المدونة

  • تمرين في اللغة

    الكتابة الصحافية الجيدة «صنعة» وليست «فناً»

    المنتَج الذي تبيعه للقارئ ليس القصة التي تكتبها، إنما تبيع نفسك ككاتب.

    خلال 20 عاماً من العمل الصحافي، قرأت معظم «كراسات التحرير» العربية، وقرأت الكثير من الكتيبات التي تشكو كثرة الحشو وقلة الإيجاز وسيادة الإطناب والتكرار؛ قرأت كتباً في اللغة العربية والبيان والبلاغة والأسلوب، وكتباً تُعِد بكشف أسرار الكتابة الصحافية، ولم أجد ما يساعدني عملياً على أن أكون كاتباً جيداً.

    الكتابة الجيدة لا أسرار فيها؛ لأنها ببساطة شاقّة. فالكاتب الجيد يشعر بالعزلة؛ لأنه يقف وحيداً قبالة الصفحة البيضاء؛ ويشعر بالعجز لأن الأفكار لا تريد أن تخرج من رأسه؛ ويشعر بالتوتر لأنه يحاول أن يضع جزءاً من ذاته على الورقة أمامه، وغالباً ستخرج ذاتُه تلك متخشّبة لا تشبه روح الكاتب فيه. ولا بأس بذلك كله، فالكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة. والجملة الواضحة ليست من قبيل المصادفة، إذ نادراً ما تأتي من المحاولة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة. تذكّر هذا في لحظات اليأس، إذا وجدت الكتابة صعبة، وذلك لأنها بالفعل صعبة.

    فالكتابة الصحافية الجيدة «صنعة» وليست «فناً». ولحسن الحظ ثمة أدوات لذلك. هل يمكن تدريسها؟ ربما لا، لكن يمكن تعلّم معظمها بالعمل الدؤوب. واعلمْ أن المؤسسات الإعلامية العربية لن تمنحك وقتاً كصحافي، إنْ بقيت أسير ذلك فلن تكتشف في نفسك الكاتب الذي تريده. بدلاً من ذلك، عليك أن تجرّب العمل على فكرة وإن استغرقت أسبوعاً أو أسبوعين، فإذا استصعبت ذلك جرّب إعادة صياغة قصة نشرها غيرك، وأعجبتك.

    وقبل أن تفعل ذلك، عليك أن تعقد «صفقة» بينك وبين نفسك: المنتَج الذي تبيعه للقارئ ليس القصة التي تكتبها، إنما تبيع نفسك ككاتب؛ مَنْ أنت؟ قبل أيام كنت أقرأ باهتمام مقالاً مطولاً على فيسبوك كتبه صديق -لا يطرح نفسه كاتباً- عن مروحية «إنجينويتي» على سطح المريخ. ما شغلني أكثر هو الحماسة التي يكتب بها عن الطائرة الغريبة في تلك الأرض الغريبة، وشاركني في ذلك بضع مئات من المتفاعلين معه. هذه هي الصفقة: الكتابة الجيدة تبث ذلك «الدفء» الذي يجعل القارئ يقرأ فقرة بعد أخرى، باستخدام أكبر قدر من الوضوح والقوة في اللغة.

    وإليك هذا التمرين الذي عملت عليه..

    اخترت قصة من أحد أفضل المواقع العربية صحافياً، وطبقت عليها أدوات من كتاب On Writing well by William Zinsser وكتاب Writing Tools by Peter Roy Clark .

    انتبه إلى هذه النقاط..

    • زمن القصة: استخدام صيغة الحاضر بدلاً من الماضي أداة تغمر القراء بآنية الأحداث. وترتيبها في مشاهد يساعد القارئ على فهم الدراما التي تجري أمامه، فطبيعة الدماغ لدى البشر تختبر القصة بالتسلسل عند قراءتها لأول مرة. فيما بعد، قد يبرز الدماغ عند تذكر القصة بعض المشاهد بطريقة غير متسلسلة.

    • البساطة: كلما ازداد عدد العبارات والكلمات التي يمكن حذفها، تحسنت الكتابة. فالكتابة الجيدة هي أن تنظّف العوالق بكل جملة وتحولها إلى مكوناتها الأساسية تمهيداً لإعادة بنائها. احذف كل عبارة لا تخدم وظيفة معينة، وكل كلمة طويلة يمكنك أن تستبدلها بأخرى قصيرة، كل ظرف أو ضمير أو حرف جر زائد، فهذه العوالق -وما أكثرها- تضعف قوة الجملة. ولا تستخف بمعارف القارئ اللغوية، فهو يعرف أكثر مما تظن. عدوك الأول ركام الكلمات، فحاربه بقلب لا يرحم.

    • الأفعال: استخدم الأفعال كلما كانت هناك حركة. ضعها مع الفاعل (ظاهراً أو مستتراً) في بداية الجملة والعبارة، وتجنب صيغة المصدر وحوّلها إلى فعل كلما أمكن ذلك (مثال: توزيع، يوزع). الأفعال القوية تخلق الأكشن، وتساعد على اختصار الكلمات، وتكشف للقارئ أدوار اللاعبين في القصة. (انظر الفقرة الثانية في الأصل تضم 3 أفعال حركة، بعد التعديل ستجد 8 أفعال).

    النص الأصلي:

    عام 1987، أطلقت شركة جهينة لمنتجات اللبن والزبادي والعصائر أول حملاتها الإعلانية بالتزامن مع توزيع أولى عبوات اللبن الكرتونية التي تحمل رسمًا لبقرة تضع في فمها -بدلال- زهرة برية.

    بحسب متعاونين مقربين من الشركة، خلال أعوامها الثلاثين، تمكنت جهينة من إعادة صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، والتوسع والتنوع في إنتاجها، لتبدأ في العام الجاري تصنيع ألبان نباتية، لتصل بمنتجاتها إلى إجمالي 200 منتج يتم توزيعها في مصر وتصديرها لعدد من الدول الإفريقية والعربية والأوروبية.

    صفوان ثابت، مؤسس الشركة ورئيس مجلس إدارتها حتى استقالته في يناير من العام الجاري بعد نحو خمسة أسابيع من توقيفه من قبل الدولة، اختار الاسم تيمنًا باسم بلدة والدته «عرب جهينة» التابعة لمركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية، والتي يحبها كثيرًا.

    وفي مثل هذه الأيام من شهر رمضان عام 2014، كان صفوان ثابت وعدد من رجال الأعمال يشاركون الرئيس عبد الفتاح السيسي إفطار رمضان والحديث عن آلية دعم الاقتصاد الوطني، بالتبرع بخمسة مليارات جنيه لصندوق تحيا مصر، كان نصيب ثابت منها 50 مليون جنيهًا.

    لكن، بعد فترة لم ينقطع خلالها رئيس مجلس إدارة شركة جهينة للصناعات الغذائية عن التبرع للصندوق، خرج صفوان ثابت من قائمة رجال الأعمال الوطنيين وانضم إلى قائمة الإرهابيين، في تحول جذري نحاول أن نفهم أسبابه في هذا التقرير.

    النص المعدل:

    إنه عام 1987. تطلق الشركة الناشئة «جهينة» لمنتجات الألبان والعصائر أول حملة إعلانية، فتوزّع عبوات لبن كرتونية تحمل رسماً لبقرة تضع في فمها -بدلالٍ- زهرة برية.

    و«جهينة» هذه اسمٌ سيختاره مؤسس الشركة صفوان ثابت العائد حديثاً من السعودية، حبّاً في بلدة «عرب جهينة» بمحافظة القليوبية، التي أنجبت والدته خالدة حسن الهضيبي ابنة المرشد الثاني لـ«جماعة الإخوان المسلمين»، وشقيقة المرشد السادس مأمون الهضيبي.

    سيمرّ أربعة وثلاثون عاماً سريعة؛ ستعيد «جهينة» خلالها صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، وستحقق أرباحاً متصاعدة، وستنوّع في الإنتاج، وتبدأ هذا العام بتصنيع ألبان نباتية أيضاً، ليصل عدد منتجاتها إلى 200 نوع، توزّعها في مصر وتصدرها إلى دول عربية وإفريقية وأوروبية.

    وفي رمضان 2014، سيشارك صفوان ثابت رجالَ أعمالٍ آخرين مائدةَ إفطارٍ أعدها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وسيتبرع بـ 50 مليون جنيه من أصل 5 مليارات جمعها صندوق «تحيا مصر» في ذلك اليوم دعماً للاقتصاد الوطني.

