قراءة نقدية

الجزيرة السورية: تفكيك السردية وإعادة بناء التاريخ

قراءة نقدية في كتاب محمد جمال باروت «التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية»

رشاد عبد القادر

دراسةٌ في ثلاثة أقسام وملحقين، موضوعها القسم الأول من كتاب باروت، الصفحات 37–124

  1. القسم الأول · تفكيك السردية
  2. القسم الثاني · إعادة بناء التاريخ
  3. القسم الثالث · المنهج
  4. الملاحق

أُعدّت هذه الدراسة بالاستعانة بأدواتٍ رقمية، منها أدوات الذكاء الاصطناعي، في استخراج نصوص المصادر وترتيب المادة والمقابلة بين المواضع. أما القراءة والتحليل والنتائج فللكاتب، وهو وحده المسؤول عنها. وكلّ موضعٍ استُشهد به مثبتٌ برقم صفحته في الحاشية، وكلام باروت معروضٌ بصورة صفحته من الكتاب ليرجع إليها القارئ. ولم يُبنَ حكمٌ تاريخيٌّ قاطع على قراءةٍ غير محسومة.

شارِك
واتسابتلغرامإكسفيسبوك
الدراسة كاملةً بصيغة PDFالدراسة كاملةً · PDF · 138 صفحة
بيوتٌ بقبابٍ مخروطية من الطين، وأمامها مجموعةٌ من الرجال بعضهم واقفٌ وبعضهم جالس
صورة تاريخية · 1935منزلٌ كردي في ديريك، تموز 1935.صورة أصلية التقطها بيير روندو أثناء دراسته الميدانية للمجتمعات الكردية والآشورية.

تمهيد

يروي القسم الأول من كتاب محمد جمال باروت «التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية» تاريخاً يمتد نحو ألف عام. تبدأ الرواية بإقليم نهري مزدهر، تعتمد زراعته على شبكة واسعة من السدود والقنوات. ثم تأتي الغزوات المغولية في القرن الثالث عشر، وحملات تيمورلنك في أواخر القرن الرابع عشر، فتدمر منشآت الري وتلحق بالعمران خراباً واسعاً، حتى ينتهي الأمر، في وصف باروت، إلى هجر الإقليم «تماماً من أي توطن فلاحي متحضر». ويعقب ذلك زمن طويل تنحسر فيه الزراعة والعمران، قبل أن تسعى الدولة العثمانية إلى إعادة إعمار المنطقة في مرحلتين: أخفقت أولاهما في مطلع القرن الثامن عشر، بينما شهدت الثانية، في عهد التنظيمات العثمانية خلال القرن التاسع عشر، نشوء ما يسميه «الممرات الحضرية المتواصلة» على الفرات الأوسط. وتنتهي الرواية بحكم لافت: «التشكّل الحقيقي للقرى لن يتمّ قبل أواسط القرن العشرين».1محمد جمال باروت، «التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية»، الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ص124، والحاشية 313. لكن ما الذي يجعل القرية «حقيقية» في نظر المؤرخ؟ وما موقع القرى التي تذكرها المصادر قبل ذلك التاريخ؟

رواية باروت عن ألف عامٍ من تاريخ الجزيرة، مرحلةً مرحلةمراحل الرواية بترتيبها، وما يقوله باروت في كلٍّ منها، والوقفات التي تفحصها في هذه الدراسة.
كلّه في إطار ديار مضر وربيعة وبكر، ودير الزور محورها
المرحلةما يقوله باروتتفحصه الدراسة في
الإطار الجغرافينقطة البدءتقسيم الجغرافيين العرب والمسلمين للجزيرة إلى ديار مضر وربيعة وبكر، ودير الزور والفرات الأوسط محوراً للتفسير6 · مركزٌ إداريٌّ يصير مركزاً للتاريخ10 · بنية الفصل الأول وأثرها
خرابالقرن الثالث عشر – أواخر الرابع عشرالغزوات المغولية وحملات تيمورلنك تدمّر منشآت الري، حتى يُهجر الإقليم «تماماً من أي توطن فلاحي متحضر»1 · الخراب ومداه2 · ما بين الخرابين
تبدونزمنٌ طويلتنحسر فيه الزراعة والعمران3 · البادية بديلاً من التاريخ5 · نهرٌ بلا قرى، وما رآه لينش
إعمارأواخر القرن السادس عشر · القرن التاسع عشرمحاولتان عثمانيتان: أخفقت الأولى، وشهدت الثانية في عهد التنظيمات نشوء «الممرات الحضرية المتواصلة» على الفرات الأوسط4 · ثلاث قرى على نهر6 · مركزٌ إداريٌّ يصير مركزاً للتاريخ
القرية «الحقيقية»حكمه في آخر الرواية«التشكّل الحقيقي للقرى لن يتمّ قبل أواسط القرن العشرين»7 · متى تصير القرية قريةً كاملة؟
الرواية كلّهاثلاث وقفاتٍ تفحص طريقة بناء الرواية، لا مرحلةً منها8 · رواية الأصل ومعيار الإثبات9 · الوثيقة الموسّعة، ومن صنع هذا الفصل10 · بنية الفصل الأول وأثرها

ما بين علامتي التنصيص كلام باروت. وكل وقفةٍ رابطٌ ينقل إليها.

غير أن هذه الرواية تبدأ، في حقيقة الأمر، قبل الغزوات والإعمار، حين يحدد باروت الجغرافيا التي سيكتب تاريخها. فهو يستعيد تقسيم الجغرافيين العرب والمسلمين للجزيرة إلى ديار مضر وربيعة وبكر، ثم يتخذ من دير الزور والفرات الأوسط محوراً لتفسير تكوّن الجزيرة السورية الحديثة. وهنا تكمن إحدى المسائل الأساسية التي تفحصها هذه الدراسة: هل يؤدي الجمع بين الجغرافيا العربية الإسلامية ومركزية دير الزور إلى جعل التاريخ العربي مرجعية لتاريخ الإقليم كله، بينما يُروى تاريخ الكرد أساساً من خلال الهجرة والتبدون والإسكان والاستقرار المتأخر؟

تزداد أهمية هذا السؤال في ضوء سردية في الخطاب العربي المعاصر، تصوّر الكرد في شمال شرق سوريا بوصفهم مهاجرين قدموا من تركيا، ولا سيما خلال القرن العشرين. وتبحث الدراسة في إسهام كتاب باروت في إسناد هذه السردية تاريخياً. لكن الهجرة، حتى حين تثبت، لا تعني بالضرورة دخول جماعة إلى أرض لا تعرفها. فالجزيرة، قبل أن تقسمها الحدود السورية–التركية، كانت جزءاً من مجال جغرافي أوسع يربط ماردين ونصيبين وديار بكر بسهول الخابور والفرات، وتمتد عبره شبكات القرابة والتجارة والرعي والنفوذ السياسي. وقد يغيّر انتقال جماعة من موضع إلى آخر مكان إقامتها، من غير أن يقطع علاقاتها السابقة بذلك المجال. لذلك ينبغي التمييز بين تاريخ الاستقرار في قرية بعينها، وتاريخ الوجود في الإقليم، وتاريخ العلاقات التي تصل الجماعات بأجزائه المختلفة، دون افتراض استمرارية لا تسندها الوثائق.

ديار بكر وماردين: المجال الأوسع الذي كانت الجزيرة جزءاً منهلوحةٌ منشورة سنة 1868، وخريطةٌ من سنة 1934. تُريان المكان، ولا تثبتان شيئاً عن القرون التي سبقتهما.
لوحة محفورة: سور مدينةٍ طويل تعلوه مآذن، وفي المقدّمة جمالٌ محمّلة ورجلٌ على فرس وآخر يمشي
لوحة منشورة · 1868ديار بكر. لوحةٌ من كتاب فرانسيس رودن تشيسني عن بعثة الفرات (1835–1837). رسمٌ لا صورة فوتوغرافية، والمشهد من القرن التاسع عشر، فلا يُسقَط على ما قبله.“Diyarbeker” — Chesney, Narrative of the Euphrates Expedition, London 1868 النسخة الرقمية لفرع بومباي في الجمعية الآسيوية الملكية · صفحة PDF رقم 235 · ملكيّة عامّة.
خريطة فرنسية قديمة: جبال ماردين ملوّنة بالأخضر في أعلى اللوحة، وتحتها سهلٌ تتقاطع فيه الطرق والمسالك وأسماء القرى
خريطة · 1934لوحة ماردين، بمقياس 1:200٬000. أصدرها المكتب الطوبوغرافي للقوّات الفرنسية في الشرق، بيروت. تجمع على لوحةٍ واحدة ماردين والشريط الحدودي الغربي من الجزيرة: رأس العين والدرباسية وعامودا. UN Archives Geneva, League of Nations Map Collection, LON-G7480 s200 .F73 — NJ-37-XI South. Bureau Topographique des Troupes Françaises du Levant. CC BY-NC-ND 3.0 IGOالخريطة معروضةٌ كاملةً بلا تعديل، كما تشترط رخصتها.

ولا تُختبر رواية باروت بمجرد التحقق من وقائعها منفردة، بل بالنظر في كيفية اختيارها وترتيبها، وفي الأحكام التي تُستخلص منها. فقد يثبت مصدر خراب مدينة أو انهيار شبكة ري، من غير أن يثبت هجر إقليم كامل. وقد تسجل وثيقة عثمانية إسكان عشيرة، من غير أن تثبت أن وجودها في المنطقة بدأ بذلك الإسكان. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين البيئات الزراعية في الجزيرة: فزراعة وادي الفرات وأجزاء من الخابور الأسفل اعتمدت على شبكات الري، بينما أتاحت الأمطار في سهول الجزيرة العليا زراعة الحبوب من دون اعتماد مماثل على تلك الشبكات. ولم تكن الحدود بين البيئتين قاطعة، لكن انهيار منشآت الري في إحداهما لا يكفي للحكم بانهيار الزراعة في الأخرى.

سهول الجزيرة العليا: الأمطار تتيح زراعة الحبوبسهول الجزيرة العليا ↑ الحدود بين البيئتين غير قاطعة · تخطيطيّ وادي الفرات وأجزاء من الخابور الأسفلالوادي المرويّ زراعةٌ تعتمد على شبكات الري الفراتالخابورالخابورالجغجغالبليخدجلةدير الزورالرقّةالميادينرأس العينالحسكةمارديننصيبينالقامشليسنجار

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

بيئتان زراعيتان، والحدود بينهما غير قاطعة. في وادي الفرات وأجزاء من الخابور الأسفل اعتمدت الزراعة على شبكات الري، وفي سهول الجزيرة العليا أتاحت الأمطار زراعة الحبوب. فانهيار منشآت الري في إحداهما لا يكفي للحكم بانهيار الزراعة في الأخرى. وادي الفرات الخابور الأسفل مخطّطاً، لأن باروت يقول «أجزاء» منه ولا يحدّدها سهول الجزيرة العليا الخابور مرسومٌ بمجراه كاملاً: من رأس العين إلى الحسكة، ثم جنوباً إلى الفرات. مجاري الأنهار معاصرة: الخابور والجغجغ والبليخ من OpenStreetMap، والفرات ودجلة من Natural Earth. الصورة الفضائيّة معاصرة (NASA Blue Marble)، والبحيرات الظاهرة على الفرات سدودٌ حديثة. المساحات الملوّنة تقريبيّة، توضّح كلام باروت ولا ترسم حدوداً.

لا تنكر هذه الدراسة ما أصاب الجزيرة من حروب وخراب، ولا ما شهدته من هجرات وتحولات في أنماط العيش والاستقرار. لكنها تسعى إلى تمييز ما تثبته المصادر مما أُضيف إليها في بناء الرواية التاريخية، وإلى إعادة تركيب تاريخ الإقليم بوصفه مجالاً تشكلت فيه المجتمعات عبر الاستقرار والحركة والعلاقات الممتدة بين أجزائه، لا مجرد أرض تعاقبت عليها موجات الخراب والهجرة والإعمار.

بعد هذه الدراسة · 1835–1947الجزيرة من قبل الحدود إلى الجلاءتقف هذه الدراسة عند عتبة الانتداب، وتكمل تلك الصفحة الحكاية بالوثائق: حدثاً بعد حدث، من 1835 حتّى الجلاء.افتح الخطّ الزمني ←

1الخراب ومداه

لوحة محفورة: أرضٌ مفتوحة في المقدّمة وعليها رجالٌ ونساءٌ وأطفال، وفي العمق خطٌّ من الأطلال والأسوار عند الأفق
لوحة منشورة · 1868أطلال مدينة الرقة. من كتاب فرانسيس رودن تشيسني عن بعثة الفرات البريطانية (1835–1837). رسمٌ لا صورة فوتوغرافية: يُري المكان كما رسمته البعثة، ولا يقيس عمرانه ولا عدد سكانه.“Ruins of the city of Rakkah” — Chesney, Narrative of the Euphrates Expedition, London 1868 النسخة الرقمية لفرع بومباي في الجمعية الآسيوية الملكية · صفحة PDF رقم 321 · ملكيّة عامّة.

في القرن العاشر كانت على الفرات والخابور منشآتٌ مائية: سدودٌ وقنواتٌ تُشقّ من المجرى وآلاتٌ ترفع الماء إلى الضفة؛ ويُحصي باروت من آثارها الباقية «ما يربو على التسعين قناةً وسدّاً».2باروت، ص50، الحاشية 48، نقلاً عن عياش وداود و«دائرة المعارف الإسلامية»، مادة «الخابور». وعلى هذه المنشآت قام عمران الوادي: حقولُه، ومدنُه التي يسمّيها الجغرافيون العرب واحدةً واحدة. ومن أراد أن يفهم ما جرى بعد ذلك فليبدأ من خاصيةٍ واحدةٍ في هذه المنظومة: أنها لا تحيا بالمطر بل بالصيانة. فمياه الجزيرة، كما يصفها باروت نفسه، ثقيلةٌ بالرواسب، وقنواتها تحتاج تنقيةً دائمة.3باروت، ص50. فإذا انقطعت التنقية ارتفع الطمي، وإذا ارتفع الطمي تراجع الماء، وإذا تراجع الماء عادت الأرض إلى ما كانت عليه قبل أن يُجرّ إليها.

هذا كلّه صحيح، ولا خلاف عليه عند أحد. غير أن باروت يصوغه هكذا: «كان عمران الجزيرة يعتمد على تلك النُظُم الدقيقة». و«الجزيرة» أوسع من الوادي. ففي شمالها يسقط من المطر ما يكفي لزراعة الحبوب الشتوية من غير قناةٍ ولا ناعورة، وهناك لم يكن العمران معلّقاً بالصيانة. فالعبارة تصحّ على الوادي، لكن لفظها يشمل الجزيرة كلها. وكلّ حكمٍ يُبنى عليها سيشمل الجزيرة كلها أيضاً، وإن لم يصحّ إلا على الوادي.

ثم جاء المغول.

