القسم الثاني

إعادة بناء التاريخ

شارِك
واتسابتلغرامإكسفيسبوك
الدراسة كاملةً بصيغة PDFالدراسة كاملةً · PDF · 138 صفحة

ملاحظة للقارئ: هذا القسم الثاني من الدراسة: يقدّم الكتاب، ثم يعيد بناء تاريخ الجزيرة من المصادر مباشرةً. ويختبر القسم الثالث منهج باروت، وتجمع صفحة الملاحق الجداول والفهارس.

ولا تفترض هذه الدراسة معرفتك السابقة بتاريخ الجزيرة ولا بكتاب باروت. وكلُّ مصطلحٍ إداريٍّ عثمانيٍّ أو اسمِ عشيرةٍ أو موضعٍ يُشرَح عند أول ورودٍ له.

1الكتاب، وأطروحته، وسبب هذه المراجعة

ما هذا الكتاب

صدر كتاب محمد جمال باروت «التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البداوة إلى العمران الحضري» عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سنة 2013، في 1021 صفحة وخمسة عشر فصلاً. وهو من أوسع الكتب العربية في موضوعه وأكثرها توثيقاً.

ومؤلفه باحثٌ سوريٌّ معروف، أنجز الكتاب على مراحل، منها إقامةٌ أستاذاً زائراً في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس سنة 2009، ثم أكمله باحثاً مقيماً في المركز العربي بالدوحة. وقد اعتمد فيه على الأرشيف الوطني السوري في مركز الوثائق التاريخية بدمشق، وعلى الجرائد الرسمية لدولتي سورية وحلب ثم الجمهورية السورية، وعلى المجموعات الاقتصادية لغرفتَي تجارة حلب ودمشق، والتقارير الزراعية لدولة حلب في العشرينيات.1باروت، «التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية»، بيروت/الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2013، المقدمة، ص31.

والكتاب ليس تاريخاً لحركةٍ سياسيةٍ بعينها، بل تاريخٌ لـتكوُّن إقليم: كيف صارت المنطقة التي نسمّيها اليوم «الجزيرة السورية»، أي محافظة الحسكة وما جاورها في أقصى شمال شرق سورية، على ما هي عليه. وهو يبدأ من الجغرافيا العربية الإسلامية الوسيطة، ويمرّ بالغزو المغولي والتيموري، والحكم العثماني، والتنظيمات، ثم الانتداب الفرنسي، وينتهي عند التسعينيات.

الكتاب كلّه، وموضع القسم المدروس منهصفحات الكتاب من أوّلها إلى آخرها، مقسومةً على أقسامه الخمسة بنسبة عدد صفحاتها. والقسم الأول، موضوع هذه الدراسة، 88 صفحة من نحو ألف.
ص23ص1021
  1. القسم الأولص37–124 · فصلٌ واحد

    جدلية العمران الحضري والتبدون

    من الجغرافيا العربية الإسلامية الوسيطة إلى أواخر العهد العثماني

    موضوع هذه الدراسة

  2. القسم الثانيص125–370 · خمسة فصول

    تاريخ الهجرات والإعمار: نشوء الجزيرة السورية الحديثة

    من 1920 إلى 1939: احتلال الجزيرة، والهجرات الكبرى، وإعمارها

  3. القسم الثالثص371–534 · ثلاثة فصول

    السياسات الإثنية الفرنسية: من حركة الانفصال إلى الجلاء

    من 1937 إلى الجلاء سنة 1946

  4. القسم الرابعص535–676 · فصلان

    الثورة الزراعية ومشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين وتحويل نهر الأردن

    من 1941 إلى 1964

  5. القسم الخامسص677–860 · أربعة فصول

    من الهجرة الكردية الثانية إلى الحزام العربي

    من 1939 إلى التسعينيات

فصول الكتاب الخمسة عشر
  1. 1الجزيرة الوسطى السورية، جدلية العمران والتبدون: إطار تاريخيص37
  2. 2احتلال الجزيرة (1920–1926)ص127
  3. 3المشرق العربي الحديث: نشوء المشكلات الكردية والكلدو-أشورية والأرمنيةص167
  4. 4الهجرات الكبرى: موجة الهجرة الثالثة (1925–1939)ص217
  5. 5قلق الحركة الوطنية من موجات الهجرةص293
  6. 6إعمار الجزيرةص321
  7. 7مشروع الكيان الكردي، الكلدو-أشوري، البدوي في الجزيرة (1937–1939)ص373
  8. 8عصيان الجزيرة: إعادة تشكيل الأحداثص425
  9. 9من النظام الخاص للجزيرة إلى الجلاء (1939–1946)ص471
  10. 10الثورة الزراعية: «كاليفورنيا سورية»ص537
  11. 11مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سوريةص599
  12. 12من موجة الهجرة الكردية الثانية إلى نشوء مشكلة «أجانب تركيا» (1939–1962)ص679
  13. 13برامج التعريبص729
  14. 14من «خويبون» إلى البارتي وتفرّعاتهص749
  15. 15فصل تركيبي: من الهجرة إلى الجزيرة إلى الهجرة منهاص823

أسماء الأقسام والفصول وصفحاتها من فهرس الكتاب. والفترة التي يتناولها كلّ قسم من عناوين فصوله وأقسامها.محمد جمال باروت، «التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية»، بيروت/الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ص5–20.

وقسمه الأول، وهو موضوع هذه الدراسة، فصلٌ واحدٌ مطوَّل، من ص37 إلى ص124، عنوانه: «الجزيرة الوسطى السورية — جدلية العمران والتبدون: إطار تاريخي».

وقد عرض القسم الأول: تفكيك السردية، من هذه الدراسة أطروحة باروت والمسألة التي نختبرها فيها.

لماذا تستحق هذه المسألة النقاش العلني

لأنّ سؤال «من سبق إلى هذه الأرض؟» لم يكن سؤالاً وصفياً بريئاً في تاريخ الجزيرة، ولا هو كذلك اليوم.

وتوثّق الباحثة سيدا ألتوغ، في أطروحتها عن الطائفية في الجزيرة السورية، أنّ «القِدَم» (ancientness) و«الأصالة» (autochthony) صارتا في خطاب الصحافة القومية العربية سنة 1938 علامتَي «الأكثرية»، وأنّ صفة «اللاجئ» صارت مرادفةً للأقلّية وللمعارضة السياسية معاً. وتنقل عن الكاتب القومي المعروف نجيب الريّس في صحيفة «القبس» (3 آب 1938):

«ليس من الحقّ ولا الإنصاف ولا من العُرف أيضاً أن تُحدَّد مصائر البلد بأناسٍ لاجئين، ليس لأكبر رأسٍ فيها قبرُ أبٍ أو جدّ، فضلاً عن عشيرةٍ أو قبيلة.»2Seda Altuğ, «Sectarianism in the Syrian Jazira: Community, Land and Violence in the Memories of World War I and the French Mandate (1915–1939)», PhD thesis, Utrecht University, 2011, p. 272، نقلاً عن «al-Qabs», 03.08.1938. research-portal.uu.nl

وتُظهر ألتوغ أنّ تلك الصحافة كانت تُعرّف الجزيرة بأنها «أرض شمّر والجبور وطيّ»، أي بأسماء ثلاث عشائر عربية، وأنّ عضوية الكرد في الأمة كانت مشروطةً بالولاء، فيُقال «بعض الكرد الموالين»، ويُسمَّون بأسمائهم المعرَّبة: الدقوري والملّية والكيكية.3Altuğ, المرجع نفسه، pp. 272–273، نقلاً عن «al-Qabs», "mahzala fi Jazira", 03.08.1938.

ولا تدّعي هذه الدراسة أنّ باروت يتبنّى ذلك الخطاب. تدّعي أمراً أدقّ وأثقل: أنّ المؤرّخ الذي يكتب عن هذه الأرض يعمل داخل حقلٍ اصطلاحيٍّ له تاريخ، وأنّ عليه أن يعرف تاريخ الصيغة التي يستعملها. وسنرى أنّ باروت يكتب في ص60 عن محافظة الحسكة أنها «سادته بالتتالي عشائر طيّ والجبور العربية».

2ما هي «الجزيرة»؟ تحرير المصطلحات قبل تحرير التاريخ

ثلاث جزائر لا جزيرة واحدة

يستعمل الكتاب، والأدبيات كلها، كلمةً واحدة لثلاثة أشياء مختلفة. وأكثر الالتباس في هذا الملف ينشأ من هذا الاشتراك.

(أ) جزيرة الجغرافيين العرب المسلمين

الإقليم الواقع بين دجلة والفرات. وسمّاه الكتّاب السريان «سوريا بريتا» أي سورية الخارجية، وعرفته الآرامية باسم «آرام نهرين»، والإغريق «ميزوبوتاميا». وقسّمه الجغرافيون المسلمون ثلاثة أقسام سمّوها «ديار»، بأسماء قبائل عربية تغلغلت في شماله في عهد الدولة الساسانية (226–650م): ديار مضر (حول الفرات والبليخ)، وديار ربيعة (حول الخابور ونصيبين)، وديار بكر (في الشمال حول آمد).4باروت، ص37–38، نقلاً عن عبد الله الحلو، «تحقيقات تاريخية لغوية في الأسماء الجغرافية السورية»، بيروت: دار بيسان، 1999، ص13 و24؛ وسيّار الجميل، «العثمانيون وتكوين العرب الحديث»، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1989، ص300؛ وإسكندر داود، «الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر»، دمشق: مطبعة الترقي، 1959، ص100؛ وعبد الحكيم الكعبي، «الجزيرة الفراتية وديارها العربية»، دمشق: صفحات، 2009، ص55–65.

ويقتبس باروت ياقوت الحموي: «وهذا اسم لهذه البلاد قديم، كانت العرب تحلّه قبل الإسلام في بواديه، واسم الجزيرة يشمل الكل».5ياقوت الحموي، «معجم البلدان»، مادة ديار بكر وديار ربيعة وديار مضر، ج2–4 ص330، كما ينقله باروت، ص38.

ويلزم الانتباه إلى قيدٍ في نصّ ياقوت نفسه: ما حلّته العرب قبل الإسلام هو البوادي، أي المراعي والسهوب، لا الإقليم كله بمدنه وقراه. وأسماء «الديار» الثلاث أسماءُ تقسيمٍ إداريٍّ إسلاميٍّ من القرون السابع إلى العاشر الميلادي. ونقلها إلى مسألةٍ سكانيةٍ في القرنين التاسع عشر والعشرين انتقالٌ عبر أكثر من عشرة قرون، لا يبرّره إلا اشتراك الاسم.

(ب) الجزيرة بوصفها شبكة مدنٍ وأرياف ومراعٍ وسلطات

وهذا هو الاستعمال التاريخي الحيّ: مجالٌ متغيّر الحدود، مراكزه ماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر وسنجار وحوض الخابور، تتجه صلاته إلى الشمال (ديار بكر) والشرق (الموصل) بقدر ما تتجه إلى الفرات.

(ج) الجزيرة السورية بالمعنى الإداري الحديث

وهذه تعريفها معروفٌ بدقة، ويورده باروت نفسه في حاشيةٍ ثمينة: قرار المندوب الفرنسي فوق العادة في حلب، بيير أليب، رقم 285 تاريخ 26 حزيران 1926، الذي حدّد «الجزيرة العليا» بأراضي قضاءَي الحسكة وكبرو، وأخضعها لقانونٍ إداريٍّ خاص، مع تبعيةٍ اسميةٍ للواء دير الزور.6باروت، ص44، الحاشية 25، نقلاً عن «قرار رقم 285 تاريخ 26 حزيران 1926»، في: «مجموعة مقررات حكومة سوريا»، جمعها يوسف صادر، ج3 ص304–310.

فالجزيرة السورية بالمعنى الإداري كيانٌ عمره، عند كتابة هذه السطور، مئة عامٍ إلا قليلاً. وإسقاط حدوده على القرون السابقة بأثرٍ رجعي خطأٌ منهجيٌّ قبل أن يكون خطأً سياسياً.

(د) وتسميةٌ رابعة، عثمانية ومعاصرة للكتاب

وإلى جانب هذه المعاني الثلاثة تسميةٌ رابعة، يجدر ذكرها لأنها تكشف أن اختيار الإطار اختيار.

في سنة 1895، أي في ذروة استقلال متصرفية الزور، طبع ضابطٌ عثماني اسمه أحمد جمال كتاباً في الجغرافيا العثمانية في مطبعة مدرسة الفنون الحربية بإسطنبول. وفي بابه عن «مستقل زور سنجاغي» يصف الوحدة الإدارية نفسها بأنها «سنجق الزور الواقع ضمن كردستان وفي حوض الفرات»، ويحدّ حدوده بديار بكر والموصل وبغداد والبادية السورية وحلب، ويجعل الدير مركزاً والعشارة ورأس العين وأبو صيّات مراكز أقضية.7Kolağası Ahmed Cemal, «Mufassal Coğrafya-yı Osmânî», إسطنبول: مطبعة مدرسة الفنون الحربية، 1311 رومي/1895، ص194، باب «مستقل زور سنجاغي».

وحدّ دلالة هذا النصّ ثلاثة قيود لا يصحّ تجاوزها. فهو ليس دليلاً على تبعيةٍ إدارية: الزور في تلك السنوات متصرفيةٌ مرتبطةٌ بالأستانة مباشرة، وباروت نفسه يقرّر ذلك. وليس دليلاً على تركيبٍ إثني: لا يقول النصّ شيئاً عن سكان السنجق. وليس إطاراً ثابتاً عبر القرون: فـ«كردستان» في الاستعمال العثماني لفظٌ متحوّل المرجع، كان اسم إيالةٍ بين 1847 و1867 ثم زال.

وما يفيده بدقة: أن المكان الواحد كان يُسمّى في الزمن الواحد بنظامين مختلفين: جغرافيا عربية إسلامية موروثة، وجغرافيا عثمانية رسمية معاصرة. فحين يختار مؤرّخٌ أحد النظامين إطاراً لكتابه، فإنه يتخذ قراراً تفسيرياً، لا يسجّل معطىً سابقاً على البحث. وهذا وحده هو موضع إفادة النصّ في هذه الدراسة.

أربعُ جزائر باسمٍ واحدلكلّ معنى لوحة، بما تثبته مصادره وحدها. وما لا تثبته المصادر لا يُرسم.
  • دار (ظلّ للتمييز)
  • حدّ بين الديار، من خريطة لسترنج 1905
  • موضع مدينة
  • مدينة في نسبتها خلاف
  • حدود الدول اليوم، للتوجيه
  • لا حدود إدارية مرسومة على الخريطة الفضائية

أديار الجغرافيين المسلمين

جغرافيا القرن العاشر كما أعاد بناءها لسترنج (1905)، وخطّا الحدّ منقولان من خريطته (Map III).

ديار بكرديار مضرديار ربيعةآمدميافارقينحصن كيفاسميساطالرهاحرّانسروجالرقةقرقيسياعانةنصيبينسنجارالموصلرأس العينماردين
خريطة لسترنج المطبوعة: إقليم الجزيرة بحدٍّ غليظ، وخطّان منقّطان يقسمانه إلى ثلاث ديار
مصدر الخطوط: خريطة لسترنج، «Provinces of the North-West Frontier, with Jazirah and Adharbayjan»، Map III في كتابه The Lands of the Eastern Caliphate، كامبريدج 1905. الخطّان المنقّطان فيها هما الخطّان المنقولان هنا.الظلال تمتدّ من الخطّين إلى الفرات وحافّة اللوحة، وهاتان ليستا حدّاً للدار.

انقر أيّ مجالٍ أو مدينةٍ أو خطّ لترى مصدره.

بالمراكز والأنهار

مراكز الشبكة بمواضعها اليوم. والطرق القديمة التي رصدها بويدبار من الجوّ سنة 1925 تجدها في خريطته الأصلية تحت اللوحة، ولم تُنقل إلى الصورة الفضائية.

مارديننصيبينجزيرة ابن عمرآمد / ديار بكررأس العينسنجارالموصلالحسكةالرقةدير الزورالقامشلي (ق20)
خريطة بويدبار المرسومة باليد: أسهم من مفترقات الحسكة وصفيان وتل حميدي إلى ماردين ونصيبين وعامودا ودارا وبحيرة خاتونية وسنجار
خريطة بويدبار، 1927: الأسهم محاذاة تلال رآها من الطائرة في أيار 1925، ويعدّها طرقاً قديمة تتلاقى في الحسكة وصفيان وتل حميدي. عمر هذه الطرق غير محدَّد.Poidebard، Syria 8/1، 1927، ص55–65، الشكل 2.

انقر أيّ مجالٍ أو مدينةٍ أو خطّ لترى مصدره.

جالجزيرة العليا، القرار 285

26 حزيران 1926. الحدود القانونية قيد التحقيق، فنصّ القرار لم يُقرأ بعد.

الحسكةالقامشليرأس العين

انقر أيّ مجالٍ أو مدينةٍ أو خطّ لترى مصدره.

دسنجق الزور: خريطة 1913 ونصّ 1895

تاريخان منفصلان، لا يُدمج أحدهما في الآخر.

خريطة عثمانية بالحبر الأسود والأحمر: خطٌّ متصل يحيط بلواء أورفا في الأعلى ولواء الزور الكبير تحته، والفرات يمرّ بالرقة ودير الزور إلى عنة، ودوائر حمراء وسوداء عند البلدات، وجدولٌ إلى اليمين
خريطة · 1913«اورفه لواسی» و«زور لواسی»: خريطة لمدارس اللواءين، يحيط خطٌّ متصل بكلّ منهما. تُعرض كما هي، ولا تُنقل حدودها إلى الخريطة الفضائية.

انقر أيّ مجالٍ أو مدينةٍ أو خطّ لترى مصدره.

الخلفية: صورة فضائية NASA Blue Marble. مواضع المدن من GeoNames، والأنهار من Natural Earth وOpenStreetMap، وحدود الدول اليوم من Natural Earth. وخطّا الحدّ في (أ) منقولان من خريطة لسترنج (1905، Map III).

نظامان زراعيان، لا نظام واحد

هذا التمييز هو مفتاح هذا الفصل كله، ويستحق أن يُشرح للقارئ غير المتخصص.

في أودية الفرات والخابور والبليخ تقوم الزراعة على ماء النهر: قنواتٌ تُشقّ من المجرى، ونواعيرُ وسواقٍ ترفع الماء، وتربةٌ فيضيّة. وهذا نظامٌ هشّ: القنوات تمتلئ بالطمي فتحتاج تنظيفاً دورياً، والتنظيف يحتاج سلطةً تنظّمه وأيدياً تعمل فيه وأمناً يحميها. فإذا انهار أحدها انهار النظام كله.

وفي السهول الشمالية، المنطقة الممتدة من رأس العين شرقاً إلى ديريك، والمتصلة بماردين ونصيبين، الزراعة في جانبٍ واسعٍ منها بعلية. وهذا نظامٌ أصلب: لا يحتاج قنواتٍ تُصان، ولا سلطةً تنظّم المياه. يحتاج مطراً كافياً وأمناً نسبياً وبذاراً. وقد أثبت عالم الآثار ت. ج. ويلكنسون في دراسته عن تطوّر التربة والاستعمال المبكر للأرض في الجزيرة أنّ البنية الزراعية لأجزاء واسعة من الجزيرة العليا بنيةٌ مطرية.8T. J. Wilkinson, "Soil development and early land use in the Jazira region, Upper Mesopotamia," «World Archaeology» 22/1 (1990), pp. 87–103.

السهول الشمالية: زراعةٌ بعلية، نظامٌ أصلبالسهول الشمالية: بعلية ديريك الأودية المرويّة: الفرات والخابور والبليخالأودية المرويّة زراعةٌ على ماء النهر، نظامٌ هشّ الفراتالخابورالخابورالجغجغالبليخدجلةدير الزورالرقّةالميادينرأس العينالحسكةمارديننصيبينالقامشليسنجار

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

نظامان زراعيان. في الأودية تقوم الزراعة على ماء النهر بقنواتٍ ونواعير تحتاج صيانةً وسلطةً وأمناً، فإذا انهار أحدها انهار النظام. وفي السهول الشمالية، من رأس العين إلى ديريك (الخطّ المتقطّع)، الزراعة في جانبٍ واسعٍ منها بعلية، تحتاج مطراً وأمناً نسبياً وبذاراً. والحدّ بين البيئتين غير قاطع، والشريط الأخضر تخطيطي. الأودية: نطاقٌ حول المجرى المعاصر للأنهار الثلاثة، يدلّ على الموضع لا على مساحة المزروع. المجاري من OpenStreetMap وNatural Earth، والصورة الفضائية من NASA Blue Marble.

وأثر هذا التمييز مباشر: إذا انهارت شبكةُ قنوات على الفرات، لا يلزم من ذلك شيءٌ عن قرية بعليّة على سفح تلٍّ قرب نصيبين. والحجّة التي تصلح لتفسير الأولى لا تصلح لتفسير الثانية. وقد رأينا في الوقفة الأولى من القسم الأول أنّ هذا بالضبط ما وقع.

تعدّد المواضع في المدى الطويل

رسم الباحثان بيورن مينتسه وجيسون أور خريطةً لمواضع الاستيطان في شمال شرق سورية اعتماداً على صور الأقمار الصناعية، فحدّدا نحو 14 ألف موضع في مساحةٍ تقارب 23 ألف كيلومتر مربع، موزّعةً على سلسلةٍ زمنيةٍ تمتدّ آلاف السنين.9B. Menze and J. Ur, "Mapping Patterns of Long-term Settlement in Northern Mesopotamia at a Large Scale," «PNAS» 109/14 (2012), E778–E787.

خريطة على خلفية سوداء: آلاف النقاط الخضراء موزّعة على حوض الخابور الأعلى، تصل بينها خطوطٌ بيضاء كثيفة، وخطوطٌ حمراء قصيرة في وسطه وجنوبه
خريطة بحث · 2012مواضع الاستيطان في حوض الخابور الأعلى. النقاط الخضراء مواضع الاستيطان التي رصدها الباحثان من صور الأقمار الصناعية، وحجم النقطة بحجم الموضع. والخطوط الحمراء طرقٌ قديمة ظاهرة في صور الأقمار الصناعية CORONA. أما الخطوط البيضاء فصلاتٌ قدّرها الباحثان بنموذجٍ حسابي، لا طرقٌ مسجّلة. والمواضع من آلاف السنين معاً، بلا فصلٍ بين العصور. Bjoern H. Menze & Jason A. Ur, «Mapping patterns of long-term settlement in Northern Mesopotamia at a large scale», PNAS 109/14 (2012)، الشكل 8 («Basin-wide network»).

وحدّ دلالة هذه الخريطة صارمٌ ويجب أن يُقال: هي تُثبت توزّعاً مكانياً طويل الأمد ومواضعَ مرتبطةً بموارد المياه وشبكات الحركة. ولا تُثبت بقاء أيّ موقعٍ مأهولاً في القرن التاسع عشر، ولا تقول شيئاً عن أنساب ساكنيه. فليست حجّةً على الاستمرار، بل حجّةٌ على أنّ المجال لم يكن قطعةً واحدة يُقاس كلُّها بمقياس مدينةٍ واحدة.

سبع تفرقاتٍ لا يستقيم هذا التاريخ من دونها

نضعها هنا مرةً واحدة، ونرجع إليها في كل فصل:

يُخلط بينهماوالفرق
القرية والمرعىاستعمالُ الأرض رعياً لا ينفي وجود قرى فيها. ووصفُ مجالٍ بأنه «مرعى» يصف استعمالاً لا يصف سكاناً
وجودُ جماعة وسيطرةُ زعيمها«سادت شمّر الجزيرة» تعني أنّ زعماءها جَبَوا وحَمَوا وأغاروا، لا تعني أنّ سكان الأرض صاروا من شمّر
الانتجاع الموسمي والهجرة الدائمةالجماعة التي تصيف في الجبل وتشتي في السهل ليست «مهاجرة»، بل مقيمةٌ في مجالٍ من طرفين
تسجيلُ ملكية وإنشاءُ قريةسندُ الطابو ينقل حقاً على أرضٍ قائمة ولا ينشئ أرضاً ولا سكاناً
التبعية الإدارية والتاريخ السكانيإلحاق ناحيةٍ بسنجقٍ قرارٌ في الدفاتر ولا يغيّر من سكنها قبل الإلحاق شيئاً
انقطاعُ التوثيق وانقطاعُ الاستيطانغيابُ القرية من سجلٍّ ضريبيٍّ قد يعني أنها لم تدفع، لا أنها لم تكن
إعادةُ إسكانِ مهجَّرين وإسكانُ وافدين لأول مرةأمرُ «الإسكان» العثماني قد يعني الأول أو الثاني أو تقييد الحركة أو تثبيت الضريبة. وأربعتها وقائع مختلفة

ما تفعله الفصول التالية: يكتب التاريخ من المصادر مباشرةً، لا تعليقاً على باروت. ويضع لكل واقعةٍ سندَها. وما لم نقرأه نقول إننا لم نقرأه. ولا يستبدل مركزية دير الزور بمركزيةٍ أخرى مفترضة.

3ما قبل العثمانيين، نحو 1180–1516

3.1مجالٌ مأهولٌ ومتنازَعٌ قبل المغول

لم تكن الجزيرة في أواخر القرن الثاني عشر فضاءً خالياً تعبره قبائل. تسجّل مصادر العصور الوسطى للجماعات الرعوية مجالات انتجاعٍ معروفةً بأسمائها، وتسمّي جماعاتٍ مرتبطةً بأقاليم بعينها: البشنوية في فنك على دجلة، والزرزارية في سنجار، والهكارية في الجبال التي حملت اسمها، والحميدية في محيط عقرة.10Boris James, "The Rise and Fall of the Kurdish Emirates (Fifteenth to Nineteenth Centuries)," in «The Cambridge History of the Kurds», Cambridge UP, 2021, pp. 26–28، نقلاً عن ابن حوقل وياقوت وغيرهما.

ومعنى «الانتجاع» هنا يستحق الشرح: جماعةٌ تصيف في مرتفعات الشمال حيث الكلأ في الصيف، وتشتي في سهول الجنوب حيث الدفء في الشتاء، وتزرع في أحد الطرفين أو كليهما، ولها في كلٍّ منهما حقوقٌ معروفة. فهي ليست «متنقلة بلا أرض»، بل مقيمةٌ في مجالٍ من طرفين. وهذا التمييز سيعود في كل صفحةٍ من هذا البحث.

ويُسجَّل قبل الغزو المغولي نزاعٌ واسع بين الكرد والتركمان بدأ سنة 581هـ (1185–1186م)، ووصل إلى أرض نصيبين وضفاف الخابور. ويروي ابن الأثير في «الكامل» أن الفتنة بدأت عندما مرّ موكب عرسٍ تركماني بقلعةٍ كردية في الزوزان، فنشب خلافٌ انتهى بمقتل العريس. ثم اتسع القتال إلى الجزيرة والموصل وديار بكر وخلاط وغيرها، وانقطعت الطرق ونُهبت الأموال، واستمرت الفتنة سنواتٍ حتى تدخّل مجاهد الدين قايماز للصلح بين الطرفين. ويؤكد بهاء الدين ابن شداد وقوع معارك متعددة بين الترك والكرد في أرض نصيبين سنة 582هـ (1186م). أما ابن العبري فيقدّم روايةً أكثر تفصيلاً عن امتداد القتال إلى الخابور، فيذكر حشدَ قوةٍ كرديةٍ كبيرةٍ اشتبكت مع التركمان عند النهر، وهُزمت في المعركة، وتبع ذلك قتلٌ ومطاردات امتدت نحو نصيبين.11ابن الأثير، «الكامل في التاريخ»، حوادث سنة 581هـ، «ذكر الفتنة بين التركمان والأكراد بديار الجزيرة والموصل»، ج10 ص11، نسخة إسلام ويب. وبهاء الدين ابن شداد، «النوادر السلطانية»، ص94. وانظر: James، المرجع نفسه، ص27.

وتكشف هذه الأخبار عن وجود جماعاتٍ كرديةٍ وتركمانيةٍ قادرةٍ على التعبئة والقتال في المجال الممتد بين نصيبين والخابور قبل الغزو المغولي. ولا تكفي الروايات لتحديد مواضع إقامة هذه الجماعات أو حدود مراعيها، لكنها تمنع تصوير المنطقة فضاءً خالياً من السكان لا يظهر تاريخ جماعاته إلا مع الهجرات والإسكان اللاحقين.

3.2سنة 628هـ/1231م: غارةٌ ذات نتائج متفاوتة

يصف ابن الأثير، وهو ابن جزيرة ابن عمر، أي ابن المنطقة نفسها، حملةً مغوليةً اجتاحت المجال الممتد من سواد آمد وأرزن وميافارقين إلى أسعرد وطنزة، فماردين ونصيبين وجبال سنجار والخابور. والرواية فيها من هول المجزرة ما لا يُستهان به. وفيها أيضاً تفاوتٌ لا يجوز طمسه:

  • في وادي القريشية قاتلت جماعةٌ كردية الغزاة ومنعتهم من بلوغ مرادهم.
  • في ماردين نُهب السواد، أي الريف، واحتمى أهل المدينة بالقلعة.
  • في نصيبين أقام الغزاة جزءاً من يومٍ ونهبوا سوادها ثم انسحبوا.
  • في المؤنسة، وهي قرية على طريق نصيبين–الموصل، قُتل من احتموا بخانها.