    لكن في يناير 2021، سيدور الزمان دورته، ويستقيل ثابت من شركته بعد 5 أسابيع من توقيفه قضائياً، ليتحوّل من «رجل أعمال وطني» مقرّب من السلطة ودائم التبرع للدولة والمشاريع الخيرية إلى أحد «الإرهابيين» المعادين للدولة، فكيف جرى كل ذلك؟

    وأخيراً، تعلَّم السباحةَ داخل الكلمات لتشاهدها من الداخل إلى الخارج، عندها لن تعرف فقط المعنى الحرفي للكلمة، بل ارتباطاتها ودلالاتها أيضاً. وما أجمل اللغة العربية في ذلك. كثيراً ما أقف أمام قوة التنكير كيف تضفي بُعداً كونياً على الكلمة، أو قوة المفرد الذي يكون بمعناه أكبر وأعظم من الجمع أحياناً! انظرْ إلى المعاني التي ينقلها هذا التعديل البسيط من فَعَلَ إلى أَفْعَلَ: بَصَرَ وأَبْصَرَ، سَقَيْتُ وأَسْقَيْتُ، شَرَقتْ وأَشْرَقتْ، رَعَدَتْ وأَرْعَدَتْ، لتدرك أن الكاتب الجيد يكون جيداً عندما يعيش داخل الكلمات لا أن تعيش الكلمات بداخله.


  • الأفعال.. تلك القوة المهدورة صحافياً

    كيف تستخدم الأفعال في الكتابة الصحافية

    وضع الفاعل والفعل الرئيسيين في منطقة قريبة من نهاية الجملة يضفي التأنق عليها.

    الأفعال في اللغة العربية توقفني، تدخلني في حالة تأمل، فهي على كثرتها يقل استخدامها ولا سيما في الصحافة -باستبدالها بصيغة المصدر- ما يولّد لديّ نوعاً من الغيَرْة عليها وعلى الزخم الذي يمكنها بثّه في النص.

    فالصحافة أساساً تدور حول الأفعال. وقوة الأفعال في أنها مرتبطة بزمن له بداية ونهاية، وبها حركة من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»؛ ما يضفي الأكشن (أو التشويق إذا أردت) إلى السرد في النص. استبدال الأفعال بالمصدر ينزع عن السرد دسمه. فالمصدر صيغة اسمية تدل على الحدث؛ أي الحدث، وقد نزع عنه زمنه. فالأسماء والصفات في اللغة «مثل زيد، وأزرق» تشير إلى الثبات والديمومة. وأيضاً المصدر مثل «قتال»، فهو صيغة اسمية تدل على «حدثٍ» ليس له زمن أو بداية ونهاية.

    وحتى عند استخدام الأفعال، كثيراً ما يلجأ الصحافي إلى أفعال القول (قال، أضاف، أعلن، نقل، أكد.. إلخ) التي لا تدل على أكشن.

    لنحاول إضفاء الأكشن على خبر نُشر أمس، وأخذته على نحو عشوائي. انتبه إلى استخدام صيغة المصدر ونزع الأكشن من الخبر الأصلي: مقتل، إصابة، متواصلة..

    الأصل:

    أعلنت وزارة الصحة في قرغيزيا مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة عشرات آخرين في الاشتباكات المسلحة المتواصلة بين القوات القرغيزية ونظيرتها الطاجيكية في منطقة باتكين الحدودية شمال البلاد.

    التعديل:

    قُتل ثلاثة أشخاص وأصيب العشرات في اشتباكات مسلحة تجري بين القوات القرغيزية ونظيرتها الطاجيكية في منطقة باتكين الحدودية شمال البلاد.

    انظر إلى الإيقاع الذي تخلقه الأفعال في هذا النص عن رواية «شارع السردين المعلب» لجون شتاينبيك:

    ..لم يكن في حاجة إلى ساعة. لقد ألِفَ المدّ والجَزْر إلى درجة صار معها يحسّ بارتفاع الماء أو انحساره وهو نائم. واستيقظ مع الضحى، وتطلّع من خلال زجاج السيارة فإذا به يجد الماء آخذاً في الانحسار عن الصعيد الحافل بالحجارة. فاحتسى شيئاً من القهوة الساخنة، والتهم ثلاثة ساندويتشات، وأتبعها بزجاجة من البيرة. ويتواصل انحسار الماء على نحوٍ لا يُدرَك، ويتكشّف الصعيد عن حجارته التي تبدو وكأنها ترتفع فيما ينخفض المحيط مخلّفاً بركاً صغيرة وأعشاباً نديّة وطحالب وإسفنجاً، قُزَحيّة الألوان وسمراء وزرقاء وحمراء. وفي الأعماق تستقرُّ نفايات البحر العجيبة: أصداف محطمة ومتشققة، وبقايا هياكل عظمية، ومخالب. ذلك بأن قاع البحر كلَّه مقبرة غريبة يدبّ فوقها الأحياء ويَعدون.

    فبوضع الفاعل المستتر أحياناً والأفعال في بداية الجُمل، يتدفق الوضوح والطاقة السردية في المقطعين، كما يقول Peter Roy Clark في كتابه Writing Tools. بعض الجمل تضع الفكرة الأساسية (وهي عادة الفاعل والفعل الرئيسيين) في بداية الجملة، والبعض الآخر بالقرب من النهاية. الفرق مهم. الجمل التي توضح نقطة ما في وقت مبكر تبدو أكثر طبيعية وفطرية في المحادثة الشفوية. انتبه لحديثك عندما تتكلم كيف تضع الفاعل والفعل في بداية الجملة. عند قراءة هذا النوع من الجمل، من المرجح أن يركز القارئ على المحتوى، وبدرجة أقل على الكاتب.

    لكن قصة الأفعال لا تنتهي هنا. إذ كثيراً ما أقف عند تلك القوة التي تبثها الجملة عندما يرد الفعل الرئيسي في نهاياتها. فعندما يريد الكاتب أن يخلق الإثارة، ويزيد التوتر، ويجعل القارئ ينتظر ويترقب، أو أن ينضم إلى رحلة استكشاف، أو أن يتشبث بأذيال الحياة الغالية، يمكنه أن يؤخّر فاعل وفعل العبارة الرئيسية في الجملة إلى النهاية.

    أليست «الحياة» ذاتها جملة طويلة تنتهي بالموت. وعند ذلك بالتحديد وقبل وضع النقطة في نهاية الجملة بأن يوارى الجثمان الثرى، تخرج أجمل العبارات بأن «اذكروا محاسن موتاكم».

    إن التلاعب بالجملة بوضع الفاعل والفعل الرئيسيين في منطقة قريبة من نهايتها، يضفي التأنق على الكتابة؛ نوعٌ من ادّخار «نَفْخَة البوق» في وجه القارئ إلى نهاية الجملة. انظر إلى سورة التكوير التي تستخدم الجملة الشرطية بوضع الفعل في نهاية الجملة:

    ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ… وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ… وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

    وهي سورة مكية نزلت رداً على «أبي جهل» عندما كان الرسول (ص) لا يزال يجاهد لإثبات دعوته، وتركيز على عظمة الخالق (وهو الكاتب أيضاً إذا نظرنا للقرآن كنص أدبي).

    انظر إلى هذه الجملة من النعي الذي نشرته «نيويورك تايمز» أمس، وتتحدث عن هِبَة تمتعت بها فاليري سيريلو بانش التي توفيت بـCovid-19، في رعاية الأطفال المتشاكسين:

    كان بإمكانها أن تجمع 20 طفلاً صغيراً معاً، تصحبهم إلى حديقة الحيوان، تأخذهم إلى السباحة، تطعمهم على الغداء، ثم تؤويهم إلى الفراش للقيلولة دون أن تنزّ قطرة عَرَق واحدة.

    هذا النوع من الجمل يضع «اللحم» -وهو هنا «دون أن تنزّ قطرة عَرَق واحدة»- قُرب نقطة النهاية؛ صحيح أنه لقمة يصعب هضمها، لكنها تستحق أن تلوكها بين أسنانك. فهي تثير تلك الغريزة البدائية عند البشر؛ تلك الذكرى الضاربة في القدم عندما كنا جميعاً نضع الفعل في نهاية الجملة في اللغة الأولى للبشرية.

    وثمة نقاش جميل حول ترتيب كلمات الجملة «الفعل – الفاعل – المفعول به» واختلاف ذلك باختلاف اللغات ودلالات ذلك. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الترتيب الأصلي للغة البشر كان «الفاعل – المفعول به – الفعل». ويبدو ذلك منطقياً إذا نظرنا إلى أن اللغة أصلاً كانت أداة تواصل لدرء الأخطار، فأيّهما أسرع في إيصال الفكرة: «أسدٌ يمشي في الغابة» و«أسدٌ في الغابة يمشي»؟ بالطبع الجملة الأخيرة، فبمجرد سماع الإنسان البدائي بكلمة الأسد (وهو هنا الفاعل) يدرك المخاطر المحدقة، ولا يهم إن كان يمشي أم لا، لذلك جاءت المعلومة المهمة في بداية الجملة.