يكتب باروت أن النكبة أُلحقت بالإقليم «في عام 628هـ – 1228م مع جحافل هولاكو»، وأن ابن الأثير الجزري — وهو ابن المنطقة نفسها — أعرض عن وصف ما رأى.4المصدر نفسه، ص49. وفي هذه الجملة ثلاثة أمورٍ كلٌّ منها صحيحٌ وحده: سنة 628 للهجرة، وجحافل هولاكو، وإعراض ابن الأثير عن الوصف. لكن الجملة تجعلها حدثاً واحداً، وهي من أزمنةٍ مختلفة.

فسنة 628 للهجرة توافق 1230 و1231 للميلاد، لا 1228. والحملة التي عبرت الجزيرة في تلك السنوات حملةٌ مغوليةٌ أولى في عهد أوكتاي، خرجت في أثر جلال الدين خوارزمشاه فاجتاحت ما بين آمد ونصيبين وسنجار. أما هولاكو فكان بعدُ في المشرق البعيد: تقدّم غرباً في منتصف الخمسينيات، فسقطت ألموت في يده سنة 1256، ودخل بغداد سنة 1258. وبين الحملتين ربع قرن. وابن الأثير مات سنة 1233، فلم يكن ليشهد ما لم يقع بعد؛ وإعراضه المشهور في «الكامل» — وهو من أصدق ما كُتب في العربية عن هول تلك السنوات — إنما كان عن الموجة الأولى التي عاصرها.

جملة باروت عن خراب سنة 628 للهجرة: «في عام 628هـ – 1228م مع جحافل هولاكو»

الخلاصة: يضع باروت في هذه الجملة ثلاثة أمور في سنةٍ واحدة: سنة 628 للهجرة، واسم هولاكو، وإعراض ابن الأثير عن وصف ما رأى. وهذه الأمور الثلاثة تتوزّع في الواقع على ربع قرن. فسنة 628هـ توافق 1230–1231 للميلاد لا 1228، وفيها اجتاحت الجزيرةَ حملةٌ مغولية في عهد أوكتاي. وابن الأثير مات سنة 1233، فلم يشهد إلا تلك الحملة. أما هولاكو فلم يتقدّم غرباً إلا في منتصف الخمسينيات. والخطأ إذن في نسبة شهادة ابن الأثير إلى هولاكو، لا في وقوع الخراب.

يجري الزمن في الرسم من اليمين إلى اليسار. في السطر الأعلى ما كتبه باروت، وفي الأسفل ما تذكره المصادر. وثلاثة أسهم تردّ كلّ أمرٍ إلى زمنه: «السنة» إلى حملة أوكتاي، و«الاسم» إلى تقدّم هولاكو، و«الشاهد» إلى وفاة ابن الأثير.

في جملة باروت في المصادر 12251230123512401245125012551260 كما يكتب باروت «628هـ – 1228م مع جحافل هولاكو» وابن الأثير أعرض عن وصف ما رأى السنة الشاهد الاسم 628هـ = 1230–1231م حملةٌ في عهد أوكتاي وفاة ابن الأثير، 1233 فلم يشهد إلا الموجة الأولى هولاكو يتقدّم غرباً «منتصف الخمسينيات» ألموت 1256 · بغداد 1258 «بين الحملتين ربع قرن»
  1. 1228«628هـ – 1228م مع جحافل هولاكو»كما يكتب باروت، ومعها إعراض ابن الأثير عن وصف ما رأى
  2. 1230628هـ = 1230–1231محملةٌ في عهد أوكتاي
  3. 1233وفاة ابن الأثيرفلم يشهد إلا الموجة الأولى
  4. ~1255هولاكو يتقدّم غرباً«منتصف الخمسينيات»بين الحملتين ربع قرن
  5. 1256ألموت
  6. 1258بغداد
التواريخ كلّها من هذه الوقفة. و«منتصف الخمسينيات» مرسومٌ تقريباً، لأن الوقفة لا تحدّده بسنة.

ولا يمسّ هذا التصحيح الخراب نفسه. فالخراب وقع، ويصفه عبد القادر عياش في حوض الخابور وصفاً مفصّلاً: مدنٌ وقرىً ومزارع، وآثارٌ امتدّت قروناً بعد انسحاب الغزاة.5عبد القادر عياش، «حضارة وادي الفرات: القسم السوري»، إعداد وليد مشوح، دمشق: الأهالي، 1989، ص184–191؛ وهي ضمن ما تحيل إليه حاشية باروت 48 في ص50. الذي يسقط بهذا التصحيح أمرٌ واحد: أن يُجعل إعراض ابن الأثير عن الوصف شاهداً على غزو هولاكو، وهو إنما كان عن الحملة الأولى التي عاصرها. أما الدمار نفسه فلا يسقط.

مجرى الخابور من علٍ: ماءٌ قليل في بركٍ متقطّعة، وحوله حقولٌ خضراء ومصاطب مزروعة وأرضٌ جرداء حتى الأفق
صورة معاصرة · 2009الخابور الأسفل قرب تل الشيخ حمد، تشرين الأول 2009. صورةٌ للمكان اليوم، لا شاهدٌ على ما جرى فيه في القرون التي يناقشها هذا الفصل.تصوير Bertramz · رخصة CC BY 3.0، عبر ويكيميديا كومنز.

وبعد الغزوات تأتي الجملة التي يقوم عليها القسم كله:

قصاصة من الصفحة 50 من كتاب باروت: وفي أواخر القرن الرابع عشر تصحّرت الضفة اليسرى للفرات تقريباً بسبب تدمير نظم الري، وهُجِر الإقليم تماماً من أي توطّن فلاحيّ متحضّر، إذ كان عمران الجزيرة يعتمد على تلك النظم الدقيقة التي تتحكم بتنقية قنوات
باروت، ص50
مظلَّلاً بالأحمر بداية الجملة: «تصحّرت الضفة اليسرى للفرات تقريباً». ومظلَّلاً بالبرتقالي آخرها: «وهُجِر الإقليم تماماً من أي توطّنٍ فلاحيٍّ متحضّر».3باروت، ص50.

ويجدر أن نعرف ما «الإقليم» هنا، فالجواب في الصفحة نفسها، في الفقرة التي تسبق هذه الجملة مباشرة: «منطقة الجزيرة العليا في فترة الانتداب الفرنسي والجزيرة السورية بالمعنى الإداري الضيّق… وحتى اليوم». فالحكم يشمل، بتعريف صاحبه، محافظة الحسكة اللاحقة كلها: رأس العين والقامشلي وعامودا والدرباسية وما بينها. وعبارة «وحتى اليوم» في هذا التعريف تحدّد المكان — المنطقة التي ما تزال تُسمّى الجزيرة السورية بالمعنى الضيّق — ولا تمدّ الهجر إلى عصرنا.

وتأمّل كيف تتسع الجملة وهي تُقرأ. تبدأ عند موضعٍ بعينه: الضفة اليسرى للفرات. ثم تسمّي العلّة: تدمير نُظُم الريّ. ثم تخرج بالنتيجة إلى الإقليم كله. والعلّة المسمّاة لا تفسّر وحدها ما جرى في الشمال، لأن زراعته لا تقوم على تلك الشبكات. فتدمير نُظُم الري، وهو السبب الذي يذكره باروت، لا يكفي لإثبات أن الشمال هُجر أيضاً.

هذه جملة باروت عن هجر الجزيرة في أواخر القرن الرابع عشر (ص50). انقر كلّ مقطعٍ ملوّنٍ منها، فيظهر شرحه تحت الجملة، وتظهر على الخريطة المنطقةُ التي يتحدّث عنها.

«وفي أواخر القرن الرابع عشر تصحّرت تقريباً بسبب ، …»

المقطع الأول يسمّي موضعاً محدّداً: الضفة اليسرى للفرات.على الخريطة: الضفة اليسرى، أي جانب النهر الشمالي الشرقي لمن ينظر مع جريان مائه.

المقطع الثاني يسمّي السبب: تدمير نُظُم الريّ. وهذه النُّظُم خاصّةٌ بوادي الفرات والخابور الأسفل.على الخريطة: الوادي المرويّ.

المقطع الثالث يمدّ النتيجة إلى «الإقليم» كلّه. و«الإقليم» عند باروت، كما يعرّفه قبل هذه الجملة بسطورٍ في الصفحة نفسها: «منطقة الجزيرة العليا في فترة الانتداب الفرنسي والجزيرة السورية بالمعنى الإداري الضيّق… وحتى اليوم»، أي محافظة الحسكة اللاحقة كلها.على الخريطة: محافظة الحسكة بحدودها المعاصرة، وهي أوسع بكثيرٍ من الوادي المرويّ.

ما تسمح به الأدلة بدلاً من جملة باروت: انهيارٌ شبه تامّ في الوادي المرويّ. أما الشمال فليس في المصادر المتاحة ما يسمح بالحكم في شأنه: لا يثبت أنه هُجر، ولا أنه بقي عامراً.على الخريطة: الوادي بالداكن، حيث الانهيار شبه التامّ. والشمال مخطّط: ليس في المصادر المتاحة ما يسمح بالحكم في شأنه، لا بأنه هُجر ولا بأنه بقي عامراً.

الفراتالخابورالخابورالجغجغالبليخدجلة دير الزورالرقّةالميادينرأس العينالحسكةمارديننصيبينالقامشليسنجار الضفة اليسرى · تقريبيّيسار من ينظر مع جريان الماء اتجاه الجريان الوادي المرويّ · تقريبيّ محافظة الحسكةبحدودها المعاصرة لا تسمح المصادر بالحكم هنالا حكم في المصادرلا هجرٌ مُثبت، ولا استمرارٌ مُثبت انهيارٌ شبه تامّ للمنظومة المرويّةانهيارٌ شبه تامّ
قصاصة من الصفحة 50 من كتاب باروت: فقرة تعريف الإقليم، ثم جملة الهجر
صفحة 50 من كتاب باروت. في أعلاها تعريفه «الإقليم»، وفي أسفلها جملته عن هجر الإقليم.
المساحات الملوّنة تقريبيّة توضّح مقاطع الجملة كما تقرؤها الدراسة، ولا تدّعي حدوداً تاريخيّة. حدود محافظة الحسكة معاصرة (Natural Earth)، وهي «الإقليم» بتعريف باروت. مجاري الأنهار والصورة الفضائيّة معاصرة.

لكن عجز هذا السبب عن تفسير ما جرى في الشمال لا يعني أن الشمال بقي عامراً. فقد تُهجر الأرض الصالحة للزراعة المطرية لأسبابٍ غير القنوات: انعدام الأمن، ومرور الجيوش، والنزوح، وانهيار الأسواق التي تصرّف المحصول، وكلها قائمة في تلك القرون. فكلّ ما يمكن قوله أن السبب الذي ذكره باروت لا يكفي، وأن إثبات هجر الشمال يحتاج دليلاً آخر لم يقدّمه.

أما الدليل المقدَّم فعلاً فهو عياش. وقد راجعتُ الصفحات التي يحيل إليها باروت، 184 إلى 191، فإذا هي تصف دماراً واسعاً أصاب المدن والقرى والمزارع في حوض الخابور، وبواراً امتدّ قروناً في بعض المناطق. فرواية الخراب مسنَدة، وليست دعوى بلا أساس؛ وهذا ينبغي أن يُقال قبل أي اعتراض. غير أن هذه الصفحات لا تُثبت هجر الجزيرة العليا كلها من كل استيطانٍ زراعيٍّ مستقر، وهو ما تقوله كلمتا «تماماً» و«أي» مجتمعتين. فما يثبته عياش أضيق مما يحكم به باروت: خرابٌ واسع في حوض الخابور، لا هجرُ الجزيرة العليا كلها.

والصياغة التي تحتملها الأدلة أن المنظومة الزراعية المرويّة في وادي الفرات الأوسط والخابور الأسفل انهارت انهياراً شبه تامٍّ في أواخر القرن الرابع عشر، فتصحّرت مساحاتٌ واسعة وانقطع العمران المديني فيها قروناً؛ وأن الشمال لا تفسّره هذه العلّة، وليس في المصادر المتاحة ما يسمح بالحكم في شأنه في اتجاهٍ أو آخر. فالمصادر تسكت عن الشمال: لا تثبت أنه هُجر، ولا أنه بقي عامراً.

2ما بين الخرابين

قلعةٌ من اللبن المتآكل على تلٍّ ترابي، وفي الأفق وادي الفرات
صورة معاصرة · 2005قلعة الرحبة قرب الميادين، على حافّة وادي الفرات. والرحبة أولى القرى الثلاث التي يذكرها باروت حصيلةً لإعمار القرن السادس عشر. والصورة تُري المكان اليوم، لا الرحبة كما كانت يومها. تصوير Zoeperkoe · رخصة CC BY-SA 4.0، عبر ويكيميديا كومنز.

في أواخر القرن الرابع عشر، بحسب رواية باروت، كانت الجزيرة قد هُجرت «تماماً من أي توطن فلاحي متحضر».3باروت، ص50. لكننا نقرأ، بعد أربع صفحات فقط، أنها كانت في أواخر القرن السادس عشر من «أبرز الأقاليم المخرَّبة».6المصدر نفسه، ص54. والجملة بلا حاشيةٍ خاصّةٍ بها. وبين الخرابين قرنان لا نكاد نعرف من روايته ما جرى فيهما. هل ظلت الجزيرة مهجورة طوال هذه المدة، أم عاد إليها السكان والعمران قبل أن يصيبها خراب جديد؟

أواخر القرن الرابع عشرالجزيرة هُجرت «تماماً»
؟قرنان
لا تقول رواية باروت ما جرى فيهما
أواخر القرن السادس عشرالجزيرة من «أبرز الأقاليم المخرَّبة»

يذكر باروت أن العثمانيين، بعد دخولهم المنطقة في عهد السلطان سليم الأول، أبرموا بوساطة إدريس البدليسي ترتيبات مع الأمراء الكرد، أعادت السلام والإعمار بعد قرنين من الدمار. غير أن الأمثلة التي يوردها على الإعمار تقع في الرحبة ودير الزور والعشارة، على الفرات الأوسط، فيما يتصل حديثه عن الأمراء الكرد بمجال أوسع يمتد إلى كردستان وشمال العراق. أما الجزيرة العليا والخابور، فلا تتضح أحوالهما في هذه المرحلة.7المصدر نفسه، ص52–53.