فالنصّ يُثبت وجود قرىً وخاناتٍ ومدنٍ محصّنةٍ وسكانٍ يقاومون أو يحتمون. ولا يُخبر شيئاً عمّا جرى بعد انسحاب القوة.12ابن الأثير، «الكامل في التاريخ»، حوادث سنة 628هـ، «دخول التتر ديار بكر والجزيرة». وهذا هو حدّ ما تقوله شهادةُ غارة: تصف ما رآه الشاهد ساعة الغارة، لا ما آلت إليه المواضع بعد عشرين سنة.

غارةٌ واحدة، ونتائج متفاوتةأربعة مشاهد يرويها ابن الأثير عن الحملة المغولية سنة 628هـ/1231م. اختر مشهداً، فيظهر ما يرويه وموضعه على الخريطة.
نحو الموصلسواد آمدأسعردمارديننصيبينجبال سنجارالخابور

1 · ماردين نُهب السواد، أي الريف، واحتمى أهل المدينة بالقلعة.

2 · نصيبين أقام الغزاة جزءاً من يوم، ونهبوا سوادها، ثم انسحبوا.

3 · وادي القريشية قاتلت جماعةٌ كردية الغزاة، ومنعتهم من بلوغ مرادهم. موضع الوادي غير محدَّد، فلا يظهر على الخريطة.

4 · المؤنسة قريةٌ على طريق نصيبين–الموصل، قُتل من احتموا بخانها. موضعها على الطريق غير محدَّد.

والدوائر البيضاء الفارغة مواضع يذكرها النصّ في مجال الحملة ولا يصف ما جرى فيها.

لا يُرسم مسار الحملة، لأن النصّ لا يحدّد ترتيب سيرها. والدائرة المنقّطة حول ماردين ونصيبين تدلّ على السواد الذي نُهب، لا على مساحته.المصدر: ابن الأثير، «الكامل في التاريخ»، حوادث سنة 628هـ. مواضع المدن بأسمائها اليوم. مجاري الأنهار معاصرة، والصورة الفضائيّة من NASA Blue Marble.

3.3وساطةٌ سياسيةٌ مستمرةٌ بين إمبراطوريتين

بعد أن تفكّكت الدولة الأيوبية وصعد الإيلخانيون في إيران والعراق والمماليك في مصر والشام، صارت الجزيرة وجبالُها منطقةَ تماسٍّ بين قوتين. ولم يُلغِ ذلك البنى السياسية المحلية، بل جعلها مطلوبةً من الطرفين:

  • أتاح السلطان الظاهر بيبرس (حكم 1259–1277) لـسيف الدين منكلان، زعيم الجولمركية، رجالَ إدارةٍ وجنوداً وحاشيةً ملكية ليستعيد إمارته من الإيلخانيين.
  • وفي النصف الأول من القرن الرابع عشر كان نحو خمسين أميراً كردياً يتلقّون مراسلات ومناشير رسمية من الديوان المملوكي، بحسب ما يورده ابن ناظر الجيش والقلقشندي.
  • وفي المقابل استعان الإيلخانيون بزعماء محليين في الجباية والإدارة، وشغل بيتا مازنجانية/الحميدية والجولمركية/الهكارية مواقع رسمية في جهازهم.13James، ص29–34، وخاصة ص31.

ودلالة هذا للقارئ: لم تكن العلاقة بين الإمبراطورية والمجتمع المحلي إخضاعاً عسكرياً فحسب، بل كانت أيضاً اعترافاً ومناشيرَ وامتيازاتٍ وتكليفَ وسطاء. وهذه هي البنية التي ستجدها الدولة العثمانية قائمةً حين تصل بعد قرنين.

وحدّ الدلالة: هذه أقاليم جبلية خارج حوض الخابور المباشر. فهي تنقض، على مستوى الإقليم الأوسع، فرضية اختفاء البنى المحلية بين المغول والعثمانيين.

3.4القرن الخامس عشر: ليس فراغاً بين غزوَين

بعد غارات تيمورلنك (1394 و1401) تنافس اتحادان تركمانيان: القره قوينلو («ذوو الخروف الأسود») في الشرق، والآق قوينلو («ذوو الخروف الأبيض») في الغرب. واعترف الأولون عملياً بحقوق أمراء كرد حيث بَعُد نفوذ المركز، ومنهم شمس الدين البدليسي حاكماً شبه مستقلٍّ في بدليس. واستمرّ الأيوبيون أمراءَ محليين في حصن كيفا بعد زوال سلطانهم في مصر والشام. وهي حالةٌ دالّة: سقوط دولةٍ واسعة لا يعني انقطاع كل أسرةٍ سياسيةٍ حكمت باسمها. ثم اتسع نفوذ الآق قوينلو في ديار بكر وماردين، وانتصر أوزون حسن نحو 1470 وسعى إلى حكمٍ أكثر مباشرة.14James، ص35–36.

3.51510–1516: الاعتراف لا التأسيس

سنة 1510 زار أكثر من اثني عشر أميراً كردياً الشاه إسماعيل الصفوي في مدينة خوي، فاعتُقلوا وحلّ محلّهم رجالٌ موثوقون لدى الصفويين.15James، ص36. ثم جاء الصراع العثماني–الصفوي، وانتُدب إدريس البدليسي، وهو موظفٌ خبيرٌ بالبلاد الشرقية عمل سابقاً في أوساط الآق قوينلو، للتفاوض بين السلطان سليم الأول والأمراء المحليين.

والنتيجة التي تسمح بها المصادر: لم تكن الدولة العثمانية تواجه مجتمعاً بلا مؤسسات سياسية، بل بيوتَ حكمٍ اختبرت قبل ذلك بقرون التفاوضَ والضغطَ والإزاحة. ولم ينل الأمراء وضعاً قانونياً واحداً، بل أوضاعاً متفاوتة: سناجق بأنواعها، ويورتلق–أوجاقلق (أرضٌ موروثة مع التزامات)، وحكومت (حكمٌ ذاتيٌّ أوسع)، وبكلك. واختلفت الواجبات المالية والعسكرية ودرجاتُ التوريث.16James، ص37–39.

فالسنوات 1514–1516 مرحلةُ تحوّلٍ في السيادة وإعادةِ تقنينٍ للحكم المحلي، لا سنواتُ إنشاءٍ للسكان ولا أولَ ظهورٍ للأمراء الكرد. والمصطلحات الأدقّ: الإدماج، والتثبيت، وإعادة التفاوض، لا «التأسيس».

4الملّان قبل إبراهيم باشا، ملفٌّ يُعاد فتحه

هذا الفصل من أهمّ ما في الدراسة، لأنه يمسّ أكثر الدعاوى أثراً في تاريخ الجزيرة الحديث: متى صار للكرد وجودٌ منظَّمٌ في هذه السهول؟

4.1من هم «الملّان»؟

الملّان (ويرد الاسم أيضاً بصيغتي الملّية والملّيين، وبالتركية Milli، والاختلاف في الرسم وحده) من أكبر الاتحادات العشائرية في شمال الجزيرة وجنوب شرق الأناضول. ومركزه ويران شهر، وهي بلدةٌ تقع اليوم في تركيا على بعد نحو ستين كيلومتراً شمال رأس العين السورية. ومنه خرجت أشهر زعامات المنطقة في القرن التاسع عشر: إبراهيم باشا الملّي.

ويقدّم باروت نفسه معلومتين تكفيان لتفكيك فكرة «العشيرة ذات النسب الواحد»:

الأولى، دلالة الاسم. يقول إنّ «المليّة» من «هزار مللت»، أي «ألف ملّة».17باروت، ص55. و«الملّة» في الاصطلاح العثماني جماعةٌ دينية. فالاسم نفسه يعني: اتحادٌ من ألف جماعة.

والثانية، تركيب الاتحاد. ينقل عن المؤرخ التركي جنكيز أورهونلو، استناداً إلى الوثائق العثمانية، أنّ عشائر الاتحاد «تحت قيادة كلّش المعروف بمحمود الأول» بلغت مئة عشيرة كردية وتركمانية وعربية، والتسمية المزدوجة من نصّ باروت نفسه.18المصدر نفسه، ص55–56، نقلاً عن جنكيز أورهونلو، «إسكان العشائر في عهد الإمبراطورية العثمانية»، ترجمة فاروق مصطفى، دمشق: دار الطليعة الجديدة، 2001.

فالخلاصة بلسان الكتاب نفسه: «الملّان» اسمُ اتحادٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ، لا اسمُ نسب. ويترتب على ذلك قاعدةٌ تعمل في الاتجاهين: لا يجوز أن يُستعمل انضمامُ فرعٍ إلى الاتحاد دليلاً على أصله، ولا أن يُستعمل تاريخُ الاتحاد تاريخاً لوصول أعضائه إلى الأرض.

وقد عرضت الوقفة الرابعة من القسم الأول رواية باروت عن إسكان الملّيين سنة 1701، ووثيقة سنة 1598 التي تذكر قبل ذلك بنحو قرن زعيماً لعشيرة الملّان يحمل صفة بك سنجق الخابور، وحدود ما تثبته.

الملّان في الوثائق، من 1598 إلى 1870يبدأ باروت خبر الملّان في المنطقة بسنة 1701. ووثيقة سنة 1598 تذكرهم قبل ذلك بنحو قرن.
  1. 1598زعيمٌ لعشيرة الملّان يحمل صفة بك سنجق الخابورالمصدر: مصطفى أكداغ، عن سجلٍّ شرعي في متحف ديار بكر
  2. 1701إسكان الملّيين في ديار بكرالمصدر: باروت، نقلاً عن ستيفان فينتر
  3. 1711إسكانهم في الرقةالمصدر: باروت، نقلاً عن ستيفان فينتر
  4. 1866ضرائب على عشائر مسمّاة، منها كيكي والملّيةالمصدر: هاكان آصان، عن ملفٍّ في الأرشيف العثماني
  5. 1870مواضع عشائر كيلي والملّية وخلجان الكردية تصير نواحيَ تابعةً لقضاء رأس العينالمصدر: باروت

4.2ما بعد 1701: صعود بيت كلش عفدي

ويضع باروت إسكان سنة 1701 داخل ما يسمّيه «برنامج الإعمار العثماني الأول»، الذي يبدأ عنده سنة 1696، وشمل «إسكان آلاف عدة من بدو العشائر التركمانية والكردية الرُّحّل، في القسم الممتد من بالس (مسكنة) حتى منبج وأبي قلقل، مروراً بضفاف البليخ في الرقة».19باروت، ص54.

ويقرّ باروت بأنّ برنامج الإسكان الأول أخفق: «لكن بحلول الأعوام الخمسة ما بين 1720 و1725 كان البرنامج قد أخفق لأسبابٍ نفسية ومناخية وسياسية متعددة ومعقّدة».20باروت، ص55، الحاشية 58، نقلاً عن أورهونلو ص87–104 و133–127. وهذا إقرارٌ مهمّ، وإن كان إخفاق البرنامج لا يعني بالضرورة فشل كل عملية إسكانٍ شملها. فلا يصحّ أن يُقرأ تاريخ الإقليم خطاً صاعداً من الخراب إلى العمران بفعل الدولة، ولا أن يُفترض أن الجماعات عادت جميعها إلى الترحال بعد إخفاق البرنامج.

الفراتالبليخالساجورجُلّابالبليخ والرقةحرّان وأورفامنبج والساجورالرقةمسكنةأبو هريرةقلعة جعبرتل زيدانأورفا (الرها)حرّانسروجأقجة قلعةتل أبيضبوز آبادمنبجالبابتل باشر

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

جغرافية برنامج الإسكان العثماني الأول في الرقة والبليخ وحرّان ومنبج (1691–1696). إعادة رسم لجغرافية حملة الإسكان العثمانية (1691–1696)، اعتماداً على الخرائط I وII وIII في كتاب جنكيز أورهونلو (1963)، ص53–64. وتمثل المواضع التي تناولتها إجراءات الإسكان، لا حدوداً إدارية ولا دليلاً على نجاح الاستقرار الدائم. النقطة الملوّنة موضعٌ يذكره نصّ أورهونلو في إجراءات الإسكان، والحلقة قريةٌ شغلتها جماعةٌ «خارج الدفتر»، والنقطة الرمادية موضعٌ على خرائطه لم نجده في نصّه. انقر أيّ نقطة لترى اسمها. والمواضع منقولة عن خرائطه بتقريب، والبحيرتان في الصورة الفضائية حديثتان.
خرائط أورهونلو الأصلية
خريطة أورهونلو I: البليخ والرقة
الخريطة I: البليخ والرقة
خريطة أورهونلو II: حرّان وأورفا
الخريطة II: حرّان وأورفا
خريطة أورهونلو III: منبج والساجور
الخريطة III: منبج والساجور

ثم ينتقل باروت إلى صعود زعامة الملّيين، فيكتب أن «كلّش المعروف بمحمود الأول» ترك عمله الحكومي في الآستانة ليصبح «رئيساً دون منازع للمليين»، وأن اسمه في المدوّنات العربية هو «تيمور باشا الملّي». ويضيف أن أسرته حكمت ماردين وراثياً ابتداءً من سنة 1735، وأن نفوذها امتدّ في الرقة وديار بكر وحلب، حيث فرضت الخوّة (إتاوة حمايةٍ يدفعها الأضعف للأقوى مقابل ألّا يُغار عليه) على الفلاحين والعشائر، والضرائب على القوافل.21باروت، ص55–56.

لكنّ كلش ومحمود وتيمور ليسوا شخصاً واحداً. فقد وثّقت الدراسات التركية الحديثة، بالعودة إلى السجلات العثمانية، تعاقب ثلاثة أجيال من بيت كلش عفدي. يظهر كلش عفدي آغا زعيماً للملّيين سنة 1724، ثم يرد ابناه بشار ومحمود في وثائق منتصف القرن الثامن عشر. وكان بشار رئيساً للإسكان سنة 1751، ثم تولّى أخوه محمود المنصب بعده، قبل أن يُقبض عليه ويُعدم سنة 1760. أما تيمور باشا، الذي اتسع نفوذه في العقود التالية، فكان من الجيل اللاحق.22Ercan Gümüş, "Osmanlı Ayanlık Devri'nde Milli Keleş Abdi Hanedanı," «Mukaddime» 14/2 (2023): 284–313، النصّ، ولا سيما ص303 و308–309.

أما الخلاف في نسب تيمور باشا، فلا يمسّ حقيقة أن كلش عفدي ومحمود وتيمور شخصيات تاريخية مختلفة. فقد رجّح محمد رزان إكينجي أن تيمور ابن كلش عفدي مباشرة، مستنداً إلى تقرير عثماني يفيد بأنه راكم ثروته على مدى واحد وثلاثين عاماً، واستنتج منه أن نشاطه القيادي بدأ نحو سنة 1761. غير أنّ هذه القرينة الزمنية لا تثبت الأبوة. وفي المقابل، يرى عبد الله إكينجي ومراد بولات أن تيمور ابن محمود بك، ابن كلش عفدي، مستندين إلى وثائق عثمانية تذكر هذه القرابة. ويؤيد إرجان غوموش هذا الترجيح، ويميّز بين محمود الذي أُعدم سنة 1760، وابنيه تيمور ودرويش المحمود، وبين سعدون ابن بشار، الذي كان ابن عم تيمور ومنافسه على الزعامة، لا شقيقه كما ذهب محمد رزان إكينجي.23Mehmet Rezan Ekinci, «Osmanlı Devleti Döneminde Milli Aşireti (XVIII.–XIX. YY.)»، 2017، ص133–134. وAbdullah Ekinci ve Murat Polat, "XVIII. Yüzyılda Şark Valilerinin İktidar Oyunları ve Bir Feodalin Güç Devşirmesi: Millilü Timur Paşa," «Osmanlı Medeniyeti Araştırmaları Dergisi» 14 (2022): 95–118، ص98، الدراسة. وغوموش 2023، ص308–309، الحاشيتان 18 و19، الدراسة.

ولم يقتصر أثر هذا الالتباس عند إكينجي على إعادة بناء شجرة النسب، بل امتدّ إلى تفسير الأحداث. فقد ربط إعدام محمود سنة 1760 بدعمه تمرّد تيمور باشا، بينما يرفض غوموش هذه الصلة، ويرى أنها نتجت من الخلط بين محمود وابنه درويش المحمود، الذي قُتل سنة 1791 في سياق المواجهة المتعلقة بأخيه تيمور. وهكذا أدى الخلط بين جيلين إلى إقامة علاقة سببية بين أحداث تفصل بينها عقود.23Mehmet Rezan Ekinci, «Osmanlı Devleti Döneminde Milli Aşireti (XVIII.–XIX. YY.)»، 2017، ص133–134. وAbdullah Ekinci ve Murat Polat, "XVIII. Yüzyılda Şark Valilerinin İktidar Oyunları ve Bir Feodalin Güç Devşirmesi: Millilü Timur Paşa," «Osmanlı Medeniyeti Araştırmaları Dergisi» 14 (2022): 95–118، ص98، الدراسة. وغوموش 2023، ص308–309، الحاشيتان 18 و19، الدراسة.

وليس تكرار الأسماء أمراً هيّناً في هذا التاريخ. فقد كشفت دراسة أخرى لغوموش عن تيمور باشا من فرع البازكوري/البهادرلو، هو ابن عمر آغا، وتولى بكلربكية زنجان سنة 1730. وهذا تيمور آخر، لا يصحّ الخلط بينه وبين زعيم الملّيين الذي برز في أواخر القرن الثامن عشر.24Ercan Gümüş, "Kalebend Mahkumu Bir Bölükbaşının Beylerbeyliği Payesine Yükselmesi: Milli Pazkuri/Bahaeddinlü Ömer Ağazade Timur Paşa ve Onun Yükselişine Dair Bir Değerlendirme," «Şarkiyat» 16/2 (2025): 1106–1122، المقالة.

واللافت أن باروت نفسه يفصل بين كلش وتيمور حين يعود إلى نسب إبراهيم باشا في الصفحة 88. فهو يورد سلسلةً تبدأ بإبراهيم بن محمود بن تيمور، وتنتهي بعبدي الملقب بكلش آغا. أي إن كلش وتيمور شخصان تفصل بينهما أجيال في النسب الذي ينقله باروت نفسه، بعدما جعلهما شخصاً واحداً في الصفحة 56. وتختلف إعادة بناء هذه السلسلة في الدراسات الحديثة، لكنّ الاختلاف لا يعيد الشخصيات الثلاث إلى رجلٍ واحد.25باروت، ص88، الحاشية 174، نقلاً عن زكريا، «عشائر الشام»، ج2 ص665؛ وص56. وانظر شجرة الأسرة عند Cihan Yapıştıran, «Tanzimat Sonrası Devlet-Aşiret İlişkisinde Ekonomik Motivasyonun Etkileri: Milli Aşireti (1839–1914)»، أطروحة دكتوراه، جامعة مرمرة، 2020، ص41.

ولا ينفي هذا التصحيح اتساع نفوذ الملّيين أو صعود أسرة قوية حكمت زعامتها أجيالاً متعاقبة. لكنه يغيّر تاريخ هذا الصعود: فلم تنشأ القوة كلها على يد زعيمٍ واحد، بل توزعت بين أجيالٍ دخلت في تحالفاتٍ وصراعاتٍ متبدلة مع الدولة والعشائر والمدن. كما أن نفوذ الأسرة في ماردين وفرضها الضرائب والإتاوات في مناطق واسعة لا يثبتان، من دون شاهدٍ إضافي، أنها حكمت مدينة ماردين حكماً وراثياً منذ سنة 1735. فالزعامة العشائرية، والنفوذ على الريف والطرق، وتولّي الإدارة العثمانية، أمورٌ متصلة لكنها ليست شيئاً واحداً.

5سنة 1835، ما رآه شاهدُ عيانٍ على الفرات

5.1مَن هو لينش، وما قيمة شهادته

سنة 1835 أرسلت الحكومة البريطانية بعثةً بقيادة العقيد فرانسيس رودون تشيسني لمسح نهرَي الفرات ودجلة، واختبارِ طريقٍ بخاريٍّ إلى الهند. وفي ملاحق تقرير البعثة المنشور سنة 1868 تقريرٌ مستقلُّ التأليف لأحد ضباطها، هنري بلوس لينش، عنوانه «تقرير جولةٍ من البيرة إلى الدير».26Henry Blosse Lynch, "Report of a Tour from Bir to El-Deir," Appendix V in Francis Rawdon Chesney, «Narrative of the Euphrates Expedition», London: Longmans, Green & Co., 1868, pp. 432–438.

وقيمة هذا التقرير أنه شهادةُ معاينةٍ مباشرة، مكتوبةٌ في حينها، من داخل البعثة نفسها التي يستشهد بها باروت. وتاريخُ انطلاق لينش المذكور في نصّ التقرير 1 أيلول 1835، على خلاف ما يوحي به عنوان الملحق (1836).

لوحة محفورة: سقيفةٌ يُبنى تحتها مركبٌ على ضفة الفرات، وحولها عمّالٌ وعربات، وعلى الضفة المقابلة بلدةٌ على تلّ
لوحة · 1868ميناء وليم وبلدة البيرة. موقع البعثة على الفرات عند البيرة، ومن البيرة بدأ لينش جولته إلى الدير.Francis Rawdon Chesney, Narrative of the Euphrates Expedition, London: Longmans, Green, and Co., 1868.

5.2ماذا رأى

في مسيرٍ واحدٍ من البيرة على الفرات الأعلى إلى دير الزور، سجّل لينش ما يلي:

أولاً، كرد الملّان وقطعانهم قرب حرّان (ص434):

قصاصة بالإنكليزية من تقرير لينش، ص434: رسل أيو آغا شيخ كرد الملّان وقطعانه
تقرير لينش، ص434
الترجمة«وفي الصباح وفد علينا رسلٌ من أيو آغا، شيخ كرد الملّان القويّ، الذي كان بقطعانه وماشيته يرعى الكلأ الشحيح قُبيل وصول قوات رشيد باشا…»

ثانياً، سياسة إسكانٍ قسريةٍ جارية (ص433–434): يصف إجبار رشيد باشا، وهو الوالي العثماني، جماعاتٍ متنقلةً قرب أورفا وحرّان على أن «تثبّت نفسها في قرى صغيرة وتصير مزارعة»؛ ويصف أكواخ فلاحين في حرّان، وقنواتٍ قديمةً جافّةً على السهل.

ثالثاً، قبائل تزرع حول الرقة (ص434): «زرنا العشائر التي تزرع حول الرقة… وبقينا بضعة أيامٍ على الضفة اليسرى للفرات قرب الرقة، عند عشيرةٍ كبيرة العدد من المزارعين، تقيم في الصيف في عرائش من نبات عرق السوس».

قصاصة بالإنكليزية من تقرير لينش، ص434: العشائر التي تزرع حول الرقة
تقرير لينش، ص434
الأصل الإنكليزي لما تنقله الفقرة السابقة، والمظلَّل ما تترجمه.

رابعاً، يهودٌ في الدير وخبرٌ عن يهودٍ على الخابور (ص435): «فوجئنا بكثرة اليهود هنا؛ وعلمنا كذلك أنّ آخرين يقيمون مع بعض القبائل التي تشغل ضفاف الخابور». ويجب التمييز بين المعاينة المباشرة في الدير والخبر المنقول عن الخابور.

خامساً، وهذه أهمّ ما في الشهادة (ص436–437): وصل الدير خبرُ هجومٍ على «إحدى قراها التابعة»، بصيغة الجمع، فخرج لينش فعاين:

قصاصة بالإنكليزية من تقرير لينش، ص436: القرية الكبيرة المحصّنة بأسوارٍ من طين، وأكثرها في النيران
تقرير لينش، ص436
الترجمة«كانت القرية كبيرة، محصّنةً بأسوارٍ من طين، وأكثرها تلتهمه النيران.»

وتبيّن أنّ المهاجمين قواتٌ مصريةٌ تابعةٌ لإبراهيم باشا المصري، لا غزاةٌ من عنزة كما شاع أولاً.

سادساً، محاصيل الضفة اليمنى (ص437): «ويُزرع هنا القطن والذرة والأرز».

قصاصة بالإنكليزية من تقرير لينش، ص437: القطن والذرة والأرز
تقرير لينش، ص437
الأصل الإنكليزي لما تنقله الفقرة السابقة، والمظلَّل ما تترجمه.

وفي متن تشيسني نفسه (ص249–251) وصفٌ للدير بنحو «ألف» منزلٍ طيني، ودخولٌ بمركبٍ صغيرٍ في مجرى الخابور مسافةً محدودة، وأطلال قرقيسيا عند المصبّ.27Chesney, «Narrative», pp. 249–251.

لوحة مطبوعة: فرسانٌ بالرماح يطاردون فرساناً آخرين على أرضٍ مكشوفة
لوحة · 1868«هجومٌ عربيٌّ على الملازم لينش ورفاقه قرب الدير»، بعنوان اللوحة. رسمها إستكورت، أحد ضباط البعثة. ولا تصوّر القرية المحروقة التي وصفها لينش.Francis Rawdon Chesney, Narrative of the Euphrates Expedition, London: Longmans, Green, and Co., 1868.

5.3ما تثبته هذه الشهادة وما لا تثبته

تثبت أنّ في مجال مسيرٍ واحدٍ سنة 1835 تتزامن: زراعةٌ مستقرة، ومساكنُ صيفيةٌ موسمية، وقطعانٌ متنقلة، وقريةٌ كبيرةٌ محصّنةٌ مأهولة، وعنفٌ عسكريٌّ يحرقها، وجماعةٌ كرديةٌ ملّيةٌ بقطعانها، وجاليةٌ يهودية، وزراعةُ قطنٍ وأرز.

ولا تثبت شكل الاستيطان في كل القرن التاسع عشر، ولا تصف الخابور الأعلى ولا سهول الحسكة، ولا تقول شيئاً عن استمراريةٍ عبر القرون.

والنتيجة المنهجية: لا نحتاج إلى الاختيار بين «كل المنطقة عامرة» و«كل المنطقة خالية». كان العنف والعمران في المكان نفسه والسنة نفسها.

6شمّر وطيّ، من جاء متى، وبأيّ دليل

6.1شمّر

شمّر اتحادٌ عشائريٌّ عربيٌّ كبير، أصله من جبل شمّر في نجد (أجا وسلمى)، وهاجرت أقسامٌ منه شمالاً إلى الجزيرة. وينقسم في القرن التاسع عشر قسمين: شمّر الغربية (سنجارة، ومركزها الموسمي نصيبين، وزعيمها فارس الجربا المتوفى 1902)، وشمّر الشرقية (صايح وعبدة والخرصة، وزعيمها فرحان المتوفى 1880، في منطقة الموصل).28باروت، ص86، نقلاً عن بلنت وأوبنهايم وزكريا.

ومتى وصلت الجزيرة؟ يسجّل باروت في حاشيةٍ مطوّلة التاريخَ الشفوي الذي جمعه الأديب عبد السلام العجيلي في الخمسينيات، ويصف فيه قدومَ شمّر إلى الجزيرة بوصفه «غزو الجزيرة»، وأنّ عشائرها الخمس «قصدت أرض عشائر طيّ، لا ضيوفاً يطلبون الرعاية، بل غزاةً ينوون التملّك بالحرب»، و«دخلت الجزيرة غازيةً باطشةً متملّكة».29باروت، حاشيةٌ مطوَّلة ضمن ص56 وما بعدها، نقلاً عن عبد السلام العجيلي.

فقدوم شمّر إلى الجزيرة موصوفٌ في مصدر الكتاب نفسه بأنه غزوٌ وتملّكٌ بالقوة.

6.2طيّ

طيّ عشيرةٌ عربيةٌ كبيرة، تنتشر اليوم جنوب القامشلي وشرقها. ويقسمها باروت نحو 12 فخذاً و40 فرعاً.30باروت، ص121، الحاشية 306، نقلاً عن مارديني ص58–68 وزكريا ص638.

ومتى وصلت؟ يقول باروت في ص38 إنّ طيّ «من أقدم من قطن في الجزيرة من العشائر العربية؛ إذ هاجرت في القرن الثاني الميلادي من حدود اليمن الشمالية إلى شمال الجزيرة العربية»، وأسّست، على حدّ تعبير أوبنهايم، كياناً عربياً في الشمال، «في أرضٍ خصبةٍ نسبياً في أجا وسلمى والعوجا».31باروت، ص38، الحاشيتان 6–7، نقلاً عن أحمد وصفي زكريا، «عشائر الشام»، ج2 ص76، وأوبنهايم.

ويلزم الانتباه: أجا وسلمى جبلان في نجد، في شمال الجزيرة العربية، لا في الجزيرة الفراتية. فما تقوله ص38 هو أنّ طيّ انتقلت في القرن الثاني إلى شمال شبه الجزيرة العربية.