    لكن، إذا كان وضع الفاعل في بداية الجملة والفعل في نهايتها كان الأصل في لغة البشر، لأن الفاعل كان المعلومة الأهم بالنسبة لهم، فلماذا تغيرّ هذا الترتيب في عدد كبير من اللغات فيما بعد؟ على الأرجح لأن سرد القصص -بما يتطلبه من وضوح وسلاسة- عند نقطة ما بدأ يلعب دوراً أساسياً في التاريخ. فحاجات الإنسان البدائي ومتطلباته بدأت تأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، ولم يعد نقل المعلومة (كحال التقارير الخبرية) وحده كافياً لتحديد المخاطر التي تهدد البقاء، فالتعاون والاستفادة من تجارب الآخرين لخلق «المعنى» وتحقيق الأهداف وحل المشاكل المستجدة، تطَّلب «سرد القصص». وثمة كتاب شيق عن السرد القصصي بعنوان «On the Origin of Stories» لـ Brian Boyd يدخل مساحة ممتعة حول الأصول الجينية لسرد القصص عند الإنسان.


  • للعالقين في منتصف السُّلَّم.. ثمة مَخْرج

    كيف تنتقل بين المجردات والمحسوسات في كتابتك.. استخدام سلم التجريد

    اللغة المجردة ليس لها طعم ولا رائحة ولا يمكن قياسها؛ إنها تحتكم إلى العقل، بينما اللغة المادية تحتكم إلى الحواس.

    أستطيع أن أجزم بأن «سُلَّم التجريد» الذي قال به عام 1939 عالم اللغويات الأمريكي صموئيل إيشيا هاياكاوا S. I. Hayakawa في كتابه Language in Action، من أعظم الابتكارات في الكتابة والتفكير. ولتبسيط الفكرة سألجأ إلى مثل مصري شارح، كثيراً ما كان يردده مديري كلما تُهنا في الطريق بقوله: «زي إللي رقصوا على السِّلَّم». وسُلَّم هاياكاوا يُستخدم بمئات الطرق للمساعدة على التأمل في اللغة والتعبير عن المعاني.

    أن تكون كاتباً جيداً عليك صعود سُلَّم اللغة وهبوطه باستمرار؛ إياك الوقوف في منتصفه للرقص كما يقول Peter Roy Clark. في أعلى السُّلَّم اللغة مجرّدة كالحرية والمعرفة، وفي أسفله اللغة مادية مرتبطة بالحواس كالشجرة والصخرة.

    اللغة المجردة ليس لها طعم ولا رائحة ولا يمكن قياسها؛ إنها تحتكم إلى العقل، بينما اللغة المادية تحتكم إلى الحواس. أنْ تقف في المنتصف فلا «إللي فوق» سيرَوْنك ولا «إللي تحت» سيصفقون لك. هناك تتوارى اللغة الرتيبة والروتينية للدوائر الحكومية. عندما تكتب نصاً ولا يستطيع القارئ أن يراه أو يفهمه، فأنت عالقٌ في منتصف السُّلَّم؛ ولغتك لغة صحافي خائف، مرتبك، غير واثق من لغته ومعلوماته.

    اقرأ هذا النص البديع من مادة نشرتها «نيويورك تايمز» اليوم للصحافييْن مايكل بولسن Michael Paulson وكارا باكلي Cara Buckley. ستجد أنهما يصعدان السُّلَّم ويهبطانه برشاقة. أحياناً حتى العبارة المؤلفة من كلمتين، كلمة في الأعلى والأخرى في الأسفل. ولا وجود حتى لعبارة واحدة في منتصف السُّلَّم.

    انتبه إلى هذه الكلمات..

    أعلى السُّلَّم:

    شهرة، قوة، سمعة، وضاعة، ذوق، موهبة، الترويع، ثورات الغضب، الإساءة، الانتقام، القساوة (معنوياً)، المعاناة، الألم، يوم الحساب، التنمر، اعتذار، شهية، تبعات.. إلخ.

    أسفل السُّلَّم:

    جوائز إيمي وغرامي وأوسكار وتوني، المرؤوسون، الأكواب، أجهزة الموبايل، الدَّبَّاسات، شركة تأمين، مسرح، سرطان الثدي، رابطة برودواي، الأعمال الفنية، سلوك (مجسّد).. إلخ.

    استمتع..

    لطالما كان سكوت رودين أحد أكثر المنتجين شهرةً وقوةً في هوليوود، وبخاصة في برودواي؛ فقد فاز الرجل بجوائز إيمي وغرامي وأوسكار و17 جائزة توني، كل ذلك فيما كانت سُمعته كأحد أكثر المديرين وَضاعةً تزدهر في الوسط الفني باطراد.

    حظي ذوقه وموهبته بالتقدير في أفلام مثل «The Social Network» و«No Country for Old Men» والعروض المسرحية «To Kill a Mockingbird» و«The Book of Mormon»، وعُرِفَ أيضاً في عالم الترفيه بترويعه مرؤوسيه، ورميهم بالأكواب وأجهزة الموبايل والدباسات، وكل ما كانت تطاله يده في ثورات الغضب.

    ولكن إساءة معاملة المساعدين ليست سوى جزءٍ صغير من الطريقة التي مارس بها نفوذه.

    لديه سمعة انتقامية؛ فبعد نزاع مع وكيل شركة طيران حول سعر تذكرة، قيل إنه ضغط على بعض زبائنه لتركه. وهو مولع بالمنازعات القضائية؛ فقد رفع دعوى ضد شركة تأمين للمطالبة بتعويضات هائلة ملقياً مسؤولية إلغاء عرض موسيقي على حَمْل الممثلة أودرا مكدونالد. وبمقدوره أن يكون قاسياً؛ فعندما أبلغته الممثلة ريتا ويلسون التي كانت تلعب دور البطولة في إحدى مسرحياته، بأنها مصابة بسرطان الثدي، أعرب عن أسفه لأن عليها التوقف عن العمل في أثناء موسم التصويت على جائزة «توني» المرموقة للعروض المسرحية.

    «إنه مثل زعيم المافيا. إذا كُسِرت ساقه، فعلى الآخرين معاناة الألم»، قال الكاتب المسرحي آدم راب الذي ألغى سكوت رودين إحدى مسرحياته بطريقة فظة عندما رفض قطع العلاقة مع وكيل كان في نزاع معه.

    الآن، يبدو أن المنتج ذا الـ62 عاماً يواجه يوم الحساب. فقد أثار مقال نشرته مجلة «هوليوود ريبورتر» هذا الشهر ضجةً بتفصيل تاريخه الطويل في التنمر على المساعدين، ما قاد سكوت رودين إلى إعلان استنكافه عن «المشاركة النشطة» في مشاريعه في برودواي وهوليوود ومسارح ويست إند بلندن. وفي ردٍّ مكتوب على أسئلة هذا المقال، قال إنه يشعر بـ«عميق الأسف» لسلوكه، وكشف أنه سيستقيل من رابطة «برودواي» التي تُعنى بالمنتجين وملّاك المسارح.

    وقال: «أعلم أن الاعتذار ليس كافياً بأية حال. أنا عازم على إيجاد حل لمشكلاتي بالاستنكاف، وأدرك تماماً أن الكثيرين سيشعرون بأن هذا قليل جداً ومتأخر جداً».

    طوال عقود، فلَتَ سكوت رودين إلى حد بعيد من تبعات سلوكه. توافد عليه الفنانون، كبيرهم وصغيرهم، جزئياً بسبب شهيته للأعمال الفنية الطموحة (التي غالباً كانت تحصد الجوائز). الكثيرون ممن تضرروا من سخطه كانوا يخشون الانتقام إنْ جاهروا بذلك.


  • البساطة مفتاح الصحافة الجيدة، لكن ليس دائماً

    متى تجعل البسيط معقداً

    «الألفة» مرض الصحافيين، إنْ لم يعززوا مناعتهم ضدها، تفتك بهم.

    فالكلمة البسيطة والجملة القصيرة والتركيب اللغوي الواضح لا غنى عنها في الموضوعات المعقدة والمبهمة والغريبة، لجعلها مفهومة بل و«مألوفة» عبر قوة الشرح. ولا أريد التحدث عنها اليوم.

    ما يأسرني أكثر أن الصحافي الجيد يستطيع أيضاً أن يجعلَ البسيطَ «معقداً»، ويترك أثراً جيداً لدى القارئ.

    قبل أيام، نشرت «نيويورك تايمز» مادة عن «النَّفَس في الأكل» عند العرب للكاتبة الفلسطينية ريم قسيس، وهي رغم دراستها البيزنس في جامعة بنسلفانيا فإنها تكتب أكثر في «الطبخ» وعلاقته بالثقافة والتاريخ والسياسة.