السلطان والوسيط: سليم الأول وإدريس البدليسيهما الطرفان اللذان يقرن باروت بهما «السلام والإعمار» بعد سنة 1516. منمنمتان من القرن السادس عشر، ورسالةٌ من البدليسي إلى سليم في السنة نفسها. تُري الرجلين والوثيقة، ولا تقول شيئاً عن عمران الجزيرة.
منمنمة عثمانية: السلطان جالسٌ بعمامةٍ عالية في مجلسٍ مزخرف، وأمامه رجالٌ يقرأ أحدهم من كتاب
منمنمة · نحو 1515–1520السلطان سليم الأول في مجلسه، من «ديوان سليمي».Istanbul University Library, F 1330ملكيّة عامّة، عبر ويكيميديا كومنز.
جزءٌ من منمنمة عثمانية: رجلٌ ملتحٍ بعمامةٍ بيضاء ورداءٍ أحمر يمدّ ذراعه
منمنمة · 1584إدريس البدليسي، في منمنمةٍ من «تاج التواريخ» لسعد الدين أفندي، رُسمت بعد زمنه بعقود.ملكيّة عامّة، عبر ويكيميديا كومنز.
ورقةٌ طويلة مكتوبةٌ بخطٍّ فارسي متّصل، وفي هامشها أسطرٌ مائلة
وثيقة · 1516رسالةٌ بالفارسية من إدريس البدليسي إلى سليم الأول، كُتبت بعد حزيران 1516.Topkapı Palace Museum Archive, E. 8333/1ملكيّة عامّة، عبر ويكيميديا كومنز.

ثم يعود إليهما باروت عند حديثه عن انهيار نظام التيمار العثماني في أواخر القرن السادس عشر. مستنداً إلى المؤرخ التركي جنكيز أورهونلو، يصف ما أصاب آلاف القرى من إخلاء وخراب في أنحاء الإمبراطورية، ويضع الجزيرة العليا والخابور بين أشد الأقاليم تضرراً.8المصدر نفسه، ص53، الحاشية 56: جنكيز أورهونلو، «إسكان العشائر في عهد الإمبراطورية العثمانية»، ترجمة فاروق مصطفى، دمشق: دار الطليعة الجديدة، 2001، ص58 و37. وأصل الكتاب بالتركية (1963) قرأنا منه فصل إجراءات الإسكان، ص53–64، وعليه بُنيت خريطة الإسكان في القسم الثاني. لكن أورهونلو يتحدث عن ظاهرة عامة، ولا يقدم باروت شاهداً محلياً يبين كيف تجلت في تلك المنطقة، أو ما إذا كانت القرى التي أصابها الخراب مأهولة قبل ذلك، ومتى كانت قد عُمرت.

أين يقع الإعمار الذي يرويه باروت، وأين يقع الخراببالأزرق القرى الثلاث التي يجعلها باروت حصيلة إعمار القرن السادس عشر، وكلّها على الفرات الأوسط. وبالأحمر المنطقة التي يصفها بعد أربع صفحات بأنها من «أبرز الأقاليم المخرَّبة»، وهي في الشمال، بعيدةٌ عن تلك القرى.
الإعمار: ثلاث قرى على الفرات الأوسطالخراب: الجزيرة العليا والخابور
دير الزورالرقّةرأس العينالحسكةمارديننصيبينالقامشليسنجار الرحبةدير الزورالعشارة الخراب الإعمار نطاق معاهدة البدليسي بلفظ باروت:«كردستان وشمال العراق»، خارج الخريطة

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

الأزرق حيث يضع باروت الإعمار، والأحمر حيث يضع الخراب. والمساحتان تقريبيّتان، بلا حدود، لأن باروت لا يحدّد المنطقتين.مواضع القرى بأسمائها اليوم. مجاري الأنهار معاصرة، والصورة الفضائيّة من NASA Blue Marble.

وفي السنة نفسها التي ينتهي إليها هذا الفصل من رواية الخراب، سنة 1598، تظهر شهادة عثمانية أكثر تحديداً. فقد نقل المؤرخ مصطفى أكداغ عن سجل شرعي محفوظ في متحف ديار بكر وثيقةً تصف مير محمد بأنه بك سنجق الخابور وزعيم عشيرة الملّان، وتسجل منحه إيرادات ثلاث قرى خربة مقابل تعهده بإعمارها وأداء مبلغ سنوي إلى الخزانة.9مصطفى أكداغ، «Türk Halkının Dirlik ve Düzenlik Kavgası: Celâlî İsyanları»، إسطنبول: Cem Yayınevi، 1995، ص465، الحاشية 3، وص466–469؛ ويحيل إلى متحف ديار بكر، السجل الشرعي رقم 259، ص167–168. الإحالة إلى الوثائق كما نقلها أكداغ ووصفها، لا إلى فحصٍ مباشرٍ لأصولها المحفوظة في المتحف. لم تكن هذه القرى عامرة حين سُجلت الوثيقة، ولا نعلم من القيد وحده هل تحقق إعمارها. لكننا نعرف أسماءها، ونعرف أن الدولة كانت تتعامل مع زعامة ملّية مرتبطة بالخابور، وأن إعادة إعمار القرى كانت موضوع ترتيب إداري ومالي محدد.

لا تنقض هذه الوثيقة وحدها رواية الهجر في القرن الرابع عشر، لكنها تكشف كم يفوتنا حين يُختزل تاريخ قرنين في استمرار الخراب أو تجدده. فما بين الحادثتين تاريخ يحتاج إلى إعادة بناء: تاريخ السكان الذين بقوا أو رحلوا، والقرى التي اندثرت أو عادت إليها الحياة، والسلطات المحلية التي تبدلت مواقعها وعلاقاتها بالدولة. ولا تسمح الشواهد التي يقدمها باروت بحسم هذا التاريخ، فضلاً عن تعميم صورة واحدة له على الفرات والخابور والجزيرة العليا جميعاً.

3البادية بديلاً من التاريخ

حين يخلو الإقليم من الفلاحين في رواية باروت، يحلّ البدو محلّهم. فتصير البداوة حال المكان الطبيعية، ويصير العمران استثناءً لا تصنعه إلا دولة. ويستعير باروت لذلك مصطلحَي ابن خلدون «العمران» و«التبدون»، ويجعلهما عنوان فصله: «جدلية العمران والتبدون».10المصدر نفسه، ص37 (عنوان الفصل).

لكنّ باروت لا يقدّم شواهد محلية تكفي لمعرفة كيف جرى هذا التحول خلال القرون التي أعقبت الخراب. فاختفاء الفلاحين، حتى لو ثبت، لا يعني أن من بقي في الإقليم تحوّل إلى البداوة، ولا أن الرعي والترحال صارا نمطَي الحياة الوحيدين فيه. وبين الفلاح المستقرّ والبدوي الرحّال أحوال كثيرة: نصف استقرار، ورعيٌ موسمي، والزراعة البعلية، وجماعاتٌ تجمع بين القرية والمرعى.

بين الفلاح والبدويفي الأعلى الأحوال الكثيرة بين الفلاح المستقرّ والبدوي الرحّال، كما تعدّدها هذه الوقفة. وفي الأسفل القسمة التي تطغى في رواية باروت على القرون التي أعقبت الخراب.
الأحوال كما تعدّدها هذه الوقفة
  1. فلاحٌ مستقرّ
  2. نصف استقرار
  3. الزراعة البعلية
  4. جماعاتٌ تجمع بين القرية والمرعى
  5. رعيٌ موسمي
  6. بدويٌّ رحّال
القسمة في رواية باروت
  1. عمران
  2. لا موضع في السرد لما بين الطرفين
  3. تبدون

وباروت يعرف هذه الأحوال ويحسن تصنيفها. فهو يميّز بين عشائر «الجمّالة»، التي تبتعد في الرعي وتحتقر الزراعة، وعشائر «الغنّامة»، المرتبطة بالأرض والتي لا تبتعد كثيراً. وهو تمييزٌ دقيق ينفع كلّ من يدرس المنطقة بعده.11المصدر نفسه، ص70 و123–124. لكنه لا يستعمله بالوضوح نفسه في وصف القرون السابقة. فهناك تطغى القسمة بين العمران والتبدون، ولا نكاد نعرف ما بقي من الزراعة، أو كيف عاش السكان الذين لم يكونوا فلاحين مستقرّين ولا بدواً كثيري الارتحال.

ولهذه القسمة أثرٌ يتجاوز الوصف. فحين يصبح التبدون عنواناً لخمسة قرون، يتراجع تاريخ من عاشوا خلالها وراء تاريخ الخراب والإعمار. ولا تعود المسألة كيف عاش الناس، بل متى غاب العمران ومتى عاد.

ويذكر باروت أن هذا الإطار تبلور عنده في مناقشاتٍ مع وجيه كوثراني، وأن لها «أثراً ملموساً في صوغ المنظور الأساسي لهذا الفصل».12المصدر نفسه، ص37، الحاشية المنجَّمة. وليس الإشكال في الاستعانة بابن خلدون، بل في أن القسمة بين العمران والتبدون لا تستوعب وحدها تنوع الحياة في الجزيرة. فالقرية التي تعيش على المطر، والعشيرة نصف المستقرة، والجماعة التي تجمع الزراعة والرعي، كلها تحتاج إلى موضع في تاريخ المنطقة، حتى حين لا تتوافر عنها شواهد تكفي لإعادة بناء حياتها بالتفصيل.

وفي كتاب باروت نفسه، بعد صفحات قليلة، ما يدعو إلى تعقيد هذه الصورة. فهو يروي أن عشيرة شمّر فرّت من الوهابيين نحو سنة 1800، «فأسكنتهم الحكومة العثمانية في منطقة الفرات». ثم سحقت شمّر عشيرة عبيد سنة 1805، وبلغ نفوذها نهر البليخ سنة 1809، «حيث أبادت تقريباً العشائر التركمانية المقيمة هناك».13المصدر نفسه، ص57–58 و62.

لوحة محفورة: ماءٌ وقصبٌ عالٍ، وفرسانٌ وخيلٌ على الضفة، ورجالٌ في الماء
لوحة منشورة · 1868منابع نهر البليخ. من كتاب تشيسني عن بعثة الفرات البريطانية (1835–1837). والبليخ هو الموضع الذي بلغه نفوذ شمّر سنة 1809 في رواية باروت. رسمٌ نُشر بعد ذلك بنحو ستين سنة، يُري المكان لا الحادثة.“Source of the river Belik” — Chesney, Narrative of the Euphrates Expedition, London 1868 النسخة الرقمية لفرع بومباي في الجمعية الآسيوية الملكية · صفحة PDF رقم 256 · ملكيّة عامّة.

فشمّر، التي يظهر توسعها في سياق غلبة البادية على العمران، يذكر باروت أن الدولة العثمانية أسكنتها بنفسها. وهذا لا يجعل الدولة مسؤولةً بالضرورة عن حروب شمّر اللاحقة، لكنه يمنع قراءة تحركها كأنه زحفٌ بدوي مستقل عن السياسة. ثم إن باروت يصف العشائر التركمانية على البليخ بأنها «مقيمة». ولا نعرف من هذه الكلمة وحدها إن كانت تسكن قرى دائمة أم تنتجع في المنطقة موسمياً. لكننا نعرف أن شمّر لم تصل إلى أرض خالية من السكان، وأن ما جرى كان صراعاً بين جماعات لها وجود سابق في المنطقة، لا مجرد تقدم للبادية على أرض مهجورة.

شمّر بين 1800 و1809، كما يروي باروتثلاث وقائع في تسع سنوات.
  1. نحو 1800الحكومة العثمانية تُسكنها «في منطقة الفرات»بعد فرارها من الوهابيين
  2. 1805شمّر تسحق عشيرة عبيد
  3. 1809نفوذها يبلغ نهر البليخ«حيث أبادت تقريباً العشائر التركمانية المقيمة هناك»
خطوط ترحال شمّر، لا مواضع إقامتهاخريطةٌ فرنسية من سنة 1935، بعد وقائع باروت بأكثر من قرن. ترسم أين ترعى شمّر صيفاً وإلى أين ترحل، ولا ترسم أين تقيم.
  • السهم الأحمر المتقطّع: اتّجاه الترحال.
  • الاسم الأحمر الكبير: منطقة المرعى الصيفي، لا منطقة الإقامة.
خريطة فرنسية لسوريا ولبنان ملوّنة بحسب الأعراق والأديان، وفي الجزيرة أسماء عشائر بحروفٍ حمراء كبيرة وأسهمٌ حمراء متقطّعة تتّجه جنوباً وجنوباً شرقياً
خريطة · 1935Syrie & Liban : Répartition par races et religions des divers groupements habitant les États sous mandat françaisطبعة حزيران 1935. أصدرها المكتب الطوبوغرافي للقوّات الفرنسية في الشرق، «بمعاونة ضبّاط المصالح الخاصّة في الشرق». والأسهم والأسماء الحمراء طبقةٌ للترحال والمرعى، كما يقول مفتاح الخريطة؛ والألوان تحتها طبقةٌ أخرى للأعراق والأديان. ولا تُري الخريطة طرق شمّر في زمن باروت. UN Archives Geneva, League of Nations Map Collection, LON-G7461.E4 1935 .F73. Bureau Topographique des Troupes Françaises du Levant. CC BY-NC-ND 3.0 IGOالخريطة معروضةٌ كاملةً بلا تعديل، كما تشترط رخصتها.

4ثلاث قرى على نهر

يلخّص باروت حصيلة الإعمار العثماني الأول في جملةٍ واحدة: «جلّ ما تمكّنت منه الإدارة العثمانية في هذه الفترة في إطار التقسيمات الجديدة، كان إنشاء ثلاث قرىً صغيرةٍ هي الرحبة (الميادين لاحقاً)، ودير الزور والعشارة، حول المراكز الإدارية العثمانية الصغيرة».14المصدر نفسه، ص53، والحاشية 54 تحيل إلى: Sophie Berthier (dir.), «Peuplement rural et les aménagements hydro-agricoles dans la moyenne vallée de l'Euphrate, fin VIIème siècle–XIXème siècle», Damas: Institut Français de Damas, 2001, p. 171. لم نصل إليه، وهو في الملحق الثاني.

وقد مرّ في الوقفة الثانية أن هذه القرى الثلاث تقع على الفرات الأوسط. ولا واحدة منها على الخابور، ولا في الشمال المطري، ولا قرب ماردين ونصيبين ورأس العين. ومع ذلك يقول باروت إنها «جلّ ما تمكّنت منه الإدارة العثمانية». فهو يحكم على الإقليم كلّه بما جرى على مقطعٍ من الفرات.

القرى الثلاث، وما لا تذكره فقرة باروتالقرى الثلاث التي يجعلها باروت حصيلة الإعمار العثماني كلّها على الفرات الأوسط. والمدن التي كانت قائمةً في الشمال لا تذكرها فقرته.
القرى الثلاث في جملة باروتفي الشمال، ولا تذكرها الفقرة
الخابور الفرات مارديننصيبينرأس العينجزيرة ابن عمر الرحبةدير الزورالعشارة

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

مواضع القرى والمدن بأسمائها اليوم. مجاري الأنهار معاصرة، والصورة الفضائيّة من NASA Blue Marble.

وفي عبارة باروت قيدٌ يُذكر له: «في إطار التقسيمات الجديدة». فقد يُفهم منه أنه يقصد القرى التي أُنشئت حول المراكز الإدارية الجديدة وحدها. لكنّ فقرته كلّها تجيب عن سؤالٍ أوسع: ماذا فعل العثمانيون بالإقليم الخرِب؟ وجوابها: ثلاث قرى.