ثم يقول في ص60، عن محافظة الحسكة تحديداً، إن «مجيء طيّ إلى القامشلي سبق مجيء الجبور بقرون، ويعود ذلك إلى ما قبل الفتح العربي – الإسلامي للشام والجزيرة»، ثم يضيف في آخر الجملة نفسها تحفّظاً. والجملة كاملةً في القصاصة الأولى أدناه، وإلى جانبها ما يقوله في ص48 عن رواية الأصل العربي لعشائر كردية.32باروت، ص60، الحواشي 79–81، نقلاً عن الحلبي ص331 و332، وأوبنهايم وبروننيلش وكاسكل ص266.

روايتان عن الأصل، ومعياران

رواية طيّ عن أصلها

قصاصة من الصفحة 60 من كتاب باروت: أسبقية طيّ على الجبور، ثم التحفّظ بأن لا دليل غير الدليل الأنثروبولوجي
باروت، ص60

ما يفعله باروت: يعدّ دليلها أنثروبولوجياً لا غير، ثم يبني عليها أسبقية طيّ في الجزيرة.

رواية عشائر كردية عن أصلٍ عربي

قصاصة من الصفحة 48 من كتاب باروت: العصبية التي تتوهّم أو تبني تخيّلاً لهويتها، وتخيّل العشائر الكردية لأصلها العربي
باروت، ص48

ما يفعله باروت: يفسّرها بناءً متخيَّلاً للأصول، نشأ من الحاجة إلى التحالف والعصبية.

الدليل في الحالتين من نوعٍ واحد: رواية جماعةٍ عن أصلها. وباروت محقّ حين يقرأ روايات العشائر الكردية عن أصلٍ عربي بوصفها جزءاً من محاولة بناء هوية لعشيرة أو عائلة، لا دليلاً على النسب. لكنه لا يطبّق المعيار نفسه على رواية طيّ، فيجعلها أساساً لأسبقيتها في الجزيرة.

ويجب الإنصاف هنا قبل كل شيء: التحفّظ موجودٌ وصريح. يقول باروت بوضوحٍ إنّ الدليل الوحيد على اتصال طيّ الحديثة بطيّ القديمة هو «الدليل الأنثروبولوجي المتعلق بفهم الجماعة لأصولها»، أي رواية الجماعة عن نفسها.

لكن ثلاثة أمور تبقى قائمة:

الأول: الإثبات في الجملة الرئيسة والتحفّظ في جملةٍ تابعة، كما مرّ في الوقفة الثامنة من القسم الأول.

الثاني: الانتقال من «طيّ هاجرت في القرن الثاني إلى شمال الجزيرة العربية» (ص38) إلى «مجيء طيّ إلى القامشلي… قبل الفتح» (ص60) نقلٌ جغرافيٌّ من نجد إلى الحسكة لا يسنده نصّ.

الثالث، وهو الأهم: يقرّ باروت في ص121 بأنّ طيّ «ضمّت في تكوينها عشائر كردية غدت عشائر طائية متعرّبة» مثل الجوالة.33باروت، ص121، الحاشية 307، نقلاً عن زكريا ص639. فالاسم العربي واللغة العربية لا يحدّدان نسب الأفراد، بشهادة الكتاب نفسه. وهي قاعدةٌ ممتازة يجب أن تُطبَّق بالقدر نفسه على الملّان والهڤركية وشمّر.

6.3شاهدٌ من الكتاب نفسه: فخذ «حجي»

يذكر باروت أنّ فخذ «حجي» من طيّ كان «يقيم منذ ثمانية أجيال في خونيس على البليخ الأدنى ثم في أراضي قرية سلوك (جنوب حرّان) ويعمل بالزراعة»، ثم نقله إبراهيم باشا إلى ويران شهر لتوسيع المزروعات.34باروت، ص92، الحاشية 191، نقلاً عن أوبنهايم ج1 ص277.

فلو لم نعرف إلا خبر النقل، لظننّا أن هذا الفخذ وصل إلى ويران شهر حديثاً، وأنه لم يعرف الاستقرار قبلها. لكن باروت يذكر ما قبل النقل: ثمانية أجيال من الإقامة والزراعة. فالنقل هنا خبرٌ عن انتقال جماعةٍ مقيمة، لا عن أول وصولها.

أما الملّان، فيجعل باروت إسكانهم سنة 1701 نقطة البداية في روايته عنهم في الإقليم. مع أن وثيقةً عثمانية من سنة 1598 تذكر قبل ذلك بنحو قرن زعيماً للملّان يحمل صفة بك سنجق الخابور، كما مرّ في الوقفة الرابعة من القسم الأول.

فالقاعدة التي يقرأ بها باروت خبر طيّ، أي أن النقل أو الإسكان لا يدلّ على أول وجود، لا يطبّقها على الملّان.

7إبراهيم باشا الملّي، صعودُ زعيمٍ وسقوطه، 1878–1908

هذه أطول حلقةٍ في الفصل الأول من الكتاب، وأغناها مادةً، وأكثرها احتياجاً إلى الشرح للقارئ غير المتخصص.

7.1الحميدية: ما هي، ومتى أُنشئت

في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (حكم 1876–1909) أُنشئت وحداتٌ عسكريةٌ شبه نظامية من فرسان العشائر الكردية، سُمّيت «الأفواج الحميدية» نسبةً إليه. وكانت وظيفتها المعلنة حراسة الحدود مع روسيا، ووظيفتها الفعلية، كما تذكر الدراسات المتخصصة، إدماجَ الزعامات العشائرية في جهاز الدولة، وموازنةَ النفوذ الأرمني، ومكافأةَ الموالين بامتيازاتٍ ضريبيةٍ وعقارية.

ومتى أُنشئت؟ يقول باروت: «أنشأ السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1885 كتائب شبه نظامية…»35باروت، ص92، الحاشية 192، محيلاً إلى مالكولم ياب ص222–223. والمراجع المتخصصة تؤرّخ بدء العمل بـ1890 والتشكيل بـ1891: دائرة المعارف الإسلامية التركية (جزمي أرسلان) تقول 1890، ودراسة محمد نوري شاندا المعتمدة على الوثائق العثمانية تقول 1891، وكذلك كودامان.36Cezmi Eraslan, "Hamidiye Alayları," «TDV İslâm Ansiklopedisi» (1997)، islamansiklopedisi.org.tr ؛ Mehmet Nuri Şanda (2022), dergipark.org.tr وباروت نفسه يعود في ص94 فيحدّد سنة 1891 نقطةَ صعود إبراهيم باشا المرتبطة بتطوير الكتائب.

7.2صعود إبراهيم

تولّى إبراهيم آغا زعامة الملّان سنة 1878 بعد وفاة محمود بك، واعترفت به الدولة لمشاركته في هزيمة شمّر.37باروت، ص89، الحواشي 179–181. وبسط الأمن، بتعبير باروت، في «مجال التجوال التقليدي للعشائر الملية بحسب فصول السنة»، الممتدّ بين سفوح قره جه داغ قرب ديار بكر، وويران شهر، ورأس العين، وجبل عبد العزيز.38المصدر نفسه، ص89.

وهذه العبارة من أهمّ ما في الكتاب لمسألتنا: فهي إقرارٌ مباشرٌ بوجود مجالٍ تقليديٍّ ذي مراكز محددة للملّان قبل صعود إبراهيم. و«إرساء الأمن» فيه ليس إثباتاً أنهم وفدوا إليه لأول مرة في تلك السنوات.

مجالٌ «تقليديّ»، بكلمة باروت
قصاصة من الصفحة 89 من كتاب باروت: فرض إبراهيم باشا الأمن في مجال التجوال التقليدي للعشائر الملّية بحسب فصول السنة، بين سفوح قره جه داغ وويران شهر والسهل المحيط برأس العين وجبل عبد العزيز
باروت، ص89
سفوح قره جه داغويران شهرالسهل المحيط برأس العينجبل عبد العزيز1701إسكانٌ في ديار بكر1711إسكانٌ في الرقة1835أيو آغا وقطعانهقرب حرّاننحو 600 أسرة مسيحيةفي عهد إبراهيم باشاماردين

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

الهالات تدلّ على المعالم الأربعة التي يسمّيها باروت في ص89، لا على حدود المجال، فالمصدر لا يحدّد أطرافه. والمعيّنات شواهد مؤرّخة: إسكانا 1701 و1711 من ص55، وأيو آغا من تقرير لينش (ص434)، والأسر المسيحية في ويران شهر من يونغيردن (ص64–65).مواضع المدن بأسمائها اليوم. مجاري الأنهار معاصرة، والصورة الفضائيّة من NASA Blue Marble.
  1. 1598

    وثيقةٌ عثمانية تذكر زعيماً للملّان يحمل صفة بك سنجق الخابور.

    أكداغ، ص465، كما في الوقفة الرابعة من القسم الأول

  2. 1701

    قصاصة من الصفحة 55 من كتاب باروت: في عام 1701 أسكنت الحكومة المليين في ديار بكر، ثم أسكنتهم منذ عام 1711 في الرقة
    باروت، ص55
  3. 1878

    إبراهيم باشا يفرض الأمن في «مجال التجوال التقليدي للعشائر الملّية».

    باروت، ص89، القصاصة أعلاه

فالمجال الذي يسمّيه باروت تقليدياً سنة 1878، يجعل بدايته في روايته إسكانَ سنة 1701، وتسبق وثيقةُ 1598 ذلك بنحو قرن.

7.3ويران شهر: من موطن للملّان الصغير إلى مركز للزعامة وبلدة تجارية

لم يبدأ ارتباط الملّان بمنطقة ويران شهر مع إبراهيم باشا أو والده محمود بك في القرن التاسع عشر، ولا مع إنشاء أفواج الحميدية سنة 1891. فبحسب رواية ينقلها ضياء كوك ألب، وتعيد عرضها دراسات تركية لاحقة، شهد اتحاد الملّان انقساماً في أوائل القرن السادس عشر، ارتبط بالتنافس على الزعامة؛ فاتجه أحد فرعيه إلى ماردين، وعُرف بالملّان الكبير، بينما استقر الفرع الآخر في منطقة ويران شهر، وعُرف بالملّان الصغير. وتربط بعض الروايات هذا الانقسام بأحداث نحو سنة 1520، وإن لم تتوافر حتى الآن وثيقة معاصرة تثبت تاريخ الانتقال بدقة أو طبيعة الاستقرار الذي أعقبه.39ضياء كوك ألب، «Kürt Aşiretleri Hakkında Sosyolojik Tetkikler»، ص38–39 و59، بحسب إحالة Mehmet Rezan Ekinci, «Osmanlı Devleti Döneminde Milli Aşireti (XVIII.–XIX. YY.)»، 2017، ص97، الحواشي 347–349.

وتقدم الوثائق العثمانية اللاحقة شاهداً على قِدم وجود الملّان الصغير في هذا المجال الإقليمي. ففي وثيقة مؤرخة في 23 تشرين الثاني 1718، يرد ذكر جماعة منهم تحت قيادة كتهدا يُدعى عيسى، بوصفهم من المقيمين منذ القدم في ناحية ترجيل، والمسجلين ضمن رعايا التيمار. ولا تحدد الوثيقة تاريخ بداية إقامتهم، كما لا يجوز مساواة ناحية ترجيل بمدينة ويران شهر قبل التحقق من جغرافيتها التاريخية. لكنها تؤكد أن تاريخ الملّان الصغير في المنطقة لا يمكن اختزاله في صعود أسرة إبراهيم باشا خلال القرن التاسع عشر.40غوموش 2023، ص294، الحاشيتان 8 و9، الدراسة، نقلاً عن BOA, C.DH, 138/6866.

أما تحوّل ويران شهر إلى مركز بارز لزعامة الملّان، فقد شهد مرحلة جديدة في عهد محمود بك، والد إبراهيم باشا. فبحسب إعادة البناء التاريخية التي يقدمها يوست يونغيردن، أعاد محمود تجميع قوى الملّان في ويران شهر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، بعدما تراجعت قوتهم ولجأت مجموعات منهم إلى قره جه داغ. واستعاد محمود نفوذه وثروته، وبنى قلعة في البلدة دمرتها لاحقاً القوات القادمة من ديار بكر. ثم تولى ابنه إبراهيم الزعامة، وفق هذه الرواية، سنة 1863، لا سنة 1878 كما يذكر باروت، وواصل تطوير ويران شهر لتصبح مركزاً إقليمياً ينافس ديار بكر.41Joost Jongerden, "Elite Encounters of a Violent Kind: Milli İbrahim Paşa, Ziya Gökalp and Political Struggle in Diyarbekir at the Turn of the 20th Century," in «Social Relations in Ottoman Diyarbekir, 1870–1915», Leiden: Brill, 2012, pp. 65–66، الدراسة.

ويورد باروت في الحاشية 187 شاهداً على شبكة التجارة التي مرّت بهذا المجال: رسالةٌ محفوظةٌ عند حفيد مرعي باشا الملاح، مؤرخةٌ 28 آب 1876، عن صفقة أغنامٍ ومواقيت انتقالها من أرضروم عبر ديار بكر إلى حلب. وهي شاهدٌ معاصرٌ على شبكة تجارةٍ قائمةٍ قبل امتيازات الحميدية بخمسة عشر عاماً.42باروت، ص91، الحواشي 186–189.

وتسارع النمو الحضري في عهد إبراهيم باشا، ولا سيما بعد انضمامه إلى نظام الحميدية. فقد أسس سوقاً، وشجع التجار والحرفيين المسيحيين على الاستقرار، واستقطب حركة القوافل والسلع والأموال. ويذكر يونغيردن أن ويران شهر ضمت نحو ستمئة أسرة مسيحية، معظمها من الأرمن الكاثوليك، إلى جانب السريان الكاثوليك والأرثوذكس والأرمن الغريغوريين وقلة من الكلدان، دون احتساب سكان القرى المحيطة. ولا يتضح من هذا التقدير تاريخ الإحصاء الدقيق أو ما إذا كان مستنداً إلى تعداد رسمي.43Jongerden 2012، pp. 64–65.

ولم تكن حركة الاستقرار هذه تجارية وحدها. فقد وصف مارك سايكس سنة 1907 إيواء إبراهيم باشا آلاف المسيحيين الفارين من العنف في ديار بكر وأورفا، وتقديم الطعام لهم، ثم تخصيص أراضٍ لمن اختار البقاء. وتشير شهادته إلى أن بعض الوافدين استقروا في الزراعة، بينما أسهم آخرون في التجارة والحرف. غير أن شهادة سايكس تحتاج إلى قراءتها ضمن منظور صاحبها ومقارنتها بشهادات محلية مستقلة.44Mark Sykes, "Journeys in North Mesopotamia" (1907)، pp. 385–386، نقلاً عن Jongerden 2012.

وهكذا لم يكن عمران ويران شهر في أواخر القرن التاسع عشر ثمرة السلطة العسكرية للملّان وحدها، بل نشأ من تفاعل زعامة عشائرية وفّرت الحماية والموارد، وجماعات تجارية وحرفية وزراعية شاركت في إنشاء اقتصادها الحضري. ولا يلغي هذا الدور العمراني ممارسة الزعامة للإتاوات والسيطرة على الطرق والمراعي، أو صراعاتها على الأرض والموارد. كما لا يجوز تحويل تنوع سكان البلدة إلى تنوع في الأصول النسبية لاتحاد الملّان نفسه؛ فالإقامة تحت نفوذ زعامة عشائرية لا تعني الانتماء إلى نسبها.

ومن ثم ينبغي التمييز بين ثلاثة مسارات تاريخية متصلة، لكنها ليست متطابقة: وجود جماعات من الملّان في منطقة ويران شهر منذ قرون، وإعادة تشكّل مركز زعامتهم في عهد محمود بك خلال القرن التاسع عشر، ثم توسع البلدة تجارياً وسكانياً في عهد إبراهيم باشا. ولا تسمح الأدلة المتاحة بتحديد تاريخ دقيق لبداية إقامة أسرة إبراهيم باشا في ويران شهر، أو بإثبات صلتها النسبية المباشرة بالفرع الذي تذكر الروايات انتقاله إليها نحو سنة 1520. لكنها تمنع اختزال تاريخ الوجود الملّي في المنطقة في عهد الحميدية.

ويظل رقم السبعة آلاف نسمة الذي ينقله باروت نحو 1914–1915 بحاجة إلى التحقق من أصله الإحصائي، ولا سيما أن إبراهيم باشا توفي سنة 1908، بعد مواجهة عسكرية أنهت سلطته الشخصية في ويران شهر. ولذلك ينبغي فصل النمو الذي تحقق في عهده عن التطورات السكانية والاقتصادية التي شهدتها البلدة بعد وفاته، بما فيها أثر التحولات السياسية وأحداث الحرب العالمية الأولى.45باروت، ص90، الحواشي 182–185، نقلاً عن زكريا ج2 ص40، والغزي ج3 ص479، وترنون ص83–84 و115 و118.

7.4الصدام مع أعيان ديار بكر: صراع على الثروة والسلطة ومستقبل الإقليم

يقدّم باروت الصراع الذي انتهى بسقوط سلطة إبراهيم باشا الملّي بوصفه «الصراع الحاد الحديث بين الأعيان المدينيين والقبليين»، ويضع في مركزه التنافس على «الاستحواذ الريعي بالفائض الأكبر من الإنتاج الزراعي».46باروت، ص99، الحاشية 220. ولهذا التفسير أساس اقتصادي واضح، لكنه لا يكفي وحده لفهم جذور الصراع، ولا طبيعة القوى المشاركة فيه، ولا الظروف السياسية التي حدّدت نهايته. فالدراسات المتخصصة تكشف مواجهة أقدم وأوسع، تتداخل فيها علاقات الأسر الحاكمة والملكية الزراعية والتجارة والسلطة العسكرية، مع تنافس النخب المحلية على موقعها داخل النظام العثماني.

ولم يبدأ التنافس بين الملّان وأعيان ديار بكر مع إبراهيم باشا، ولا مع أفواج الحميدية سنة 1891. فإبراهيم أوزجوشار يتتبّع بعض جذوره إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين كانت أسر الأعيان، ولا سيما آل شيخ زاده، تسيطر على مواقع مهمة في إدارة المدينة، وتتنازع النفوذ فيما بينها ومع الولاة المعيّنين من إسطنبول. ففي سنة 1792 أُسند تأديب الملّان إلى مسؤولي ديار بكر، وكُلِّف متسلّمها إبراهيم شيخ زاده بتأديب زعيمهم تيمور باشا، الذي مرّ الكلام على نسبه في القسم 4.2. فأفرط في العنف حتى نُفي، ثم عُفي عنه وعُيّن متسلّماً للرقة بالمهمة نفسها، فاضطُرّ تيمور إلى اللجوء إلى والي بغداد. ثم تجدّدت المواجهة سنة 1819، حين عُيّن بهرام باشا، وهو من الملّان، والياً على ديار بكر. فثار عليه حافظ محمد شيخ زاده وحلفاؤه، فاستعان الوالي بالملّان وقمع الثورة بمساعدة أيوب بك، رئيس الإسكان فيهم. فالدولة العثمانية نفسها كانت تستعمل أحياناً قوة الزعامات العشائرية للحدّ من نفوذ أعيان المدينة، قبل ظهور إبراهيم باشا بعقود طويلة.47İbrahim Özcoşar, "Town and Tribe: The Conflict Between Aşiret (Tribe) and Eşraf (Nobility) in Ottoman Diyarbekir (1891–1909)," ص44–60، ولا سيما ص47–49: واقعة 1792 في ص48 نقلاً عن Beysanoğlu 1957، ص241، وBeysanoğlu 1994، ص684–685؛ وثورة 1819 وأيوب بك في ص48–49 نقلاً عن Ahmed Cevdet Paşa, «Tarih-i Cevdet»، ج6، ص2655.

غير أن هذا التسلسل لا يعني صراعاً متصلاً بلا انقطاع، ولا تحالفاتٍ عائلية وسياسية ثابتة طوال أكثر من قرن. فالربط بين واقعة 1792 ومواجهة 1819 تفسيرٌ يقدّمه أوزجوشار لتراكم الخصومة، ولا يثبت وحده عداوةً موروثة بين أفراد الأسرتين. ولا يبيّن أوزجوشار صلة القرابة بين إبراهيم شيخ زاده سنة 1792 وحافظ محمد شيخ زاده سنة 1819. وخصوم إبراهيم باشا في تسعينيات القرن التاسع عشر، عنده هو نفسه، من أسرة بيرانجي زاده، لا من آل شيخ زاده.

ثم أعادت سياسات التنظيمات المركزية تشكيل هذه العلاقات خلال القرن التاسع عشر، وقلب عهد عبد الحميد الثاني جانباً مهماً من موازينها. فقد منح إنشاء أفواج الحميدية زعماء عشائريين، وفي مقدمتهم إبراهيم باشا، قوةً عسكرية وامتيازات وصلاتٍ مباشرة بمراكز القرار، فوسّعوا نفوذهم على حساب السلطات المحلية وأعيان المدن. وصار التنافس على من يوظّف سلطة الدولة ومؤسساتها لمصلحته.48أوزجوشار، ص49–51؛ ويونغيردن 2012، ص63–67.

وكانت النخبتان أقرب اجتماعياً وإثنياً مما توحي به الثنائية بين «الأعيان المدينيين والقبليين». فقد بيّن يوست يونغيردن أن طرفي الصراع كانا في الغالب من الكرد: زعامة عشائرية ريفية يقودها إبراهيم باشا، ونخبة من أعيان ديار بكر تضم أسرة بيرانجي زاده وغيرها، وترتبط بها شخصيات مثل ضياء كوك ألب.49يونغيردن 2012، ص55–56، الدراسة. وكان هؤلاء الأعيان يملكون أراضي وقرى واسعة، ويمارسون التجارة، ويتولّون المناصب الإدارية. ويورد باروت نفسه أن عارف بيرانجي زاده كان يملك ثلاثين قرية قرب ديار بكر، وآل جميل باشا أكثر من عشرين قرية، وضياء كوك ألب خمس قرى، وتربطه مصاهرة ببيرانجي زاده.50باروت، ص100–102، الحواشي 221–239. فالمواجهة كانت بين نخبٍ تتنافس على موارد مشتركة، وإن اختلفت مؤسساتها وأساليب ممارستها للسلطة.

طرفا الصدام
صورة فوتوغرافية: رجلٌ واقف بلباسٍ عسكري وأوسمة، وخلفه رجالٌ بالكوفيات والعباءات
إبراهيم باشا الملّيزعيم الملّان
صورة فوتوغرافية: رجلٌ بطربوش ونظّارة وسترةٍ داكنة
عارف بيرانجي زادهمن أعيان ديار بكر
صورة فوتوغرافية: رجلٌ بشاربٍ وسترةٍ داكنة وربطة عنق
ضياء كوك ألبمن وسط أعيان ديار بكر المرتبط بالحركة الدستورية

مصادر الصور غير محدّدة.

ولم يقتصر نفوذ إبراهيم باشا على المراعي والقرى وجباية الإتاوات. فبحسب يونغيردن، سعى إلى السيطرة على الطرق التجارية المؤدية إلى حلب وسيفرك، ومدّ نفوذه إلى الأراضي المحيطة بديار بكر، وجعل من ويران شهر مركزاً اقتصادياً ينافسها. فتوسّع سلطته شمل التحكّم في حركة السلع والطرق والأسواق، لا انتزاع حصة أكبر من المحصول وحدها.51يونغيردن 2012، ص64–67؛ وأوزجوشار، ص51 وما بعدها. وبنى بذلك سلطةً إقليمية واسعة، تستقلّ استقلالاً فعلياً كبيراً عن الإدارة المحلية، لكنها تستمدّ جزءاً أساسياً من قوتها وشرعيتها من رعاية السلطان عبد الحميد الثاني. وكان هذا كافياً لإثارة مخاوف النخب المدينية على مكانتها ومصالحها وقدرتها على التأثير في إدارة الإقليم.

وظهرت كذلك اختلافات مهمة في علاقات الطرفين بالجماعات المسيحية. ففي أثناء العنف الذي شهدته ديار بكر وأورفا سنة 1895، تذكر مصادر تناولها يونغيردن اتهامات لبعض أعيان المدينة بالمشاركة في التحريض ضد الأرمن، بينما تشير شهادات أخرى إلى أن إبراهيم باشا حمى جماعات مسيحية واستقبل لاجئين، ثم ساعد بعضهم على الاستقرار في ويران شهر. ويذهب يونغيردن إلى أن هذه السياسة كان لها أثر في حماية المسيحيين المحليين، ويطرح فرضية أن دور ضياء كوك ألب في التعبئة السياسية المعادية للأرمن كان أكبر مما تعترف به بعض الروايات اللاحقة. غير أن هذه النتائج تحتاج إلى التمييز بين الوقائع الموثقة والاتهامات والشهادات والتفسيرات البحثية. ولا تسمح بتعميم سلوك إبراهيم باشا على جميع أفواج الحميدية، ولا باعتبار حمايته للمسيحيين دليلاً على خلوّ سلطته من العنف والإكراه.52يونغيردن 2012، ص55–56، ومواضع من ص70–76.

وفي المقابل، اكتسب المعسكر المعارض لإبراهيم باشا تنظيماً سياسياً جديداً بارتباط عدد من أعيان ديار بكر بالحركة الدستورية وجمعية الاتحاد والترقي، وكان عارف بيرانجي زاده وضياء كوك ألب من أبرز وجوه هذا الوسط. وهنا اتصل النزاع بمستقبل النظام السياسي العثماني نفسه: فقوة إبراهيم باشا قامت على علاقته بالسلطان والمؤسسات الحميدية، وخصومه وجدوا في الحركة الدستورية وسيلة لمواجهة امتيازاته وإعادة تشكيل علاقات السلطة في الإقليم. ولم تكن الأصول الكردية المشتركة لكثير من هؤلاء تعني وحدةً في مواقفهم السياسية أو مشاريعهم الفكرية.53يونغيردن 2012، ص55–56، ومواضع من ص70–79.

ثم جاءت الثورة الدستورية في تموز 1908، فانهارت شبكة الحماية السياسية التي قامت عليها سلطته، كما يأتي في القسم 7.6.

وعليه، فالمشكلة ليست في تفسير باروت الاقتصادي بحدّ ذاته، فالتنافس على الفائض الزراعي كان فعلاً أحد عناصر الصراع. المشكلة أن يُتّخذ هذا التفسير إطاراً كافياً لفهم المواجهة. فهو وحده لا يوضّح الخصومات بين بيوت السلطة المحلية منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولا صعود ويران شهر مركزاً منافساً لديار بكر، ولا تحوّل التحالفات بين الدولة والأعيان والزعامات العشائرية، ولا اختلاف مواقع النخب الكردية من النظام الحميدي والحركة الدستورية. فصراع إبراهيم باشا مع أعيان ديار بكر حلقةٌ متأخرة في تاريخ أطول من التنافس بين القوى المحلية على السلطة والموارد والعلاقة بالدولة العثمانية. وقد يصلح وصف باروت لبعض جوانب المواجهة في أواخر القرن التاسع عشر، لكنه لا يحيط بها كلها.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية أوسع في قراءة التكوين التاريخي للجزيرة. فزعامات الملّان كانت فاعلاً سياسياً واقتصادياً يفاوض المركز الإمبراطوري، ويواجه أعيان المدن، ويسهم في إعادة توزيع السكان والموارد وفي نشوء مراكز عمرانية جديدة، وليست جماعاتٍ قبلية تتحرك في فضاءٍ تعيد الدولة إعماره وتنظيمه فحسب. غير أن هذا الدور لا يجيز الخلط بين امتداد نفوذ الزعامة والسيادة السياسية، ولا بين سلطة اتحاد عشائري والانتماء الإثني لجميع سكان المناطق الواقعة تحت نفوذه. وهكذا يصير تاريخ إبراهيم باشا مدخلاً لفهم التفاعل بين المجتمع والدولة والعمران، لا فصلاً أخيراً في صراع القبيلة والمدينة.

7.5أزمتا 1905 و1907: الجراد والريع والسلطة في رواية باروت

يتابع محمد جمال باروت في الصفحات 103–105 و110 تصاعد المواجهة بين إبراهيم باشا الملّي وأعيان ديار بكر، فيعرض احتجاجات سنة 1905 والشكاوى من اعتداءات الجماعات الخاضعة لزعامته على القرى والممتلكات، ثم تجدد الأزمة سنة 1907، مع إغلاق المحال التجارية واحتلال مكتب التلغراف وتصاعد التهديد العسكري. ويندرج هذا العرض في تفسيره السابق للصراع بوصفه تنافساً بين الأعيان المدينيين والقبليين على الاستحواذ على الحصة الأكبر من فائض الإنتاج الزراعي.54باروت، ص99، الحاشية 220؛ وص103–105، الحواشي 235–245؛ وص110، الحواشي 256–258.

ولا يفتقر هذا التفسير إلى أساس تاريخي. بل إن صامويل دولبي، في دراسته البيئية الحديثة عن الجزيرة، يؤكد أن الصراع بين إبراهيم باشا وأعيان ديار بكر كان في جوهره تنافساً بين قوى محلية على الجباية والإتاوات المفروضة على القرى. ويذهب إلى أن الاختلاف بين الطرفين لم يكن بقدر ما توحي به اللغة التي استخدمها الأعيان في وصف خصمهم، لأنهما اشتركا في السعي إلى السيطرة على موارد الريف، وإن اختلفت وسائل كل منهما في ممارسة تلك السيطرة.55Samuel Dolbee, «Locusts of Power: Borders, Empire, and Environment in the Modern Middle East», Cambridge: Cambridge University Press, 2023، الفصل الثاني، ص84–134، الفصل؛ وهنا ص119، الحواشي 210–216.