    تقول:

    كلمة «النَّفَس» تنطوي على تلك الحميمية التي تمتد إلى ما وراء السمات المادية المحسوسة في الطبق. فهي تتعلق بالشخص الذي يعد الطبخ بقدر ما تتعلق بما «ينفخه من روح» في الطعام. إنها الوقت والجهد المبذولان في اختيار المكونات وإعدادها؛ تلك الرقصة الصبور مع التوابل ذهاباً وإياباً إلى أن تصل كل نكهة إلى حد الكمال؛ ذاك السخاء في مدّ السُّفْرة والحفاوة بالضيوف؛ وقبل كل شيء، إنه عشق للطبخ وشهوة لإطعام الآخرين.

    على مدار أكثر من 1500 كلمة وعبر مقابلات ودراسات علمية ومقاربات ثقافية، تمرر ريم قسيس هذه الكلمة العادية والمألوفة عبر فلتر أسلوبها النثري، فتجبرنا على أن نراها بطريقة جديدة. الكلمة ذاتها لكن بأبعاد ومعانٍ جديدة، ويسمى في الأدب «نزع الألفة» عن الشيء أو defamiliarization الذي قال به الناقد الأدبي الروسي فيكتور شكلوفسكي عام 1917.

    لنأخذ مثالاً يستشهد به Roy Peter Clark في كتابه Writing Tools، ويتحدث عن «الرطوبة» التي عايشتُها لسنوات في الخليج، ولكن لم يخطر ببالي أبداً وصف الكاتب والصحفي الأمريكي إلوين بروكس وايت، وهو أيضاً مؤلف رواية الأطفال الشهيرة «شبكة شارلوت»:

    في الكثير من الأيام، تنتشر رطوبة الجو في جميع مظاهر الحياة. أعواد الثقاب ترفض أن تشتعل. المنشفة، إذا عُلِّقت لتجف، تزداد بللاً كل ساعة. الصحف بعناوينها عن الاندماج، تذوي بين يديك وتتساقط هزيلة في كوب القهوة أو صحن البيض. أظرف الرسائل تلصق نفسها بنفسها. والطوابع البريدية تضاجع بعضها بلا حياء كالجنادب. (من كتابه The Ring of Time)

    «الألفة» مرض الصحافيين، إنْ لم يعززوا مناعتهم ضدها، تفتك بهم. فالقصة الصحافية نافذة القارئ على العالم، وكما لا تلاحظ إطار النافذة عندما تنظر إلى الأفق، كذلك النثر الصحفي ينبغي أن يستغرق حواس القارئ بأن ثمة شيئاً ما «غير مألوف» يجري أمامه.

    تذكَّر دائماً أن النثر الجيد ليس نتاج طول الجملة أو اختيار الكلمات أو اتباع هذه القاعدة أو تلك، بل ينبع في المقام الأول من ذاك الشعور بوجود هدف لقصتك الصحفية، وتلك العزيمة على أن تكون مفيدة.


  • صحافة «قال وأضاف».. لديك خيارات أكثر من ذلك

    لا تكن أسير هذا القالب المستهلك الطارد للقارئ

    التمييز بين التقرير والقصة أمرٌ هام لما يتوقعه القارئ وللأسلوب الذي يكتب به الصحافي.

    يستخدم الصحافيون تعبير «القصة» بمزيج من السحر والغموض لدى الحديث عن التقرير الخبري. فهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم رواةُ قصص، وهم ليسوا كذلك. فمعظم ما ينشرونه هو تقارير -أو «قصص» كما تسمى خطأً- مملّة، كئيبة، غير قابلة للقراءة.

    هذا لا يعني أن يكون التقرير مملاً طالما أنه ليس قصة، كما لا يعني أن تكون القصص ممتعة لمجرد كونها كذلك. لكن التمييز بين التقرير والقصة أمرٌ مهم لما يتوقعه القارئ وللأسلوب الذي يكتب به الصحافي، كما يقول Peter Roy Clark في كتابه Writing Tools.

    وإليك الفرق..

    القراء يقرؤون لأحد سببين: فهُمْ إما يريدون الحصول على معلومات Information أو يريدون التعرّض لتجربة Experience. وهنا الفرق. التقارير توصل المعلومات، القصص تخلق التجربةَ. التقارير تنقل المعرفة، القصص تنقل القارئ نفسه، عابرةً الزمان والمكان. التقارير تدلّنا على الحدث، بينما القصص تضعنا داخل الحدث.

    * التقرير: يجتمع أعضاء المجلس البلدي اليوم لمناقشة خطة جديدة لتوزيع أجهزة التنفس على مستشفيات المدينة.

    * القصة: وقف إحسان أحمد أمام مبنى المجلس البلدي والدموع تتساقط من عينيه، رافعاً صورة والدته احتجاجاً على وفاتها يوم أمس نتيجة نقص حاد في أجهزة الأوكسجين.

    فما الذي حدث هنا؟

    في كلتا الحالتين، يلجأ الصحفي إلى جمع المعلومات عن طريق الأسئلة الستة المعروفة (مَنْ وماذا وأين ومتى ولماذا وكيف) وإيصالها إلى القراء. في التقارير، تكون الإجابات عن هذه الأسئلة بمعلومات ثابتة، ناشفة. في القصة، يبثّ السرد الحياة في هذه المعلومات. فمَنْ، يصبح شخصية في القصة. وماذا، يصبح الأكشن في القصة، وهكذا.

    طبيعة الموضوع المتناول تفرض ما إذا كان تقريراً أو قصة، أم مزيجاً بين الاثنين باستخدام تقنيات السرد في إيصال المعلومة الناشفة. الأول يُسمى صحافة «قال وأضاف»، وهو السائد بدون منازع في الصحافة العربية، والثاني كثيراً ما يُستخدم في السرد الصحفي في الفيتشرات، أما الثالث فهو الأقرب إليّ لأن الكاتب يستطيع مخاطبة القلب والعقل معاً، قادراً على خلق التعاطف وإفهام القارئ في آن.

    انظر إلى ما نشرته نيويورك تايمز قبل أيام عن «سرطان هودجكن»:

    كان الظلام قد حلّ عندما استطاعت المرأة ذات الـ 41 عاماً أن تبدأ رحلتها الطويلة من شقة والدها في واشنطن إلى منزلها في ويستشستر. كانت توّاقة للعودة إلى زوجها وأطفالها الثلاثة. عند نقطة ما، بعد أن عبرت الحدود إلى ولاية مريلاند، أُصيبت بحكة شديدة في كامل جسدها. قبل بضعة أسابيع شعرت بحكة خفيفة، لكنها عزت الأمر إلى جفاف بشرتها التي أصبحت فاتحة بعد أن كانت داكنة بسبب شمس الصيف. لكن الحكة هذه المرة بدت مختلفة تماماً؛ فهي أقوى وأعمق، وفي كل مكان من جسدها، وكل ذلك في وقت واحد.

    في هذه المادة تمزج الكاتبة ليزا ساندرز Lisa Sanders -وهي بالأصل طبيبة- تقنيات القصة والتقرير لإيصال معلومات طبية جامدة بطريقة بديعة. والعناصر كلها في سردها تدفع القارئ للانتقال من فقرة إلى أخرى دون أن يشعر بذلك.

    لديك خيارات أكثر من مجرد «قال وأضاف»، فلا تكن أسير هذا القالب المستهلك الطارد للقارئ.


  • علامات الترقيم.. إيضاح وإثارة

    كيف تستخدم علامات الترقيم

     لا يهم طول الجملة أو قصرها، مكتوبة أو مسموعة، طالما تستطيع ضبط إيقاعها وسرعتها وفقاً لغرضها.

    أما وقد تحدثتُ عن الجَوْر الذي لحق بـ«الجملة الطويلة» وما أثاره من «غيرة» المدافعين عن ميراث استخدام الجملة القصيرة، أجدها فرصة مناسبة لتناول علامات الترقيم التي ترسم بداية الجملة ونهايتها وتضبط إيقاعها ومساحتها، وكثيراً ما يُساء فهمها واستخدامها.

    فأول من صك تعبير «الترقيم» في العربية واستحدث علاماته التي نعرفها اليوم ووضع لها القواعد مستلهماً اللغات الأجنبية كان أحمد زكي باشا في كتابه «الترقيم وعلاماته في اللغة العربية» عام 1911. وكان أنْ طلب وزير المعارف المصري أحمد حشمت باشا من أحمد زكي باشا تدارك النقص الحاصل في «تلاوة الكتابة العربية، واستنباط طريقة لوضع العلامات التي تساعد على فهم الكلام.» فأعد كتابه مستلهماً اللغات الأجنبية التي كانت تُدرّس في المدارس الأميرية حينها؛ تشجيعاً للطلاب على تعلم العربية، وتسهيلاً لفهمها طالما أنهم اعتادوا علامات الترقيم الأجنبية.