ولا يذكر باروت في هذه الفقرة ما كان قائماً في الشمال أصلاً، كماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر ورأس العين. ولا يسأل هل أنشأت الدولة قرىً هناك أم اكتفت بتسجيل ما وجدته، أو أعادت إعمار قرى خربة. فالدولة لا تُنشئ القرى القائمة، بل تسجّلها. وإن لم تُنشئ قرىً في مكانٍ ما، فليس معنى ذلك أنه كان خالياً من القرى.

ويؤرّخ باروت إسكان الملّيين بسنة 1701 في ديار بكر، ثم بسنة 1711 في الرقة، نقلاً عن ستيفان فينتر بحسب السجلات العثمانية.15المصدر نفسه، ص55، والحاشية 62: Winter, p. 140. لم نصل إلى فينتر، وهو في الملحق الثاني. لكنّ وثيقة سنة 1598 التي نقلها مصطفى أكداغ، وقد مرّت في الوقفة الثانية، تذكر قبل ذلك بنحو قرن زعيماً لعشيرة الملّان يحمل صفة بك سنجق الخابور.9مصطفى أكداغ، «Türk Halkının Dirlik ve Düzenlik Kavgası: Celâlî İsyanları»، إسطنبول: Cem Yayınevi، 1995، ص465، الحاشية 3، وص466–469؛ ويحيل إلى متحف ديار بكر، السجل الشرعي رقم 259، ص167–168. الإحالة إلى الوثائق كما نقلها أكداغ ووصفها، لا إلى فحصٍ مباشرٍ لأصولها المحفوظة في المتحف.

فاسم الملّان يرد في وثيقة عثمانية من أواخر القرن السادس عشر، مقترناً بزعامةٍ لها موقعٌ في إدارة الخابور. أي أن صلة زعامة ملّية بهذا المجال أقدم من إجراءات الإسكان في مطلع القرن الثامن عشر.

لكنّ للوثيقة حدوداً. فهي لا تُثبت أن الملّان في سنة 1598 هم أنفسهم الملّيون في سنة 1701، فالاسم الواحد قد يدلّ في قرنين مختلفين على عشيرةٍ أو اتحادٍ أو فرعٍ منهما. ولا تُثبت أن الملّان كانوا مستقرّين في حوض الخابور. ولا تنفي أنهم أُعيد إسكانهم أو تنظيمهم بعد ذلك.

ولذلك لا تُسقط الوثيقة رواية باروت عن إسكان سنة 1701، لكنها تمنع اتخاذ ذلك التاريخ بدايةً مفترضةً لعلاقة الملّان بالمنطقة.

وفي القرن التاسع عشر خبران متقاربان في الزمن:

  • الأول من سنة 1866: ملفٌّ في الأرشيف العثماني فيه ضرائب فُرضت على عشائر مسمّاة، منها كيكي والملّية، كما قرأه هاكان آصان. ويستشهد بالملف نفسه صموئيل دولبي في حديثه عن إدارة الجزيرة.16BOA, İ.DH. 546/38018، 17 شوال 1282 / 5 آذار 1866، بحسب قراءة Hakan Asan, "Devlet, Aşiret ve Eşkıya Bağlamında Osmanlı Muhacir İskân Siyaseti (1860–1914)," «Göç Araştırmaları Dergisi» 2/3 (2016)، ص45 و48 و56؛ ويستشهد بالملفّ نفسه Samuel Dolbee, «Locusts of Power», Cambridge University Press, 2023, ch. 2.
  • والثاني بعد أربع سنوات، ويذكره باروت نفسه: تنظيم «أماكن تمركز عشائر كيلي والملّية وخلجان الكردية» نواحيَ تابعةً لقضاء رأس العين.17المصدر نفسه، ص67.
الملّان في الوثائق، من 1598 إلى 1870يبدأ باروت خبر الملّان في المنطقة بسنة 1701. ووثيقة سنة 1598 تذكرهم قبل ذلك بنحو قرن.
  1. 1598زعيمٌ لعشيرة الملّان يحمل صفة بك سنجق الخابورالمصدر: مصطفى أكداغ، عن سجلٍّ شرعي في متحف ديار بكر
  2. 1701إسكان الملّيين في ديار بكرالمصدر: باروت، نقلاً عن ستيفان فينتر
  3. 1711إسكانهم في الرقةالمصدر: باروت، نقلاً عن ستيفان فينتر
  4. 1866ضرائب على عشائر مسمّاة، منها كيكي والملّيةالمصدر: هاكان آصان، عن ملفٍّ في الأرشيف العثماني
  5. 1870مواضع عشائر كيلي والملّية وخلجان الكردية تصير نواحيَ تابعةً لقضاء رأس العينالمصدر: باروت

ويدلّ الخبران على أن الدولة كانت تعرف جماعاتٍ بأسمائها، وتتعامل معها بالجباية والتنظيم الإداري. لكنّ تقاربهما في الزمن لا يعني أن الثاني نتيجةٌ للأول، ولا أن الجماعات فيهما هي نفسها. ثم إنهما إجراءان مختلفان: الجباية شيء، والتنظيم الإداري شيء آخر، وكلاهما غير الاستيطان الزراعي.

5نهرٌ بلا قرى، وما رآه لينش

أقوى شاهدٍ ميدانيٍّ في القسم الأول من كتاب باروت جملةٌ واحدة: «وأظهرت تقارير العقيد تشيسني بين عامَي 1835 و1837 أنه لم يكن هناك من قريةٍ واحدةٍ عامرة في وادي الفرات إلا قرية دير الزور».18باروت، ص62. اسم تشيسني مرسومٌ في الأصل «Cheseny».

ويعرّف باروت نفسه هذه البعثة في موضعٍ آخر من كتابه، تعريفاً يكفي لمراجعة الجملة: «مثّلت فكرة الملاحة البخارية في الفرات إحدى الأفكار القوية الحضور في الدوائر الإمبراطورية البريطانية بين عامَي 1834 و1845 للبحث عن طريقٍ تجاريةٍ وسياسيةٍ نهريةٍ إلى الهند أكثر سرعةً من الطرق البرية؛ وكانت هذه هي وظيفة البعثة التي قادها الكولونيل تشيسني في العامَين 1835 و1837».19المصدر نفسه، ص65، حاشية الصفحة. فهي بعثة ملاحةٍ نهرية، غايتها أن تختبر صلاحية الفرات لسير البواخر، وطريقها مجرى النهر.

وتقرير البعثة منشور. وفي ملحقه الخامس تقريرٌ مستقلّ لأحد ضبّاطها، هنري بلوس لينش، يصف فيه جماعاتٍ تزرع قرب الرقة، وقريةً كبيرةً محصّنة قرب دير الزور، ومحاصيل تُزرع على ضفاف الفرات.20Francis Rawdon Chesney, «Narrative of the Euphrates Expedition», London, 1868, Appendix V, pp. 434–437 — تقرير هنري بلوس لينش. وقد شاهد لينش القرية أثناء تعرضها لهجوم، وكانت النيران تلتهم معظمها. فالمصدر الذي يستشهد به باروت على خلوّ الوادي من القرى يصف هو نفسه زراعةً وقريةً مأهولة فيه. وهذا تعارضٌ ثابت بين تعميم باروت وشهادة البعثة.

ما رآه لينش على ضفاف الفراتثلاثة مواضع من تقريره، المنشور في الملحق الخامس من كتاب البعثة. وتحت كل قصاصةٍ ترجمتها.
  1. قرب الرقة

    قصاصة بالإنكليزية من تقرير لينش، ص434: زيارة العشائر التي تزرع حول الرقة
    تقرير لينش، ص434

    الترجمة«زرنا العشائر التي تزرع حول الرقة… وبقينا بضعة أيامٍ على الضفة اليسرى للفرات قرب الرقة، عند عشيرةٍ كبيرة العدد من المزارعين، تقيم في الصيف في عرائش من نبات عرق السوس».

  2. قريةٌ قرب دير الزور

    قصاصة بالإنكليزية من تقرير لينش، ص436: القرية الكبيرة المحصّنة بأسوارٍ من طين، وأكثرها في النيران
    تقرير لينش، ص436

    الترجمة«كانت القرية كبيرة، محصّنةً بأسوارٍ من طين، وأكثرها تلتهمه النيران».

  3. على الضفة اليمنى

    قصاصة بالإنكليزية من تقرير لينش، ص437: القطن والذرة والأرز
    تقرير لينش، ص437

    الترجمة«ويُزرع هنا القطن والذرة والأرز».

صفحاتٌ مطبوعة · 1868من تقرير هنري بلوس لينش في الملحق الخامس من كتاب فرانسيس رودن تشيسني عن بعثة الفرات.Francis Rawdon Chesney, Narrative of the Euphrates Expedition, London: Longmans, Green, and Co., 1868, Appendix V, pp. 434–437ملكيّةٌ عامّة.

لكنّ لهذه الشهادة حدّاً يجب أن يُقال بالدقّة نفسها. فشهادة لينش تُثبت زراعةً وقريةً مأهولة في مواضع بعينها، ولا تُحصي قرى الوادي، ولا تخبرنا عن كثافة العمران فيه. فالذي يسقط هو التعميم، لا كل ما يرويه باروت عن الخراب والاضطراب العشائري. وقد سبق أن روى صراعات شمّر وعبيد وتركمان البليخ، ثم توسع سيطرة العشائر العربية سنة 1815 وترك عشائر مُوطَّنة أراضيها.13المصدر نفسه، ص57–58 و62. لكنّ هذه الوقائع لا تكفي، هي الأخرى، لإثبات خلوّ الوادي من القرى.

ولموضع الجملة في كتاب باروت أثرٌ أبعد من معناها. فباروت يحصرها في المكان الصحيح: «في وادي الفرات»، لا «في الجزيرة». لكنه يضعها في ختام حديثه عن سيطرة العشائر، دليلاً أخيراً على حال الإقليم قبيل التنظيمات العثمانية. والقارئ الذي يبلغها قرأ قبلها بعشر صفحات أن «الإقليم» هُجر تماماً، وقد مرّ في الوقفة الأولى أن باروت يُدخل في «الإقليم» الجزيرة العليا. فيفهم القارئ الجملة دليلاً على ذلك الحكم العام، لا خبراً عن ضفّتَي نهر. ولا يلزم أن يكون باروت قصد ذلك، فيكفي ترتيب الكلام. وكان يكفي لدفع هذا الفهم أن يوضح أن الشاهد يخصّ وادي الفرات، ولا يدلّ على الشمال المطري. لكنه لا يفعل.

وأخيراً، لا تحيل حاشية هذه الجملة إلى تقارير تشيسني، بل إلى كتاب ماري أوديل روسيه.21باروت، ص62، الحاشية 87: روسيه ص564. لم نصل إليه، وهو في الملحق الثاني. وحاشية باروت عن حال دير الزور سنة 1696 تحيل إلى الصفحة نفسها من روسيه، ومعها دوهونت.22المصدر نفسه، ص54، الحاشية 57: دوهونت ص523 + روسيه ص564. لم نصل إليهما، وهما في الملحق الثاني. فصفحةٌ واحدة من كتابٍ وسيط تُسند عند باروت خبرين مختلفين. ولأننا لم نصل إلى كتاب روسيه، فلا يُنسب إليها خطأ، ولا يُقال إن باروت أساء النقل عنها. فقد يكون التعميم منها، وقد يكون نشأ في النقل. أما المؤكّد فهو أن شهادة لينش تخالف التعميم، وأن حاشية باروت لا توثّق رجوعاً مباشراً إلى تقرير البعثة. وما إذا كان قد قرأ التقرير بنفسه، فلا نستطيع الجزم به.

6مركزٌ إداريٌّ يصير مركزاً للتاريخ

حين بدأ عمران بلدة دير الزور الجديدة منهجياً سنة 1865، كانت قضاءً على ضفة الفرات في طرف ولاية حلب. وبعد ثلاثةٍ وعشرين عاماً صُنّفت متصرفيةً ممتازة، يربطها بالأستانة خطٌّ برقيٌّ مباشر. وهذا الصعود أغنى ما في القسم الأول من كتاب باروت مادةً، وأمتنه إسناداً.

ولم يأتِ هذا الصعود دفعةً واحدة، ولا من سببٍ واحد، فيحسن أن يُضبط ترتيبه. كانت الخطوة الأولى من التنظيمات وتطبيق قانون الولايات: في سنة 1870 حوّل أرسلان باشا دير الزور من قضاءٍ إلى سنجقٍ تابعٍ لحلب، وأُلحقت بها أقضيةً الرقة والسبخة والعشارة والبصيرة والبوكمال والشدادة وسنجار ونصيبين ورأس العين وويران شهر ومسكنة. ثم استقلّ السنجق عن حلب سنة 1871، وعادت تبعيته إليها بين 1877 و1882، ثم استقلّ من جديد، وصُنّف سنة 1888 متصرفيةً ممتازة. وتختلف المصادر في تحديد فترات التبعية، بحسب ما يعدّه كلٌّ منها استقلالاً.23المصدر نفسه، ص67–68، والحواشي 98–101؛ وİdris Bostan, "Deyrizor," «TDV İslâm Ansiklopedisi», İstanbul, 1994.

أما الضغط المالي الذي يصفه باروت فقد اشتدّ بعد إنشاء السنجق، لا قبله. ففي سنة 1875 علّقت الدولة العثمانية جزءاً من مدفوعات ديونها، ثم تخلّفت عن الوفاء بالتزاماتها سنة 1876، قبل أن تُنشأ إدارة الدين العام سنة 1881. وقد زادت الأزمة حاجة الدولة إلى الموارد الزراعية والضرائب، لكنها لا تفسّر إنشاء السنجق سنة 1870. فإن جُعلت سبباً له، جاء السبب بعد النتيجة.

السنجق أولاً، ثم الأزمة الماليةأُنشئ سنجق دير الزور سنة 1870، وبدأت أزمة الديون بعده بخمس سنوات. فلا تكون الأزمة سبباً لإنشائه.
  1. 1865الإدارةبدء عمران بلدة دير الزور الجديدة منهجياً
  2. 1870الإدارةدير الزور سنجقٌ تابعٌ لحلب
  3. 1871الإدارةالسنجق يستقلّ عن حلب
  4. 1875المالالدولة تعلّق جزءاً من مدفوعات ديونها
  5. 1876المالالدولة تتخلّف عن الوفاء بالتزاماتها
  6. 1877–1882الإدارةتبعية السنجق تعود إلى حلب
  7. 1881المالإنشاء إدارة الدين العام
  8. 1888الإدارةدير الزور متصرفيةٌ ممتازة
التواريخ كلّها من هذه الوقفة.

وقد مرّ في الوقفة الرابعة سطرٌ من قائمة التقسيم هذه: تنظيم «أماكن تمركز عشائر كيلي والملّية وخلجان الكردية نواحيَ مرتبطةً بقضاء رأس العين».17المصدر نفسه، ص67. والناحية في التقسيم العثماني وحدةٌ أصغر من القضاء، لها مركزٌ وموظف. فأن تنظّم الدولة سنة 1870 أماكن تمركز ثلاث عشائر كردية نواحيَ تابعةً لرأس العين، معناه أن لهذه العشائر في تلك السنة أماكن تمركزٍ معروفة، يمكن أن يقوم عليها تنظيم.