لكن تفسير الصراع بالتنافس على الريع لا يفسر وحده الظروف التي أدت إلى تفجر أزمة سنة 1905. فبحسب وثيقة عثمانية يوردها دولبي، اعترف والي ديار بكر ناظم بك نفسه، في برقية مؤرخة في 20 تموز 1905، بأن أسراب الجراد قضت على المراعي في جهة البادية، واضطرت جماعات الملّان إلى الاقتراب من القرى الواقعة على أطراف الولاية. وأكدت مراسلات لاحقة في 31 تموز و4 آب انعدام الكلأ وما أصاب البادية من كارثة. وهذه الشهادات ذات أهمية خاصة، لأنها صادرة عن الإدارة التي دخلت لاحقاً في مواجهة مباشرة مع إبراهيم باشا، وليست مجرد رواية دفاعية قدمها الزعيم الملّي لتبرير تحركاته.56دولبي، ص116، الحاشيتان 195–196، نقلاً عن BOA, DH.ŞFR 349/38؛ BEO 2635/197608؛ Y.PRK.ASK 231/87.

رسم محفور لجرادة كبيرة من الجانب، بأجنحة مطوية وأرجل خلفية طويلة
الجراد المغربيأكثر أنواع الجراد شيوعاً في الجزيرة، بحسب دولبي
ترويسة جريدة عثمانية: اسم الجريدة بخط عربي كبير، وتحته رسم جرادة وطائر زرزور يتحاوران، وحوله نصوص بالتركية العثمانية
«چكرگه» (الجراد)، إسطنبول 1911جريدة ساخرة: محرّرها «الجراد» ورسّامها «الزرزور»

الرسم الأول من Amédée Maurin, Invasion de sauterelles, Paris 1866؛ والثاني ترويسة جريدة صدرت بعد الأزمتين بأربع سنوات، ويوردها دولبي شاهداً على أن الجراد صار في تلك السنوات لغةً للكلام في السياسة. كلاهما عن Dolbee, Locusts of Power, 2023، الشكلان 2 و11.

غير أن الاعتراف بكارثة الجراد لم يحسم الخلاف بشأن دوافع التحرك. فقد اشتبه الصدر الأعظم في أن إبراهيم باشا تعمد عدم التوجه إلى مراعيه الصيفية المعتادة في قره جه داغ، واقترب بدلاً من ذلك من الأراضي الزراعية لإظهار قوته والتهرب من إرساله إلى اليمن. أما أعيان ديار بكر فوصفوا تفسير الجراد بأنه «ذريعة الجراد» (çekirge bahanesi)، واتهموا إبراهيم بتجنيد جماعات من الزور والموصل وحلب، وتوسيع نفوذه على حساب القرى والأراضي الخاضعة لسيطرتهم.57دولبي، ص117، الحواشي 197–200.

وفي المقابل، نقل قائد الجيش الرابع زكي باشا في آب 1905 دفاع إبراهيم باشا، مؤكداً أن كارثة الجراد جعلت العودة إلى مناطق تفتقر إلى الماء والعلف أمراً غير معقول. ثم كتب إبراهيم نفسه في أيلول أن موعد الانتقال باتجاه البادية قد حلّ، في وقت كان بعض أتباعه يواجهون خطر المجاعة.58دولبي، ص120، الحاشيتان 217–218؛ وOktay Bozan, "20. Yüzyılın Başında Eşraf-Aşiret Çatışması: Milli Aşireti Ve Diyarbakır Eşrafı Örneği," «Atatürk Araştırma Merkezi Dergisi» 33/96 (2017), ss. 1–46، ص16–19، الحواشي 54–67، النصّ.

ولا ينبغي التعامل مع هذه الروايات بوصفها بدائل متنافية. فقد تكون كارثة الجراد قد أوجدت بالفعل حاجة ملحّة إلى الحركة، فيما استثمرت الزعامة المسلحة تلك الظروف لتوسيع نفوذها أو تعزيز مواقعها التفاوضية. وثبوت الضرورة البيئية لا ينفي الاعتداء على المحاصيل والممتلكات، مثلما لا يسمح وقوع الاعتداءات باعتبار جميع التحركات تعبيراً عن نزعة عدوانية مستقلة عن ظروف العيش والإنتاج.

وهنا تصبح صورة الاقتصاد العشائري أكثر تركيباً من مجرد التعارض بين رعاة متنقلين وفلاحين مستقرين. فالجراد يهدد المحاصيل الزراعية والمراعي معاً، لكن القدرة على نقل القطعان تتيح لبعض الرعاة الاستجابة للكارثة بوسائل لا تتاح للمزارعين. وفي المقابل، قد يؤدي انتقال القطعان إلى أراضٍ زراعية إلى تحميل الفلاحين كلفة الأزمة البيئية. ولذلك تتوزع الخسائر والمكاسب بصورة متفاوتة بين الزعامة العشائرية وأتباعها، وبين أصحاب الأراضي وسكان القرى، ولا تكفي معاملة كل طرف باعتباره كتلة اقتصادية واحدة.59دولبي، المقدمة، ص16–17؛ والفصل الثاني، ص116–120.

ويتضح من مراسلات سنة 1905 أيضاً أن اتحاد الملّان لم يكن بالضرورة جماعة واحدة متجانسة من حيث الأصول والقرابة. فقد اتهم أعيان ديار بكر إبراهيم باشا باستقطاب جماعات من ولايات مختلفة، وتوسيع قوته إلى الحد الذي بات، في نظرهم، ينافس سلطة الحكومة نفسها. ولا يكفي هذا الاتهام لإثبات أصول تلك الجماعات أو تواريخ انضمامها، لكنه يضع أمامنا صورة اتحاد عشائري يمكن أن يتوسع بالتحالف والانضواء السياسي والعسكري، لا بالنسب المشترك وحده.60دولبي، ص117؛ وبوزان 2017، ص14–15، الحاشية 50.

وتضيف دراسة دولبي جانباً مهماً إلى طبيعة السلطة الاقتصادية التي بناها إبراهيم باشا. ففي تموز 1907، زاره القنصل البريطاني قرب ويران شهر، وذكر في تقريره أن إبراهيم تحدث عن تسجيل مساحات واسعة من الأراضي باسمه على مسار سكة حديد بغداد المستقبلية، وعن إنشاء طاحونة دقيق تعمل بالنفط. وتكشف هذه الشهادة عن زعيم مهتم بتملك الأرض والاستثمار في التجارة والتقنية الحديثة، إلى جانب إدارة القطعان وتحصيل الإتاوات. لكنها تبقى شهادة على ما صرح به إبراهيم للقنصل، ولا تغني عن فحص سجلات الملكية لتحديد مقدار تلك الأملاك وطبيعة حقوقه فيها.61دولبي، ص123، الحاشيتان 241–242، نقلاً عن TNA, FO 424/213، تقرير Heard المؤرّخ 17 تموز 1907.

أما احتجاجات 1907، فقد اتخذت لغة سياسية وأخلاقية مشحونة. إذ شبّه بعض خصوم إبراهيم باشا سلطته بالقبائل الجرمانية التي أنزلت البؤس بالإمبراطورية الرومانية، وبجنكيز خان وتيمورلنك، بل عدّوه أشد خطراً من الطاعون والكوليرا. وتكشف هذه التشبيهات عن الطريقة التي صاغ بها المعسكر المديني صورة خصمه، لكنها لا تصلح في ذاتها دليلاً على حقيقة ممارساته. وفي برقية مؤرخة في 17 تشرين الثاني، استعاد رجال دين من طوائف مختلفة ونحو مئة موقّع آخرين ذاكرة الإصلاحات العثمانية التي حدّت من نفوذ بعض الأسر الحاكمة والزعامات العشائرية، وأشادوا بسياساتٍ ضمنت، بتعبيرهم، «انتشار الأراضي المزروعة في البادية، لا انتشار البادية في الأراضي المزروعة».62دولبي، ص125–126، الحواشي 243–250.

أما إبراهيم باشا، فأرسل في 29 تشرين الثاني 1907 برقيةً إلى السرعسكرية يدافع فيها عن نفسه، ويتّهم أعيان ديار بكر بأنهم هاجموا، مع جنود نظاميين، قرىً تقيم فيها جماعات من عشائره المنتسبة إلى الحميدية، وسمّى منها Karahan وHarende وHabeş وVankıran، ونحو عشرين قرية أخرى حولها، ونهبوا أموالها.63بوزان 2017، الحاشية 104، في عرض برقية إبراهيم باشا إلى السرعسكرية، 29 تشرين الثاني 1907، النصّ. وهذه روايةُ طرفٍ في النزاع، لا شهادة محايدة. لكنها، ومعها شكاوى الأعيان من «نهب القرى»، تدلّ على قرى مأهولة وممتلكات منتجة ومتضرّرة، لا على أرضٍ خالية، وتذكر قرىً يقيم فيها أتباع زعامة عشائرية.

ولم تكن الإدارة العثمانية صاحبة موقف واحد من إبراهيم باشا. فقد واصل زكي باشا الدفاع عنه، واتهم أعيان ديار بكر بتغليف مصالحهم الخاصة بالشكاوى العامة. وفي الوقت نفسه، أثار اتساع سلطته قلق مسؤولين آخرين، خصوصاً مع تعذر استدعائه وإخضاع تحركاته للرقابة بسبب تنقله بين المجالات الإدارية للزور وأورفا وديار بكر. وتكشف مراسلات كانون الأول 1907 أن السلطات أرسلت برقيات إلى أكثر من مركز إداري بحثاً عنه، بعدما أصبح تحديد موقعه وإيصال الأوامر إليه مشكلة قائمة بذاتها.64دولبي، ص126–127، الحواشي 251–257.

وتكشف تطورات ربيع 1908 أن سلطة إبراهيم باشا لم تكن ثابتة الحدود أو المكونات. فقد تحرك في وادي الخابور جنوب رأس العين، وظهرت إلى جانبه فروع من شمّر، على الرغم من تاريخ طويل من المواجهات بينهما. كما تحدثت التقارير عن محاولاته استقطاب البقارة والجبور والشرابيين. وهذه شواهد على تبدل التحالفات ومجالات النفوذ، لكنها لا تثبت انتقال جميع أفراد هذه الجماعات إلى أراضٍ جديدة، أو انضمامهم جميعاً إلى نسب الملّان.65دولبي، ص127، الحواشي 258–260، نقلاً عن BOA, Y.PRK.ASK 255/26؛ Y.MTV 307/90.

ويزداد تعقيد المشهد إذا أخذنا في الحسبان أن لجنة التحقيق التي نظرت في الشكاوى أصدرت في ربيع 1908 نتيجة لصالح إبراهيم باشا، بينما عبّر القنصل البريطاني عن خشيته من أن تؤدي إزالته إلى اضطراب واسع في جنوب ولاية ديار بكر. ولا يعني ذلك انتفاء الأضرار التي تعرض لها سكان القرى، لكنه يبيّن اختلاف تقديرات الجهات المعنية بشأن مسؤولية إبراهيم باشا وعواقب إنهاء سلطته.66دولبي، ص127–128، الحاشية 260.

وتكشف المقارنة أن تفسير باروت للصراع على فائض الإنتاج الزراعي يستند إلى عنصر حقيقي ومهم، تؤكده دراسة دولبي نفسها. لكن هذا التفسير، إن اتُّخذ إطاراً كافياً لفهم أزمتي 1905 و1907، لا يحيط بالعوامل التي جعلت الجماعات تتحرك أو تتصادم، ولا بتفاوت مصالحها، ولا بالدور الذي أدته الحدود الإدارية والبيئة في تشكيل موازين القوة.

والأهم بالنسبة إلى تاريخ تكوّن الجزيرة أن هذه الوقائع تمنع التعامل مع حركة الجماعات العشائرية بوصفها مرادفاً للهجرة السكانية الأولى، أو مع اتساع نفوذ زعيم بوصفه دليلاً على تغير الأصول الإثنية للسكان. فقد تتحرك الجماعات بحثاً عن المراعي، أو تتوسع تحالفاتها دون انتقال جميع أفرادها، أو تمارس الزراعة والرعي في مراحل موسمية متعاقبة. ومن ثم فإن تاريخ السلطة العشائرية لا يمكن استخدامه بديلاً عن التحقيق المستقل في تاريخ السكان وأنماط إقامتهم.

وهذا هو الحد الذي ينبغي عنده اختبار معالجة باروت: ليس ما إذا كان قد أخطأ في نقل الاعتداءات أو في تحديد أهمية الريع الزراعي، بل ما إذا كان يجعل تلك الوقائع جزءاً من تفسير أشمل يأخذ بالاعتبار البيئة والحركة والتحالفات والحدود، أم يبقيها ضمن سردية يغلب عليها التنافس بين الأعيان والقبائل.

7.6النهاية: سقوط سلطة إبراهيم باشا والعنف الذي أعقبها

لم تنتهِ المواجهة بين إبراهيم باشا الملّي وأعيان ديار بكر بتفوق أحد الطرفين في الصراع على موارد الريف وحده، بل بتغير النظام السياسي العثماني الذي كانت زعامته تستمد منه جانباً أساسياً من قوتها.

وقد تراجعت الدولة أمام الأعيان قبل أن تتخلّى عن حليفها. فبحسب باروت، أرسلت إسطنبول بعد احتلال مكتب التلغراف في ديار بكر سنة 1907 مبعوثاً فوق العادة، هو الفريق طلعت باشا، ليحقّق في «السلوك غير الملائم» لإبراهيم باشا. لكن التحقيق انقلب على منظّمي الاحتجاج: اعتُقل الدرويش محمد عبد الفضل، أحد شيوخ الطرق الصوفية، ومات تحت التعذيب في إسطنبول، ونُفي آخرون إلى طرابلس، وجرّمت الحكومة عارف بيرانجي زاده وثلاثة من الأعيان معه. ثم أبرقت إلى ديار بكر في 30 آذار 1908 بعفو سلطاني عنهم، وهو ما يسمّيه باروت اعترافاً من الحكومة بالهزيمة.67باروت، ص111 و114–115، الحواشي 259–261 و274؛ وفي الحاشيتين 259 و261 يحيل إلى BOA, İrade Dâhiliye 1325. L. 19/19، وفي 260 إلى Kansu، ص70.

ثم تقرر، بعد سنوات من الشكاوى والتحقيقات والتدخلات السلطانية، إبعاد إبراهيم باشا عن مجال الصراع المحلي في مهمة عسكرية لحماية سكة حديد الحجاز، بمشاركة فوج حميدي يقوده ابنه إسماعيل. وقد غادر ويران شهر في أواخر حزيران 1908، ووصل دمشق في أواخر تموز، قبيل التحول الدستوري الذي أنهى احتكار السلطان عبد الحميد الثاني للسلطة.68دولبي، ص127–129، الحواشي 255 و264 و267–269.

ولم يكن أثر الثورة الدستورية على إبراهيم باشا محسوماً منذ البداية. فقد أقام ابنه احتفالاً في دمشق بمناسبة إعادة العمل بالدستور، وفق تقرير بريطاني ينقله دولبي. لكن علاقة إبراهيم الوثيقة بالقصر الحميدي، وبقائد الجيش الرابع زكي باشا، جعلت موقعه موضع شك في النظام الجديد. واستُدعي الرجلان إلى إسطنبول؛ فتظاهر إبراهيم بالامتثال، ثم غيّر اتجاهه في 30 آب، وعاد شرقاً، وعبر الفرات قرب تل أحمر في 2 أيلول. وتبع ذلك حشد قوات عثمانية من الرقة وعينتاب ودير الزور وديار بكر وماردين وخربوط وسروج وميديات لملاحقته.69دولبي، ص129–130، الحواشي 270–275.

وعندما وصل ويران شهر، تجمع حوله نحو ثلاثة آلاف مقاتل مسلحين بأسلحة حكومية، بحسب تقرير إداري عثماني مؤرخ في 27 أيلول. لكن التحالفات التي أقامت سلطته بدأت تتفكك، حتى إن متصرف الزور أبلغ بأن بعض حلفائه العشائريين تخلوا عنه وشرعوا في الاستيلاء على قسم من مواشيه وممتلكاته. ويذكر دولبي أن أمراً بالقبض عليه حياً أو ميتاً صدر في 19 أيلول، وأن بعض الشهادات اتهمت القوات العثمانية بإطلاق النار على رجال عُزّل أثناء محاولة للتسليم، مما أدى إلى تجدد القتال. وهذه الأخيرة رواية منسوبة إلى مراقبين، لا واقعة محسومة بمصدر مستقل.70دولبي، ص130، الحواشي 275–279.

ثم انسحب إبراهيم باشا من ويران شهر، ولجأ إلى حسين كنجو وجماعة الشرقيات، قبل أن يواصل التحرك شرقاً بعد اضطرار حلفائه إلى الاستسلام. ولم يتمكن الجيش العثماني من أسره حياً. ويذكر دولبي، استناداً إلى تقرير بريطاني مؤرخ في 10 تشرين الثاني 1908، أنه توفي بمرض الزحار في أثناء انسحابه، بين تل أسود والحسكة قرب نهر الجغجغ. ويضيف أن السلطات العثمانية نبشت قبره للتحقق من وفاته، بعدما راجت شائعات بأنه دبّر خبر موته للفرار من الملاحقة.71دولبي، ص130–131، الحواشي 280–286.

وفي المقابل، يورد باروت أخباراً عن مقتله في تشرين الأول 1908 قرب تل شرابة، مستنداً إلى مصادر مختلفة.67باروت، ص111 و114–115، الحواشي 259–261 و274؛ وفي الحاشيتين 259 و261 يحيل إلى BOA, İrade Dâhiliye 1325. L. 19/19، وفي 260 إلى Kansu، ص70. ويستدعي اختلاف الروايات التمييز بين تاريخ الوفاة وسببها ومكانها، بدلاً من دمجها في خبر واحد. كما لا يصح اتخاذ تاريخ تقرير بريطاني لاحق تاريخاً للوفاة نفسها. ولا تؤيّد رواية باروت المصادرُ التي رجعنا إليها، ومنها دولبي.

ومن التفاصيل التي يحفظها باروت عن هذه المرحلة خبر شيخ عربي من العمور رفض المشاركة في قتل إبراهيم باشا، محتجاً بما بينهما من «الخبز والملح»، وفق ما ينقله عن «الاتحاد العثماني» بتاريخ 19 تشرين الأول 1908.72باروت، ص114، الحاشية 273، نقلاً عن «الاتحاد العثماني»، 19 تشرين الأول 1908، ص3. وإذا صحت الواقعة كما أوردتها الصحيفة، فهي تكشف أن العلاقات الشخصية والتزامات الضيافة والتحالف كانت قادرة على تجاوز خطوط الصراع العسكري بين الجماعات. ولا تجيز تعميم موقف هذا الشيخ على العمور جميعاً أو على العرب، لكنها تذكّر بأن المواجهات لم تكن محكومة بانقسام إثني ثابت بين الكرد والعرب.

ولم يؤد موت إبراهيم باشا إلى استقرار المنطقة أو توقف العنف. بل يصف دولبي كيف استغلت جماعات كانت متحالفة معه أو معادية له انهيار سلطته، وتحركت إلى الأراضي التي كانت تقع تحت نفوذه، ووقعت أعمال نهب وقتل واعتداءات على السكان. وترد هذه الوقائع في تقارير بريطانية وشهادات معاصرة، من بينها تقرير القنصل البريطاني المؤرخ في 10 تشرين الثاني 1908.73دولبي، ص131، الحاشيتان 287–288.

وفي هذا السياق يورد دولبي رواية بالغة الخطورة عن قتل إيزيديين من عشيرة الشرقيات. ففي رسالة مؤرخة في 23 تشرين الثاني 1908، أبلغ حسين كنجو وبشار من الشرقيات السلطات العثمانية بأن نحو مئة وخمسين إيزيدياً من جماعتهم أُسروا وحُبسوا في كهف، ثم قُتلوا بأمر من عارف بيرانجي زاده، أحد أبرز أعيان ديار بكر وخصوم إبراهيم باشا، وأن ثلاثة عشر منهم نجوا ونقلوا الخبر. ويورد دولبي تفاصيل شديدة القسوة عن طريقة القتل، بوصفها جزءاً من الرواية الواردة في الرسالة.74دولبي، ص131، الحاشية 289، نقلاً عن BOA, DH.MKT 2670/55، رسالة حسين كنجو وبشار من عشيرة الشرقيات، 10 تشرين الثاني 1324 (23 تشرين الثاني 1908).

ولا يجوز تحويل هذه الرواية، لمجرد نقل دولبي لها، إلى حكم تاريخي نهائي بمسؤولية عارف بيرانجي زاده. فالرسالة صادرة عن طرف ارتبط بإبراهيم باشا، ولم تُقابل في هذه المراجعة بمحاضر تحقيق مستقلة أو برد من المتهم أو بشهادة أخرى تثبت تفاصيل الحادثة. لكن أهميتها لا تسقط بسبب انحياز محتمل لدى أصحابها؛ فهي اتهام معاصر محدد، يسمي المتهم والضحايا ويصف الواقعة، ويستحق التحقيق بوصفه شاهداً على العنف الذي أعقب انهيار السلطة الملّية.

ويضع دولبي هذا الخبر إلى جانب اللغة التي استخدمها المبشر الأميركي أندروس في وصف الجماعات المتحركة بعد سقوط إبراهيم باشا؛ فقد شبّهها بأسراب الجراد التي اجتاحت البلاد. غير أن شهادة أندروس، المؤرخة في 4 تشرين الأول 1908، لا تثبت بذاتها حادثة الشرقيات الواردة في رسالة تشرين الثاني. وقيمة المقارنة هنا ليست إقامة علاقة إثبات بين الوثيقتين، بل كشف الفارق بين لغة تنسب العنف إلى جماعات قبلية متحركة، ورواية معاصرة تتهم أحد كبار أعيان المدينة بإصدار أمر بالقتل.75دولبي، ص131، الحواشي 287–290، وTNA-UK, FO 424/217، Andrus to Harris، 4 تشرين الأول 1908.

وهنا تتضح حدود المقابلة المبسطة بين الأعيان المدينيين والزعامات القبلية. فقد كان الطرفان قادرين على استخدام القوة المسلحة، وعلى إقامة التحالفات، وعلى الاستحواذ على الموارد. ولم يكن سقوط إبراهيم باشا انتصاراً تلقائياً للقانون على العنف، أو للمدينة على القبيلة؛ بل أفضى انهيار سلطته إلى إعادة توزيع القوة، وفتح المجال أمام انتقامات وتنافسات جديدة، كان المدنيون من المتضررين منها.

ولا ينقض ذلك تفسير باروت للصراع على الفائض الزراعي، لكنه يبيّن أن نهايته لا تُفهم دون إدخال التحول الدستوري، وتفكك التحالفات المحلية، واستمرار العنف بعد زوال الزعامة التي كانت تمثل أحد أطرافه. وإذا كان تفسير باروت يمنح إسقاط إبراهيم باشا موقع النهاية الطبيعية لمواجهة الأعيان والقبائل، فإن متابعة ما حدث بعد موته تكشف أن الصراع على السلطة والموارد لم ينتهِ بزواله، وإنما دخل طوراً جديداً.

وتكتسب هذه النتيجة أهميتها في دراسة التكوين التاريخي للجزيرة لأن نفوذ إبراهيم باشا لم يكن مرادفاً لوجود جماعات الملّان في المنطقة، كما أن انهيار سلطته لم يكن خروجاً جماعياً لكل من انضوى تحت زعامته. فقد تغيرت التحالفات والسلطات التي حكمت المجال، بينما بقي تاريخ السكان وإقامتهم وعلاقاتهم بالأرض مسألة أخرى تستلزم أدلة مستقلة.

8اقتصادُ الأرض والائتمان، من يملك ومن يزرع

انتهى الفصل السابق بسقوط إبراهيم باشا، وكان الصراع بينه وبين أعيان ديار بكر في جوهره صراعاً على موارد الريف: من يجبي غلّة الأرض، ومن يحميها، ومن يملكها. ويعود هذا الفصل خطوةً إلى الوراء ليسأل عن الأرض نفسها: كيف صارت حقاً يُسجَّل ويُباع بعد قانون 1858، ومن سجّلها باسمه، ومن بقي يزرعها، وكيف ربط الدَّين بعض المزارعين بمن يُقرضهم ورفع آخرين إلى صفّ الملّاك. ثم ينظر في محاولات فتح الفرات للملاحة.

8.1الأرض والطابو: من تسجيل الحقوق إلى الصراع على موارد الريف

يربط باروت توسّع ملكيات تجار حلب في وادي الفرات بأمرين: طفرة القطن، والإصلاحات العقارية العثمانية. فيذكر أنهم «حصلوا من خلال ذلك على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي السلطانية في وادي الفرات»، ويشير إلى إنشاء دائرة الطابو في حلب سنة 1866 برئاسة راغب أفندي الجابري.76باروت، ص71، الحاشية 109، محيلاً إلى أبابسا ص31–32 والطباخ ج3 ص367.

وفي إحالة باروت موضعٌ يحتاج إلى تدقيق. فهو يحيل في ذلك إلى أبابسا ص31–32 والطباخ ج3 ص367. أما أبابسا فلا تسمّي راغب أفندي، وتؤرّخ الاستحواذ الواسع على امتداد الفرات بعبارة «dès 1881»، أي ابتداءً من 1881 لا 1866، وتذكر أنّ المسح العقاري في الجزيرة السورية نفسها تأخّر إلى ما بعد الانتداب. فيبقى الطباخ (ج3 ص367) سندَه الوحيد لاسم راغب أفندي ولسنة 1866.

ويحتاج الأمران اللذان يربط بينهما باروت إلى ترتيبهما في الزمن. فقانون الأراضي العثماني صدر سنة 1858، قبل طفرة القطن، ونظّم تسجيل حقّ التصرف في الأرض في سجلات الطابو. وكانت نتيجته المعروفة في بلاد الشام أن أعيان المدن سجّلوا باسمهم أراضي كانت حيازتها جماعية، أحياناً بموافقة فلاحين ظنّوا أنهم ينجون بذلك من الضرائب والتجنيد.77Ababsa، المرجع نفسه، الفقرة 12، نقلاً عن Métral 1996 ص93.

ثم جاءت الحرب الأهلية الأميركية (1861–1865)، فانقطع القطن الأميركي عن مصانع أوروبا وارتفعت أسعاره، فتوسّعت ولاية حلب في زراعته لتنتفع بهذا الارتفاع: من ألف بالة سنة 1862 بقيمة 8503 ليرات، إلى عشرة أضعافها سنة 1863، ثم إلى 22 ألف بالة سنة 1864 بقيمة 119,727 ليرة.78Myriam Ababsa, «Raqqa: territoires et pratiques sociales d'une ville syrienne», Beyrouth: Presses de l'Ifpo, 2009، الفصل الأول، الفقرة 11، نقلاً عن Lewis 1987 ص47. books.openedition.org فلما انتهت الحرب وعاد القطن الأميركي إلى الأسواق انهارت الأسعار، فوجّه تجار حلب ما جمعوه من أرباح إلى تملّك الأراضي على الفرات. فالقانون فتح باب التسجيل، والقطن وفّر المال الذي اشتُريت به الأرض.

وهذا الربط بين التجارة والإصلاح العقاري وتوسّع ملكيات الأعيان له أساس تاريخي إذن، لكنه لا يوضح وحده طبيعة الحقوق التي انتقلت، ولا علاقة أصحاب السندات بمن كانوا يزرعون الأرض أو ينتفعون بها.

وتتيح أطروحة فييس كارابولوت (2024)، المستندة إلى مراسلات وتحقيقات عثمانية، إعادة بناء جانب من هذه العلاقات في شرقي ولاية حلب. ففي مزرعة جبل عيسى السلطانية (Cebel-i İsa Çiftlik-i Hümayunu)، التي أُنشئت سنة 1851 بستّ عشرة قرية، ثم امتدت تدريجياً إلى مناطق مسكنة والباب والرقة، لم تكن الأرض مجرد مساحة تنتظر دخول الملكية الفردية، بل كانت تضم قرى وفلاحين ومحاصيل وعلاقات مشاركة زراعية والتزامات مالية متنازعاً عليها. وخلال أزمة الجراد في ستينيات القرن التاسع عشر، اشتكى سكان المزرعة من القروض التي قدمها مديرها ومن الفوائد المفروضة عليها، ومن تحصيل الديون بالإكراه. وتكشف التحقيقات عن نزاع بين المنتجين المباشرين ومن يملكون سلطة الإدارة والجباية، لا عن عملية إعمار زراعي تبدأ بمجرد منح السندات.79Veyis Karabulut, «Governors, Notables and Land Disputes in the Province of Aleppo, 1880s–1910s»، أطروحة دكتوراه، 2024، الفصل الثالث، ص109–121، نقلاً عن BOA, HH.İ 46-22 (تحقيقات 1867–1868).