    ولعل بضعة قرون من الجدل بين نحويي اللغة العربية في دراسة النص القرآني للوقوف على معانيه وتبيان مواضع «الوقف والابتداء» التي ألّفوا فيها من دون مبالغة عشرات الكتب، كانت كفيلة بإضفاء المزيد من الغموض على استخدام علامات الترقيم المستحدثة هذه. فحتى اليوم ثمة خلاف حول إضافة هذه العلامات إلى النص القرآني من عدمه.

    وكان الرجل مدركاً لجسامة الإرث الثقافي الذي تراكم على مدار نحو 1300 عام منذ وفاة الرسول (ص) وبدء معارك تدوين القرآن. حتى إنه أخذ طريق السلامة وآثر عدم استعمال هذه العلامات في كتابة القرآن؛ لأن «علماء القراءات قد تكفلوا بالإشارة إلى ما فيه الغناء والكفاية فيما يختص به.» حتى في كتابة الحديث فضل عدم استخدامها؛ لأن تعليمه حاصل بطريق التلقين.

    هذا يعني ضمناً أن هذه العلامات والقواعد «اعتباطية،» يستند استعمالها إلى التوافق والعُرف والثقافة. حتى إن بعض العلامات التي قال بها زكي باشا أُميتت وبَطُل استعمالها مثل «.،.» (الفاصلة وتحتها نقطتان) للإشارة إلى الوقف في الكلام المسجع. وأنا شخصياً لا أفضل الإكثار من علامات الترقيم التي قد تشوش القراءة، فقليلاً ما استخدم الفاصلة المنقطة واقتصر من أصل ثلاثة استعمالات وضعها لها زكي باشا على استعمال واحد قبل الجمل الموضحة أو المؤكدة لما قبلها. ونادراً جداً ما استعمل علامة التعجب.

    وعلامات الترقيم هي بالأساس ترميز للوقفات والسكتات التي يجريها المتحدث شفاهاً لتسهيل الفهم والإدراك، وإضفاء الوقع الدرامي على الحديث، وبالتالي هي محاولة لإظهار صوت الكاتب في النص المكتوب؛ متى يسحب نَفَسَه، متى يحبسه، ومتى يتوقف ليخرج الهواء من رئتيه.

    ورغم أنها إجبارية، فإن بعض هذه العلامات اختيارية تترك للكاتب مساحة، كما يقول Roy Peter Clark في كتابه Writing Tools. ولعل الفاصلة هي واحدة من علامات الترقيم الأكثر تنوعاً في الاستعمال والأقرب لتجسيد صوت الكاتب وصورته أمام القارئ، ومع ذلك فهي الأقل اهتماماً من قبل الصحفيين. وعلامات الترقيم إرشادات للطريق؛ إذا كانت الجملة طريقاً سريعاً، فالنقطة في آخرتها علامة توقف. والطريق الملتوي الذي به كثير من علامات التوقف هو فقرة، والفاصلة مطبّ، والفاصلة المنقوطة هي ما يسميها معلم قيادة السيارة «تخفيف السرعة،» وما يُكتب بين قوسين فهو انعطاف، والنقطتان الرأسيتان هما الضوء الأصفر الذي يعلن أن ثمة شيئاً مهماً أمامك، أما الشرطة « – » فهي جذع شجرة على الطريق.

    ولمساعدة القارئ على سلك هذا الطريق نستخدم هذه العلامات لـ:

    1. ضبط إيقاع النص وسرعة القراءة.

    2. تقسيم الكلمات والعبارات والأفكار إلى مجموعات متناغمة.

    ستتعلم وضع علامات الترقيم بقوة لتصل للغاية التي تريدها عندما تبدأ بأخذ إيقاع أو سرعة pace الجملة ومساحتها space بعين الاعتبار. فقد ترغب مثلاً في تخفيف سرعة الإيقاع لأسباب استراتيجية: لتحقيق الوضوح، أو إيصال المشاعر أو خلق الإثارة.

    ولا يهم طول الجملة أو قصرها، مكتوبة أو مسموعة، طالما تستطيع ضبط إيقاعها وسرعتها وفقاً لغرضها.

    يكفي الحماس الذي يبثه الشيخ محمود الشحات أنور بين مستمعيه الذي يحبسون أنفاسهم على وقع تلاوته آياتٍ من القرآن بنَفَسٍ واحدٍ، فيرتفع الأدرينالين في عروقهم ويخرجون عن السيطرة أحياناً، لتتذكر مدى ارتباط سامعي العربية بالتنويع في جمل هذه اللغة.

    وربما فوزي بشرى خير مثال -بغض النظر عن آرائه – على مدى بهاء الإطناب في اللغة العربية؛ مستحضراً رموزاً ودلالات وظلالَ معان من القرآن والأحاديث والشعر القديم تطرب لها أذن السامع؛ لأنه تعلّمَ «الوقف والابتداء» في التلاوة القرآنية التي أهرق أجدادنا الكثير من الحبر حولها. انظر إلى بهاء هذه الجملة الطويلة (36 كلمة) التي افتتح بها مطلع تقريره عن تنحي حسني مبارك:

    ﴿فاليومَ نُنَجّيكَ ببدنكَ لتكونَ لمنْ خلفكَ آيةً﴾، مصيرٌ سبق إليه الشهر الماضي الرئيس التونسي الذي لم يجد من الهرب بُداً فنجا هو الآخر ببدنه، تاركاً أمثولة بأن الشعوب أبقى وأقوى من الطغاة متى صح منها العزم.


  • لا تخشَ الجملة الطويلة

    لن يكون الصحافي صحافياً إلا إذا واجه مخاوفه وأتقن كتابة الجملة الطويلة

    الكتابة إيقاع؛ وعليك بالتنويع.

    لا تخشَ الجملة الطويلة.

    إذا كنتَ كاتباً، فأنت تعرفُ سلفاً تلك «الرجفة» التي تبعثها الجملةُ الطويلةُ في الضلوع، فعندما تنتقل من عبارة إلى عبارة، ومن صورة إلى صورة؛ بالكادِ تلتقط أنفاسَك مع ارتفاع الأدرينالين بآخرِ زفرةِ هواءٍ في رئتيك قبل أن تصل إلى تلك النقطة «اللعينة» في نهاية الجملة.

    حسناً، لهذا يخشاها الجميع. فأول «نصيحة» ككاتب أو كصحفي، كانت -على الأرجح- أن تكتب الجملة قصيرة. ومع أنه موضوع شائك، إلا أنهم ضحكوا عليك.

    لن يكون الصحافي صحافياً إلا إذا واجه مخاوفه، وأتقن كتابة الجملة الطويلة. نعم، الطول يجعل الجملة السيئة أكثر سوءاً، لكنه يجعل الجملة الجيدة أكثر بهاءً.

    أن تكتب الجملة الطويلة يعني أن تسير عكس التيار، أليس هذا ما يفعله من الكُتّاب أفضلهم؟

    انظر إلى هذا الجلال في الجملة الأخيرة من هذا النص الذي كتبه سليم بركات في كتابه “المعجم”:

    كلُّ شـهـوةٍ يـتـهـدَّجُ صـوتُهـا امتناناً أنك تتنفَّسُ الصـعـداءَ، أبداً، إذْ تتنفَّسُ الشـهـواتُ الصُّـعـداءَ في خيالك، أيها الشر.

    قُدُوْرَكَ تَغلي. الطهاةُ يفرمون، تحت أبخرةِ الثوم والمُصْطكى، عروقَ الخير الرقيقة كالكزبرة، قارعين بمغارف الهباءِ الصغيرة على حوافِ مواقد الآجُرِّ كي يُبعدوا الأملَ الشحاذَ؛ ذبابةَ الوجـودِ متناثراً قطراتٍ من شحم على صَدَفَةِ العبثِ العريق.

    الكتابة إيقاع؛ بها: تك دم تك | تك دم (إيقاع المقسوم)، وبها أيضاً: تك تك دم | تك | دم | تك | دم | تك تك تك | تك تك تك | دم دم دم | تك تك تك (إيقاع الورشان). وعليك بالتنويع.

    نصائح

    1. وضع الفعل والفاعل (أو المبتدأ والخبر) في بداية الجملة الطويلة، هذا يساعد على سهولة فهمها.

    2. استخدم الجملة الطويلة لوصف شيء طويل أو أمر يستغرق زمناً، أي أن شكل الجملة يتبع وظيفتها.

    3. استخدم الجمل الطويلة بالتناوب مع المتوسطة والقصيرة في نصك.

    4. التسلسل الزمني في الجملة الطويلة ييسّر فهمها.

    5. الجملة الطويلة تتطلب جهداً في فهمها وفي تحريرها، فاحرص أن تكون كل كلمة فيها مهمة.