لكنّ لهذا الشاهد حدوداً. فهو لا يدلّ على أن هذه العشائر وصلت إلى المنطقة في تلك السنة، ولا على أنها كانت تزرع زراعةً مستقرة، ولا على أن وجودها هناك يمتدّ إلى ما قبل القرن الرابع عشر. فوجود العشيرة في منطقة، وتنظيم أماكنها إدارياً، ونشوء قرى مستقرة لها، ثلاثة أمورٍ لكلٍّ منها تاريخه، ولا يُستدلّ بتاريخ أحدها على الآخر. وما يفيده الشاهد أن الجزيرة العليا كانت سنة 1870 مجالاً فيه أماكن تمركزٍ عشائريةٌ معروفة، نظّمتها الدولة.

ولا يذكر باروت مصدر هذه التفاصيل في موضعها. فالحاشية التي تليها في كتابه معلّقةٌ على الفقرة التي قبلها، عن الاندماج العثماني بعد 1516، وتحيل إلى صفحاتٍ من كتاب سيّار الجميل ليس فيها شيءٌ عن تحويل أماكن التمركز إلى نواحٍ.24سيّار الجميل، «تكوين العرب الحديث»، القاهرة: دار الشروق، 1997، ص87 و107 و121–123، وهي المحال إليها في حاشية باروت 97. وليس في هذه الصفحات تفاصيل التنظيم الإداري لسنة 1870. فلا يُقال إن باروت أخطأ في الإحالة. وإنما هي مادةٌ تفصيليةٌ ثمينة، بلا مصدرٍ مذكور.

من المركزية الإدارية إلى المركزية التفسيرية

يجعل باروت عنوان هذا القسم من كتابه: «ترابط إعمار الجزيرة الوسطى بالجزيرتين العُليا والسُّفلى في الإقليم: مركزية دير الزور».25باروت، ص67 (عنوان القسم الثالث من الفصل). وما يعرضه تحته يُثبت أمراً واحداً بيقين: أن الدولة العثمانية جعلت دير الزور مركزاً إدارياً، ووسّعت صلاحياته، وربطته بالعاصمة. وهذه مركزيةٌ إدارية، تُرى من الأستانة. لكنّ العنوان، وما يكتبه باروت بعده، يحوّلانها إلى مركزيةٍ من نوعٍ آخر: تصير دير الزور المكان الذي انطلق منه إحياء الجزيرة العليا، والمرجع الذي يُفهم منه تاريخ الإقليم كله.

وبين المركزيتين مسافةٌ يقطعها الورق ولا يقطعها الناس. فأن تتبع رأس العين دير الزور إدارياً سنة 1885 يعني أن معاملاتها كانت تُرفع إليها. ولا يعني أن أسواقها وطرقها وقراباتها كانت تتجه جنوباً، عبر مئتين وسبعين كيلومتراً من البادية. فمدن الشمال، نصيبين وماردين وديار بكر وجزيرة ابن عمر، كانت أقرب وأقدم.

وثمة شاهدٌ أقوى من المسافة. فدراسةٌ تاريخية حديثة تنقل عن وثيقةٍ عثمانية مؤرّخة في 19 أيار 1871 أن تجاراً ومزارعين من رأس العين ونصيبين اعترضوا على اقتراح إلحاق منطقتهم بدير الزور وحدها، وطالبوا بأن تبقى تابعةً لماردين، أو أن يُلحق سنجق ماردين كلّه بالزور.26يذكر أحمد غولنتش (Ahmet Gülenç) أنه في 19 أيار 1871 طُرحت مسألة إلحاق قضائي رأس العين ونصيبين بمتصرفية الزور، مع إبقاء ماردين تابعة لولاية ديار بكر. واعترض تجار ومزارعون من القضاءين، وأرسلوا برقيات يطالبون فيها إما بإبقاء رأس العين ونصيبين تابعتين لسنجق ماردين، وإما بإلحاق سنجق ماردين كله بالزور. كما عارض أرسلان باشا، متصرف الزور، التغيير، ورأى أن استمرار الوضع السابق أنسب. وتكشف هذه المراسلات أن ارتباط رأس العين ونصيبين بماردين كان موضع اهتمام لدى فئات محلية، وأن توسيع حدود الزور لم يكن مجرد قرار إداري خالٍ من الاعتراضات. انظر: Ahmet Gülenç, “Administrative Structure of Diyarbekir in the Ottoman Empire (1515–1876),” in Özlem Muraz Budak (ed.), «The Research on History I», ISTES Organization, 2023, p. 90؛ نقلاً عن وثيقة الأرشيف العثماني: BOA, ŞD, 1453/25. ولم تُفحص صورة الوثيقة الأصلية، وإنما النص المنشور في دراسة غولنتش. والخبر منسوبٌ إلى نصّ الدراسة التي نقلته، لا إلى صورة الوثيقة. فإن صحّ في أصله، كان شهادةً من بعض أهل الشمال أنفسهم على أن صلتهم بماردين كانت أهمّ عندهم من أيّ تبعيةٍ إدارية، لا افتراضاً نبنيه على المسافة وحدها. ولا يعني أن سكان رأس العين ونصيبين كلّهم كانوا على هذا الرأي.

مسافةٌ يقطعها الورقفي سجلات الإدارة تتبع رأس العين دير الزور، عبر البادية جنوباً. وفي سنة 1871 طالب تجارٌ ومزارعون من رأس العين ونصيبين ألّا تنفصل منطقتهم عن ماردين، بحسب دراسةٍ نقلت وثيقةً عثمانية.
التبعية الإداريةما طالبوا به سنة 1871: ألّا ينفصلوا عن ماردين
نحو 270 كم ديار بكرجزيرة ابن عمر ماردين رأس العيننصيبين دير الزور

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

الخطوط علاقاتٌ لا طرق: لا ترسم مسالك ولا حدوداً.مواضع المدن بأسمائها اليوم. مجاري الأنهار معاصرة، والصورة الفضائيّة من NASA Blue Marble.

ولكي تصير التبعية الإدارية مركزيةً اقتصاديةً واجتماعية، يلزم دليلٌ من نوعٍ آخر: حركة بضائع، أو عقود، أو هجرة، أو مصاهرة. أما تبعية رأس العين لدير الزور في سجلات الإدارة، فلا تثبت وحدها أن حياة سكانها كانت تدور حولها.

تعدادٌ حديث يصير قانوناً للقرون

وفي ختام هذا القسم من كتاب باروت جملةٌ فيها ثلاث مشكلات:

قصاصة من آخر الصفحة 69 من كتاب باروت: وقد حدّدت طبيعة النهر دائماً تركّز التجمعات الحضرية حوله منذ ذلك الوقت وحتى الآن، حيث انتشر السكان نتيجة ذلك بشكل شريطي ضيّق،
ومن أول الصفحة 70: يتركّز فيه ما لا يقل عن 97 في المئة منهم، بينما النسبة الأقل هي في البادية الشامية
باروت، ص69–70
مظلَّلاً بالبرتقالي «دائماً» و«97 في المئة»، وبالأحمر «منذ ذلك الوقت وحتى الآن» و«في البادية الشامية».27باروت، ص69–70.

ومصدر الرقم كتاب علي حسن موسى «محافظة دير الزور».28علي حسن موسى، «محافظة دير الزور»، دمشق: وزارة الثقافة، 1993، ص133؛ وهي المحال إليها في حاشيتَي باروت 104 و105. وفيه أن الرقم من تعداد سنة 1981 لمحافظة دير الزور، وأن سكانها، وهم نحو 409 آلاف نسمة، يتوزعون على ثلاثة مجالات: نحو 86 في المئة في وادي الفرات، و11 في المئة في وادي الخابور، و3 في المئة في باديتَي الشامية والجزيرة.

«97 في المئة»: الرقم في مصدره، وفي جملة باروتفي الأعلى توزيع سكان محافظة دير الزور في تعداد سنة 1981 كما يورده موسى. وفي الأسفل الرقم نفسه كما يستعمله باروت.

في مصدر موسى: تعداد سنة 1981

وادي الفرات86%الخابور11%3%

والـ3% في باديتَي الشامية والجزيرة.

في جملة باروت: «دائماً… منذ ذلك الوقت وحتى الآن»

«شريطٌ ضيّق» على النهر97%3%

والـ3% في «البادية الشامية» وحدها، فتختفي بادية الجزيرة.

ولا يعمّم باروت هذه النسبة على محافظة الحسكة، فهو يتحدث هنا عن دير الزور ومجالها. والمشكلات الثلاث في أمورٍ أخرى:

  • أولاً: الرقم من تعدادٍ حديث، والجملة تجعله صحيحاً «دائماً… منذ ذلك الوقت وحتى الآن»، أي منذ ستينيات القرن التاسع عشر. ثم تجعله تفسيراً لنشأة التجمعات، لا وصفاً لحالها سنة التعداد: فالسكان، بحسب الجملة، تجمّعوا على النهر لأن طبيعته فرضت ذلك دائماً. والإحصاء يصف، ولا يفسّر.
  • ثانياً: المصدر يفصل وادي الفرات عن وادي الخابور، والجملة تجمعهما في «شريطٍ» واحد. فالـ97 في المئة هي مجموع الواديين. والخابور وادٍ آخر، له زراعته وتاريخ استيطانه. فإذا جُمع مع الفرات، لم تعد الجملة تفرّق بين المجالين، وهو تفريقٌ تقوم عليه هذه الوقفة نفسها.
  • ثالثاً: المصدر يوزّع النسبة الباقية على باديتَي الشامية والجزيرة، والجملة تجعلها في البادية الشامية وحدها، فتختفي بادية الجزيرة.

فالرقم صحيحٌ في موضعه من مصدر موسى، لكنه يفقد دلالته حين يُنقل من تعداد سنة 1981 إلى تفسير تاريخ العمران منذ القرن التاسع عشر، ومن واديَي الفرات والخابور إلى شريطٍ نهريٍّ واحد.

7متى تصير القرية قريةً كاملة؟

يُختم القسم الأول من كتاب باروت بالحكم الذي مرّ في التمهيد، وهو حكمٌ يحدّد متى بدأ التشكّل الحقيقي للقرى في الجزيرة العليا، في الصفحة 124:1محمد جمال باروت، «التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية»، الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ص124، والحاشية 313.

فما الذي يجعل تشكّل القرية حقيقياً؟ لا يقول باروت. وهو يقرّ في الجملة نفسها بقرىً أوّليةٍ سريانيةٍ وكردية. فصفة «أوّلية» هي التي تفصل هذه القرى عن التشكّل «الحقيقي».

وهذا تمييزٌ يصنع نتيجته ما لم يُحدَّد معناه. فمتى سُمّيت القرى القائمة قبل الانتداب أوّلية، أمكن استبعادها من حساب التشكّل الحقيقي. ولو ذكر باروت المعيار — دوام السكن، أو عدد البيوت، أو انتظام الزراعة، أو التسجيل في الطابو، أو غير ذلك — لأمكن اختباره، فيُقبل أو يُردّ. لكنه لا يذكره.

وثمّة وثيقةٌ تُظهر أهمية هذا السؤال. ففي تقريرٍ نشرته مديرية الاستخبارات في المفوضية الفرنسية العليا سنة 1930 عن عشائر بلاد الشام، نجد قرىً مسمّاة، وأعداد أسرها، وفروع العشائر التي تقيم فيها. وفي الصفحات الخاصة بالمرسينية والدقورية والملّية في محيط عامودا، يذكر التقرير أربعاً وخمسين قرية، ثمانياً وأربعين منها في الجانب السوري وستاً في الجانب التركي. والعشائر الثلاث موصوفةٌ بأنها شبه مستقرّة، ويذكر التقرير زراعة القمح والشعير، كما يحدّد مجال انتجاع المرسينية بأنه «الجوار المباشر لقراها».29Haut-Commissariat de la République française, Direction du Service des Renseignements du Levant, «Les tribus nomades et semi-nomades des États du Levant placés sous mandat français», Beyrouth: Imp. Jeanne d'Arc, 1930, pp. 151, 155–157. معلومات الكتاب من سنة 1929. المرسينية ص151: إحدى عشرة قرية؛ والدقّورية ص155–156: اثنتان وعشرون قرية؛ والملّية ص156–157: إحدى وعشرون قرية. وفي المصدر فروقٌ بين أرقام ملخّصاته ومجاميع جداوله، لا تمسّ عددَ القرى ولا أسماءها ولا أسماء رؤسائها.

صفحة المرسينية في التقرير الفرنسيعشيرة واحدة من الثلاث. فيها قراها بأسمائها، ولكلّ قريةٍ رئيسها وعدد أسرها والفرع الذي تنتمي إليه.
صفحة مطبوعة بالفرنسية عن عشيرة المرسينية: وصفها بأنها شبه مستقرة، وقراها الإحدى عشرة شرق عامودا، ومجال انتجاعها، ثم جدول بأسماء القرى ورؤسائها وعدد أسرها
  1. شبه مستقرّة.Semi-sédentaires
  2. شرق عامودا: إحدى عشرة قرية، كلّها في المنطقة السورية.Région Est de Amouda : 11 villages, tous en zone syrienne.
  3. مجال الانتجاع: الجوار المباشر لقراها.Zone de nomadisation : Les abords immédiats de leurs villages.
  4. والمظلَّل بخطوطٍ رأسية جدول القرى: اسم القرية، ورئيسها، وعدد أسرها، والفرع.
وثيقة · 1930«Les tribus nomades et semi-nomades des États du Levant placés sous mandat français»، مديرية الاستخبارات في المفوضية الفرنسية العليا، بيروت، 1930، ص151.نسخة المكتبة الوطنية الفرنسية (Gallica).

وهذه الوثيقة لا تؤرّخ نشأة قريةٍ واحدة، ولا تدّعي ذلك. ولا يُستدلّ بها على وجود القرى نفسها قبل الانتداب، فهي من وثائقه. لكنها تصف، عند بداية الثلاثينيات، تجمعاتٍ تعرفها الإدارة قرىً، بأسمائها وأعداد أسرها. فإن بقيت هذه القرى «أوّلية» في تصنيف باروت، فعلى أيّ وجهٍ هي أوّلية؟ وما الذي كان ينقصها لتدخل في حساب التشكّل الحقيقي؟ لا جواب عن هذا السؤال في كتابه، لأن الصفة لم تُعرَّف. وفي الوثيقة نفسها ما يمسّ قسمة العمران والتبدون التي مرّت في الوقفة الثالثة: فالسكن في القرية، والترحال في جوارها، والزراعة، تجتمع كلّها في وصف الجماعات نفسها، لا تتعاقب في مرحلتين.