وتكشف المراسلات المتعلقة ببيع أراضي المزرعة أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر عن مشكلة أخرى: فقد خافت بعض الجهات الإدارية من أن يؤدي عرض الأراضي للبيع إلى استحواذ الأعيان الأغنياء عليها وتحول المزارعين إلى مستأجرين في الأراضي التي يعملون فيها. وفي المقابل، كان توسيع المزرعة السلطانية نفسها يثير نزاعات على الإيرادات والسلطة، ويلاحظ كارابولوت أن بعض المخاوف المعلنة من استحواذ الأعيان كانت مبالغاً فيها، وأنها ساعدت على تسويغ توسيعها: فقد ارتفع عدد قراها من 16 سنة 1851 إلى 168 سنة 1878، ثم إلى 400 سنة 1884.80كارابولوت، ص130–133 وص150–151، نقلاً عن BOA, İ.ŞD 44-2374؛ وML.EEM 45-33؛ وY.A.RES 26-33.

خريطة عثمانية ملوّنة باليد على لوح مقسّم بشبكة: خطٌّ أصفر يحيط بمساحةٍ واسعة تمتدّ من قضاء الباب في الجنوب الغربي إلى منبج وأبي قلقل ونهر الفرات في الشرق، وعليها كتابات بالحرف العربي
خريطة عثمانية · 1886مزرعة جبل عيسى السلطانية في 17 نيسان 1886. الخطّ الأصفر حدود المزرعة كما رسمتها الإدارة، وقد صار في داخلها معظم قضاءَي الباب ومنبج وناحية أبي قلقل حتى الفرات. وفي الأصل يظهر هذا الخطّ باهتاً، فأعدنا رسمه فوق موضعه دون أن نكمله حيث ينقطع. وأزلنا الأسماء اللاتينية التي أضافها كارابولوت، وإطار اللوحة.أرشيف المديرية العامة للطابو والمساحة في تركيا، TKG.KK.VKF.Cd.57، بتاريخ 17 نيسان 1886؛ عن Karabulut 2024، الخريطة 3.1، ص137.
حلبالبابجرابلسبيره جككلّسأعزازإدلبمعرّة النعمانجسر الشغورالإسكندرونة(منبج)(أبو قلقل)(دير حافر)(مسكنة)(خناصر)(قنسرين)أملاك السلطان

انقر مرّتين على الخريطة للتكبير، ومع ضغط Shift للتصغير، ثم اسحبها للتنقّل. على الهاتف: إصبعان للتكبير والتصغير.

عن خريطة نورمان لويسأملاك السلطان عبد الحميد الثاني حول حلب. المساحة الملوّنة أملاك السلطان، والنقاط البيضاء مواضع مشروع الإسكان في 1835–1836، والخطّ المتقطّع حدّ البادية في أوائل القرن التاسع عشر، والأسماء بين قوسين مواضع غير مأهولة بحسب مفتاح الخريطة. طابقنا خريطة لويس على ثلاث عشرة مدينة معروفة الموضع، والخطأ نحو 2 كم، فالمواضع تقريبية. رُسمت المدن المرجعية في مواضعها الحقيقية، وبقية العناصر كما وضعها لويس. ويقطع حدَّ البادية عند لويس عددٌ من الأسماء، فنقلنا مقاطعه الظاهرة ولم نصل بينها. والبحيرتان في الصورة الفضائية حديثتان. المصدر: Norman N. Lewis, Nomads and Settlers in Syria and Jordan, 1800–1980, Cambridge 1987, p. 16، نقلاً عن Karabulut 2024، الخريطة 3.2، ص151.
خريطة لويس الأصلية
خريطة لويس الأصلية بالأبيض والأسود
Lewis 1987، ص16

ويقدم نزاع نافع الجابري مثالاً ملموساً على تعقيد هذه العمليات. فقد نظرت لجنة تحقيق سنة 1909–1910 في سندات وحقوق ادعاها على أجزاء من أراضي المزرعة السلطانية، وناقشت إلغاء سندات سابقة، والتعويضات المدفوعة، والإيرادات التي حصلها من السكان. ولم يكن النزاع على مساحة الأرض وحدها، بل على مشروعية الحقوق والتصرفات المالية والإدارية التي نشأت خلال عقود سابقة.81كارابولوت، ص205–206، الحاشيتان 101–102، نقلاً عن BOA, BEO 3738/280331.

ومن ثم ينبغي التمييز بين تسجيل حق التصرف، واكتساب الملكية، وامتلاك سلطة الجباية، والعمل الزراعي الفعلي، والحيازة السابقة. فقد تنتقل الحقوق القانونية إلى أحد الأعيان من دون أن يتغير السكان الذين يزرعون الأرض، وقد يُفضي انتقالها إلى تحويل الفلاحين إلى مستأجرين أو إلى انتزاع حقوق كانوا يمارسونها. كما قد يكون التوسع الزراعي جديداً بالفعل في حالات أخرى. ولا يجوز استنتاج أي من هذه الاحتمالات من سند الطابو وحده. وحين يمنح ثريا باشا سندات «خاقانية» لأسر دير الزور سنة 1864–1866، بمساحاتٍ من 12 إلى أكثر من مئة دونم،82باروت، ص70، الحاشية 106. فإنّ وجود تلك الأسر سابقٌ منطقياً على تسجيل حقوقها.

وهذه هي النقطة التي ينبغي اختبارها في معالجة باروت: هل يتتبع انتقال الملكية بوصفه تحولاً في علاقات الإنتاج والسلطة بين الدولة والأعيان والفلاحين، أم يكتفي بوصف توسع الأملاك المسجلة؟ وما الأثر الذي يرتبه على ذلك في تفسير العمران والاستقرار السكاني؟ فالمصادر الحديثة لا تنقض وقوع انتقالات واسعة في حقوق الأرض، لكنها تمنع مساواة التوسع العقاري بإنشاء استيطان جديد، أو اعتبار تسجيل الأرض بداية تاريخ سكانها.

8.2من الرعي إلى الزراعة: الشوايا والائتمان وتفاوت الثروة في ريف الفرات

نبدأ بما يقوله باروت. ففي الصفحتين 74–75 يصف باروت ريف دير الزور: كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال يسيطرون على وسائل الري والإقراض، وفوائد القروض تبلغ 50٪ وأحياناً 100٪، و«الشاوي» تسميةٌ يُحتقر بها الفلاح. ويقرّ بأن تحويل البدو إلى فلاحين لم ينفصل عن التبعية للرأسمال المديني وملكية الأرض.83باروت، ص74–75، الحواشي 119–123. ولا يؤرّخ باروت نسبة الربا بسنة، لكنه يقرنها بأدوات الري «التي أخذت تتطوّر إلى الغرّاف»، ويحيل فيها إلى عيّاش والصليبي. وفي الصفحة 71 يذكر أن أرسلان باشا، قائمقام دير الزور، بنى في أواسط الستينيات أول مدرسة ابتدائية ومستشفى وعشرات القرى لإسكان البدو، وأن الجنود الذين وضعهم لحراسة هذه القرى اضطروا إلى المغادرة نحو البادية الشامية، فهجرها البدو.84باروت، ص71، والحاشية 108، وفيها يحيل إلى الترجمة العربية لكتاب آن بلنت («قبائل بدو الفرات»، تعريب أسعد الفارس ونضال خضر معيوف، دمشق 1978)، وإلى «Hannoyer, p. 123» دون أن يسمّي العمل.

وهذا وحده يجيب جزئياً عن السؤال الذي انتهى إليه القسم السابق: فباروت لا يكتفي بوصف توسع الأملاك، بل يذكر أثره في علاقات الإنتاج. والانتقال إلى الزراعة عنده لم يكن تحولاً تقنياً أو سكانياً فحسب، بل تغيّراً في الملكية والمكانة الاجتماعية أيضاً.

ونضيف إلى عرضه أربعة أمور، من مصادر لا يستعملها.

أولاً، لم يكن الانتقال إلى الزراعة تخلياً عن الرعي. فقد بيّنت فرانسواز ميترال أن الجماعات التي عُرفت بالشوايا في وادي الفرات جمعت بين الري التقليدي بجرّ المياه بالقربة الجلدية، أو «الناصبة»، وزراعة الحبوب بعلاً على المصاطب، وتربية الأغنام في المراعي المحيطة.85Françoise Métral، 1987، ص112؛ Jean Hannoyer, «Essai d'histoire socio-économique des villages de la basse vallée de l'Euphrate»، «Revue de géographie de Lyon» 54، العدد 3، 1979، ص271–273. و«الناصبة»، nasba عند هانوير: قربة جلدية على بكرة يجرّها ثور أو بغل. وكانت الأرض التي تسقيها وحدةً تُجبى عليها الضريبة. فلا يصح تصوّر الزراعة والرعي نمطَي عيش متنافيين، ولا اعتبار الإقامة في القرية دليلاً على ترك المجال الرعوي.

ثانياً، الدَّين أقدم من الزمن الذي يصفه باروت على الأرجح. فقد رأينا في القسم 8.1 أن سكان مزرعة جبل عيسى، قرب حلب، اشتكوا في ستينيات القرن التاسع عشر من الحبوب التي أُقرضوها بفوائد عالية ومن تحصيل الديون بالإكراه، بعد أن أتلف الجراد محاصيلهم. أما الربا الذي يصفه باروت في ريف دير الزور فيقرنه هو نفسه بتطوّر أدوات الري «إلى الغرّاف»، والغرّاف عند هانوير حلّ محلّ الناصبة نحو 1930، وهو يؤرّخ انتشار الربا هناك بقدوم الفرنسيين. فالصورة التي يرسمها باروت صورة زمن الانتداب.86Hannoyer 1979، ص272–273: الغرّاف يحلّ محلّ الناصبة نحو 1930، والربا ينتشر بقدوم الفرنسيين.

ثالثاً، لم يكن الدَّين المصير الوحيد لمن تحوّلوا إلى الزراعة. ويظهر ذلك فيما جرى بعد نهاية العهد العثماني بعقود، وهو خارج موضوعنا، لكنه يمنع تعميم صورة الفلاح المدين. فمنذ أواخر الأربعينيات، ثم مع طفرة القطن في الخمسينيات، اتجه أصحاب رؤوس الأموال في المدن إلى الزراعة، ونصبوا المضخات الآلية على الفرات. وصار صاحب المضخة يأخذ حصةً من المحصول لأنه يملك الماء، ولو كانت الأرض لغيره والعمل على الفلاح. ولم يغيّر الإصلاح الزراعي ذلك كثيراً، فبقيت المضخات والآلات في أيدٍ قليلة.87Métral، 1987، ص112، الحاشية 7، نقلاً عن Hannoyer، 1982، ص412. وسجّلت بعثة البنك الدولي سنة 1955 فوائد على بعض القروض الزراعية من خارج المصارف في سورية بين 50٪ و100٪، أي النسبة نفسها التي يذكرها باروت، في حين كانت شروط الاقتراض أفضل لمن استطاع الوصول إلى المصارف. ويميّز حنّا بطاطو بين أشكال من الاستدانة، منها بيع المحصول سلفاً بأقل من سعر السوق ورهن حقوق الأرض ضماناً للدين، فيمكن أن يصير الدين وسيلةً لنقل المحاصيل والحقوق العقارية.88IBRD, «The Economic Development of Syria»، 1955، ص89–91؛ Hanna Batatu, «Syria's Peasantry, the Descendants of Its Lesser Rural Notables, and Their Politics»، 1999، ص54–55. لكن الطفرة نفسها أغنت ملّاكاً متوسطين من الشوايا على الفرات، فصاروا ينازعون المشايخ القدامى هيمنتهم، كما تبيّن ميريام أبابسا.89Myriam Ababsa, «Agrarian Counter-Reform in Syria (2000–2010)»، في Raymond Hinnebusch وآخرين، «Agriculture and Reform in Syria»، St Andrews Papers on Contemporary Syria، 2011، ص85–87، نقلاً عن S. Khalaf, «Family, Village and Political Party»، 1981. فأنتج التحول الزراعي تفاوتاً داخل الجماعات الريفية نفسها، لا مساراً واحداً من الرعي إلى الفلاحة ثم إلى التبعية.

رابعاً، لم تكن «الشاوي» وصفاً محايداً لطريقة العيش. فقد ارتبطت برعي الشياه، واستُعملت للتمييز بين جماعات تربّي الأغنام وتزرع بدرجات مختلفة، وجماعات بدوية أكثر اعتماداً على الإبل والتنقل. لكن سلطات الانتداب الفرنسي وظّفت هذا التمييز في تنظيم الإدارة والضرائب والامتيازات، كما تبيّن كاتارينا لانغه، فصار تراتباً اجتماعياً وإدارياً.90Katharina Lange, «"Bedouin" and "Shawaya": The Performative Constitution of Tribal Identities in Syria during the French Mandate and Today»، «Journal of the Economic and Social History of the Orient» 58، 2015، ص207–213 وص217–224. وعن تبنّي بعض الشوايا التسمية بعد 2011 هويةً يعتزّون بها، وهو أمر معاصر لا يُسقط على القرن التاسع عشر: Haian Dukhan, «From Shame to Pride: The Politics of Shawi Identity in Contemporary Syria»، «Middle East Journal of Culture and Communication» 15، 2022، ص377–384.

أما ما نستنتجه، فأوّله يخصّ القرى التي بناها أرسلان باشا لإسكان البدو. فهي عند باروت قرى سُكنت ثم هُجرت حين رحل الجنود الذين يحرسونها، ومن مصادره فيه الرحّالة آن بلنت. لكن بلنت تروي غير ذلك. فقد مرّت في شتاء 1877–1878 بأطلال أكواخ طينية على الفرات تُدعى أبو غرارة، وكتبت أنها واحدة من سلسلة قرى أمر ببنائها «أصلان، الباشا المقدام» قبل نحو أربع سنوات، لعنزة، ظنّاً منه أنه أقنعهم بترك الترحال أو أرغمهم عليه، وأن الأكواخ «لم تُسكن قطّ».91Lady Anne Blunt, «Bedouin Tribes of the Euphrates»، لندن 1879، ج1، ص84. archive.org فالقرى عندها لم تُهجر بعد سكنى، بل لم تُسكن أصلاً، وهي لعنزة تحديداً، وتأريخها أقرب إلى منتصف السبعينيات، ولا ذكر عندها لجنود ولا لانسحابهم. وأيّاً كانت الرواية الأصحّ، فإخفاق قرى أنشأتها الإدارة لا يعني هجر الإقليم، ولا يقول شيئاً عن سكان الضفاف الذين كانوا هناك قبلها.

وقيمة صفحات باروت هذه ليست في أنها تثبت فشل الاستقرار الزراعي أو تنقض التوسع العمراني، بل في أنها تفتح سؤالاً عن العلاقات الاجتماعية التي نتجت عنه. فالتوسع في الزراعة قد يرفع الإنتاج وينمّي الأسواق، وقد يعيد توزيع الثروة والسلطة على نحو غير متكافئ، وقد يتيح صعود فئات ريفية جديدة.

والسؤال إذن ليس هل تجاهل باروت الاستغلال، فهو يذكره صراحة، بل هل يمنحه وزناً في تفسير تكوّن الجزيرة، أم يجعله نتيجة جانبية لعملية يعرّفها أساساً بالهجرة والإسكان والانتقال من البداوة إلى الزراعة. ولا يُحسم ذلك إلا بمقارنة هذه الصفحات باستعماله مفاهيم الإعمار والاستقرار والتبدون في بقية الكتاب، وهو ما يتناوله القسم الثالث.

8.3الملاحة النهرية: بين مشروعات الإعمار والتشغيل الفعلي

وكما قرأنا الأرض بما جرى عليها لا بما أرادته الإدارة، نقرأ النهر كذلك. فباروت يجعل تطوير «طرق المواصلات النهرية الفراتية» بين مسكنة والفلوجة جزءاً مما يسمّيه «إحياء الجزيرة السورية»، الذي أدّى بحسب عبارته «دوراً رئيسياً في ربط شرق السلطنة بغربها».92باروت، ص65. والسؤال هنا: ما الذي تحقّق من هذا الطموح على النهر نفسه؟

ويلزم لذلك التمييز بين أربع مراحل: استكشاف صلاحية النهر للملاحة، وتسيير باخرة في رحلة تجريبية، وإنشاء خدمة موسمية محدودة، وإقامة خط تجاري منتظم. ولا تثبت إحداها بالضرورة تحقّق الأخرى.

بدأت أشهر المحاولات البريطانية ببعثة فرانسيس رودون تشيسني في 1835–1836، التي أرادت اختبار طريق بخاري يصل البحر المتوسط بالخليج، بوصفه احتمالاً لربط بريطانيا بالهند. وقد جُمعت الباخرتان «فرات» (Euphrates) و«دجلة» (Tigris) قرب بيره جك، ثم بدأتا النزول في النهر. وفي 21 أيار 1836 غرقت «دجلة» في عاصفة، وواصلت الأخرى الرحلة. ولم تؤدِّ التجربة إلى خط تجاري منتظم، لكنها أسهمت في مسح النهر وإنتاج معلومات جغرافية وملاحية استعملتها المشاريع اللاحقة.93British Library, IOR/L/MAR/C/574؛ ومكتبة قطر الرقمية، «Steaming Ahead: The Euphrates Expedition 1835–36». qdl.qa

لوحة محفورة: باخرتان بمداخن يتصاعد منها الدخان تسيران في نهر عريض، وقارب صغير فيه رجال في المقدّمة
الباخرتان «فرات» و«دجلة» على الفراتعند موضع ثابساقوس القديم
لوحة محفورة: باخرة في عاصفة ليلية، أمواج عالية وبرق في سماء داكنة
غرق «دجلة»، 21 أيار 1836في عاصفة على النهر

لوحتان من كتاب Francis Rawdon Chesney, Narrative of the Euphrates Expedition, London 1868، وعنواناهما فيه Steamers passing Thapsacus وLoss of the Tigris steamer. وهما رسمان منشوران مع الرواية، لا صورتان فوتوغرافيتان.

وفي سنة 1841 وصلت باخرتا «نيتوكريس» (Nitocris) و«نمرود» (Nimrod)، بقيادة الكابتن كامبل، صعوداً إلى مسكنة بعد عوائق شديدة في المجرى. فأثبتت الرحلة إمكان بلوغ هذا الموضع تقنياً، وكشفت صعوبة تحويل هذا الإمكان إلى خدمة تجارية منتظمة.94تويدّي، ص38؛ «Encyclopædia Britannica»، الطبعة الحادية عشرة، مادة «Euphrates».

أما تجربة مدحت باشا فتوثّقها شهادة بريطانية. ففي تقرير نُشر سنة 1888 عن جولة جرت في شتاء 1886–1887، ذكر المقيم البريطاني في بغداد وليم تويدّي أن مدحت باشا صعد في أيار 1872 بالباخرة الحكومية العثمانية «فرات» (Furât) من السقلاوية إلى مسكنة، بصحبة الكابتن باول، الذي كان ضيفاً على الباخرة. ونقل تويدّي عن دفتر رحلة باول تكرار جنوح السفينة، وتعطّل عجلة الجدف، والاضطرار إلى تخفيف حمولتها، والاستعانة بسكان ضفاف النهر لتجاوز بعض المواضع الصعبة.95William Tweedie، تقرير منشور سنة 1888 عن جولة 1886–1887، ص38: British Library, Mss Eur F112/384, f. 28v. qdl.qa وفيه ينقل تويدّي دفتر رحلة باول. فكانت الرحلة اختباراً عملياً كشف أن الباخرة لا تعمل باستقلال عن المعرفة المحلية والعمل البشري.

وتتّفق هذه الشهادة مع ما يورده أبو بكر جيلان عن اهتمام مدحت باشا بتحسين مجرى الفرات وتطوير النقل بين بغداد وحلب والإسكندرونة، في سياق مشاريع الأشغال العامة في ولايته. ويذكر جيلان أيضاً، نقلاً عن لوريمر، أن شركة فرنسية تقدّمت سنة 1864 بطلب تسهيلات للملاحة في دجلة والفرات أسوةً بالشركات البريطانية.96Ebubekir Ceylan, «The Ottoman Origins of Modern Iraq»، 2011، ص192–195؛ وص271، الحاشية 64، نقلاً عن لوريمر. لكن هذا الطلب لا يثبت أن شركة فرنسية شغّلت الباخرة العثمانية سنة 1872.

ومن هنا يحتاج خبر باروت إلى نظر. فهو يورد في حاشية طويلة أن «أولى عمليات الإبحار من مسكنة إلى الفلوجة» جرت في ولاية مدحت باشا (1869–1872) «بواسطة شركةٍ فرنسيةٍ للمراكب البخارية»، وأن «انقلاب بعض السفن» بسبب كثرة الشرائط الرملية أنهى المحاولة. والحاشية تحيل إلى عيّاش، وقد قرأنا الصفحات المحال إليها فوجدناها عن بالس ومسكنة والتجارة القديمة، لا عن الملاحة البخارية.97باروت، ص65، والحاشية 94. والحاشية تبدأ بالإحالة إلى عبد القادر عيّاش، «حضارة وادي الفرات»، ص362 و364، ثم تعرض بعثة تشيسني وخبر الشركة الفرنسية وانقلاب السفن، وتنتهي بـ«قارن مع: فرا ودوهوفل، ص49–50». قرأنا صفحات عيّاش 361–364 بالصور، وهي عن بالس ومسكنة والتجارة القديمة، ولا تذكر تجربة مدحت باشا ولا شركة فرنسية. فنسبة الرحلة إلى شركة فرنسية لا يؤيدها تويدّي ولا جيلان، ولا تسندها الصفحات التي قرأناها من إحالاته. ووصفها بأنها «أولى» عمليات الإبحار لا يستقيم مع نزول باخرتي تشيسني سنة 1836، وصعود باخرتي كامبل إلى مسكنة سنة 1841. أما اختلاف اتجاه الرحلة، من مسكنة إلى الفلوجة عند باروت ومن السقلاوية إلى مسكنة عند تويدّي، فلا يكفي وحده دليلاً على الخطأ، فقد يصف باروت رحلة العودة نزولاً. ولا يجوز كذلك مساواة السقلاوية بالفلوجة دون تحديد المسار.

ولم تكن العقبات تقنية فحسب. فقد وصف تويدّي عوائق أحدثتها منشآت الري التقليدية، من سدود حجرية ونواعير ترفع الماء إلى الأراضي المزروعة، وتحدّث عن فتح ثغرات في بعضها لتمرّ البواخر. لكنه لم يحسم هل تراجع عدد النواعير العاملة بسبب تلك التدخلات أم لأسباب أخرى أضعفت الزراعة.98تويدّي، الموضع نفسه، ص38. وهذه شهادة تكشف احتمال التعارض بين هدفين من أهداف «الإعمار»: تحسين النقل النهري، والحفاظ على البنية القائمة للري.

ويضيف تويدّي أن السلطات العثمانية سيّرت باخرة صغيرة بصورة متقطعة بين الحلّة ومسكنة في موسم ارتفاع المياه، من نيسان إلى تموز، لا لأهداف تجارية وحدها، بل لإظهار سلطة الدولة أمام العشائر المقيمة على ضفاف النهر، وأن هذه المحاولات كانت قد توقفت قبل تقريره بسنوات. ولا يُعتمد تقديره لدوافع الحكومة تفسيراً وحيداً، فهو مراقب بريطاني في سياق التنافس على النفوذ في العراق. لكنه يذكّر بأن الملاحة كانت مشروعاً سياسياً وعسكرياً أيضاً، لا مجرد وسيلة لخفض كلفة نقل البضائع.

وتؤيد شهادة فيتال كوينيه أن المشروع بقي في أواخر القرن التاسع عشر أمراً مأمولاً. ففي وصفه لولاية حلب، المنشور سنة 1891، رأى أن تراجع مكانة المدينة التجارية بعد افتتاح قناة السويس يستدعي إنشاء السكك الحديدية وخدمات الملاحة البخارية على الفرات، ليعود وصل حلب بالتجارة الممتدة نحو الخليج، وعرض ذلك ضرورةً لم تتحقق، لا شبكةً قائمة.99Vital Cuinet, «La Turquie d'Asie»، ج2، باريس: Ernest Leroux، 1891، ص155. وكتب في وصفه لمتصرفية الزور: «بسبب عدم صيانة الأشغال، عادت الحال إلى ما كانت عليه، وتوقّفت خدمة البواخر عن العمل تماماً».100Vital Cuinet, «La Turquie d'Asie», t. II, Paris: Ernest Leroux, p. 292.

ولا يعني تعثّر الملاحة البخارية في الفرات الأعلى أن البواخر لم تعمل في العراق. فقد قامت خدمة تجارية منتظمة على دجلة بين بغداد والبصرة منذ نحو سنة 1860، تديرها مصالح عثمانية وبريطانية متنافسة. وتوضح دراسة كاميل ليانز كول أن الخزينة الخاصة للسلطان عبد الحميد الثاني حصلت على امتياز واسع شمل الملاحة من القرنة حتى مسكنة على الفرات وحتى الموصل على دجلة، لكنها لم تنفّذ كل التوسعات التي تصوّرها مسؤولوها. وبين 1893 و1908 رُفضت طلبات ستة اتحادات تجارية محلية على الأقل، ومعها بلدية بغداد، للاشتغال بالملاحة، بحجة احتكار الخزينة الخاصة.101Camille Lyans Cole, «Nafia for the Tigris»، 2024 (نُشر إلكترونياً 2021)، ص489–490 وص495 وص499–505. journals.sagepub.com

وتكشف دراسة كول جانباً أعمق من علاقة الملاحة بفكرة الإعمار. ففي مذكرة للخزينة الخاصة مؤرخة في 9 تشرين الثاني 1887، عُرضت البواخر وسيلةً لنقل المحاصيل الموجودة فعلاً، ثم توقّعت المذكرة أن يزيد تطوير الملاحة العمران والرخاء. وفي مذكرة لوزارة الداخلية سنة 1888، ارتبط مشروع النقل بتوسيع المحاصيل التجارية، وشقّ الطرق، وإقامة خطوط تربط مسكنة بحلب، وتشجيع إسكان العشائر.102كول، ص497–499، نقلاً عن BOA, ML.EEM 323.61؛ وDH.MKT 1586.94.

وهنا ينبغي التمييز بين ما تصفه الوثائق من واقع اقتصادي قائم، وما تتوقعه المشروعات من تحولات. فإقرار الإدارة بوجود محاصيل تحتاج إلى النقل يثبت نشاطاً إنتاجياً سابقاً على مشروع الملاحة. أما الحديث عن زيادة العمران أو إسكان العشائر فيكشف أهداف السلطة وتصوراتها، ولا يثبت أن الأراضي كانت خالية من السكان، ولا أن خططها أُنجزت، ولا أن كل استقرار لاحق نتج منها.

ويتّضح هذا الفرق أكثر بعد الثورة الدستورية سنة 1908. فقد انتقلت امتيازات الخزينة الخاصة إلى مؤسسات حكومية أخرى، وأُجيز بين 1909 و1913 لست شراكات محلية على الأقل العمل في الملاحة البخارية، واستمرت المشاريع الكبرى الرامية إلى ربط الملاحة بالسكك الحديدية والري والتجارة. لكن التراخيص ونصوص الامتيازات لا تثبت أن المسارات المقترحة صارت خطوطاً منتظمة. ويصدق ذلك على مسوّدة امتياز سنة 1913 للملاحة من مسكنة والموصل إلى القرنة: فنصّ الامتياز وحده لا يثبت أنه نُفّذ، ولا يذكر سفناً ولا رحلات.103كول، ص505–508. ومسوّدة امتياز 1913: British Library، ملفات سكة حديد بغداد، qdl.qa

وتستدعي هذه الوقائع تمييزاً آخر: فتعثّر البواخر لا يعني توقف النقل النهري بوسائل أقدم، كالقوارب والأطواف. فلا يساوي توقف الخط البخاري توقف التجارة النهرية، كما لا يثبت مرور باخرة عابرة نشوء شبكة مواصلات مستقرة.

وعليه، لا تُختزل مراجعة معالجة باروت للملاحة في تصحيح اتجاه رحلة أو جنسية شركة. فالقضية الأوسع هي العلاقة بين الخطاب الإصلاحي وقدرة الدولة الفعلية على تنفيذ مشروعاتها. لقد وُجدت محاولات تقنية ومشاريع تجارية ومنافسات على الامتيازات، لكن تحقيقها ارتبط بظروف النهر، ومصالح التجار، والتمويل، والبنية الزراعية القائمة، وعلاقات الدولة بالجماعات المحلية.

وتكتسب هذه النتيجة أهميتها في قراءة التكوين التاريخي للجزيرة: فمشروع الملاحة لا يقدّم بذاته مقياساً لحجم السكان أو أصولهم أو تاريخ استقرارهم، وفشله لا يثبت انقطاع النشاط الاقتصادي أو خلوّ ضفاف النهر. لكنه يكشف كيف تصوّرت الإدارة العثمانية إعادة تنظيم المجال، وكيف حاولت إخضاع الحركة التجارية والزراعية لمشروعات أشمل للسيطرة والجباية والإعمار. وتبقى المسافة بين تلك التصورات ونتائجها الفعلية هي ما ينبغي أن يحقّق فيه المؤرخ، بدلاً من التعامل مع خطط الدولة بوصفها وصفاً مباشراً للواقع الذي أرادت تغييره.