    توم وولف Tom Wolfe، الصحافي الأمريكي الرقيق الرفيع، صاحب البذلة البيضاء صيفاً شتاءً، كان أكثر من أتقن كتابة الجملة الطويلة، بخاصة في مقالته المعنونة بـ A Sunday Kind of Love:

    توم وولف
    توم وولف

    الحب! عطر الشهوة معلقاً في الهواء! الساعة 8:45 من صباح الخميس في محطة مترو IRT، عند تقاطع شـارعي الخمسين وبرودواي، وثمة صبي وصبية يتعانقان وقد تشـابكت أيديهما وأرجلهما كنسيج «هارينغبورن» الصوفي، مما يثبت، بدون شك، أن الحـب فـي نيويورك لا يقتصر على يوم الأحد فقط.

    على عكس التوقعات كلها! تنبثق الوجـوه فـي كتل خارجـة مـن محطة قطار الجادة السابعة، مـروراً بماكينة الآيس كريم ذات الحجم الكبير، والبوابات الدوّارة تصفق بعنـف، كمـا لـو كان العالم يتكسـر كالأمواج فوق الشعاب المرجانية. أربع خطوات بعد البوابات الدوّارة، يتدافع الجميع متلاصقين لتسلق السلالم إلى السطح، كقِمْعٍ كبير من اللحم والصوف واللباد والجلد والمطاط والألومكرون الحراري، فيمـا يُعتصر الدم بصعوبة عبر الشـرايين المتصلبة لدى الجميع في دفقات متوثبة؛ بسبب الإفراط في شرب القهـوة والجهـد المبذول للخروج من محطة المترو سـاعة الذروة. مع ذلك، هناك على الرصيف، صبي وصبية في الثامنة عشـرة تقريباً، كانا مندمجين في عناق أبدي مُجْهِد كـ«عشق ممنوع».

    حولهمـا عشـرة، عشـرات، بل يبـدو كأن مئات الوجوه والأجساد المتعرقة المتزاحمة المندفعة عبر السلالم، والتي تعلوها تكشيرة المصاب بتصلب الشرايين، مـروراً بواجهة زجاجيـة تعـرض فيهـا سلع مستجدة، مثل «جوي بازر» و«سكويرتنغ نيكلز» و«فينجر راتس» و«سكيري تارانتـولاس» وملاعـق لُصِقَ عليها ذبـاب يبدو حقيقياً، مروراً بصـالـون حلاقة «فِرِدْ»، الذي يقع بمحاذاة الرصيف ويعرض صوراً براقة لشبان بقصات شعر باروكية يمكن للمرء الحصول عليها هناك، صعوداً نحو شـارع الخمسين، ومنه إلى جنون زحمـة السير والمتاجـر التـي تـعـرض فـي الواجهـات قطع لانجري غريبة الشكل، ومستحضرات صبغ الشعر الأبيض، ولافتات عن قراءة الطالع مجاناً، وأخرى عن مباراة فـي لـعـب البليـاردو بـيـن فتيات البلاي بـوي وعارضات داوني، ثم يطرق الجميع نحو مبان «تايم – لايف» أو «بريل» أو «إن بي سي».


  • طريق الإقناع معبّد بالتفاصيل

    التفاصيل الصغيرة طريقك إلى الإقناع

    استخدم التفاصيل في الكتابة الصحفية ليس للإبلاغ to inform بل لإقناع القارئ to persuade، لتجعله يرى بعين عقله.

    عندما تكتب، ابحث عن التفاصيل المحددة والملموسة التي تستهوي حواس القارئ.

    وصف الروائي جوزيف كونراد Joseph Conrad ذات مرة مهمته في الكتابة قائلاً: «بقوة الكلمة المكتوبة، أريد أن أجعلك تسمع وتشعر، وقبل كل شيء أن أريد أن أجعلك ترى.»

    جين روبرتس Gene Roberts، أحد أعظم المحررين في الصحف الأمريكية، كان يقرأ قصصه بصوت مرتفع لمحرر آخر أعمى، وكان هذا الأخير يعنّفه لأنه لم يستطع أن يجعله يرى.

    استخدم التفاصيل في الكتابة الصحفية ليس للإبلاغ to inform بل لإقناع القارئ to persuade، لتجعله يرى بعين عقله.

    ولكي تتعود ذلك، اقرأ الشعر؛ ولاسيما سليم بركات ومحمود درويش:

    انظر إلى هذه التفاصيل المهيبة في: درس من كاما سوطرا

    بكأس الشراب المرصَّع باللازوردِ

    اُنتظرها،

    على بركة الماء حول المساء وزَهْر الكُولُونيا

    اُنتظرها،

    بصبر الحصان المُعَدّ لمُنْحَدرات الجبالِ

    اُنتظرها،

    بذَوْقِ الأمير الرفيع البديع

    اُنتظرها،

    بسبعِ وسائدَ مَحْشُوَّةٍ بالسحابِ الخفيفِ

    اُنتظرها

    بنار البَخُور النسائيِّ ملءَ المكانِ

    برائحة الصَنْدَلِ الذَكَريَّةِ حول ظُهُور الخيولِ

    اُنتظرها،

    ولا تتعجَّلْ , فإن أقبلَتْ بعد موعدها

    فانتظرها،

    وإن أقبلتْ قبل موعدها

    فانتظرها،

    ولا تُجْفِل الطيرَ فوق جدائلها

    وانتظرها،

    لتجلس مرتاحةً كالحديقة في أَوْج زِينَتها

    وانتظرها،

    لكي تتنفَّسَ هذا الهواء الغريبَ على قلبها

    وانتظرها،

    لترفع عن ساقها ثَوْبَها غيمةً غيمةً

    وانتظرها،

    وخُذْها إلى شرفة لترى قمراً غارقاً في الحليبِ

    انتظرها،

    وقدِّمْ لها الماءَ، قبل النبيذِ , ولا

    تتطلَّعْ إلى تَوأَمَيْ حَجَلٍ نائمين على صدرها

    وانتظرها،

    ومُسَّ على مَهَل يَدَها عندما

    تَضَعُ الكأسَ فوق الرخامِ

    كأنَّكَ تحملُ عنها الندى

    وانتظرها،

    تحدَّثْ إليها كما يتحدَّثُ نايٌ

    إلى وَتَرٍ خائفٍ في الكمانِ

    كأنكما شاهدانِ على ما يُعِدُّ غَدٌ لكما

    وانتظرها

    ولَمِّع لها لَيْلَها خاتماً خاتماً

    وانتظرها

    إلى أَن يقولَ لَكَ الليلُ :

    لم يَبْقَ غير كُما في الوجودِ

    فخُذْها، بِرِفْقٍ إلى موتك المُشْتَهى

    وانتظرها !…


  • في لعنة المعرفة

    كيف تتجنب الكتابة الغامضة

    معرفة المرء بالشيء تؤثر على انحيازاته تجاه ذلك الشيء، وبالتالي طريقة استجابته له والتي غالباً تترجم إلى سوء تقدير للموقف.

    وُلِدنا جميعاً رواةَ قصص. نثرثر حول شخصيات فعلت كذا وذهبت إلى كذا بسبب كذا. نتحدث مع أصدقائنا طوال الوقت بحماس وحيوية. نروي حكايات عن الآخرين، نعجب بهم أحياناً ونستلهمهم، أو ربما نأنف منهم أحياناً أخرى ونغتابهم. لقد وُلِدنا نحن البشر بهذه المهارة التي يسميها علماء الأنثروبولوجيا “النميمة”.

    بحسب هؤلاء، فإن “النمائم” هذه قد قدحت زناد «التاريخ». قبلها كنا نعيش مرحلة ما قبل ولادة التاريخ؛ تفسير أفعال البشر الذين سبقونا من أبناء عمومتنا من النياندرتال وغيرهم اندرج في حقل علم البيولوجيا مثلما هو الآن حال دراستنا لسلوك الحيوانات. مع اختراع “النميمة” التي هي أصل الصحافة، حلّت الروايات التاريخية محل النظريات البيولوجية كوسيلة أساسية في تفسير تطور البشر. فمثلاً، لم يعد منطقياً لفهم ظهور الإسلام أو اندلاع الثورة الفرنسية دراسة التفاعل بين الجينات والهرمونات والمتعضيات، بل من الضروري دراسة الأفكار والتصورات والتخيلات.

    إذا كنا بطبيعتنا مجبولين على القصص، فلماذا نحن الصحافيون نكاد نكون أسوأ رواة لها مع أنها بضاعتنا الأساسية التي نعرضها في سوق القراء! تُنشر يومياً بضعة ملايين من القصص الصحافية عالمياً، فكم قصة تستوقفك قراءتها مثلما تستوقفك قصة تسمعها عن المدير في أثناء الاستمتاع بتدخين سيجارة مع زميل في استراحة عمل؟ في الواقع إنها قليلة.