وقد يبدو أن باروت يناقض حكمه قبل ذلك بصفحة، إذ يسمّي قرىً كرديةً وسريانيةً في المنطقة الحدودية، ويدافع عن وجودها في وجه إنكار بيير ترنييه.30باروت، ص123. لكنه لا يناقضه بالضرورة. فهو يعترف بالقرى الأوّلية، ثم يميّزها عن التشكّل الحقيقي، فلا يتعارض الموضعان ما دام المقصود مختلفاً. لكنّ الاختلاف نفسه هو ما يحتاج إلى تفسير. ولا تصلح أسماء تلك القرى وحدها دليلاً على وجودها في القرن التاسع عشر، لأن باروت لا يذكر هناك مصدراً يؤرّخ نشأتها.

وفي الجملة إشكالٌ في الزمن أيضاً. فهي تربط التشكّل الحقيقي للقرى بسياسة سلطات الانتداب الفرنسي، التي بدأت في العشرينيات، وتؤرّخه في الوقت نفسه بأواسط القرن العشرين. والانتداب انتهى سنة 1946. ويمكن أن تُقرأ الجملة قراءةً تحلّ بعض هذا الإشكال: عمليةٌ بدأت في عهد الانتداب، واستمرت بعده حتى اكتملت في أواسط القرن. وهي قراءةٌ معقولة، لكن باروت لا يوضحها. فلا نعرف هل يقصد بداية إنشاء القرى، أم اتساع انتشارها، أم اكتمال نمطٍ جديد من الاستقرار الزراعي.

القرى في التقرير، قبل «التشكّل الحقيقي»يسجّل تقريرٌ فرنسي سنة 1930 قرىً بأسمائها وأعداد أسرها. ويجعل باروت «التشكّل الحقيقي للقرى» في أواسط القرن العشرين، بعد نهاية الانتداب.
  1. العشرينياتسياسة الانتداب الفرنسي في الجزيرة تبدأ
  2. 1930تقريرٌ فرنسي يسجّل 54 قرية في محيط عامودا، بأسمائها وأعداد أسرها
  3. 1946نهاية الانتداب
  4. أواسط القرن العشرين«التشكّل الحقيقي للقرى» عند باروت

ويقوم هذا الحكم على إسنادٍ واحد في موضعه: حاشيةٌ تحيل إلى صفحةٍ من كتاب آزاد أحمد علي. والعنوان الذي تعطيه الحاشية «أنماط العمارة الوطنية»، وعنوان الكتاب الصحيح «أنماط العمارة الطينية في الجزيرة الفراتية».31آزاد أحمد علي، «أنماط العمارة الطينية في الجزيرة الفراتية»، دمشق: وزارة الثقافة، 2010. يورده باروت في الحاشية 313 بعنوان «أنماط العمارة الوطنية»، وهو خطأ. ولم نصل إلى ص221، وهي في الملحق الثاني. وهذا خطأٌ في عنوان المرجع يجب تصحيحه. ولا يُستدلّ منه وحده على أن باروت لم يقرأ الكتاب، وإن كان يثير سؤالاً عن طريقة نقل الإحالة. ولأننا لم نصل إلى الصفحة التي يحيل إليها، فلا يُقال إنها تؤيد الحكم ولا إنها تخالفه. ويبقى أن حكماً بهذا الثقل لا يفسّر معناه، ولا يقدم في موضعه مقارنةً بالمصادر التي تسجل القرى القائمة قبل منتصف القرن العشرين.

8رواية الأصل ومعيار الإثبات

يكتب باروت عن طيّ: «مجيء طيّ إلى القامشلي سبق مجيء الجبور بقرون، ويعود ذلك إلى ما قبل الفتح العربي – الإسلامي… مع أن لا دليل غير الدليل الأنثروبولوجي المتعلق بفهم الجماعة لأصولها وهويتها وأصلها، يؤكد علاقةً متصلةً بين طيّ هذه وطيّ التي قَدِمت منذ القرن الثاني الميلادي».32باروت، ص60.

وبعد ذلك بصفحة: «وتمكّنت طيّ – على الأرجح منذ ذلك الوقت – من امتصاص قسمٍ كبيرٍ من العشائر الكردية البدوية الجوّالة في منطقة الخابور في تركيبها… لتبرز ظاهرة التركيب العربي – الكردي في عشيرة، أو بالأحرى عشائر طيّ».33المصدر نفسه، ص61. وفي حاشية الصفحة نفسها قاعدةٌ يضعها باروت بنفسه: «تُعتبر الرواية الشفوية المصدر الأساس في تدوين سردية البدو عن أنفسهم. وتدخل هذه السردية في باب السردية الأنثروبولوجية أكثر مما تدخل في باب السردية التاريخية بالمعنى العلمي».34المصدر نفسه، ص61، الحاشية 82.

وليس بين الموضعين تناقض. فباروت لم يُخفِ شيئاً: صرّح في الأول بأن الدليل أنثروبولوجيٌّ لا غير، وقرّر في الثاني أن هذا النوع أنثروبولوجيٌّ لا تاريخي. والإشكال في المنهج لا في المنطق: فالدعوى، بعد أن صُنِّف دليلها هذا التصنيف، تُعامَل في بقية السرد معاملة الواقعة الثابتة، لا معاملة الفرضية.

ويسهم في ذلك موضع التحفّظ من الجملة. فهي تبدأ بالدعوى وتنتهي بالقيد. والجملة التي تبدأ بالدعوى وتُختم بالتحفّظ تُقرأ على أن الدعوى هي المقصود، والتحفّظ هامشٌ عليها. ولو عُكس الترتيب — فقيل إن لا دليل على اتصال طيّ هذه بطيّ القرن الثاني إلا فهم الجماعة لأصولها، وإن أسبقيتها على الجبور تُروى على هذا الأساس وحده — لتغيّر ما يبقى في ذهن القارئ، والمعلومة واحدة.

غير أن الوقوف عند موضع التحفّظ أضيق مما تحتمله المسألة. فروايات الأصول في هذا القسم من كتاب باروت تسهم في توزيع الصفات التاريخية على الجماعات: القِدَم أو الوفود، والاتصال أو الانقطاع، والاستيعاب أو الانصهار. فحين يتبنّى باروت أسبقية طيّ في الجزيرة منذ ما قبل الفتح، يمنحها عمقاً تاريخياً لا يملك، باعترافه، دليلاً على استمراره. وحين يناقش، قبل ذلك باثنتي عشرة صفحة، روايات النسب العربي للكرد، يفسّرها بوصفها بناءً متخيَّلاً للأصول، نشأ من الحاجة إلى التحالف والعصبية. والفرق أن رواية النسب تصبح في الحالة الثانية موضوعاً للنقد التاريخي، بينما يُستعان بها في الحالة الأولى لإثبات الأسبقية.

روايتان عن الأصل، ومعياران

رواية طيّ عن أصلها

قصاصة من الصفحة 60 من كتاب باروت: أسبقية طيّ على الجبور، ثم التحفّظ بأن لا دليل غير الدليل الأنثروبولوجي
باروت، ص60

ما يفعله باروت: يعدّ دليلها أنثروبولوجياً لا غير، ثم يبني عليها أسبقية طيّ في الجزيرة.

رواية عشائر كردية عن أصلٍ عربي

قصاصة من الصفحة 48 من كتاب باروت: العصبية التي تتوهّم أو تبني تخيّلاً لهويتها، وتخيّل العشائر الكردية لأصلها العربي
باروت، ص48

ما يفعله باروت: يفسّرها بناءً متخيَّلاً للأصول، نشأ من الحاجة إلى التحالف والعصبية.

الدليل في الحالتين من نوعٍ واحد: رواية جماعةٍ عن أصلها. وباروت محقّ حين يقرأ روايات العشائر الكردية عن أصلٍ عربي بوصفها جزءاً من محاولة بناء هوية لعشيرة أو عائلة، لا دليلاً على النسب. لكنه لا يطبّق المعيار نفسه على رواية طيّ، فيجعلها أساساً لأسبقيتها في الجزيرة.

ولهذا سابقةٌ موثّقة في تاريخ الجزيرة نفسها، تتناولها سيدا ألتوغ في فصلٍ من أطروحتها عن سنوات الانتداب.35Seda Altuğ, «Sectarianism in the Syrian Jazira», أطروحة دكتوراه، جامعة أوترخت، 2011، ص271–273. والعبارتان المقتبستان عن نجيب الريّس وعن تعريف الجزيرة تحيلهما ألتوغ إلى «القبس»، 3 آب 1938 (حاشيتاها 710 و711). وملاحظة انتقال صورة اللاجئ إلى كرد الجزيرة بعد 1963 في ص271. فهي تتتبّع الصحافة القومية العربية في دمشق في ثلاثينيات القرن العشرين، في ذروة الصراع على المعاهدة وعلى الحركة الإقليمية في الجزيرة، فتجد أن «القِدَم» و«الأصالة» صارتا علامتين على «الأكثرية»: من كان قديماً فهو من الأكثرية، ومن كان وافداً فهو «لاجئ» و«أقلية». وتقتبس من نجيب الريّس في «القبس» عبارةً تختصر المعادلة: ليس من العدل «أن يتحدّد مصير البلد بأناسٍ لاجئين ليس لأكبر رأسٍ فيهم قبرُ أبٍ أو جدّ في هذه الأرض».

وفي الصحيفة نفسها، في الثالث من آب 1938، تُعرَّف الجزيرة بأنها «أرض شمّر والجبور وطيّ». وتقرأ ألتوغ هذه الصيغة قراءةً دقيقة: هي تبدو وصفاً جغرافياً محايداً، وهي في موضعها دعوى، تُعرِّب الإقليم، وتجعل الأكثرية فيه عربيةً بالتسمية. وتضيف ملاحظةً لا تقلّ دلالة: أن الكرد يدخلون في هذه الصيغة بقيد «بعض» — «بعض الأكراد الموالين»، وتذكر الصحافة جماعاتٍ منها الدقّورية والملّية والكيكية — فعضويتهم في الأمة مشروطةٌ بإثبات الولاء، لا تلقائيةً كما هي للعرب. وتلاحظ أن صورة اللاجئ «الغريب المتمرّد» استُعملت لاحقاً في الخطاب الذي استهدف كرد الجزيرة بعد 1963.

وليست المقارنة بين هذه الأسماء بلا دلالة. فالملّية التي ترد في صحافة 1938 سبق أن ورد اسمها في حديث باروت عن تنظيم أماكن تمركز العشائر التابعة لقضاء رأس العين سنة 1870، كما مرّ في الوقفتين الرابعة والسادسة. وبين التاريخين نحو سبعين سنة. ولا يثبت تكرار الاسم أن فروع العشيرة وأفرادها ظلوا على حال واحدة، لكنه يمنع اتخاذ ظهورها في الخطاب السياسي المتأخر دليلاً على حداثة علاقتها بالمنطقة.

وقيمة هذا التحليل لما نحن فيه أنه ينقل السؤال من «أيّ الجماعتين أقدم؟» إلى «ما الذي يصنعه ادّعاء القِدَم، ومن ينتفع به، وبأي معيارٍ يُقبل من جماعةٍ ويُردّ على أخرى؟». وما ترصده ألتوغ خطابُ صحافةٍ في عقدٍ بعينه، لا بنيةٌ ثابتة في كل زمان. غير أن مفرداته — الأصالة، والوفود، وأرض شمّر والجبور وطيّ — ما تزال متداولة.

وحين يُقرأ كتاب باروت إلى جانب هذا تتغيّر طبيعة الملاحظة عليه. فليست المسألة أنه أخطأ في تأريخ مجيء طيّ — وهو لا يدّعي يقيناً في ذلك أصلاً — بل أنه يتلقّى مقولةً لها هذا التاريخ، ويعيدها بصيغة الخبر، من غير أن يتناول ما تفعله. وبين مؤرخٍ يدرس روايات الأصول موضوعاً، ومؤرخٍ يستعملها مصدراً، فرقٌ في المنهج لا في الدرجة.

والنتيجة موزَّعة على الجماعتين في جملةٍ واحدة. ففي جملة باروت عن طيّ تكون طيّ هي الفاعل الذي «تمكّن من امتصاص» العشائر الكردية، وتكون العشائر الكردية هي المفعول. وصفة الأولى الاستيعاب، وصفة الثانية البداوة والجولان. ولا ينكر باروت بذلك التركيب العربي – الكردي لطيّ، لكنه يفسّره من خلال جماعةٍ تستوعب وأخرى تلتحق بها. وهذا الترتيب يحتاج إلى دليل على كيفية تشكّل الحلف، لا إلى رواية عن أصول الجماعة التي حمل اسمها.

والأداة التي فكّك بها باروت رواية الأصل العربي للكرد — ردّ أسطورة النسب إلى «التخيّل» في بناء الأنساب، بعُدّةٍ خلدونية — أداةٌ صالحة، أحسن استعمالها.36باروت، ص48. لكنه لم يستعملها بالصرامة نفسها على رواية طيّ. فعلاقةٌ متصلةٌ بين طيّ التي يذكر قدومها من جبلَي أجا وسلمى في نجد،37المصدر نفسه، ص38. وطيّ التي عرفتها الجزيرة في العصر العثماني، تحتاج إلى إثباتٍ يمتدّ عبر قرون. والاسم المشترك ورواية الأصل لا يكفيان وحدهما لإثباتها. وقد تكون للروايتين أدلة مختلفة في قوتها، لكنّ باروت لا يبيّن ما يجعل رواية طيّ أقدر على إثبات الاستمرارية من روايات النسب التي أخضعها للنقد.

9الوثيقة الموسّعة، ومن صنع هذا الفصل

مؤرخ الجزيرة قبل القرن التاسع عشر في موقفٍ صعب. فالمادة المكتوبة عن تلك القرون موجودة، لكنها متفرقة بين دفاتر التحرير والسجلات الشرعية والمراسلات والوثائق المالية والإدارية، وبعضها محفوظٌ في إسطنبول وبعضها في خزائن أخرى، وكثيرٌ منها مكتوبٌ بلغاتٍ تحتاج إلى اختصاص. وقد دُرس بعض هذه السجلات، لكن ما ينقصنا صورةٌ متصلةٌ لتاريخ الإقليم، تجمع شواهد مناطقه المختلفة وتضعها في سياقها. وما يندر، على وجه الخصوص، هو الأرشيف المحلي المتصل: سجلٌّ تحتفظ به بلدةٌ أو ديرٌ أو أسرةٌ عن نفسها جيلاً بعد جيل. فأمام المؤرخ أن يجمع صورةً من مؤشراتٍ متفرقة: أثرٌ هنا، وذكرُ ناحيةٍ هناك، ورقمُ جبايةٍ ثالث. وهذا ما يسمّيه باروت «الوثيقة الموسّعة»، ويعلنه في مقدمته إعلاناً صريحاً: «فهماً أرحب للوثيقة التي يمكن بناؤها من دون انتظارها، في ما يمكن وصفه بالوثيقة الموسّعة التي يبنيها الباحث من خلال حشدٍ من المعطيات والمؤشرات».38باروت، ص31–32 (المقدمة).