9الدولة ترسم حداً — متصرفية الزور 1871

انتهى الفصل السابق إلى التمييز بين ما أرادت الدولة العثمانية إنشاءه على النهر وما استطاعت تحقيقه. ويظهر التمييز نفسه في إعادة تنظيم الزور إدارياً سنة 1871. فهنا لم تكن الدولة تغيّر وسائل النقل، بل ترسم من جديد حدود سلطتها على مجالٍ تتداخل فيه المدن والقرى والمزارع ومسارات الرعاة. ويجعل باروت هذا الترسيم بدايةَ ما يسمّيه «مركزية دير الزور»، التي يبني عليها سرده لإعمار الجزيرة.104باروت، ص67–68، الحواشي 98–101. ولفهم أثره يلزم الفصل بين ثلاثة أمور: إنشاء الوحدة الإدارية، وقدرة الدولة على ممارسة سلطتها داخلها، وتاريخ السكان الذين شملتهم حدودها.

«السنجق» وحدةٌ إدارية عثمانية دون الولاية، و«المتصرفية» سنجقٌ يتصل مباشرةً بإسطنبول لا بوالي الولاية. وكانت الزور بين 1855 و1869 ناحيةً تابعة لحلب يديرها قائمقام، ثم صارت سنة 1870 سنجقاً مركزه دير الزور ومتصرّفه أرسلان باشا. وبطلبٍ منه صدرت في 24 آذار 1871 إرادةٌ سلطانية باستقلال السنجق عن حلب. وبقي مستقلاً حتى 1876، ثم عاد إلى حلب بين 1877 و1882، ثم استقلّ من جديد بإرادة 19 حزيران 1882، وصُنّف سنة 1888 متصرفيةً ممتازة.105İdris Bostan, «Zor Sancağı'nın İmâr ve Islâhı ile Alâkalı Üç Lâyiha»، «Osmanlı Araştırmaları» 6، إسطنبول 1986، ص164–166؛ وبوستان، «Deyrizor»، «TDV İslâm Ansiklopedisi» 9، 1994. islamansiklopedisi.org.tr

ولماذا أرادت الدولة هذا الترسيم؟ يجيب صامويل دولبي من المراسلات العثمانية نفسها. ففي مذكرة مطلع 1871 لاحظ المسؤولون أن شمّر تستفيد من وقوع البادية بين ولايات بغداد وحلب وديار بكر: كلما عوقبت في ولاية انتقلت إلى أخرى، ولا أحد أبرع في ذلك من شيخها عبد الكريم. فرأوا أن جمع البادية تحت إدارة واحدة يجلب «فوائد كثيرة».106Samuel Dolbee, «Locusts of Power», Cambridge 2023، ص55–56، نقلاً عن BOA, İ.MMS 40/1654 (5 كانون الثاني 1871). وفي أوامره إلى أرسلان باشا في آذار 1871 عرّف الصدر الأعظم محمد أمين عالي باشا الزور بأنها «بلاد البادية بين بغداد وديار بكر وحلب»، تمتد من قرب الموصل إلى الفرات، ومن سنجار والخابور إلى رأس العين، وطلب أن تصير متصرفيةً خاصة.107دولبي، ص56–57، نقلاً عن BOA, ŞD 2434/69 (15 آذار 1871). فضُمّت إلى الزور، التابع لحلب من قبل، رأسُ العين ونصيبين من ولاية ديار بكر، وسنجار من ولاية بغداد، وعددٌ من العشائر التي كانت تتبع حلب.108دولبي، ص58–59. فالغاية أن تقترب حدود الإدارة من مجال حركة الجماعات التي تريد الدولة إخضاعها، فتصير هذه الحركة نفسها قابلةً للمراقبة والجباية والتدخل العسكري.

خريطة بالأبيض والأسود لشمال سوريا والعراق: مساحة رمادية بخط متقطع حول دير الزور تمتد من ويران شهر ورأس العين إلى تدمر، وحولها مدن حلب وماردين والموصل وبغداد
خريطة حديثةمتصرفية الزور الخاصة سنة 1871. المساحة الرمادية حدود المتصرفية كما يرسمها دولبي: من ويران شهر ورأس العين شمالاً إلى تدمر جنوباً، ومن الرقة غرباً إلى الخابور شرقاً، وخارجها ماردين ونصيبين وسنجار والموصل.Samuel Dolbee, Locusts of Power, 2023، ص57، الشكل 8.

ووصفت هذه المراسلات البادية بأنها «خالية من الزراعة»، واتهمت شمّر وعنزة بمحو «آثار العمران»، وربطت إصلاحها بإخضاعهم وحملهم على الاستقرار.107دولبي، ص56–57، نقلاً عن BOA, ŞD 2434/69 (15 آذار 1871). وهذه أوصافٌ تكشف كيف رأت الإدارة المجال الذي تريد إصلاحه، لا ما كان فيه. فهي لا تثبت خلوّه من البشر، ولا غياب حقوق الرعي والانتفاع الموسمي فيه. واختلاف طريقة استغلال الأرض عن الزراعة التي تفضّلها الإدارة لا يعني أن تلك الطريقة لم تكن موجودة.

ولم تستقبل الجماعات المشروع بطريقةٍ واحدة. فقد ثار قسمٌ من شمّر صيف 1871 بقيادة عبد الكريم. وتتباين الروايات في السبب المباشر للثورة، لكن دولبي ينقل عن المؤرخ أوكتاي كارامان أن عبد الكريم غضب من إلحاق رأس العين ونصيبين بالزور، ورأى فيه تمهيداً لإجبار البدو على بناء البيوت وفلاحة الأرض.109دولبي، ص59، نقلاً عن Oktay Karaman، ص242. فلم تكن مقاومته رفضاً لسلطةٍ إدارية جديدة فحسب، بل دفاعاً عن حرية الحركة والانتفاع بالمراعي. ولم تكن شمّر كتلةً واحدة: فقد أراد مدحت باشا، والي بغداد، أن يستفيد من التنافس بين عبد الكريم وأخيه غير الشقيق فرحان، وعرض أن تُعطى شمّر الأراضي غير المزروعة على الضفة اليمنى لدجلة بين تكريت والموصل.110دولبي، ص58، نقلاً عن BOA, İ.DH 630/43847 (آذار 1871). فلم تكن الحدود الجديدة إقراراً بحركةٍ قائمة، بل وسيلةً لإعادة تشكيل الولاءات وأنماط العمل.

ولم يكن السكان المستقرون مادةً صامتةً في هذا الترسيم. فقد عرض المؤرخ أحمد غولنتش وثيقةً عثمانية تتعلق بالنقاش الذي أُثير في 19 أيار 1871 حول إلحاق رأس العين ونصيبين بالزور. وفيها أن تجار القضاءين ومزارعيهما اعترضوا، وأرسلوا برقيات يطلبون إعادتهما إلى سنجق ماردين، أو إلحاق سنجق ماردين كله بالزور معهما.111Ahmet Gülenç, «Administrative Structure of Diyarbekir in the Ottoman Empire (1515–1876)»، في Ö. M. Budak (محرر)، «The Research on History I»، ISTES، 2023، ص90، نقلاً عن BOA, ŞD 1453/25. فقبل الحدود بنصف قرن كان في هاتين البلدتين تجارٌ ومزارعون يرفعون رأيهم إلى الدولة، ووجهتهم ماردين في الشمال، لا دير الزور في الجنوب. ولم يكن المسؤولون أنفسهم متفقين: فأرسلان باشا، متصرف الزور، رأى أن لا فائدة من إلحاق ماردين ورأس العين ونصيبين بمتصرفيته، وأن بقاء الوضع القديم أنسب.111Ahmet Gülenç, «Administrative Structure of Diyarbekir in the Ottoman Empire (1515–1876)»، في Ö. M. Budak (محرر)، «The Research on History I»، ISTES، 2023، ص90، نقلاً عن BOA, ŞD 1453/25.

ولا تقول البرقيات كم يمثّل أصحابها من السكان، ولا نسبة المستقرين إلى الرحّل في القضاءين، ولا متى أُنشئت القرى التي زرعها هؤلاء، ولا أصولهم. لكنها تمنع تصوير الإقليم فضاءً عشائرياً خالياً من التجارة والزراعة والمصالح المحلية قبل إنشاء المتصرفية.

أما الإدارة فرأت غير ذلك. ففي كانون الثاني 1873 أثنى تقريرا قضاءَي نصيبين ورأس العين على ارتباطهما بالمتصرفية الجديدة، كما ينقل دولبي.112دولبي، ص64، نقلاً عن BOA, ŞD 2213/38 (تقرير قضاء نصيبين، 25 كانون الثاني 1873؛ وتقرير قضاء رأس العين، 23 كانون الثاني 1873). والتقريران صادران عن موظفي القضاءين لا عن تجارهما ومزارعيهما، فهما رأي الإدارة في ترسيمها، لا رأي السكان.

ويورد باروت في السياق نفسه معلومةً لها وزنٌ في هذه الدراسة: أن الإدارة نظّمت سنة 1870 «أماكن تمركز عشائر كيلي والملّية وخلجان الكردية نواحيَ مرتبطةً بقضاء رأس العين».113باروت، ص67. ولا نعرف عشيرةً باسم «كيلي» في هذه المنطقة، والأرجح أنها «كيكي» صُحّفت في الطباعة. ففي جدولٍ لنواحي ولاية ديار بكر في تنظيم 1867، مستخرجٍ من وثيقة عثمانية، ترد تحت رأس العين نواحٍ بأسماء الجماعات، منها الملّي و«كيكي چركان» و«كيكي خلجان».114Ali Fuat Örenç، «1867 Vilayet Düzenlemesinden I. Dünya Savaşı Başlarına Kadar Diyarbakır'da Mülkî Yapı»، في «Tanzimat'tan Günümüze Diyarbakır»، ج1، أنقرة 2019، الجدول الثالث، ص87–91، نقلاً عن BOA, MVL 739/86. فثلاثية باروت هي الملّي وفرعا الكيكية. وكانت قرى الكيكية، بفرعيها، قد عُدّت ناحيةً في ديار بكر بين 1846 و1847، أي قبل التاريخ الذي يذكره باروت بنحو ربع قرن.115«Geçmişten Günümüze Göç»، ج2، 2017، ص1293، نقلاً عن سجل محكمة ديار بكر الشرعية رقم 352، ص38.

لكن تسمية الجماعة «ناحية» لم تكن تعني دائماً وحدةً إقليمية بمركزٍ وموظفٍ وقرىً محددة. فالمصدر نفسه يبيّن أن الإدارة العثمانية كانت تعدّ أماكن إقامة بعض العشائر «قضاءً» أو «ناحية» لأغراض الجباية، دون أن تكون كذلك فعلاً.115«Geçmişten Günümüze Göç»، ج2، 2017، ص1293، نقلاً عن سجل محكمة ديار بكر الشرعية رقم 352، ص38. فورود اسم الملّية أو الكيكية في تقسيمٍ إداري يثبت أن الإدارة عرفت هذه الجماعات في أماكنها وأدخلتها في نطاق سلطتها. ولا يثبت وحده متى وصلت إلى المنطقة، ولا أن أفرادها جميعاً استقروا فيها، ولا أن كل المنضوين تحت الاسم من نسبٍ واحد.

ولم تستطع إدارة الزور أن تثبّت حدودها بسهولة. ففي سنة 1874 نشبت نزاعات بينها وبين حلب على موضع الحدّ بينهما، وعلى من يجبي ضريبة الأغنام، حتى ضاعت على الخزينة أموالٌ كثيرة بسبب «فوضى الحدود». ثم عادت الزور إلى حلب، وأُعيدت نصيبين إلى ديار بكر، وسنجار إلى الموصل.116دولبي، ص65. فلم تكن الحدود خطوطاً تحدد تبعية المدن والقرى فحسب، بل كانت تحدد أيضاً من يجبي الضرائب، ومن يلاحق الجماعات المتنقلة، ومن يملك السلطة على طرق الحركة والمراعي.

ولم تتخلَّ الإدارة عن الفكرة. ففي سنة 1890 اقترح قائد الاحتياط العسكري في أورفا، الفريق شوكت، ومتصرف الزور أحمد توفيق، أن تُرفع الزور إلى مرتبة الولاية، وأن تُعاد إليها سنجار ونصيبين وويران شهر والرقة، وأن تُسمّى «ولاية البادية». وتصوّرا أن تصير موطناً لنحو مليون نسمة من المهاجرين والبدو المحمولين على الاستقرار، ووصفاها بأنها «نقطة حكمٍ طبيعية». ولم يُنفَّذ المشروع.117دولبي، ص81–82، نقلاً عن BOA, Y.A.RES 55/38 (تقرير الفريق شوكت، 6 تشرين الثاني 1890؛ وتقرير متصرف الزور أحمد توفيق، بلا تاريخ). فالخريطة التي رُسمت له ترسم ولايةً لم تقم، والمليون الذي تحدّثت عنه لم يكن إلا أملاً، وهذا مثالٌ آخر على وجوب التمييز بين خطة الدولة والواقع.

خريطة عثمانية ملوّنة باليد: خطّ منقّط أحمر يحيط بمساحة واسعة بين الفرات ودجلة، عليها كتابات عثمانية وأسماء لاتينية مضافة
خريطة عثمانية · 1890مشروع «ولاية البادية». خريطة رُسمت مع اقتراح 1890. الخطّ المنقّط الأحمر حدود الولاية المقترحة: من ويران شهر شمالاً إلى عانة وحديثة على الفرات، ومن الرقة وتدمر غرباً إلى سنجار والشرقاط شرقاً. والأسماء اللاتينية أضافها دولبي.الأرشيف العثماني، BOA, Y.A.RES 55/38؛ عن Dolbee, Locusts of Power, 2023، ص82، الشكل 9.

ولم تكن هذه الصعوبات تعني أن المشروع لم يحقق شيئاً. فدير الزور، التي كانت بلدةً من ثلاثمئة إلى خمسمئة بيت على تلٍّ عند الفرات، صارت في عهد متصرفها عمر شوقي باشا مدينةً فيها بساتين ونواعير وطواحين ودار ضيافة ومقاهٍ وحمّامٌ ومبانٍ حكومية.118بوستان 1986، ص166، نقلاً عن عرض عمر شوقي باشا، 2 حزيران 1873. فيجب الفصل بين نموّ المدينة، وهو تحوّلٌ عمراني واقتصادي ملموس، وقدرة متصرفيتها على فرض إدارةٍ مستقرة على المجال الأوسع الذي أُلحق بها.

صورة جوّية بالأبيض والأسود: في أسفلها بيوتٌ متلاصقة لمدينة، ثم نهرٌ عريض يعبره جسر، ثم بساتين كثيفة وأرضٌ مزروعة على الضفّة الأخرى
صورة جوّية · 1922دير الزور من الجوّ، من الجنوب الغربي. في أسفل الصورة بيوت المدينة المتلاصقة، ثم الفرات وجزيرته وبساتينه والجسر، وفي أعلاها ضفّة الجزيرة المزروعة. هذه المدينة بعد إنشاء المتصرفية بنصف قرن، والصورة لا تحسم أرقام السكان التي يناقشها الفصل التالي. تصوير النقيب روبيني، رحلة الاستطلاع الجوّي «من البقاع إلى الفرات»، 20 آذار 1922. أرشيف الخارجية الفرنسية، مركز لا كورنوف، أوراق هنري غورو، الصورة A004287 · © Capitaine Robini.

ومن هنا تأتي أهمية مراجعة «مركزية دير الزور» عند باروت. فإن كان المقصود نشوء مركزٍ إداري جديد أعاد توجيه بعض علاقات السلطة والجباية والنقل، فهذه عمليةٌ تاريخية حقيقية تؤيدها الوثائق. أما إن رُبط هذا التحوّل بنشأة عمرانٍ إقليمي جديد، دون تمييزٍ بين السكان الموجودين قبله، والجماعات المتنقلة، ومشروعات الإسكان، والتوسع الزراعي الذي تحقق فعلاً، فإن الترسيم الإداري يصير في السرد أكثر مما تستطيع الوثائق إثباته. ويذكر باروت نفسه أن دير الزور كانت سنة 1696 «قرية فقيرة، لكنها مركز لواء يتبع إدارياً إلى ديار بكر».119باروت، ص54، الحاشية 57. وتبعيتها لمركزٍ آخر لا تجعل تطورها اللاحق شكلياً. فالتحولات الإدارية والعمرانية قد تكون عميقة في مناطق مأهولة منذ زمن طويل، لكنها لا تُكتب بدايةً لتاريخ سكانها.

وهكذا تكشف سنة 1871 عن عمليةٍ مزدوجة: دولةٌ أعادت رسم الحدود لتُحكم إدارتها للبادية وتعيد تنظيم الحركة والإقامة والإنتاج، وجماعاتٌ محلية مختلفة تفاوضت معها أو قاومتها أو حاولت تعديل ترتيباتها. ولم تُنشئ الحدودُ السكانَ الذين شملتهم، لكنها غيّرت بعض الشروط التي عاشوا وتحركوا وعملوا في ظلّها. والسؤال الذي يطرحه ذلك على بناء باروت: هل «مركزية دير الزور» عنده وصفٌ لتحوّلٍ في سلطة الدولة وعلاقات الإقليم، أم نقطةُ بدايةٍ يُعاد منها تفسير تاريخ الجماعات والعمران؟ فتاريخ إعادة تنظيم الإقليم ليس بالضرورة تاريخ نشوء سكانه، ولا بداية استغلال أرضه.

10سنة 1907 — تقديرٌ سكاني يفتح أسئلة جديدة

انتهت مراجعة إنشاء متصرفية الزور إلى أن نموّ دير الزور الإداري والعمراني كان تحوّلاً تاريخياً حقيقياً، لكنه لا يصلح وحده دليلاً على نشوء سكان الإقليم أو بداية استغلال أراضيه. ويطرح هذا الفصل سؤالاً أدقّ: كم بلغ سكان المدينة في مطلع القرن العشرين، ومن كانوا، وما العلاقة بين نموّها قبل الحرب العالمية الأولى وترحيل الأرمن إليها سنة 1915؟

يورد باروت تقديراتٍ متباينة لسكان دير الزور: نحو تسعة آلاف في أوائل القرن العشرين، ونحو خمسة عشر ألفاً سنة 1910، ثم ما بين عشرين وخمسة وعشرين ألفاً سنة 1916، ويربط الزيادة الأخيرة بالترحيل القسري للأرمن من ولايات الأناضول الشرقية. ويذكر من السكان 800 سرياني و600 أرمني كاثوليكي و200 يهودي. ويسجّل في حواشيه تقديراتٍ أخرى، منها 5600 نسمة سنة 1912، وما بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً نحو سنة 1910.120باروت، ص76–77، الحاشية 128، نقلاً عن عيّاش ص150 وموسيل ص17 والصليبي ص18–19. وفي الحاشية نفسها تقديران آخران: 5600 سنة 1912 (Jean-Claude David)، ومن 10 إلى 15 ألفاً سنة 1910 (Christian Velud، استناداً إلى بابان زاده).

وليس هذا التفاوت مسألةً ثانوية. فتفسير نموّ المدينة يتوقف على عدد سكانها قبل الحرب، وعلى معرفة ما تحصيه كل رواية: المقيمين في المدينة، أم القادمين إليها مؤقتاً، أم نطاقاً جغرافياً أوسع منها.

10.1شهادة مارك سايكس سنة 1907

في تشرين الأول 1907 نشرت «المجلة الجغرافية» البريطانية الجزء الثاني من تقرير مارك سايكس عن رحلاته في شمال بلاد ما بين النهرين. وفي الصفحة 394، وهو يناقش مشروع السكة الحديدية وإمكان توسيع الزراعة في الجزيرة، يكتب:

قصاصة بالإنكليزية من تقرير سايكس، ص394: Fifteen years ago Deir Zor was a small transit town, probably little more than a village; it has now, roughly, 25,000 inhabitants, mostly Kurds
سايكس، «The Geographical Journal»، 1907، ص394
الترجمة«علينا أيضاً التعويل على تعزيزاتٍ من دير الزور. قبل خمسة عشر عاماً كانت دير الزور بلدة عبورٍ صغيرة، وربما لم تزد كثيراً على قرية؛ أما اليوم فيبلغ سكانها بالتقريب 25 ألفاً، معظمهم من الكرد: ومن هؤلاء يمكن توفير ما لا يقلّ عن ستة آلاف للعمل الزراعي.»121Mark Sykes، «Journeys in North Mesopotamia (Continued)»، «The Geographical Journal» 30/4 (تشرين الأول 1907)، ص394. doi.org . وانظر الترجمة التركية: Emrah Işık وKenan Bozkurt، «Kuzey Mezopotamya’ya Yolculuklar II»، «Kurdiname» 11 (2024)، ص194.

ولهذا الخبر أهمية مزدوجة. فهو يقدّم تقديراً مرتفعاً لسكان المدينة قبل ترحيل الأرمن سنة 1915، ويتضمّن وصفاً إثنياً صريحاً لا يظهر في الأرقام الدينية التي يوردها باروت عن السريان والأرمن واليهود.

لكن تقدير سايكس ليس تعداداً. فهو لا يبيّن طريقة الإحصاء، ولا مصدر الرقم، ولا حدود المدينة التي يقصدها. وتقديره ستة آلاف شخص للعمل الزراعي مرتبطٌ ببحثه عن أيدٍ عاملة لمشروعات السكك والاستصلاح، لا بإحصاءٍ للعمال الزراعيين. فيجب الفصل بين ما يقوله عن حجم السكان وتركيبهم وما يمكن إثباته من مصادر مستقلة.

ويزيد الحاجة إلى الحذر أن سايكس يكتب ضمن تصوّرٍ استعماري لتطوير الجزيرة اقتصادياً، ويصف العرب والكرد والترك بأحكامٍ عرقية تفاضلية: ففي الصفحة نفسها يرى أن اختلاط العرب بالكرد والترك «يصنع العجائب» في العرب.121Mark Sykes، «Journeys in North Mesopotamia (Continued)»، «The Geographical Journal» 30/4 (تشرين الأول 1907)، ص394. doi.org . وانظر الترجمة التركية: Emrah Işık وKenan Bozkurt، «Kuzey Mezopotamya’ya Yolculuklar II»، «Kurdiname» 11 (2024)، ص194. وهذه الأحكام لا تسوّغ إسقاط شهادته، لكنها تمنع التعامل مع تصنيفاته الإثنية معطياتٍ محايدة.

10.2هل بلغت دير الزور عشرين ألفاً قبل سايكس؟

لا يبقى تقدير سايكس منفرداً حين نرجع إلى مصادر أخرى.

فقد قدّر فيتال كوينيه سكان دير الزور بنحو عشرين ألفاً في كتابه المنشور سنة 1891، وجعلها المدينة الوحيدة في السنجق التي يزيد سكانها على ألفين. وينقل هذا الرقم جاستن مكارثي، ويورده إدريس بوستان في مادته الموسوعية عن المدينة، ويقابله بتقديرٍ لبابان زاده إسماعيل حقي يبلغ خمسة عشر ألفاً.122Vital Cuinet، «La Turquie d'Asie»، ج2، باريس، 1891، ص297–313؛ Justin McCarthy، «Population History of the Middle East and the Balkans»، 2010، ص197، الحاشية 2؛ İdris Bostan، «Deyrizor»، «TDV İslâm Ansiklopedisi»، 1994، ص268–269. وهذا التقدير الأخير هو نفسه الذي يرد في حاشية باروت مصدراً لرقم «عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفاً».120باروت، ص76–77، الحاشية 128، نقلاً عن عيّاش ص150 وموسيل ص17 والصليبي ص18–19. وفي الحاشية نفسها تقديران آخران: 5600 سنة 1912 (Jean-Claude David)، ومن 10 إلى 15 ألفاً سنة 1910 (Christian Velud، استناداً إلى بابان زاده).

وتقدّم دراسة فيليب بيتريا (2021) تفسيراً اقتصادياً لهذا النمو. فهو يذكر ارتفاع سكان المدينة من نحو خمسة آلاف في مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى عشرين ألفاً في أواخر تسعينياته، ويربط ذلك بازدهار تجارة القوافل، وتحسّن الأمن على طريق الفرات، واستقرار تجارٍ قدموا من الموصل وحلب وحماة ودمشق، ثم انتقال تجارٍ آخرين من السخنة وتدمر إلى المدينة. ويشير أيضاً إلى تصدير الحبوب والأغنام والجلود والصوف عبر شبكات التجارة الإقليمية والدولية.123Philippe Pétriat، «The Uneven Age of Speed: Caravans, Technology, and Mobility in the Late Ottoman and Post-Ottoman Middle East»، «International Journal of Middle East Studies» 53/2 (2021)، ص273–290، والموضع ص278، الحواشي 20–23. doi.org لكن تقديره للنمو السكاني مأخوذ من نورمان لويس، لا من تعدادٍ مستقل. فلسنا أمام ثلاثة إحصاءات متطابقة، بل أمام تقديراتٍ وروايات تتقاطع في الإشارة إلى توسّعٍ مهم سبق سنة 1915.

وتبقى تقديراتٌ أقل بكثير: فالموسوعة البريطانية سنة 1911 تجعل السكان «8000 فأكثر، نحو عُشرهم مسيحيون»،124«Deir»، «Encyclopaedia Britannica»، الطبعة الحادية عشرة، 1911. en.wikisource.org ودليلٌ سرّي عن بلاد ما بين النهرين أعدّه القسم التاريخي في وزارة الخارجية البريطانية في شباط 1919 يقدّرهم باثني عشر ألفاً.125Foreign Office, Historical Section، «Mesopotamia»، شباط 1919، ص15: British Library, IOR/L/PS/20/C190, f. 13r، مكتبة قطر الرقمية. qdl.qa ولا تُهمَل هذه الأرقام لأنها تخالف سايكس، ولا تُعتمد تلقائياً لأنها أقل منه. فقد يرجع الاختلاف إلى تفاوت مصادر المعلومات، أو إلى اختلاف حدود المدينة، أو إلى طريقة احتساب المقيمين والعابرين، أو إلى تغيّر السكان فعلاً في سنوات الاضطراب.

صورة بالأبيض والأسود لشارع عريض يمرّ فوق جسر بحواجز حديدية، يمشي فيه رجال ونساء بثياب تقليدية، وفي عمقه مسجد بقبة ومئذنة طويلة ومئذنة أخرى إلى اليمين
«شارع الجسر»الشارع المؤدي إلى الجسر، وفي عمقه مسجد بقبة ومئذنة
صورة بالأبيض والأسود: رجال وصبية وامرأة عند صنبور ماء أمام جدار حجري، وصفائح معدنية على الأرض، وحمار محمّل بالصفائح
سقّاؤون يملؤون صفائحهممن صنبور عام، وحمار يحمل الصفائح المملوءة

صورتان · العشرينيات تقريباًدير الزور بعد تقدير سايكس بعقدين تقريباً. لا يُعرف تاريخ الصورتين بدقة، وهما تُظهران شكل المدينة وحياتها اليومية، لا عدد سكانها ولا أصولهم.الأولى من مجموعة صور دير الزور الأصلية من العشرينيات والثلاثينيات، معرض «Deir ez-Zor: Forgotten Faces»، موقع Photorientalist، وعليها: Deir-ez-zor. Rue du pont. والثانية بطاقة بريدية (9×14 سم) من مجموعة Norbert Schiller، وعنوانها Water carriers filling their containers in Der ez Zor, circa 1920s.

ولا يُحسم ذلك من السجلات العثمانية. فمتصرفية الزور، كما يبيّن مكارثي، لم تُحصَ إحصاءً كاملاً قط: بعض أقضيتها لم يُعدّ أصلاً، وبعضها عُدّ جزئياً، وكثيرٌ من سكانها رُحّل. وهو نفسه يحذّر من دقة تقديراته لها، ومن تطبيقها على الأقضية منفردة.126مكارثي، ص197–199.

فتفسير نموّ دير الزور يتطلّب تاريخاً اقتصادياً وسكانياً للمدة الممتدة من ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى، لا مقارنةً بين نقطتين زمنيتين منفصلتين.

10.3سنة 1916: هل يفسّر ترحيل الأرمن ارتفاع عدد السكان؟

يقول باروت إن سكان المدينة بلغوا ما بين عشرين وخمسة وعشرين ألفاً «على حدّ تقدير أحمد وصفي زكريا» حين زارها سنة 1916، ويردّ الزيادة إلى «الهجرة الخارجية الكثيفة» التي رافقت الترحيل القسري للأرمن.127باروت، ص77، الحاشية 132، نقلاً عن أحمد وصفي زكريا، «ذكرياتي عن وادي الفرات عام 1916»، ص47. ويحيل في الحاشيتين 133 و134 إلى أنطابي وعثمان، ج1، ص152، وإلى Yves Ternon، ص223. ويلزم اختبار هذا التفسير على مستويين.