    لماذا قليلة؟ لأن الكتابة فعل غير طبيعي كما يقول تشارلز داروين. نعم، نحن البشر لدينا ميل غريزي إلى التحدث، منذ الأشهر الأولى للولادة نبدأ في المناغاة، بل إن الكلمة المنطوقة أقدم من الإنسان العاقل نفسه. في المقابل، الكلمة المكتوبة اختراع حديث لم يُتح له الزمن الكافي كي يدخل ضمن تركيبتنا الجينية. لذلك تجد أن الكتابة مهارة يتطلب اكتسابها الكثير من الجهد والوقت طوال فترة الطفولة وما بعدها، يتطلب الكثير من القراءة ثم القراءة.. فهي عملية تعلُّم تستمر مدى الحياة.

    الكلام والكتابة مختلفان تماماً في آلياتهما، وينطويان على أنواع متباينة من العلاقات الإنسانية. الكلام المنطوق غريزي؛ كُتبتْ شفرته في جيناتنا منذ الأزل. فبغض النظر متى وأين وُلدتَ، ستتعلم التحدث بلغة أو أكثر من بين نحو 6 آلاف لغة حول العالم. ولا يهم عرقك، فحتى لو وُلدْت لأبوين عربيين ستتكلم اليابانية بيسر إذا تبنّتكَ أسرة يابانية مثلاً. ليس هذا فحسب، في أي محادثة نجريها، نتواطأ ضمنياً مع الشخص المقابل على قواعد للحديث. عندما نتكلم معه، يكون لدينا سلفاً فكرة عمّا يعرفه وما قد يهتم بمعرفته، نراقب عينيه ووجهه وموقفه. إذا احتاج إلى توضيح فعلنا، أو إذا كان لديه شيء يضيفه قطعَ مسار الحديث ليقول ما يريد. كل ذلك يجعل المحادثة حية وشيقة.

    في الكتابة، لا نتمتع بأي من هذه المزايا. فالقراء غير مرئيين ومبهمين، وعلينا أن نصل إليهم دون معرفة الكثير عنهم أو عن ردود أفعالهم. ما لا يدركه معظم الصحافيين، أن الكتابة في جوهرها تظاهر، عندما نكْتُبُ نكتبُ لقراء موجودين في أذهاننا فقط، نتظاهر بأننا في عالم مفترض، نتحادث مع قراء مفترضين. لذلك فإن الكتابة الجيدة غالباً تنبع من تلك القدرة على بناء تصور واضح لمحاكاة يتفاعل فيها الكاتب بشخصيته الأفاتار Avatar مع أسئلة وتعليقات القراء بشخصياتهم الأفاتار. هذا ما يفعله الروائيون طوال الوقت، وإلا كيف يستطيعون معايشة أدوار مختلفة لشخصيات رواياتهم! حتى إن أهم كتاب عن الأسلوب عنوانه: The Reader Over Your Shoulder من تأليف روبرت غريفس ومساعده آلان هوج، أي كيف تكتب، وأنت تنظر بطرف عينك من فوق كتفك إلى القراء المفترضين الذين يجلسون بجانبك، ويتحدثون معك وتتحدث إليهم كما في أي جلسة واقعية. الصحافي الجيد يتقن استخدام تقنيات رواية القصة شفاهاً في الكتابة.

    الأمر ليس بهذه البساطة. إذ ثمة احتمالات كثيرة لإجراء مثل هذه المحاكاة ودرجة انغماس الكاتب فيها. فالانغماس العميق في المحاكاة قد يجعل النص «متذاكياً» يستخفُّ بعقول القراء. والبقاء على السطح قد يجعل النص مبهماً في ظاهرة تسمى «لعنة المعرفة» أو افتراض معرفة القارئ بما يدور في ذهن الكاتب (سنأتي إليها بعد قليل). حتى الأسماء المشهورة من كُتّاب وشعراء وروائيين يفشلون أحياناً في المحاكاة. للخروج من هذه المعضلة يقترح الناقدان الأدبيان فرانسيس نويل توما ومارك تورنر نموذجاً سمّياه «الاستايل الكلاسيكي»، ويستعرضانه في كتاب صغير رائع بعنوان «واضح وبسيط كالحقيقة».

    يفترض «الاستايل الكلاسيكي» أن الكاتب والقارئ متساويان معرفياً، إذ لا يوجد طرف متعالٍ على الطرف الآخر. ولكن الكاتب يستطيع رؤية شيءٍ ما، حَدَثَ أن القارئ لا يشاهده، ربما بسبب زاوية النظر أو وجود حاجز يعيق نظر القارئ (أو أي سبب آخر)، ومهمة الكاتب مساعدة القارئ بتوجيه نظره إلى الزاوية الصحيحة ليشاهد ذلك الشيء بعينيه، مسترشداً في كل ذلك بالوضوح والبساطة.

    حسناً، أحسب أني فشلت في طرح الفكرة بوضوح وبساطة على الأقل في الفقرة السابقة. لا ضير في ذلك. هل حدث أن قرأت جملة أو عبارة أو صورة شعرية جميلة ثم حلفت بأغلظ الأيمان -بينك ونفسك- أن الجمل والعبارات ذاتها كانت على طرف لسانك وبالجمال ذاته إن لم يكن أكثر! هذا ما يفعله «الاستايل الكلاسيكي»، يجعلك تكتشف «الحقيقة» بنفسك. فالكاتب يعرف «الحقيقة» سلفاً قبل صياغتها في جمل وعبارات، والنص الذي يكتبه ليس استعراضاً لما يدور في ذهنه، فهو لا يتبجح أو يحاجج بأنه يكشف «الحقيقة». بل يفترض أن القارئ يتمتع بالكفاءة العقلية التي يحتاجها للتعرف على «الحقيقة» عندما يراها، وكل ما عليه فعله هو إزاحة الحواجز التي تحجب القارئ عن رؤيتها.

    هذا ما كان يجري معي في كل مرة أقرأ أو أسمع كتاب «النبي» لجبران خليل جبران. ولا أبالغ إذا قلت إنني سمعته عشرات المرات بصوت الممثل والمغني الأيرلندي ريتشارد هاريس في تسجيل كاسيت حصلت عليه من أحد الأصدقاء قبل 25 عاماً. لقد كان جرعة أتناولها كل ليلة عن طريق المسجل الصغير قبل الخلود إلى النوم. وفي كل مرة كان جبران يساعدني على إزالة الحجاب عن جزء من «الحقيقة»؛ تلك الحقيقة التي تملأ ثنايا كتابه وتسري رعشة توقف شعر الجسم.

    والحال، أن الأدب كان مدخلاً لتيار في الصحافة سُمّي فيما بعد الصحافة الأدبية أو السردية، ابتدأه الصحافي والروائي البريطاني جورج أورويل بمقالة كتبها خلال رحلة استشفاء من مرض السل في المغرب عام 1939 بعنوان «مراكش»، وأُسيل حولها الكثير من الحبر. وفي الستينيات وجد هذا التيار زخماً ليتوج في عام 1973 بكتاب نشره توم وولف بعنوان «الصحافة الجديدة» وهو مجموعة من المقالات المختارة، وكان بمثابة البيان رقم واحد أو مانفيستو الصحافة الأدبية. مشكلة وولف أنه كان يروّج حينها لموت الرواية الأدبية القائمة على تخيل الأحداث والشخصيات، وأن الصحافة الأدبية ستحل محلها بأحداثها وشخصياتها الحقيقية. لم تمت الرواية، لكن استعارة تقنياتها في الصحافة استمرت.

    أدى تطبيق تقنيات السرد في الكتابة الصحافة إلى إنتاج بعض القصص الأكثر إثارة خلال العقود القليلة الماضية. فبدلاً من «الراوي» الغامض mysterious الموثوق authoritative كلَّي المعرفة omniscient في صياغة الأخبار -وهو حال صياغة الخبر في معظم منصات الصحافة العربية- تلجأ الصحافة السردية إلى بناء القصة مشهداً بعد مشهد لأن الصحافي يكون متواجداً (مجازاً) على «الأرض» حيث يدون الملاحظات، ويجري المقابلات والحوارات المعمقة مع الشخصيات المنخرطة في الحدث المعني. ويُروى الحدث من وجهة نظر الشخص الثالث أو ما يُسمى في اللغة العربية ضمائر الغائب: هو، هي، هم، ما يساعد الكاتب على تقديم شخصيات متعددة ومستويات مختلفة للسرد والحبكة بالطريقة التي تعمل بها الكاميرا في الأفلام من زووم-آوت وزووم-إن.

    ولعل أقرب مثال حديث على استخدام تقنيات السرد الحديثة في الصحافة، ما نشرته «واشنطن بوست» عن اللاجئ السوري مازن الحمادة الذي قرر العودة إلى سوريا. فعلى مدار أكثر من 3500 كلمة وفيديوهات وتسجيلات صوتية أُعِدت خصوصاً لهذه المادة، تتنقل الصحافية ليز سلاي من مشهد إلى مشهد، ومن زووم-آوت إلى زووم-إن، لتضع السوريين أمام الصورة الأكبر لمأساتهم، راسمةً مصاير أولئك الذين تحولوا إلى بقايا بشر تطاردهم أشباح الانتقام بعد أن أنهكتهم الحرب على مدار 10 سنوات، وأولئك الذين استطاعوا الفكاك من أسر الماضي وبدؤوا حياة جديدة في أوطان غير وطنهم الأم.