والمسعى مشروع، بل ضروري. لكنه يحمل خطره في داخله. فالوثيقة المباشرة، على ما فيها أيضاً من انتقاءٍ وتحيّز، تضع أمام المؤرخ نصاً يستطيع غيره أن يقرأه ويختبر تفسيره. أما الوثيقة الموسّعة فيبنيها الباحث من شواهد متفرقة، وقد تتسع النتيجة فيها لما لا يثبته أيٌّ من شواهدها منفرداً. والضمان من أن تعكس فرضية بانيها هو ما يعلنه باروت بعد ذلك بصفحة: «القواعد التقليدية التي أرستها المدرسة المنهجية في النقد الداخلي والخارجي»، واللجوء «دوماً حيثما أمكن إلى المعلومات المقارنة»، وألّا يُعتمد «أي معلومةٍ مفردةٍ إلا في سياق احتماليتها ونقدها».39المصدر نفسه، ص32 (المقدمة). ويذكر في الصفحة نفسها أن بحثه اعتمد كثيراً على أطروحة كريستيان فيلو (1991).

فالسؤال ليس هل بنى باروت وثائق موسّعة — نعم بنى، وله ذلك — بل هل التزم بالضمانات التي أعلنها.

ويظهر موضع الاختبار في أمرين. أولهما أن البناء لا يُعلَن دائماً بوصفه بناءً: فالصورة المستنتَجة من المؤشرات تدخل كتاب باروت بالصيغة الخبرية نفسها التي تدخل بها الواقعة الموثقة. و«هُجِر الإقليم تماماً»، الجملة التي وقفت عندها الوقفة الأولى، جملةٌ خبريةٌ مطلقة، لا يُستدلّ من صياغتها على أنها حصيلة استنتاج. ولا يتضح للقارئ أين ينتهي ما تثبته الشواهد وأين يبدأ الحكم الذي بناه المؤرخ عليها.

وثانيهما أن تعدد الحواشي لا يعني دائماً تعدد الأدلة. وقد مرّت في الوقفات السابقة مواضع يقوم عليها بناء الرواية:

  • حال دير الزور سنة 1696 تُسند إلى روسيه ودوهونت. الوقفة الخامسة
  • وخلوّ وادي الفرات من القرى سنة 1835 يُسند إلى الصفحة نفسها من روسيه. الوقفة الخامسة
  • وجعل الجزيرة العليا والخابور بين «أبرز الأقاليم المخرَّبة» لا يصاحبه شاهدٌ محليٌّ يثبت هذا التخصيص. الوقفة الثانية
  • وتفاصيل التنظيم الإداري سنة 1870 لا يُذكر لها مصدرٌ في موضعها. الوقفة السادسة
  • وتشكّل القرى في أواسط القرن العشرين يُسند إلى صفحةٍ واحدةٍ من مرجعٍ واحد. الوقفة السابعة

فالإسناد في هذه المواضع، وهي من المواضع التي تقوم عليها الرواية، أضيق مما توحي به سعة الأحكام المبنية عليه.

وثمّة بعد ذلك ما يوثّقه الكتاب عن نفسه. فهو يذكر في مقدمته من حاور الباحث وأثّر في بناء الفصل، ومن ترجم له وثائق الأرشيف العثماني،40المصدر نفسه، ص21 (شكر المقدمة). ويذكر في حاشية الفصل الأول من قرأه وحكّمه.12المصدر نفسه، ص37، الحاشية المنجَّمة. وبعض هؤلاء مصادر في الفصل نفسه: حوارٌ مع أحدهم، وحواراتٌ مع آخر صاغت منظوره الأساسي،41المصدر نفسه، ص42، الحاشية 20. وانظر أيضاً ص84، الحاشية 161، عن حوارات كوثراني سنة 2011. وأرشيفٌ عائليٌّ يحفظه ثالث.42المصدر نفسه، حواشي فصلٍ لاحق، منها الحاشية 187: «أرشيف مرعي باشا الملّاح المحفوظ لدى حفيده عمرو الملّاح». والكتاب هو الذي يفصح عن ذلك، ولا يؤخذ على أصحاب هذا الإسهام شيء. لكن الإفصاح عن المشاركين لا يمكّن القارئ من مراجعة الأدلة: فالوثيقة المترجمة بلا أصلها، والأرشيف العائلي غير المنشور، لا يستطيع القارئ أن يختبرهما. وتفصيل ذلك، بقصاصات الكتاب وجدول الأدوار، في الفصل التاسع من القسم الثالث.

ويبقى أمرٌ لا يتوقف على ما لا نعرفه من إجراءات التحكيم: أن الكتاب يطلب من قارئه، في بعض أحكامه الأساسية، أن يقبل نتائج لا يستطيع مراجعة جميع حلقات الاستدلال التي أدّت إليها. وهذه هي المسافة بين إعلان النقد الداخلي والخارجي وممارسته. ولا ينفيها إفصاح باروت عن الذين ساعدوه؛ بل يجعل من الممكن تحديد مواضعها والسؤال عنها. ومعرفتنا بهذا الجانب من إعداد الكتاب مصدرها إفصاحه هو.

10بنية الفصل الأول وأثرها

مركزية دير الزور ليست استنتاجاً يستخلصه القارئ. فعنوان القسم الثالث من الفصل الأول في كتاب باروت يعلنها: «ترابط إعمار الجزيرة الوسطى بالجزيرتين العُليا والسُّفلى في الإقليم: مركزية دير الزور».25باروت، ص67 (عنوان القسم الثالث من الفصل). ويطابقها تركيب باروت الختامي، الذي ينظّم تاريخ الإقليم حول برنامجَي إعمارٍ عثمانيَّين، ويقيس نجاحهما بما تحقق على «الممرات الحضرية المتواصلة على طول مجرى الفرات الأوسط». وتطابقها قاعدة أدلته: القرى الثلاث على الفرات، وحال دير الزور سنة 1696، وشهادة بعثة ملاحةٍ في الفرات، ومتصرفية دير الزور، وتعداد محافظة دير الزور. فالبنية مثبتةٌ بالعنوان وبالخاتمة وبقاعدة الأدلة معاً.

وفي الحالات التي فُحصت هنا وقع التوسيع في النطاق في الاتجاه نفسه: من الفرات الأوسط نحو الجزيرة كلها. ولا يُنسب إلى ذلك قصد. وهو حكمٌ على الفصل الأول، وهو الفصل الذي يضعه باروت إطاراً تاريخياً وتفسيرياً لكتابه كله. ولا يُعمَّم على بقية الكتاب، فذلك يحتاج إلى قراءة الفصول اللاحقة، وفيها ما قد يصحّح الصورة أو يعمّقها.

كيف يُعمَّم الحكم من غير أن يُرى التعميم

ليس في هذا الفصل نوعٌ واحدٌ من التعميم، بل أنواعٌ لكلٍّ منها ضابطٌ معروف.

فالتعميم من الجزء المدروس إلى الكلّ غير المدروس — وهو ما يقع في جملة الهجر وفي حصيلة القرى الثلاث — يصحّ متى كان الجزء ممثّلاً للكل في الخاصية المدروسة، ويُستدلّ على التمثيل ولا يُفترض. والخاصية هنا، وهي الاعتماد على الريّ، هي بالذات ما يفرّق بين الجزء والكل. ومدّ المعطى المعاصر إلى الماضي، كما في نسبة 1981، يحتاج إلى دليلٍ على استمرار الظروف التي أنتجته. وهو أسهل المواضع تصحيحاً، إذ يكفي حذف «دائماً» وتقييد النسبة بمصدرها وتاريخها. والاستدلال من صمت المصدر يحتاج إلى إثبات أن المصدر كان سيذكر الشيء لو وُجد. وهنا لم يصمت المصدر أصلاً، بل وصف ملحقُ تقرير البعثة زراعةً وقرية. والانتقال من التبعية الإدارية إلى المركزية الاجتماعية يحتاج إلى أدلةٍ من حياة الناس أنفسهم، لا من التقسيمات الإدارية وحدها. ولدى باروت مادةٌ عن التجارة والأسواق والمسالك، لكنّ السؤال هو ما إذا كانت تثبت أن دير الزور أصبحت مركز هذه العلاقات في الجزيرة العليا أيضاً. وتعريف «التشكّل الحقيقي» بما يُخرج القرى القائمة من حسابه يحتاج إلى معيارٍ معلَن حتى يصير قابلاً للاختبار. وتفاوت صرامة المعيار بين رواية أصلٍ وأخرى يحتاج إلى تعليل، والتعليل ممكنٌ وغير مذكور. ويبقى موضع الجملة من السرد، وهو ليس خطأً منطقياً بل أثر ترتيبٍ قد يجعل الشاهد المحدود يبدو دليلاً على حكمٍ أوسع.

ولا يلزم من ذلك بطلان النتائج جميعاً، فقد يكون حكمٌ صحيحاً وطريق الوصول إليه معيباً. وإنما يسقط اليقين المعلَن، ويبقى على المؤرخ أن يثبت ما ذهب إليه بأدلةٍ تلائم اتساع حكمه.

أنواع التعميم، وما يلزم كلّاً منهاسبعة مواضع مرّت في الوقفات السابقة. لكلٍّ منها ضابطٌ معروف، لو التُزم به لصحّ الحكم أو ضاق.
نوع التعميمأين وقعما يلزمه ليصحّ
من الجزء المدروس إلى الكلّجملة الهجر، وحصيلة القرى الثلاثالوقفة الأولى، الوقفة الرابعةأن يُثبت أن الجزء ممثّلٌ للكلّ في الخاصية المدروسة
مدّ المعطى المعاصر إلى الماضينسبة 1981الوقفة السادسةدليلٌ على استمرار الظروف التي أنتجته
الاستدلال من صمت المصدرجملة تقارير تشيسنيالوقفة الخامسةإثبات أن المصدر كان سيذكر الشيء لو وُجد
من التبعية الإدارية إلى المركزية الاجتماعيةدير الزور ورأس العينالوقفة السادسةأدلةٌ من حياة الناس أنفسهم
تعريف «التشكّل الحقيقي»القرى قبل أواسط القرن العشرينالوقفة السابعةمعيارٌ معلَن
تفاوت صرامة المعياررواية طيّ وروايات النسب العربي للكردالوقفة الثامنةتعليلٌ للتفاوت
موضع الجملة من السردجملة تقارير تشيسنيالوقفة الخامسةجملةٌ تحصر نطاق الشاهد

ولماذا لا يُرى

يعين على خفاء هذا التعميم أمورٌ في صياغة باروت.

1الالتباس الجغرافي

أولها لفظٌ واحد يحمل أكثر من معنى. فـ«الإقليم» قد يشير إلى الجزيرة السورية، أو إلى وادي الفرات الأوسط في سياق الحديث عن الإعمار، أو إلى الجزيرة الفراتية التاريخية الممتدة إلى شمال العراق وجنوب شرق الأناضول. وباروت يميّز بين بعض هذه المجالات في تعريفاته، لكنّ أحكامه لا تلتزم دائماً بحدودها. فيُثبت الحكم على المجال الضيق ويُقرأ على الواسع، من غير أن يظهر الانتقال بوضوح.

«الإقليم»: لفظٌ واحد، وثلاثة مجالاتاختر معنى من المعاني الثلاثة التي يرد بها اللفظ في كتاب باروت، فترى المساحة التي يشملها الحكم. والمساحات تقريبية، بلا حدودٍ دقيقة.
دير الزورالرقّةالميادينرأس العينالحسكةمارديننصيبينالقامشليسنجار تمتدّ شرقاً إلى شمال العراقوشمالاً إلى جنوب شرق الأناضول

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

المساحات تقريبية، توضّح الفرق بين المعاني ولا ترسم حدوداً. مجاري الأنهار معاصرة، والصورة الفضائيّة من NASA Blue Marble.

وتحت هذا اللفظ اختيارٌ أعمق. فباروت يعرّف الجزيرة انطلاقاً من الجغرافيا العربية الإسلامية الوسيطة — ديار مضر وديار ربيعة وديار بكر — ويتخذها مرجعيةً لتاريخ الإقليم. وفي سنة 1895، أي في زمن استقلال متصرفية الزور، كان ضابطٌ عثمانيٌّ اسمه أحمد جمال يطبع في مدرسة الفنون الحربية بإسطنبول كتاباً في الجغرافيا العثمانية، يصف فيه سنجق الزور بأنه واقعٌ «ضمن كردستان وفي حوض الفرات».43Kolağası Ahmed Cemal, «Mufassal Coğrafya-yı Osmânî», إسطنبول: مطبعة مدرسة الفنون الحربية، 1311 رومي/1895، ص194، باب «مستقل زور سنجاغي»: «كردستان داخلنده وفرات نهري حوضه‌سنده بولنان زور سنجاغي». وليس في هذا دليلٌ على تبعيةٍ إدارية لكردستان — فالزور كانت مرتبطةً بالأستانة مباشرة، وباروت نفسه يقول ذلك — ولا على تركيبٍ سكاني، ولا على إطارٍ ثابتٍ عبر القرون. وإنما فيه أن المكان الواحد أمكن وصفه بأكثر من جغرافيا، وأن اختيار إحداها إطاراً لكتابة التاريخ اختيارٌ له أثر، لا معطىً تفرضه الأرض نفسها.

2التقييد العابر

وثانيها أن التحفّظ يأتي في موضعٍ لا يمنع الدعوى من أن تبقى في ذهن القارئ، كما في جملة طيّ التي مرّت في الوقفة الثامنة.

3الإيحاء بالمجاورة

وثالثها أن الواقعة المستنتَجة تُذكر في جوار وقائع أخرى، فتكتسب من جوارها قوةً ليست لها. ففي حديث باروت عن سيطرة العشائر تُروى وقائع فرار شمّر، وإسكان الدولة لها، وسحق عبيد، وإبادة تركمان البليخ. ثم تأتي جملة تقارير تشيسني التي مرّت في الوقفة الخامسة، فتمنح الرواية خاتمةً ميدانيةً حاسمة: لم تكن هناك قريةٌ عامرةٌ إلا دير الزور. لكنّ التقرير الأصلي يصف قريةً أخرى وزراعةً على النهر. فالشاهد الذي يأتي ليحسم الصورة هو نفسه ما يحدّ من صحتها.

4الثنائية الزائفة

ورابعها، وهو الأعمّ، أن «جدلية العمران والتبدون» تصبح إطاراً واسعاً تُقرأ فيه التحولات المتباينة بوصفها تعاقباً بين الخراب والإعمار. فالخراب يُروى بوصفه غلبةً للتبدون، والإعمار بوصفه عودةً لسلطة الدولة. وما يقع بينهما من حياةٍ زراعيةٍ ورعويةٍ مختلطة يتراجع إلى هامش الرواية. فالناحية الكردية التي يذكر باروت تنظيمها سنة 1870، والعشائر التركمانية المقيمة على البليخ، والقرى التي يسمّيها في المنطقة الحدودية، كلها في الكتاب، لكنها لا تؤدي في بناء حجته دوراً يوازي ما تؤديه أخبار الخراب والهجرة والإسكان.