الأول: وجود نموٍّ سابق على الترحيل. فتقديرات كوينيه وبابان زاده وسايكس، على اختلافها وتفاوت قيمتها، تجعل احتمال أن المدينة كانت كبيرة السكان قبل سنة 1915 احتمالاً لا يجوز تجاهله. فلا يكفي أن يُذكر رقم الخمسة والعشرين ألفاً سنة 1916 لنستنتج أن الزيادة جاءت أساساً من المرحّلين. وفي الصفحتين اللتين يعالج فيهما باروت سكان المدينة لا يرد تقدير سايكس ولا تقدير كوينيه.

الثاني: طبيعة الوجود الأرمني في الزور سنة 1915–1916. فقد كانت دير الزور ومحيطها مركزاً رئيسياً لترحيل الأرمن واعتقالهم وقتلهم الجماعي في الإبادة. ويبيّن ريمون كيفوركيان أن المرحّلين نُقلوا عبر سلسلةٍ من المخيمات على الفرات، وأن أعداداً كبيرة منهم هلكت بالجوع والأوبئة والقتل، خصوصاً سنة 1916، ويميّز بين مخيم المدينة ومخيمات المنطقة الأوسع، ومنها مرات ومركدة والشدادة.128Raymond H. Kévorkian، «Earth, Fire, Water: or How to Make the Armenian Corpses Disappear»، في Élisabeth Anstett وJean-Marc Dreyfus (محرران)، «Destruction and Human Remains: Disposal and Concealment in Genocide and Mass Violence»، Manchester University Press، 2014، ص89–116. doi.org

فيجب الفصل بين أربعة أعداد: الأرمن المرحّلون إلى منطقة دير الزور، والموجودون في المدينة في لحظةٍ معينة، والذين استقرّوا فيها، والذين نجوا أو انتقلوا إلى أماكن أخرى. فالترحيل الجماعي قد يرفع مؤقتاً عدد الموجودين في مكانٍ ما، دون أن يزيد سكانه المستقرين بالقدر نفسه. ولا ينفي هذا أن بعض الناجين استقرّ لاحقاً في المدينة أو في وادي الخابور، لكنه يجعل إثبات ذلك مسألةً منفصلة عن عدد المرحّلين في أثناء الإبادة.

ورقم زكريا سُجّل في سنة 1916 نفسها، أي في ذروة هذه العمليات. ولا يبيّن باروت هل يشمل المحتجزين في المخيمات والعابرين، ولا كيف استخلص منه أن الزيادة جاءت من الترحيل. فلا تُحسم المسألة بتفضيل رقم سايكس على رقم زكريا، ولا العكس.

10.4هل كان معظم سكان المدينة كرداً؟

ينفرد سايكس، بين المصادر التي تورد أعداداً إجمالية أو تصنيفاتٍ دينية، بوصفٍ إثنيٍّ مباشر لسكان دير الزور: معظمهم كرد. ويخالفه باروت، فيجعل نحو 80٪ من سكان المدينة قادمين من عانة، ثم من راوة والموصل.129باروت، ص76.

ولا تحسم السجلات العثمانية بين الروايتين. فالمصادر السكانية التي حلّلها مكارثي تصنّف السكان بحسب الانتماء الديني والمذهبي، ولا تفصل الكرد المسلمين عن العرب المسلمين. وفيها كانت متصرفية الزور مسلمةً بنسبةٍ تزيد على 99٪.126مكارثي، ص197–199. فلا يجوز أن يُتّخذ غياب الكرد عن جدولٍ للطوائف غير المسلمة دليلاً على غيابهم، كما لا تكفي نسبة سايكس دليلاً على أكثريةٍ كردية في المدينة.

فشهادة سايكس صريحة، ويجب أن تؤخذ بجدّية في البحث عن التاريخ الاجتماعي للمدينة. لكنها لا تُعتمد حكماً نهائياً قبل مقابلتها بمصادر مستقلة عن الأحياء والأسر والحِرَف والتجارة. وكذلك رواية باروت عن أصول السكان.

10.5آغا الكيكية: إقامةٌ سابقة ونزوحٌ وعودة

وفي الصفحة 394 نفسها ينقل سايكس عن كبير آغوات الكيكية، وهي عشيرةٌ كردية تتمركز اليوم حول الدرباسية، وكان نازلاً يومها على الجغجغ، قوله: «كنا نحن الكيكية نسكن هنا قرىً في الشتاء وخياماً في الصيف، لكن شمّر أتلفت محاصيلنا وطردتنا إلى قره جه داغ، حيث نسكن البيوت في الشتاء. ومع ذلك نأتي إلى هنا لنرعى قطعاننا في الربيع، ولنُظهر أن لنا حقاً في الأرض.» ثم يربط العودة الواسعة بالسكة: «حين تأتي السكة سنصير أغنياء جداً. سأجلب قومي كلهم إلى هنا؛ وستُضطر الحكومة إلى حمايتهم؛ وقد نبني، ربما، خمسمئة قرية.»130سايكس، ص394؛ إشيك وبوزقورت، ص194.

قصاصة بالإنكليزية من تقرير سايكس، ص394: about 14,000 of the Milli and Kikieh Kurds on the slopes of the Karaja Dagh… “Formerly we Kikieh lived here in villages in winter and tents in summer, but the Shammar destroyed our crops and drove us up to the Karaja Dagh
سايكس، «The Geographical Journal»، 1907، ص394
الأصل الإنكليزي لقول آغا الكيكية في الفقرة السابقة. مظلَّلاً بالبرتقالي «كنا نحن الكيكية نسكن هنا قرىً في الشتاء وخياماً في الصيف»، وبالأحمر الأربعة عشر ألفاً من الملّية والكيكية على سفوح قره جه داغ، وما فعلته شمّر.

وهذه شهادةٌ تستحق الوقوف، لأنها تمسّ مباشرةً تفسير الهجرة والاستقرار في الجزيرة. فالحركة التي يصفها الآغا ليست وصولاً أول لجماعةٍ لم تعرف المنطقة، بل انتقالاً من مجالٍ يقول إن جماعته أقامت فيه وزرعت إلى مجالٍ آخر، ثم عودةً موسمية إلى المراعي مع بقاء المطالبة بالحقوق السابقة.

ولقيمة الشهادة حدود. فهي رواية زعيم عشيرة ينقلها رحّالة، لا محاضر ملكية ولا سجلات ضريبية تحدّد القرى المقصودة. ولا تذكر متى وقع النزوح، ولا تثبت أن الكيكية كلهم أقاموا في الموضع نفسه، أو أن الجماعة حافظت على تركيبها النَّسَبي عبر الأجيال. والآغا نفسه صاحب مصلحة في الأرض التي يتحدث عنها.

وثمة شاهدان أقدم يوضعان إلى جانبها، دون تحميلهما ما لا يثبتانه. ففي 1861 سجّلت المراسلات القنصلية نزاعاتٍ بين شمّر وجماعاتٍ كردية نصف رحّالة في المنطقة، منها الكيكية والملّية، ونقلت أن شمّر جعلت مزروعات هذه الجماعات «مرعىً لحيواناتها».131Samuel Dolbee، «Locusts of Power»، 2023، ص33، نقلاً عن CADC, 60CPC/3، قنصل حلب إلى وزارة الخارجية الفرنسية، 14 أيلول 1861. وفي رسالةٍ مؤرخة في 19 نيسان 1864 كتب رؤساء العليان والدقورية والكيكية والملّية إلى الدولة عن الجراد الذي هاجم أطراف البادية خمس سنوات أو ستاً، وعن نقص المطر وهلاك المواشي.132دولبي، ص43، الحاشيتان 87 و89، نقلاً عن BOA, İ.MVL 510/23021، 12 ذي القعدة 1280 (19 نيسان 1864). فهذان الشاهدان يثبتان أن لهذه الجماعات مزروعاتٍ ومواشي، وأن رؤساءها ظهروا في ملفٍّ إداري قبل شهادة سايكس بأكثر من أربعين عاماً. لكنهما لا يحدّدان موقع قرى الكيكية الشتوية على الجغجغ، ولا تاريخ نزوحهم منها.

فشهادة سايكس لا تثبت تاريخاً متصلاً لسكان الجغجغ كلهم، لكنها مثالٌ محدّد على ضرورة التمييز بين الإقامة السابقة، والنزوح، والتنقّل الموسمي، والعودة، والوصول الأول. وهذا التمييز لا يُطبّق على الكيكية وحدها، بل على حركة الجماعات العربية والكردية وغيرها جميعاً.

10.6خابورٌ قليل القرى، لكنه ليس إقليماً بلا تاريخ سكاني

ولا يصحّ أن نأخذ من سايكس شهادته عن قرى الكيكية الشتوية ونغفل حديثه عن ندرة الاستقرار الدائم على الخابور.

ففي الصفحة 395 يدافع عن مدّ السكة من رأس العين جنوباً على الخابور حتى الشدادة، ويقول إن ذلك سيُنشئ سلسلةً من القرى والحقول طولها نحو 160 كيلومتراً، «حيث لا يوجد اليوم أكثر من عشرين مسكناً دائماً». ويقدّر أن المنطقة تحتاج إلى نحو 312 قرية جديدة، وأن البكارة والولدة والعكيدات، ومن الكرد الكيكية و«دينار»، ومعهم العرب، يستطيعون أن يوفّروا سكانها مرتين، دون حساب القادمين من حلب وماردين والموصل.133سايكس، ص395. وفي الترجمة التركية (إشيك وبوزقورت، ص195) جاءت العبارة «%20 üzerinde bile yerleşime sahip olmayan»، أي نسبة استيطان لا تزيد على 20٪، والأصل الإنكليزي: «not above twenty permanent dwellings»، أي عشرون مسكناً دائماً.

خريطة مطبوعة بالأبيض والأسود لشمال بلاد ما بين النهرين، بين ديار بكر شمالاً ودير الزور جنوباً، عليها مسارات متقطّعة وخطوط سكك وأسماء عشائر
خريطة بريطانية · 1907شمال بلاد ما بين النهرين كما رسمه سايكس. الخطوط المتقطّعة مسارات رحلاته، والخطّ المزدوج التعديل الذي يقترحه على مسار سكة بغداد: نزولاً على الخابور، ثم شرقاً جنوب جبل سنجار إلى الموصل. وتكتب الخريطة اسم الكيكية بين رأس العين ونصيبين، واسم الملّية إلى الشمال الغربي منها.Mark Sykes, «Journeys in North Mesopotamia», The Geographical Journal 30/3, September 1907, pp. 237–254، الخريطة المرافقة للجزء الأول.
تفصيل من خريطة سايكس: جبل قره جه داغ في الأعلى، وتحته عبارتا MILLI KURDS وKIKIEH KURDS، ثم رأس العين ومجرى الخابور والجغجغ في الأسفل
تفصيل من الخريطة نفسهاقره جه داغ ورأس العين والخابور. من ديار بكر وقره جه داغ شمالاً إلى رأس العين والخابور جنوباً. تكتب الخريطة «الملّية» (MILLI KURDS) جنوب قره جه داغ قرب ويران شهر، و«الكيكية» (KIKIEH KURDS) بين ماردين ورأس العين. ويظهر الجغجغ (Jag Jag) شرقاً، ويلتقي بالخابور قرب موضع الحسكة الحالية.Sykes, The Geographical Journal 30/3, 1907، الخريطة المرافقة للجزء الأول.

ويجب هنا الفصل بين ثلاثة أمور: ندرة المساكن الدائمة التي يصفها سايكس، ووجود جماعاتٍ تستعمل المنطقة أو تطالب بحقوقٍ فيها، والقرى الجديدة التي توقّع نشوءها مع الأمن والسكة. فالقرى المقترحة لم تكن قائمةً حين كتب، وقلّة المساكن الدائمة لا تثبت خلوّ المراعي ممن يستعملونها، ولا انقطاع الزراعة الموسمية عنها.

ويقول سايكس نفسه، في الصفحة نفسها، إن الهجرة الزراعية انصرفت عن هذه الضفاف إلى تلال ماردين الصخرية لأن «غزوات العرب» دفعتها إليها.133سايكس، ص395. وفي الترجمة التركية (إشيك وبوزقورت، ص195) جاءت العبارة «%20 üzerinde bile yerleşime sahip olmayan»، أي نسبة استيطان لا تزيد على 20٪، والأصل الإنكليزي: «not above twenty permanent dwellings»، أي عشرون مسكناً دائماً. فقلّة العمران الدائم مرتبطة في تفسيره بتاريخٍ من النزاع وانعدام الأمن، لا حكماً بأن المنطقة كانت دائماً قليلة السكان أو لم تُزرع من قبل.

ولا تُخلط الأرقام: خمسة وعشرون ألفاً في مدينة دير الزور، وأربعة عشر ألفاً من الملّية والكيكية يذكرهم سايكس في سفوح قره جه داغ،130سايكس، ص394؛ إشيك وبوزقورت، ص194. وعشرون مسكناً على ضفاف الخابور، وثلاثمئة واثنتا عشرة قريةً مقترحةً لم توجد بعد.

10.7ماذا يغيّر هذا في قراءة باروت؟

لا تكمن أهمية سايكس في أنه يثبت وحده أن سكان دير الزور بلغوا خمسة وعشرين ألفاً، أو أن معظمهم كانوا كرداً. فهو يقدّم تقديراتٍ تحتاج إلى التحقيق، ويكتب في سياق مشروعٍ استعماري لتطوير النقل والزراعة، وتظهر في أحكامه الاجتماعية والإثنية تحيّزاتٌ واضحة.

لكن شهادته تكتسب وزناً أكبر حين توضع إلى جانب تقديرات كوينيه وبابان زاده والدراسات الحديثة عن تجارة القوافل. فهذه المصادر تشير إلى أن نموّ دير الزور سبق ترحيل الأرمن سنة 1915، وتستدعي تفسيراً أوسع لزيادة السكان: التجارة، والأمن، وانتقال التجار، والتحولات الإدارية والاقتصادية.

أما روايته عن الكيكية فدليلٌ من نوعٍ آخر: ليست رقماً سكانياً، بل شهادة عن تغيّر مواضع الإقامة والرعي والزراعة بفعل النزاعات، وعن بقاء المطالبة بالحقوق في الأرض بعد النزوح.

وهنا يظهر السؤال النقدي المتصل ببناء باروت كله. هل تميّز روايته بين الجماعات التي قدمت أول مرة والجماعات التي عادت إلى مجالاتٍ كانت تستعملها، وبين انتقال النفوذ العشائري والتحوّل الفعلي في السكان؟ وهل تعالج نموّ دير الزور نتيجةً لتغيّر شبكات التجارة والسلطة والإقامة، أم تربطه بتفسيرٍ سكاني واحد يغلب على ما عداه؟ ففي معالجته سكانَ المدينة يتقدّم تفسيرٌ واحد هو الترحيل، دون مناقشة التقديرات التي تسبقه.

والنتيجة أن تاريخ المدينة والجزيرة لا يُقرأ إلا من مصادر متعددة، ولا يُستنتج تاريخ السكان من ترسيم الحدود أو إنشاء القرى أو مشاريع السكك وحدها. فتاريخ الحركة لا يساوي بالضرورة تاريخ الهجرة الأولى، وقلّة المساكن الدائمة لا تساوي غياب جماعاتٍ تستعمل الأرض أو تطالب بحقوقٍ فيها.

11رأس العين وديريك — بين إحياء العمران ونقل تاريخ بلدةٍ إلى أخرى

في خريطة سايكس التي رأيناها في الفصل السابق اسمان يعودان في هذا الفصل: رأس العين على منابع الخابور، و«Derek» غرب ماردين. وتختلف المسألة هنا عن الحدود الإدارية والملاحة. فلا يتعلق الأمر بما أرادت الدولة العثمانية أو سلطات الانتداب إنشاءه، بل بما كان موجوداً قبل تدخلهما: متى بدأت الإقامة؟ ومتى أُنشئت القرى أو المراكز الحضرية؟ وهل تتحدث المصادر عن المكان نفسه الذي ينسب إليه باروت بياناتها؟

11.1رأس العين: هل بدأ العمران بتوطين الشيشان سنة 1877؟

يكتب باروت أن رأس العين بقيت، «منذ الدمار التتاري وحتى ثمانينيات القرن التاسع عشر»، «خربة مهجورة»، إلى أن أحياها السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1877 بإسكان المهاجرين الشيشان في محيط منابع الخابور، وكان عددهم حين توطينهم «نحو 5000 بيت»، نقلاً عن أحمد وصفي زكريا. ثم يقول في الصفحة نفسها إن رأس العين كانت «مشتى تقليدياً» لبعض العشائر العربية والكردية الرحّل، أكبرها وأكثرها سطوةً عشائر الملّية.134باروت، ص119–120، الحاشيتان 299–300، نقلاً عن أحمد وصفي زكريا، «عشائر الشام»، ج2، ص701.

فما معنى «الخربة المهجورة» هنا؟ قد تدلّ العبارة على تراجع المركز العمراني القديم أو انقطاع وظائفه الحضرية، لكنها لا تثبت غياب الناس عن منابع الخابور ومحيطها. فالمشتى الذي يقرّ به باروت حضورٌ بشري موسمي، واستعمالٌ اقتصادي للأرض.

والوثائق العثمانية تضيف أكثر من ذلك. فقد رأينا في الفصل التاسع أن جدول نواحي ولاية ديار بكر لسنة 1867 يذكر تحت رأس العين نواحي الملّية وفرعي الكيكية. وفي أيار 1871 احتجّ تجار رأس العين ونصيبين ومزارعوهما على إلحاق القضاءين بالزور، وطلبوا إبقاءهما مع ماردين أو إلحاق ماردين نفسها بالمتصرفية الجديدة.135غولنتش، ص90، نقلاً عن BOA, ŞD 1453/25. وعن جدول 1867: أورنتش، الحاشية 58ᵃ. فقد كان فيها تجارٌ ومزارعون يناقشون الدولة في إدارتهم المحلية. ولا تعطينا هذه المراسلات عدد سكان البلدة ولا عدد قراها، لكنها تكفي لنفي صفة «المهجورة».

أما توطين الشيشان فبدأ قبل التاريخ الذي يذكره باروت بأكثر من عشر سنوات. فقد نشر فلاديمير حامد-ترويانسكي وثائق روسية وعثمانية عن نقل اللاجئين الشيشان إلى الدولة العثمانية بين 1865 و1870. وبحسب إحصاءٍ روسي ينقله، كان العثمانيون قد أسكنوا 13,648 شيشانياً في محيط رأس العين بحلول سنة 1868. والرقم عددُ أشخاص، لا بيوت ولا أسر، ويخصّ منطقة التوطين حول رأس العين، لا البلدة وحدها.136Vladimir Hamed-Troyansky، «Population Transfer: Negotiating the Resettlement of Chechen Refugees in the Ottoman Empire (1865, 1870)»، في Eileen Kane وMasha Kirasirova وMargaret Litvin (محرّرون)، «Russian-Arab Worlds: A Documentary History»، Oxford University Press، 2023، ص60–62، والحاشية 8 نقلاً عن الأرشيف العسكري التاريخي الروسي (RGVIA)، 31 كانون الثاني 1868. doi.org

وأوضح الشواهد التماسٌ بالعربية رفعه جانتمير، أحد زعماء المهاجرين الشيشان، إلى وزارة الداخلية العثمانية في 17 شباط 1870. وكان جانتمير قد استقرّ في بلدة رأس العين بعد 1865 بقليل، ثم اعتقلته سلطات الولاية ونفته إلى أكين. ويشكو في التماسه منازعاتٍ مع موظفي القضاء والولاية على سلاح المهاجرين وفساد الإدارة المحلية.137حامد-ترويانسكي، «Population Transfer»، ص64–68، وفيها ترجمة الالتماس: BOA, DH.MHC 1/40، الورقة 2 (16 ذي القعدة 1286 / 17 شباط 1870). وتتتبّع غيزم قزاز مشاريع التوطين منذ ستينيات القرن التاسع عشر، وتذكر إنشاء مدرسةٍ لأبناء المهاجرين في قرية السفح سنة 1874.138Gizem Kazzaz، «Muhajir Politics of the Hamidian Era»، رسالة ماجستير، Central European University، 2024، ص51–61 و78–79. etd.ceu.edu

فسنة 1877 ليست بداية التوطين. وربما شهدت إجراءاتٍ لاحقة في عهد عبد الحميد الثاني، لكن البداية كانت في منتصف الستينيات. ولا يعني التوطين المبكر أن الشيشان أسّسوا بلدةً ازدهرت بلا انقطاع منذ وصولهم. وهذه مسألةٌ أخرى.

صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود: مرج عشبي في المقدمة، ثم أشجار وماء، وفي الخلفية صفّ من البيوت المنخفضة على مرتفع وهضبة في الأفق
قرية الشيشان في رأس العين، 1899وأمامها بركة منابع الخابور والأشجار حولها، وفي الأفق الهضبة
صورة بالأبيض والأسود لثمانية رجال واقفين في صف أمام جدار طيني، يلبسون قبعات فرو ومعاطف طويلة، وبعضهم يحمل خناجر وأحزمة رصاص، وتحت الصورة كتابة بالألمانية والعثمانية
«عائلة شركسية في رأس عين الخابور»بحسب الكتابة على الصورة بالألمانية والعثمانية

صورتان · أواخر القرن التاسع عشرالمستوطنة بعد التوطين بثلث قرن. وتسمّي الكتابة على الصورة الثانية أصحابها «شركساً»، مع أن أكثر المستوطنين حول رأس العين كانوا شيشاناً.الأولى: Max von Oppenheim, Tell Halaf: A New Culture in Oldest Mesopotamia, 1933، اللوحة IIb، عن نضال درويش، «تل حلف والجزيرة من خلال مشاهدات البارون فون أوبنهايم»، مدارات كرد، 2020. والثانية: مكتبة جامعة إسطنبول، رقم 90567، وعليها: Rās el ʿĀin el Chābūr. Tscherkessenfamilie.

11.2تراجع المستوطنات الشيشانية: المرض والبيئة والنزاع

يقول باروت إن المهاجرين الذين قُدّروا عند التوطين بخمسة آلاف بيت لم يبق منهم إلا ثلاثمئة بيت في أواخر العهد العثماني، ويردّ ذلك إلى «لعنة التيفوس».139باروت، ص120–121، الحاشيتان 304–305، نقلاً عن ترنون ص252 و256، وزكريا ج2 ص702.

والدراسات الحديثة تجعل التراجع أبكر، وأسبابه أكثر. فبحسب حامد-ترويانسكي انخفض عدد الشيشان في رأس العين إلى نحو خمسة آلاف شخص في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر.140Vladimir Hamed-Troyansky، «Empire of Refugees: North Caucasian Muslims and the Late Ottoman State»، Stanford University Press، 2024، ص125. وتورد قزاز التماساً شيشانياً يذكر أن الأسر انخفضت من ألفين إلى مئتين، ويردّ جانباً كبيراً من الخسائر إلى انبعاثات الكبريت قرب منابع رأس العين، إلى جانب الأمراض وقسوة المناخ. وتتناول دراستها أيضاً الجفاف والجراد والكوليرا وصعوبة الزراعة، والنزاعات مع الجماعات المحلية، والتوترات التي أحدثتها سياسات الإسكان العثمانية. وتجعل تاريخ الالتماس سنة 1888، وتربط الملف نفسه بتقريرٍ رسمي سنة 1890.141قزاز، ص62–65، نقلاً عن BOA, DH.MKT 1778/59. ففي الحالين كان معظم التراجع قد وقع قبل الحرب العالمية الأولى بربع قرن.

ولا تُجمع هذه الأرقام في حسابٍ واحد. فلدينا عدد أشخاص عند التوطين، وعدد أشخاص باقين في أواخر السبعينيات، وعدد أسر في التماسٍ لاحق، وعدد بيوت ينقله باروت عن زكريا. وهي وحداتٌ ومصادر وأزمنة مختلفة، ولا تُستخرج منها نسبةٌ دقيقة للوفيات أو للمغادرة.

لكنها تكفي لنتيجةٍ واضحة: تعرّض توطين الشيشان في رأس العين لخسائر مبكرة، ولم يكن انتقالاً ناجحاً متصلاً من أرضٍ مهجورة إلى قرىً عامرة. وردُّ تراجعه إلى مرضٍ واحد يُسقط عوامل بيئية واقتصادية وأمنية تظهر في مراسلات الفترة نفسها.

ولا يعني ذلك أن الشيشان كانوا ضحايا فقط، أو أن علاقتهم بجيرانهم كانت صراعاً دائماً. فقد دخلوا في تحالفاتٍ ومنافسات مع العشائر المحيطة، وتغيّرت مواقف الدولة منهم عبر العقود. وهذا كله جزءٌ من تاريخ مجتمع رأس العين، لا يُختزل في لحظة وصولهم ولا في تراجع أعدادهم.

11.3ديريك: مصادر تتحدث عن بلدتين

يكتب باروت في الصفحة 118 أن «ديريك (المالكية لاحقاً)» كانت من أقدم البلدات المعمورة بسبب كثرة ينابيعها، وأن عدد سكانها بلغ في السنوات الأخيرة للعهد العثماني «نحو 7000 نسمة، معظمهم من المسلمين، ويعملون في زراعة الكرمة وتجارة الفواكه».

قصاصة من الصفحة 118 من كتاب باروت: ديريك (المالكية لاحقاً)… بلغ عدد سكانها في السنوات الأخيرة للعهد العثماني نحو 7000 نسمة، معظمهم من المسلمين، ويعملون في زراعة الكرمة وتجارة الفواكه، وعليها رقم الحاشية 289
من حواشي الصفحة 118: (289) ترنون، ص117؛ وأحصى إسكندر داود وجود 270 ينبوعاً فيها حتى نهاية الخمسينيات
باروت، ص118
في أعلاها، مظلَّلاً بالبرتقالي، اسم البلدة كما يكتبه باروت: «ديريك (المالكية لاحقاً)». ومظلَّلاً بالأحمر عدد السكان والكروم والفواكه، وحاشيتها 289: ترنون، ص117. ومظلَّلاً بخطوط رأسية إحصاء إسكندر داود للينابيع، وهو عن ديريك السورية.

ثم يصفها بأنها «تجمعاً حضرياً كردياً متطوراً ومزدهراً»، ويجعلها استثناءً، فيقول: «في ما عدا ديريك اقتصرت البؤر الحضرية التي أنعشها برنامج الإعمار الحضري والأمن على بؤر محدودة».142باروت، ص118، الحاشية 289 (ترنون ص117؛ وإسكندر داود ص100)، والحاشيتان 290–291 (جكرخوين، «سيرة حياتي»، ص108–111).

والحاشية 289، بعد «تجارة الفواكه»، تحيل إلى إيف ترنون. وترنون يخصّص في كتابه «Mardin 1915»، في الفصل الذي يتناول مذابح المسيحيين في سنجق ديار بكر، فقرةً لبلدةٍ يسمّيها «Direk [Dérik]»، ويصفها بأنها مركز قضاءٍ جنوب ديار بكر، على مسيرة نحو ثلاث عشرة ساعة منها. وينقل عن الأب جوزف تفنكجي أن سكانها سبعة آلاف، معظمهم مسلمون، ومنهم ستمئة أرمني رسولي ومئتا أرمني كاثوليكي وستون سريانياً كاثوليكياً وخمسون كلدانياً، وأنهم يزرعون الكروم ويتاجرون بالفواكه. ثم يروي ما جرى فيها سنة 1915: أوامر والي ديار بكر رشيد بك، وموقف قائمقام البلدة، والمذابح التي تعرّض لها مسيحيوها.143Yves Ternon، «Mardin 1915»، الكتاب الأول، القسم الثاني، الفصل الثالث، فقرة «Direk [Dérik]»، ص100–101 من النص الفرنسي المنشور، نقلاً عن إحصاء جوزف تفنكجي لسنة 1914.

فهذه ديريك الواقعة في ولاية ديار بكر، في تركيا اليوم، وهي «Derek» على خريطة سايكس. ويؤكد ذلك موقعها وتبعيتها الإدارية والأحداث والأشخاص الذين يذكرهم ترنون.

أما بقية فقرة باروت فمن مصادر أخرى. ففي الحاشية نفسها ينقل عن إسكندر داود أنه أحصى في ديريك 270 ينبوعاً حتى نهاية الخمسينيات، وهذه ديريك السورية. ويستند في وصف أعيانها إلى سيرة جكرخوين.142باروت، ص118، الحاشية 289 (ترنون ص117؛ وإسكندر داود ص100)، والحاشيتان 290–291 (جكرخوين، «سيرة حياتي»، ص108–111). فلا تقع الفقرة كلها في الخطأ. لكن المشكلة الأساسية واضحة: يجمع باروت تحت اسم «ديريك (المالكية لاحقاً)» عدد سكانٍ وتركيباً دينياً واقتصاداً مأخوذةً من ديريك أخرى، ثم يجعل الصورة الناتجة دليلاً على ازدهار البلدة السورية قبل الحرب العالمية الأولى.

