتي الفاخر (1).
ماد ماكس
Mad Max
My name is Max. My world is fire. And blood.
اسمي ماكس (2). عالمي هو النار.. (3) والدم (1).
سبونج بوب سكوير بانتس
Sponge Bob Square Pants
Squidward, I used your clarinet to unclog my toilet.
يا شفيق (2)، استخدمت آلتك الكلارنيت (3) لتسليك المرحاض (1).
تيرمينِتور
Terminator 2
Hasta la vista, baby.
إلى اللقاء (2)، عزيزتي (1).
كابتن أمريكا
Captain America
You get hurt, hurt ‘em back. You get killed, walk it off.
إذا آذوك (2)، آذهم (1). وإذا قُتلت (2)، انهض وواصل السير (1).
نهايات الجمل: مورغان فريمان
إن مورغان فريمان أكثر من مجرد رخامة الصوت، وعمقه. في الأفلام والإعلانات التجارية، هناك شيء ما في أسلوبه يفوق ذلك.
لنكتشف..
دعنا نلقي نظرة على إعلان تجاري قام به لصالح شركة فيزا. يظهر في هذا الإعلان دان جانسن، لاعب التزلج السريع. قبل سبع ساعات فقط من مشاركته في السباق في أولمبياد 1988 في «كالجاري»، كان جانسن يتحدث على الهاتف مع أخته التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد نوبة طويلة من سرطان الدم. مثل دان، كانت جين متزلجة سريعة. فاز دان بسباق بطولة العالم قبل الأولمبياد مباشرة. كان المرشح الأوفر حظاً للفوز بالميدالية الذهبية في سباق 500 متر. أراد أن يهدي فوزه إلى أخته. في المنعطف الأول، وقع، وانزلق على الجليد. جلس يبكي ورأسه بين يديه. أظهر الإعلان التجاري كل ذلك مع النص الذي قرأه مورغان فريمان:
قبل ساعات من السباق في عام 88،
شقيقة دان جانسن، جين، توفيت.
وعدها بالفوز بالميدالية الذهبية.
لم يفز.
بعد ست سنوات،
تزلّج في لفّة النصر مع ابنته.. جين.
لو أعدنا النص إلى صيغته العادية، لكان على الصورة أدناه، وستجد أن الحسن فيه قد ذهب:
توفيت جين شقيقة دان جانسن قبل ساعات من سباق عام 88.
لم يفز بالميدالية الذهبية رغم أنه وعدها بذلك.
لقد تزلّج في لفّة النصر مع ابنته جين، عندما فاز بعد ست سنوات.
حذف مفعول الفعل المتعدي
ويمكن خلق تأثير مماثل، إذا كان الفعل متعدياً وحذفنا مفعوله.
لتسهيل الفكرة، ينبغي أولاً التمييز بين الفعل اللازم الذي لا يحتاج إلى مفعول به، والفعل المتعدي الذي يحتاج إلى مفعول به. فإذا دخل «ـه» أو «ـك» على الفعل، كان متعدياً، وإذا لم يدخل كان لازماً.
مثلاً: ضَرَبَ
يمكنك قول: ضربـ«ـه» أو ضربـ«ـك».. فهو متعد.
لكن: نَامَ
لا تستطيع قول: نامـ«ـه» أو نامـ«ك»، فهو لازم.
لنأخذ مثالاً من نص مورغان فريمان:
لم يفز.
الجملة بالأصل متعدية بحرف الجر: لم يفز بالميدالية الذهبية، وقد حُذف؛ لأن ذكر المفعول يذهب الحُسْن كله الذي كان في الجملة؛ لكن كيف ذلك؟ من أين جاء ذاك الحسن الذي كان في حالة حذف المفعول؟ ولماذا ذهب بذكره؟ أليس الفعل المتعدي يتطلب أصلاً مفعولاً به؟
إليك التفسير: الفعل المتعدي به طاقة يصرفها عادة في المفعول عندما يحتك به. إذا حُذف المفعول، يوجه الفعل المتعدي طاقته إمّا إلى الفاعل ويصرفها فيه، أو ترتد هذه الطاقة على الفعل ذاته، وتُحْدِث زيادةً في معناه.
لنأخذ مثالاً آخر، فيديو مورغان فريمان الإعلاني لدعم باراك أوباما في الدورة الرئاسية الثانية..
الرؤساء جميعاً يرثون تحديات. لكن القليلين واجهوا هذا الكم.
بعد أربع سنوات، أعداؤنا قُدِّموا إلى العدالة.
أبطالنا يعودون إلى الوطن.
أصوات خطوط التجميع تدوّي مجدداً.
لا تزال هناك تحديات ينبغي مواجهتها، وأطفال ينبغي تعليمهم، وطبقة وسطى ينبغي إعادة بنائها.
لكن ما ينبغي ألا نفعله، هو ندير ظهورنا الآن.
كتابة الجمل «صنعة»
كتابة الجمل الجيدة هي نتاج عمل شاق. الكاتب الجيد يشعر بالعزلة؛ لأنه يقف وحيداً قبالة الصفحة البيضاء؛ ويشعر بالعجز لأن الأفكار لا تريد أن تخرج من رأسه؛ ويشعر بالتوتر لأنه يحاول أن يضع جزءاً من ذاته على الورقة أمامه، وغالباً ستخرج ذاتُه تلك متخشّبة لا تشبه روح الكاتب فيه. ولا بأس بذلك كله؛ فالكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة، والجملة الواضحة ليست بنت المصادفة، ونادراً ما تأتي من المحاولة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة. تذكّر هذا في لحظات اليأس، إذا وجدت الكتابة صعبة، ذلك لأنها فعلاً صعبة.
الكتابة الصحافية الجيدة «صنعة» وليست «فناً». ولحسن الحظ ثمة أدوات لذلك. هل يمكن تدريسها؟ ربما لا، لكن يمكن تعلّم معظمها بالعمل الدؤوب. واعلمْ أن مؤسستك الإعلامية لن تمنحك وقتاً بصفتك صحفيّاً، إنْ بقيت أسير هذا الأمل، فلن تكتشف في نفسك الكاتب الذي تريده. أنصحك بقراءة «أدوات كتابة القصة»، واحتفظ به مرجعاً تعود إليه كلما دعت الحاجة.
المهم أن تعقد «صفقة» بينك ونفسك: المنتَج الذي تبيعه للقارئ ليس القصة التي تكتبها، إنما هو هُويّتك بصفتك كاتباً؛ مَنْ أنت.
إذاً، الأسلوب الذي تكتب به يختلف باختلاف ما إذا كنت تكتب «تقريراً» أم «قصة»، لذلك فإن التمييز بين «التقرير» و«القصة» أمرٌ مهم لتوقعات القارئ. هذا ما سندرسه في القسم التالي.