أثر ذلك في تاريخ الجماعات

لهذه البنية أثرٌ يتجاوز الكتاب، لأن موضوعها هو السؤال الذي يدور حوله النزاع على الجزيرة منذ قرن: من كان هنا، ومتى.

فحين يُقال إن الإقليم هُجر تماماً في أواخر القرن الرابع عشر، وإن القرى الحقيقية لم تتشكل قبل أواسط القرن العشرين، يبقى ما بين التاريخين — خمسة قرونٍ ونصف — زمناً يغيب عنه جانبٌ كبيرٌ من التاريخ الاجتماعي للجزيرة العليا. تتقدم فيه حركة القبائل، بينما تتراجع أسئلة القرى والزراعة والملكية والعلاقات بين السكان. فهل كان ذلك لأن المادة التاريخية لا تسمح بإعادة بناء هذه الحياة، أم لأن إطار الخراب والتبدون جعل البحث عنها أقل حضوراً؟ لا يُحسم السؤال بالاستدلال من غياب الأخبار، ولا بسجلٍ عثمانيٍّ منفرد، بل بمقارنة الشواهد المتاحة من فتراتٍ متعاقبة، والنظر في ما تستطيع إثباته وما تعجز عنه.

وتميل هذه البنية إلى تعريف الجماعات بتاريخ وصولها. وهو في الظاهر يصيب الجميع: فالعشائر العربية يروي باروت انتقالها من شبه الجزيرة، والسريان يتناول هجراتهم من المناطق الواقعة اليوم داخل تركيا. غير أن الأثر ليس متساوياً، لأن معيار إثبات الأصل والاستمرارية نفسه لا يُطبَّق بالصرامة ذاتها، كما رأينا في رواية طيّ. فبعض روايات الأصول يمنح الجماعة تاريخاً متصلاً، وبعضها يُفكَّك بوصفه بناءً متخيَّلاً للنسب. وحين تختلف المعايير، لا يعود تاريخ الوصول مجرد واقعةٍ تُبحث، بل قد يصبح فاصلاً بين جماعةٍ تُقدَّم بوصفها صاحبة أرض، وأخرى يُفسَّر حضورها بالهجرة.

ويُقاس الحضور، في مواضع أساسية من الرواية، بمقياس «التوطّن الفلاحي المتحضّر». وهو مقياسٌ لا يستوعب وحده أنماط العيش الأخرى: الرعي الموسمي، وزراعة الحبوب البعلية، والإقامة التي تجمع بين القرية والمرعى. وهذه أنماطٌ يعرفها باروت نفسه، في تصنيف الجمّالة والغنّامة، وفي وصف «الاستقرار النصفي الرعوي – الزراعي البعلي». لكنها لا تنال الوزن نفسه حين تُكتب قصة الخراب وانحسار العمران. وليس البديل أن يُعدّ كل مرورٍ استيطاناً، ولا أن تُفترض الاستمرارية حيث لا دليل عليها، بل ألا يُكتفى بمقياسٍ واحدٍ في إقليمٍ تعددت فيه أنماط العيش وتداخلت.

يغلب تاريخ الفرات الأوسط على القسم الأول من كتاب باروت. فمنه تأتي أبرز الشواهد التي يستند إليها في وصف الخراب والإعمار، وفيه تنجح الدولة العثمانية في إنشاء ممراتها الحضرية، ومن دير الزور ينطلق، في روايته، إحياء الإقليم كله. لكنّ الجزيرة العليا ليست امتداداً لوادي الفرات. فلها زراعتها المطرية، ومدنها القديمة، وصلاتها بماردين ونصيبين وديار بكر، وتاريخٌ لا يُستخلص من أحوال النهر وحدها. وحين تُقرأ هذه المنطقة من خلال تاريخ الفرات، يتراجع ما لا يدخل في رواية الخراب والإعمار، وتغدو حركة القبائل والهجرات أبرز ما نعرفه عن سكانها.

على أن مادةً لتاريخٍ آخر موجودةٌ في كتاب باروت نفسه: القرى التي يسمّيها في المنطقة الحدودية، وأماكن تمركز العشائر الكردية التي يذكر تنظيمها سنة 1870، والعشائر التركمانية المقيمة على البليخ، والتمييز بين الجمّالة والغنّامة، وبين الترحال والاستقرار النصفي. وهذه الشواهد لا تُثبت وحدها استمرارية السكان أو القرى عبر القرون، لكنها تكفي لتبيّن أن تاريخ الجزيرة أوسع من تعاقب الخراب والإسكان. وما تحتاجه الجزيرة العليا ليس إلغاء ما كتبه باروت عن الفرات، بل أن يُكتب تاريخها انطلاقاً من شواهدها هي، ومن علاقاتها بالمجال الجغرافي الذي كانت جزءاً منه، لا من حدود الدولة السورية الحديثة ولا من تاريخ مركزها الإداري وحده.

حصيلة التفكيك

ما يصمد وما يحتاج مراجعة

يصمد من الرواية عمودٌ فقريٌّ متينٌ لتاريخ الفرات الأوسط بين القرن الرابع عشر والقرن العشرين: حضارةٌ نهريةٌ سابقةٌ قامت على الريّ، بتقييد نطاقها بالمناطق المرويّة؛ وغزواتٌ مغوليةٌ وتيموريةٌ مدمّرة، في الواقعة لا في التأريخ؛ وانهيار نُظُم الريّ وتصحّر الضفة اليسرى؛ وانقطاع العمران المديني في الوادي قروناً؛ وإعمارٌ عثمانيٌّ ثانٍ نجح هناك في عهد التنظيمات؛ ومركزية دير الزور إدارياً؛ والأزمة المالية العثمانية وطفرة القطن ودوافع الإعمار؛ وقانون الأراضي والطابو وبناء شريحة الأعيان.

ويصمد إلى جانب ذلك ما يُحسب للكتاب في منهجه. فتفكيك باروت لرواية الأصل العربي للكرد نقدٌ داخليٌّ محكم، يردّ الرواية إلى آلية إنتاجها ولا يكتفي بالتشكيك. وقاعدته عن موقع الرواية الشفوية من السردية التاريخية قاعدةٌ محرَّرةٌ تحريراً جيداً. والتحفّظ في جملة طيّ مذكورٌ لم يُخفَ. وتصنيف أنماط العشائر أداةٌ تبقى لمن يأتي بعد. ثم إن الإفصاح عن المحكّمين، وعن مترجم الوثائق العثمانية، وعن منشأ الإطار النظري، وعن الاعتماد على أطروحة كريستيان فيلو، هو ما جعل هذه المراجعة ممكنة أصلاً.

ويحتاج إلى مراجعة تسعة مواضع:

  1. تعميم «هُجِر الإقليم تماماً»الوقفة الأولىلأن العلّة المعلنة لا تفسّر الشمال، ولأن المصدر المحال إليه يسند الخراب لا التعميم.
  2. وجعل الجزيرة العليا والخابور بين «أبرز الأقاليم المخرَّبة»الوقفة الثانيةلأنه نزولٌ بحكمٍ عامٍّ على منطقةٍ من غير شاهدٍ يخصّها، ولأنه لا يتّسق في التسلسل مع جملة الهجر التي سبقته.
  3. وحصيلة «ثلاث قرى»الوقفة الرابعةلأن الثلاث على الفرات والحكم عن الإقليم.
  4. وجملة القرية الواحدة في وادي الفرات بين 1835 و1837الوقفة الخامسةلأن ملحق تقرير البعثة نفسه يصف زراعةً وقريةً مأهولة.
  5. ومركزية دير الزور بوصفها اقتصاديةً واجتماعيةالوقفة السادسةلأن الدليل إداريٌّ والدعوى اجتماعية.
  6. ونسبة 97 في المئةالوقفة السادسةلأن تعداد 1981 يُستعمل سنداً لحكمٍ طويل الأمد، ولأن تمييز المصدر بين الفرات والخابور يُطوى، ولأن بادية الجزيرة تختفي.
  7. وحكم «التشكّل الحقيقي للقرى»الوقفة السابعةلغياب معياره، ووحدة إسناده، وخطأ عنوان مرجعه.
  8. وأسبقية طيّالوقفة الثامنةلأن دليلها أنثروبولوجيٌّ بإقرار باروت، ويُعامَل معاملة الواقعة الثابتة.
  9. وتأريخ غزوة 628هـ ونسبة شهادة ابن الأثيرالوقفة الأولىوهو خطأٌ لا يمسّ وقوع الخراب.

وبقيت مصادر لم نصل إليها. جمعناها في الملحق الثاني، وذكرنا مع كلٍّ منها ما كانت ستحسمه لو تمكّنا من الحصول عليها.

فالقسم الأول من الكتاب، في مادته وبنيته، تاريخٌ للفرات الأوسط: موثّقٌ متماسكٌ غني، وأدلته أدلةٌ فراتية. وهو يُقدَّم تاريخاً للجزيرة كلها، بما فيها الجزيرة العليا المطرية، وهي تختلف عن الوادي في المعطى الذي تدور حوله الأطروحة نفسها. والأداة التي أتاحت ذلك هي الوثيقة الموسّعة مطبَّقةً من غير شرطيها: من غير تصريحٍ بدرجة البناء، ومن غير إسنادٍ متعددٍ في المواضع التي يقوم عليها. وأثرها التاريخي أن الجزيرة العليا تخرج من الفصل الأول بلا تاريخٍ اجتماعيٍّ مكتوبٍ بين القرن الرابع عشر والقرن العشرين، وأن جماعاتها تُعرَّف بتواريخ وصولها لا بتواريخ وجودها.

روايتان للجزيرة العلياخمس مقارناتٍ بين ما يقوله باروت وما تُظهره شواهد دراستنا، ثم الخلاصة. انزل في الصفحة، فتتغيّر الخريطة مع كل مقارنة. بالرمادي ما يقوله باروت، وبالبرتقالي والأخضر ما تُظهره الشواهد.
زراعةٌ بعلية الخابور الرحبةدير الزورالعشارة«ثلاث قرى» مارديننصيبينرأس العينجزيرة ابن عمر «قرية واحدة» زراعة قرب الرقةقريةٌ محصّنةموضعها غير محدَّد تبعيةٌ إدارية عامودا: 54 قريةنواحٍ، 1870

يقول باروت

«هُجر الإقليم تماماً»

يقول باروت إن الإقليم هُجر في أواخر القرن الرابع عشر «تماماً من أي توطّن فلاحي متحضّر». الوقفة الأولى

وتُظهر الشواهد

سهول الجزيرة العليا تُزرع بعلاً بالاعتماد على المطر، فانهيار الريّ في الوادي لا يكفي للحكم بهجرها. وسنة 1598 تذكر وثيقةٌ عثمانية زعيماً لعشيرة الملّان يحمل صفة بك سنجق الخابور. الوقفة الثانية

يقول باروت

«ثلاث قرى» على الفرات

حصيلة الإعمار العثماني عنده ثلاث قرى صغيرة: الرحبة ودير الزور والعشارة، وكلّها على الفرات الأوسط. الوقفة الرابعة

وتُظهر الشواهد

في الشمال مدنٌ قائمة لا تذكرها فقرة الإعمار: ماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر ورأس العين. وفي وثيقة 1598 ثلاث قرى خربة على الخابور يُكلَّف زعيمٌ محلّي بإعمارها. الوقفة الرابعة

يقول باروت

قرية واحدة عامرة

وبين 1835 و1837 لم تكن في وادي الفرات، بحسبه، قرية عامرة إلا دير الزور. الوقفة الخامسة

وتُظهر الشواهد

لينش، من البعثة نفسها، يرى جماعاتٍ تزرع قرب الرقة، وقريةً كبيرة محصّنة بأسوارٍ من طين قرب دير الزور. الوقفة الخامسة

يقول باروت

دير الزور مركز الإقليم

يجعل باروت دير الزور المكان الذي انطلق منه إحياء الجزيرة كلها. الوقفة السادسة

وتُظهر الشواهد

تتبع رأس العين دير الزور في سجلات الإدارة. لكن تجاراً ومزارعين من رأس العين ونصيبين طالبوا سنة 1871 ألّا تنفصل منطقتهم عن ماردين. الوقفة السادسة

يقول باروت

لا قرى «حقيقية» قبل أواسط القرن العشرين

ولا يتمّ عنده «التشكّل الحقيقي للقرى» إلا في أواسط القرن العشرين. الوقفة السابعة

وتُظهر الشواهد

سنة 1870 تنظّم الدولة أماكن تمركز عشائر كردية نواحيَ لقضاء رأس العين. وسنة 1930 يسجّل تقريرٌ فرنسي 54 قرية مسمّاة حول عامودا، بأعداد أسرها. وفي خريطة 1935 ترحال شمّر إلى جانب القرى، لا بديلاً منها. الوقفة السابعة

الخلاصة

قبل أن يُرسم الحدّ، كانت سهول الجزيرة العليا وماردين ونصيبين مجالاً واحداً، تمتدّ فيه القرابة والتجارة والمراعي. أمّا دير الزور فمدينةٌ على الفرات في طرف هذا المجال، وما جرى فيها لا يصلح مقياساً لما جرى في سهول الشمال. الجزيرة من قبل الحدود إلى الجلاء

والشواهد كلّها معاً لا تُثبت وحدها استمرار السكان أو القرى عبر القرون، لكنها تبيّن أن تاريخ الجزيرة أوسع من تعاقب الخراب والإسكان. الوقفة العاشرة

لا يُرسم على الخريطة إلا ما تحدّد المصادر موضعه. فوثيقة 1598 تسمّي سنجق الخابور ولا تحدّد مركزه ولا حدوده، فلم يُرسم إلا النهر. والقرية المحصّنة عند لينش قرب دير الزور، وموضعها غير محدَّد، فرُسمت دائرةً متقطّعة. ومراعي شمّر تُرى في خريطة 1935 نفسها، في الوقفة الثالثة.مجاري الأنهار معاصرة، والصورة الفضائيّة من NASA Blue Marble.

انتهى هذا القسم إلى أن رواية باروت تصدق على الفرات الأوسط أكثر مما تصدق على الإقليم كلّه. ويبقى سؤالٌ لا يجيب عنه التفكيك وحده: ماذا تقول المصادر نفسها عن الجزيرة، إذا قُرئت من غير أن يُتّخذ دير الزور مقياساً لها؟ وعن هذا السؤال يجيب القسم الثاني، فيعيد بناء تاريخ الإقليم من مصادره، من أواخر القرن الثاني عشر إلى عتبة الانتداب. القسم الثاني: إعادة بناء التاريخ

التالي · القسم الثانيإعادة بناء التاريخيعيد بناء تاريخ الإقليم من مصادره، من أواخر القرن الثاني عشر إلى عتبة الانتداب. في اثني عشر فصلاً.ابدأ القراءة ←