11.4ماذا نعرف عن نشأة ديريك السورية؟

تقدّم الدراسات الحديثة عن الحدود السورية التركية والانتداب الفرنسي تأريخاً أدقّ. فجوردي تيجل يضع ديريك بين المراكز التي نشأت في الجزيرة في العشرينيات ومطلع الثلاثينيات، ويؤرّخ نشأتها بسنة 1930. ويربط نموّ هذه المراكز بحركة اللاجئين وتغيّر شبكات التجارة والحدود بعد انهيار الدولة العثمانية، وبإنشاء مراكز سورية تقابل مدناً بقيت في الجانب التركي. ويورد إحصاءً فرنسياً يجعل سكان ديريك السورية نحو 1730 نسمة سنة 1938.144Jordi Tejel، «Rethinking State and Border Formation in the Middle East: Turkey, Syria, and Iraq in the 1920s»، Cambridge University Press، 2023، ص104، والحاشية 107 نقلاً عن «Rapport général de reconnaissance foncière de la Djézireh»، 1939–1940، ص12.

ولا يُقارن هذا الرقم بالسبعة آلاف التي ينقلها ترنون، كأن المدينة تراجعت بين 1914 و1938، فالرقمان لبلدتين مختلفتين. ولا يعني تأسيس المركز سنة 1930 أن الموضع والقرى المحيطة كانت خالية قبل الانتداب.

وهذا ما تقوله سيدا ألتوغ. فهي تذكر أن المنطقة المزروعة الوحيدة في الجزيرة سنة 1925 كانت القرى القائمة من قبل على طول الشريط الحدودي بين رأس العين ودجلة، وحول جبل سنجار، وفي وادي الخابور، وأكثر سكانها كرد. ثم تذكر أن المراكز الصغيرة على الحدود، ومنها رأس العين والدرباسية وعامودا والقامشلي والحسكة وديريك وعين ديوار، أُسّست بين 1922 و1930 لتعوّض خسارة ماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر. وتجعل تأسيس ديريك وعين ديوار سنة 1930، بعد دخول القوات الفرنسية منطقة «منقار البطة»، لتقابلا جزيرة ابن عمر.145Seda Altuğ، «Sectarianism in the Syrian Jazira: Community, Land and Violence in the Memories of World War I and the French Mandate (1915–1939)»، أطروحة دكتوراه، جامعة أوترخت، 2011، ص178–179 و206. فتاريخ نشوء البلدة لا يحلّ محلّ تاريخ الريف المحيط بها.

فالسؤال ليس هل ديريك السورية «قديمة» أو «حديثة»، بل ماذا نؤرّخ: موضعاً معروفاً بينابيعه، أم قرىً سبقت البلدة، أم سوقاً محلية، أم مركزاً إدارياً أُنشئ في عهد الانتداب. ورقم السبعة آلاف، ما دام يخصّ ديريك التركية، لا يثبت وجود مدينةٍ سورية بهذا الحجم في أواخر العهد العثماني. لكن إسقاطه لا يثبت العكس، أي خلوّ محيط المالكية من السكان والزراعة قبل 1930.

11.5أثر الخطأين في بناء باروت

يختلف الخطآن في طبيعتهما. ففي رأس العين يؤخّر باروت بداية التوطين عن تاريخها الموثّق، ويصف المكان بالخربة المهجورة دون تمييزٍ بين تراجع العمران الحضري واستمرار الرعي والزراعة والإدارة المحلية. وتصحيح التاريخ لا يُنكر أثر الشيشان في تاريخ المنطقة، بل يضعه في تسلسلٍ أدقّ، ويعترف بالجماعات التي سبقتهم.

أما في ديريك فالخطأ في هوية المكان الذي أُخذت منه المعلومات. وهو أشدّ أثراً في الحجة، لأن هذه المعلومات تؤدي وظيفةً واضحة: تقديم ديريك السورية استثناءً حضرياً مزدهراً قبل الانتداب، ثم مقارنة بقية الجزيرة العليا بها. فإن كان حجم هذا الاستثناء وتركيبه الديني وبعض اقتصاده مأخوذاً من ديريك التركية، فصورة الاستثناء نفسها تحتاج إلى إعادة بناءٍ من مصادر محلية مستقلة. ولا يعني ذلك أن وصف ديريك السورية مركزاً كردياً ذا ينابيع وبساتين باطل، لكنه لا يستمدّ قوّته من تعدادٍ يخصّ بلدةً أخرى.

وتلتقي الحالتان في مسألةٍ تتكرر في الكتاب كله: التمييز بين تاريخ المكان وتاريخ الإدارة، وبين الإقامة السابقة ومشروع الإسكان، وبين استعمال الأرض وتأسيس المركز الحضري. فإنشاء قرىً للمهاجرين في رأس العين لا يبدأ به تاريخ المنطقة السكاني، كما أن نشوء مركز ديريك السورية في عهد الانتداب لا ينفي وجود سكانٍ وقرىً ومراعٍ قبله. وفي المقابل، فإن وجود سكانٍ سابقين لا يسمح بأن تُنسب إليهم مدينةٌ كبيرة أو تعدادُ بلدةٍ أخرى.

فلا يكفي أن يكون الخبر صحيحاً في ذاته. يجب أن يكون صحيحاً في زمانه ومكانه ووحدة قياسه، وأن يصلح دليلاً على النتيجة التي يُستخلص لها.

12سجل 1930 — قرى الجزيرة العليا عند عتبة الانتداب

انتهى الفصل السابق إلى أن المراكز الحدودية في الجزيرة العليا أُسّست بين 1922 و1930، وأن القرى المزروعة على الشريط الحدودي كانت قائمة قبلها. وفي سنة 1930 نفسها أصدرت الإدارة الفرنسية جرداً للعشائر في سورية ولبنان، يذكر قرى الجزيرة العليا وأسرها ومراعيها وزعماءها. فهو صورةٌ للريف في اللحظة التي يجعل باروت ما بعدها زمن «التشكّل الحقيقي» للقرى. ونقرؤه هنا بشرطٍ واحد: أن نفصل ما رصدته الإدارة عمّا فسّرته به.

12.1مصدرٌ استخباراتي، لا تعدادٌ سكاني

صدر الكتاب في بيروت سنة 1930 عن مديرية الاستخبارات في المشرق التابعة للمفوضية الفرنسية العليا، في 261 صفحة. والقسم الخاص بعشائر المنطقة الحدودية الشمالية في الصفحات 137–163، ويكمّله الملحق الرابع، ص220–221.146Haut-Commissariat de la République française, Direction du service des renseignements du Levant، «Les tribus nomades et semi-nomades des États du Levant placés sous mandat français»، بيروت: Imprimerie Jeanne d'Arc، 1930، 261 صفحة، ص137–163، والملحق الرابع ص220–221. gallica.bnf.fr

وللإدارة التي كتبته تصوّرٌ جاهز للتاريخ. ففي الصفحتين 5 و6، وهي تتحدث عن عشائر البادية العربية، تقسم حياة العشيرة ثلاث مراحل: تربية الإبل والتنقل الواسع، ثم تربية الأغنام بعد أن تضيق المراعي، ثم الزراعة وبناء القرى. وتجعل الانتقال من مرحلة إلى أخرى نتيجة موجات هجرة تأتي «كل قرنين تقريباً»، فتدفع الجماعات الوافدة الجماعات الأقدم إلى أطراف البادية حتى تستقر.147التقرير الفرنسي، ص5–6. وتنسب الإدارة إلى بعض الجماعات أصولاً بعيدة بلا دليل، فتقول عن الحسنان والهڤركية إنهم «كرد أصلهم من تركستان».

فهذا منظار الإدارة، لا دليلٌ على أصول السكان. ونأخذ من التقرير ما سجّله عن القرى والأسر والمراعي، ونترك تفسيره.

وأرقامه نفسها تحتاج إلى انتباه. فهو يعدّ مرةً بالأسر ومرةً بالخيام ومرةً بالقرى، ولا تتطابق مجاميعه دائماً مع تفصيلاتها: قرى العليان عنده 55، وما يفصّله منها 46. ومجال الجماعة لا يطابق حدود الدولة: فقد تقيم في جانبٍ وتملك قراها في الآخر، أو تتوزع قراها بين البلدين. فهو جردٌ إداري معاصر، لا تعداد.

12.2القرى والأسر

الجماعةصالقرى والإقامةالأسر أو الخيام
الميران (الكوچر)137⁠–⁠138رحّل بين مجالات جبلية وسهلية، وتغيّرت مساراتهم بعد 1925650–700 خيمة
الحسنان138⁠–⁠140قرى وحقول قمح وشعير في سهل جزيرة ابن عمر، وبعض قراهم يملكها ملّاكون من المدينةنحو 1200 أسرة
العليان140⁠–⁠14255 قرية بحسب المجموع، ويفصّل 36 سورية و10 تركية، منها 28 مهجورةنحو 650 أسرة
الشيتية142⁠–⁠14428 قرية، منها 20 سورية، وقسمٌ يزرع وقسمٌ يتنقّل بالمواشينحو 800 أسرة
طيّ144⁠–⁠147اتحاد متعدد الفروع، يزرع القمح والشعير، والأرز في وادي الجغجغ قرب نصيبين، وله حركة رعوية واسعةنحو 2000 خيمة
أطراف شهار14818 قرية، نصفها سورية، وتضم عناصر كردية وعربية على أراضٍ يملكها أعيان نصيبيننحو 420 أسرة، منها 235 سورية
بو بيلان148⁠–⁠14910 قرى، منها 3 سورية، ولا يبتعد الرعاة كثيراً عن القرى300 أسرة، منها 40 سورية
بينار علي149⁠–⁠15116 قرية، منها 13 تركية، وأراضٍ جيدة للقمح والشعيرنحو 600 أسرة، منها 525 سورية
المرسينية151⁠–⁠15211 قرية سورية شرقي عامودا، ويرعون حول القرىنحو 283 أسرة
الهڤركية152⁠–⁠155280 قرية في مجال الاتحاد الواسع، منها 31 جنوب طريق نصيبين وجزيرة ابن عمر، بينها 20 خراباًنحو 9000 أسرة في الاتحاد كله
الدقورية155⁠–⁠15622 قرية، منها 18 سورية، ويزرعون القمح والشعيرنحو 750 أسرة، منها 650 سورية
الملّية المحلية156⁠–⁠15821 قرية، منها 19 سورية، حول عامودا، ومراعٍ تمتد نحو الجغجغ والخابورنحو 600 أسرة، منها 550 سورية
الكيكية158⁠–⁠16040 قرية، منها 9 سورية و31 تركية، ومراعٍ جنوب الدرباسيةنحو 1000 أسرة، منها 300 سورية
الاتحاد الملّي الأكبر160⁠–⁠16228 فخذاً، وحركة موسمية بين قره جه داغ ورأس العين وجبل عبد العزيزلا يذكر عدداً للأسر
الخلجان162⁠–⁠16339 قرية، واحدة منها سورية، وتعبر الجماعة إلى الجانب السوري شتاءًنحو 700 أسرة

ولا تُجمع هذه الأرقام لاستخراج عدد سكان الجزيرة السورية، لأن نطاقاتها ووحداتها مختلفة.148التقرير الفرنسي، ص137–163. فالقرى الـ280 المنسوبة إلى الهڤركية تخصّ مجال الاتحاد كله، ومنها 31 فقط جنوب الطريق القديم بين نصيبين وجزيرة ابن عمر، بينها عشرون خراباً.

12.3الحدود قسمت جماعات، والسلطات هجّرت قرى

يقول التقرير صراحة إن ترسيم الحدود قسم الكيكية «إلى قسمين غير متساويين»، فصار هناك كيكية الشمال في تركيا وكيكية الجنوب في سورية، لكلٍّ زعامته، وبينهما نزاع.149التقرير الفرنسي، ص158–159. فالحدّ الجديد لم يفصل بين جماعتين، بل شقّ جماعةً واحدة. ومثلها العليان والهڤركية وبينار علي وأطراف شهار، ولكلٍّ منها قرى في الجانبين.

ويذكر التقرير أن قرى العليان المهجورة هُجرت بعد التدابير التي اتخذتها السلطات التركية إثر الانتفاضة الكردية، وأن القوات التركية دمّرت ديرون آغا، قرية زعيمهم، فانتقل إلى الجانب السوري في شباط 1926.150التقرير الفرنسي، ص140–142. فالخراب هنا له سببٌ قريب ومعروف، ولا يدلّ على أن المكان لم يُسكن من قبل.

ويضيف الملحق الرابع أخباراً عن جماعات وفروع في أعالي الخابور، وعن زعماء ومخاتير صاروا لاجئين، ويذكر أن بعض هذه المعلومات قدّمه عضوٌ في لجنة ترسيم الحدود.151التقرير الفرنسي، الملحق الرابع، ص220–221. فهو مادةٌ لدراسة النزوح الذي رافق رسم الحدود.

12.4الخيمة لا تنفي القرية

يصف التقرير جماعاتٍ تجمع الزراعة والرعي في وقتٍ واحد. فالشيتية قسمٌ منها يزرع وقسمٌ يتنقّل بالمواشي جزءاً من السنة. والمرسينية وبو بيلان لا يبتعد رعيهم عن قراهم. والخلجان ينتقلون شتاءً إلى الجانب السوري، «إلا الفلاحين الذين يُتركون لحراسة القرى والمزروعات».152التقرير الفرنسي، ص142–144، و148–152، و162–163.

فالقرية والقطيع والتنقل الموسمي ليست أحوالاً متنافية. والخيمة لا تدلّ على غياب القرية، ولا يدلّ الانتقال الموسمي على أن الجماعة وصلت إلى المكان أول مرة.

ويكشف التقرير أيضاً أن من يزرع الأرض ليس دائماً من يملكها. فبعض قرى الحسنان يملكها ملّاكون من جزيرة ابن عمر، وأطراف شهار مستقرون على أراضٍ يملكها أعيان نصيبين.153التقرير الفرنسي، ص138–140 وص148.

12.5العشيرة والاتحاد والزعامة

يفرد التقرير مادتين منفصلتين للملّية. الأولى للملّية حول عامودا: نحو 600 أسرة في 21 قرية، أكثرها في سورية، ولا زعيم واحد لهم، وإن كان إبراهيم آغا القادو أوسع رؤساء فروعهم نفوذاً. والثانية للاتحاد الملّي الكبير: 28 فخذاً، أكثرها كردي، وبعضها عربي وإيزيدي، يتنقّل بين قره جه داغ وسهل رأس العين وجبل عبد العزيز.154التقرير الفرنسي، ص156–162. فلا تُدمج الجماعة المحلية في الاتحاد، ولا يُفهم نفوذ زعيم الاتحاد على أنه إقامة كل فروعه في مكانٍ واحد.

وطيّ عنده «اتحادٌ من عناصر تنتمي إلى عشائر مختلفة»، وليس من طيّ بالنسب إلا بعض أفخاذه. ويذكر أن زعيمها السابق كان له «نوعٌ من السيادة» على الشيتية والعليان، دون أن يأخذ منهم الخوّة.155التقرير الفرنسي، ص144–147. والهڤركية عنده نحو تسعة آلاف أسرة: 6500 سنية، و2000 مسيحية يعقوبية، و500 إيزيدية، يتزعمهم حاجو آغا، وينافسه آخرون على بعض الفروع في الجانب التركي.156التقرير الفرنسي، ص152–155.

فالانتساب إلى العشيرة، والتحالف، والنفوذ، وملكية الأرض، ومكان الإقامة، أمورٌ مختلفة. ويُطبَّق هذا التمييز على الاتحادات العربية والكردية بالمعيار نفسه.

12.6القرى التي مُنحت لحاجو آغا

في مادة الهڤركية يقول التقرير إن حاجو آغا، بعد أن صار يتعاون مع الفرنسيين سنة 1926، مُنح «أربع قرى خراباً في منطقة قبور البيض»، ويسمّيها: خزيموك (Khezemok)، وقبور البيض (Kubur el Bid)، وكركيشامو (Gurchamo)، وأوبك (Obek)، ويصفها بأنها «القرى الجديدة» في وادي نهر الجراحي التي «مُنحت له حديثاً».157التقرير الفرنسي، ص153–155. فالتقرير يثبت منحةً حديثة لقرى خربة. ولا يذكر متى أُنشئت أول مرة، ولا متى هُجرت.

ولهذا الخبر صلةٌ مباشرة بباروت. فحين يعترض على ترنون، يستدلّ بقرى كردية وسريانية كانت عامرة سنة 1915–1916، ويسمّي منها خزيموك وكركيشامو وقبور البيض، دون أن يذكر مصدراً لقائمته.158باروت، ص122–123، والحاشية 312 (ترنون، ص251). وهذه القرى نفسها خرابٌ في سجل 1930، أُعطيت لزعيمٍ بعد 1926. فلا تصلح وحدها دليلاً على عمران سنة 1915، كما لا تصلح دليلاً على العكس، فربما هُجرت في السنوات التي بين التاريخين.

12.7دعوى فرسان الملّية في ترحيل الأرمن

في الصفحة 161 يقول التقرير إن الملّية قدّموا في الحرب العالمية الأولى ألفي فارس للجيش العثماني في جبهة القفقاس، و«مفرزةً من ألف فارس لمراقبة ترحيل الأرمن من ماردين وتل أرمن وأورفة».159التقرير الفرنسي، ص161.

لا نُسقط هذه الرواية لأنها من تقرير استخباراتي فرنسي، ولا نعاملها وثيقةً عسكرية ثبتت تفاصيلها. فهي مكتوبة سنة 1930، ولا تذكر قادة المفرزة ولا ما فعلته. وتُقابَل بالوثائق العثمانية وشهادات الناجين ودراسات الإبادة، دون أن تتحول إلى حكمٍ على كل من انتسب إلى الاتحاد الملّي. وبالمعيار نفسه تُبحث أدوار الجماعات الأخرى في الترحيل والقتل والنهب، وفي الحماية والإنقاذ.

12.8السجل في مقابل ما يقوله باروت

في كتاب باروت نفسه شواهد على قرى سبقت الانتداب. فهو يقول إن عامودا نشأت قريةً «منذ قرون عدة»، وبلغت نحو سبعين بيتاً في خمسينيات القرن التاسع عشر، ويذكر قرية القرمانية الكردية محطةً تجارية صغيرة بين رأس العين وعامودا.160باروت، ص119، الحواشي 292–295. ويقول إن أغنياء طيّ كانوا يملكون في نصيبين بيوتاً وبساتين منذ القرن الثامن عشر على الأقل، ومقبرتهم فيها.161باروت، ص122، الحاشية 308، نقلاً عن Velud، ج4، ص131. ويعترض على ترنون بقرى كردية وسريانية في منطقة عامودا وعلى الشريط الحدودي.158باروت، ص122–123، والحاشية 312 (ترنون، ص251).

ثم يصل إلى حكمٍ عام: أن طيّ والجبور «رسمت معالم عملية التحضر أمام العشائر الكردية البدوية ونصف الحضرية التي اضطرت إلى الهجرة»، وأن «التشكّل الحقيقي للقرى لن يتم قبل أواسط القرن العشرين».162باروت، ص123–124، والحاشية 313 (آزاد أحمد علي، ص221).

فإن قصد بذلك أن القرى كثرت واتسعت زراعتها في منتصف القرن العشرين، فهذا لا يتعارض مع وجود قرى قبلها. وإن قصد أن العمران الريفي في الجزيرة العليا بدأ حينها، فشواهده هو، ومعها سجل 1930، تنقض ذلك. ففي سنة 1930 كانت هناك قرى مزروعة وقرى مهجورة ومراعٍ وطرق تنقّل موسمي، وفلاحون يزرعون أرضاً يملكها أعيان المدن، وزعماء يتنازعون على النفوذ. ولا يعني هذا أن الشبكة بقيت على حالها منذ القرن التاسع عشر، أو أنها لم تتسع بعد 1930. لكن اتساعها يُقاس بالسنين والأرقام، ولا يُختصر في انتقالٍ عام من البداوة إلى التحضر.

ويلفت النظر أن هذا الانتقال العام هو نفسه نموذج المراحل الثلاث الذي يعرضه التقرير الفرنسي في صفحاته الأولى: هجرةٌ تدفع من سبقها، فينتقل المدفوع من الرعي إلى الزراعة. وهو تصوّر الإدارة عن المجتمع الذي تحكمه. ونستطيع أن نأخذ من التقرير قراه وأرقامه دون أن نأخذ هذا التصور.

12.9الخلاصة: ماذا كانت الجزيرة العليا عند عتبة الانتداب؟

يرسم سجل 1930 جزيرةً عليا مأهولة ومزروعة. ففي الجانب السوري وحده يعدّ عشرات القرى لكل جماعة: 36 للعليان، و20 للشيتية، و18 للدقورية، و19 للملّية حول عامودا، و11 للمرسينية. وفيها جماعات تجمع القرية والقطيع، وتترك فلاحين يحرسون المزروعات حين تنتقل إلى المشاتي، وفلاحون يزرعون أرضاً يملكها أعيان نصيبين وجزيرة ابن عمر.

ويرينا السجل أيضاً ما كان يتغيّر في تلك السنوات. فالحدود الجديدة شقّت الكيكية وغيرها بين بلدين، والسلطات التركية هجّرت قرى العليان ودمّرت قرية زعيمهم سنة 1926، والإدارة الفرنسية أعطت حاجو آغا قرىً خربة جزاءَ تعاونه. فالخراب في هذا المجال له أسبابٌ قريبة ومعروفة، والمنح ليس إنشاءً.

وفي مقابل ذلك، يجعل باروت «التشكّل الحقيقي للقرى» في أواسط القرن العشرين، ويفسّر تاريخ الجزيرة بهجرةٍ تدفع من سبقها إلى التحضر، وهو تفسيرٌ يشبه نموذج المراحل الذي تعرضه الإدارة الفرنسية نفسها في صفحات تقريرها الأولى. أما قرى السجل وأرقامه، ومعها شواهد باروت نفسه عن عامودا والقرمانية، فتقول إن الريف لم يبدأ مع الانتداب. وما جاء بعده يُؤرَّخ قريةً قريةً: ما كان قائماً، وما هُجر، وما أُعيد إعماره، وما أُنشئ جديداً.

حصيلة إعادة البناء

ما الذي تغيّر في الصورة

بدأ هذا القسم بسؤال: إن لم تكن الجزيرة العليا خراباً ينتظر الإعمار، فماذا كانت؟ وحاولنا أن نجيب من المصادر مباشرةً، فصلاً بعد فصل، من القرن الثاني عشر إلى سنة 1930. والصورة التي خرجنا بها ليست صورةً معاكسة لصورة باروت، أي جزيرةً عامرة بلا انقطاع. بل هي صورة مجالٍ مأهول، تتبدّل فيه السلطات والجماعات ومواضع الإقامة، ويجتمع فيه العنف والعمران في المكان نفسه والسنة نفسها.

ونجمع ما وصلنا إليه في خمس نتائج.

الأولى: الأرض لم تكن فارغة قبل مشروعات الدولة

قبل العثمانيين كانت الجزيرة العليا مجالاً مأهولاً ومتنازعاً عليه، ولم تكن غارة 1231 ولا غزوات القرن الخامس عشر نهايةً لتاريخها. وفي 1514–1516 أدمجت الدولة العثمانية سلطاتٍ محلية قائمة، ولم تؤسّس سكاناً جدداً. وفي 1835 رأى لينش على الفرات قرىً محروقة وقرىً عامرة في الرحلة نفسها. وفي 1867 كانت أسماء الملّية والكيكية نواحيَ في رأس العين، وفي 1871 احتجّ تجار رأس العين ونصيبين ومزارعوهما على تغيير تبعيتهم الإدارية. وفي 1925، قبل أن تُؤسَّس المراكز الحدودية، كانت القرى القائمة على الشريط الحدودي بين رأس العين ودجلة هي الأرض المزروعة في الجزيرة.

الثانية: الحركة ليست هجرةً أولى

الجماعات التي يجعلها باروت وافدةً كانت لها في المنطقة إقامةٌ أقدم ومصالح أقدم. فقوة الملّان لم تنشأ على يد إبراهيم باشا، بل تراكمت عبر أجيال منذ مطلع القرن الثامن عشر، وسقوطه سنة 1908 لم يكن خروجاً لقومه من المنطقة. وآغا الكيكية يروي لسايكس سنة 1907 أن جماعته سكنت قرى الجغجغ ثم طردتها شمّر، وأنها تعود كل ربيع لتؤكد حقها في الأرض. ويؤيده رؤساء الكيكية والملّية والعليان والدقورية في رسالتهم إلى الدولة سنة 1864. وفي 1930 يسجّل الفرنسيون أن الحدّ الجديد قسم الكيكية والعليان والهڤركية وغيرهم بين قرى في الجانبين. والقاعدة التي يقرأ بها باروت خبر طيّ، أي أن النقل لا يدلّ على أول وجود، تصدق على هؤلاء جميعاً.

الثالثة: ما أرادته الدولة ليس ما حدث

خطط الدولة وثائق عن تصوّرها للمجال، لا وصفٌ له. فمتصرفية الزور سنة 1871 أعادت رسم حدود الإدارة لتلاحق حركة البادية، فقاومها قسمٌ من شمّر، واعترض عليها تجار رأس العين ونصيبين، وتنازعت حدودَها مع حلب حتى أُعيدت إليها. ومشروع الملاحة على الفرات بقي محاولاتٍ ورحلاتٍ متقطعة، لا خطاً منتظماً. والقرى التي أنشأها أرسلان باشا لإسكان البدو هُجرت حين انسحب جنود الحراسة. وتوطين الشيشان في رأس العين بدأ في منتصف الستينيات، وتراجع قبل نهاية القرن بفعل الكبريت والجفاف والجراد والمرض والنزاع.

الرابعة: الانتقال إلى الزراعة غيّر الملكية والمكانة، لا عدد السكان وحده

تسجيل الأرض بالطابو لم يكن إقراراً محايداً بالحقوق، بل صار ميداناً للصراع على ريع الريف بين الدولة والأعيان والعشائر والفلاحين. والانتقال من الرعي إلى الزراعة لم يكن تخلياً عن الرعي، وأنتج الدَّين والتبعية، كما أنتج صعود فئاتٍ ريفية جديدة. فلا يُختصر هذا التاريخ في سؤال واحد: متى جاء الناس؟

الخامسة: الرقم يُقرأ في زمانه ومكانه ووحدة قياسه

كثير من الأرقام التي يبني عليها باروت سرده يتغيّر معناها حين يُسأل: عن أي مكان؟ وفي أي سنة؟ وبأي وحدة؟ فدير الزور كانت نحو عشرين ألفاً عند كوينيه سنة 1891، وخمسة وعشرين ألفاً عند سايكس سنة 1907، فلا يفسّر ترحيلُ الأرمن وحده بلوغَها هذا الحجم سنة 1916، ورقم تلك السنة قد يشمل مهجّرين في المخيمات. وفي رأس العين أشخاصٌ وأسرٌ وبيوت من مصادر وسنواتٍ مختلفة. والسبعة آلاف التي ينسبها باروت إلى ديريك السورية تخصّ ديريك قرب ماردين. والقرى التي يسمّيها ليردّ على ترنون ترد في سجل 1930 قرىً خراباً مُنحت حديثاً.

المسألةما يقوله باروتما تُظهره المصادرالفصل
رأس العين قبل التوطين«خربة مهجورة» حتى ثمانينيات القرن التاسع عشرنواحٍ إدارية سنة 1867، وتجار ومزارعون يحتجّون سنة 1871، ومشتى للملّية يقرّ به باروت نفسه9، 11
بدء توطين الشيشان187713,648 شيشانياً حول رأس العين بحلول 186811
تراجع المستوطنينالتيفوس في أواخر العهد العثمانيمن ألفي أسرة إلى مئتين بين 1888 و1890، بالكبريت والجفاف والجراد والمرض11
ديريك7000 نسمة، واستثناءٌ حضري كرديالرقم لديريك قرب ماردين، ومركز ديريك السورية أُسّس سنة 193011
نموّ دير الزورزيادةٌ بفعل ترحيل الأرمننحو 20 ألفاً سنة 1891، و25 ألفاً سنة 190710
العشائر الكردية في الجزيرة العليا«اضطرت إلى الهجرة»، و«التشكّل الحقيقي للقرى» في أواسط القرن العشرينقرى الكيكية الشتوية على الجغجغ قبل 1907، ونزوحٌ وعودة، ومئات القرى المسمّاة سنة 193010، 12
الملاحة على الفرات«أولى عمليات الإبحار» في ولاية مدحت باشا، بشركة فرنسيةبعثتا 1836 و1841، والباخرة سنة 1872 حكومية عثمانية8

وتجتمع النتائج الخمس في قاعدةٍ واحدة: لا يكفي أن يكون الخبر صحيحاً في ذاته، بل يجب أن يكون صحيحاً في زمانه ومكانه ووحدة قياسه، وأن يصلح دليلاً على النتيجة التي يُستخلص لها. وكثيرٌ من الشواهد التي استعملناها موجودٌ في كتاب باروت نفسه، في متنه أو حواشيه. فالمسألة ليست في نقص المعلومات عنده، بل في الطريقة التي تُرتَّب بها حتى تنتهي إلى حكمٍ تخالفه. وهذه الطريقة هي موضوع القسم الثالث.

التالي · القسم الثالثالمنهجيسأل: هل طبّق باروت المنهج الذي أعلنه في مقدّمة كتابه؟ في عشرة فصول، وفي آخره خاتمة الدراسة.ابدأ القراءة ←