    ليز سلاي، الصحافية البريطانية المتمرسة التي كانت أيضاً وراء انتشار صورة آلان الكردي، تمسك بيد القارئ وترشده خطوة بخطوة، عبر سرد آسر، ليستكشف بنفسه البقعة المناسبة للنظر إلى حقيقة ما خلفته الحرب في سوريا. ويكفي أن تقرأ الفقرات الأولى لتعرف أنك أمام مادة صحافية عظيمة:

    بجسده النحيل ووجهه المسكون ودموعه الغزيرة، أصبح مازن الحمادة رمزاً لمعاناة ضحايا التعذيب السوريين. بعد هربه من سوريا إلى هولندا، سافر كثيراً وروى للجمهور في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا قصصاً عن الفظائع التي تعرض لها خلال اعتقاله بسجن في دمشق.ثم فجأة، وفي خطوة غامضة عصية على التفسير، لا بل ربما في خطوة انتحارية، عاد قبل نحو عام إلى سوريا، ليخاطر مجدداً بالوقوع في قبضة حكومة وحشية كان قد شجبها بشدة. اختفى مازن منذ ذلك الحين، تاركاً وراءه أسرة وأصدقاء هالهم تفسير الدافع لأن يُقدم رجل مثقل بندبات جروحه الماضية على العودة إلى أحضان جلاديه، وما يخشونه هو دخوله مجدداً في كابوس نظام السجون في سوريا.

    ففي هذه الفقرات الأولى، تحدد سلاي ثلاثة من أهم عناصر السرد التي ترسي قواعد رواية القصة. فهي أولاً تضع النغمة Tone (أو موقف الكاتب من القصة التي يسردها أو جوها العام)؛ وهي هنا تهيئ القارئ -كما في أي محادثة شفهية- بأنه سيقرأ (أو إذا شئت: سيسمع) قصة جديرة بالقراءة: تعرض لفظائع في التعذيب، مع ذلك قرر العودة بملء إرادته لحضن جلاديه. هذا وحده كفيل بجعل أذن القارئ منتصبة لمعرفة المزيد.

    ثم تضع المنظور Perspective والصوت Voice (بمعنى مَنْ يرى ومَنْ يتكلم في القصة)، فهي لن تسرد القصة من وجهة نظرها الأمر الذي قد يرمي بظلال الشك حول دوافعها، بل أسرته وأصدقائه الذين هالهم تفسير ما جرى. وفي غضون ذلك فإنها ستؤدي دور الراوي الذي يساعد القارئ على فهم واستيعاب الأحداث الدرامية التي ستتكشف أمامه، لتبنى في النهاية الصورة الأكبر التي لا يراها عادة المنخرطين في الحدث.

    وكثيراً ما تأسرني فكرة «الصورة الأكبر» عندما أقرأ لصحافيين أجانب جاؤوا من أراضٍ بعيدة وثقافات مختلفة إلى مناطق صراعات معقدة مثل سوريا، مع ذلك فهم قادرون على فهم «القضية» التي يطرحونها أكثر من أصحاب القضية أنفسهم. وأتذكر دائماً، عندما عصي عليّ فهم الإسلاميين الذين عايشتهم عن قرب لسنوات، نصيحة صديق يعتبر نفسه إسلامياً سابقاً أنْ أقرأَ كتاب «زمن الصحوة» لستيفان لاكروا، ومعلقاً: إنه يفهم الإسلاميين أكثر من فهم الإسلاميين لأنفسهم. وكان كذلك فعلاً.

    كيف يفعلون ذلك؟ لأنهم غير ملوثين بـ«لعنة المعرفة» The Curse of Knowledge، وهو عنوان فصل كامل لأحد أهم الكتب عن الاستايل الكتابي بعنوان The Sense of Style من تأليف ستيفن بينكر. و«لعنة المعرفة» بالأصل مفهوم اقتصادي ظهر عام 1989، وبات يُستخدم في طيف واسع من المشكلات النفسية لدى البشر، ومفاده أن معرفة المرء بالشيء تؤثر في انحيازاته تجاه ذلك الشيء، ومن ثم طريقة استجابته له التي غالباً تترجم إلى سوء تقدير للموقف. في أسواق المال، كثيراً ما يفضي معرفة المضارب بتفاصيل سوق الأسهم إلى سوء تقدير في الأسهم التي ينبغي شراؤها.

    صحافياً، تعني «لعنة المعرفة» عدم قدرة الصحافي على استيعاب أن القارئ لا يمتلك المعارف التي يمتلكها هو نفسه. والمشكلة تنبع أساساً من أن المرء كلما عرف شيئاً نسي الصعوبات التي واجهته في معرفة ذلك الشيء. ومن ثم فإن معرفته تؤثر في «انحيازاته» بافتراضه أن القارئ يعرف، في حين أن القارئ في الواقع لا يعرف، لذلك تخرج القصة الصحافية غامضة وركيكة.

    وأخيراً، ينجح الصحافي الأجنبي في كتابة قصة عن سوريا مثلاً، لأنه غير «ملوث» بالمعرفة المسبقة لتفاصيل هذه القصة. إنه كطفل يُدهش عند معرفة شيء لأول مرة، وقادر على نقل هذه الدهشة إلى القارئ. أليس رواية القصص هدفها أصلاً الإدهاش!


  • كيف تكون مكتشفاً للمشاكل؟

    كيف تطوّر نفسك

    النظام الرأسمالي كي يستمر يقوم بتدمير ذاته إبداعياً، بالتخلص من البنى القديمة المهترئة وإحلال بنى جديدة محلها.

    عندما أطلقت شركة فولكسفاغن بداية هذا العام سيارتها الجديدة Golf 8، التي تعتبرها «دُرة التاج» في سياراتها الرقمية (وهي بالضرورة ليست كذلك!)، كانت في الواقع متأخرة كثيراً عن جدولها الزمني، بسبب المشكلات المزمنة في أنظمتها الرقمية. فالشركة التي تدفع رواتب أكثر من 300 ألف موظف ثابت، وما يعادلهم أو أكثر من الموظفين غير الثابتين، تدرك الآن المصير الذي قد ينتظرها في المستقبل القريب بعد أن استثمرت على مدار عقود وعقود في تطوير ميكانيك السيارات، وأهملت تطويرها رقمياً، بعد أن افتتحت Tesla أحد أضخم فروعها قرب برلين؛ المدينة التي تُعرف بمصمميها، وهو المطمع الذي أعلنه إيلون ماسك، لتصبح سياراتها الأكثر نمواً من حيث المبيعات في عقر دار صانعة أفخر السيارات في العالم؛ ألمانيا.

    لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يغير الناس تفضيلاتهم. هذا ما حدث تماماً مع «بلاك بيري»، في غضون ثلاث سنوات فقط تخلّيتُ عن الهاتف الأسود الجذاب الأنيق بأزراره الكثيرة، وانتقلت نهائياً إلى صفوف المنتظرين للحصول على هاتف آيفون في عام 2011.

    الأمر به مفارقة. كيف لم تنتبه شركة عملاقة بحجم فولكسفاغن، وتستثمر في مواهب البرمجة داخل بلدها؟ ومن أين أتت تلك الفكرة «الشيطانية» أن يفتتح إيلون ماسك الفرع الأوروبي العملاق لشركته «الصاعدة» قرب برلين طمعاً بالمواهب داخل المدينة الألمانية التي لم تكتشفها فولكسفاغن!

    الأمر بسيط؛ إنه يتعلق بزاوية النظر. ففولكسفاغن تنحدر من ثقافة مترسخة بيروقراطياً في ألمانيا تنظر إلى «المواهب» على أنها الشهادات التي تحملها، بينما تنظر تسلا -وليدة الثقافة الأمريكية- إلى «المواهب» على أنها المهارات القادرة على القيام بها. لذلك تجد أن 20 ألفاً من مطوري البرمجة، وبضعة مليارات الدولارات في فولكسفاغن لم تستطع إنجاز ما أنجزه 300 مطور في تسلا. وليس غريباً أن الرئيس ترامب وقّع قبل أشهر قليلة أمراً إدارياً يقضي بمنح الأولوية للمهارات على الدرجات العلمية في التوظيف الحكومي.

    حسناً، الأمر ليس بهذه البساطة تماماً، فثمة عوامل أخرى أساسية وأكثر تعقيداً تلعب دوراً، كان قد تحدث عنها ماركس أولاً في كتابه «غروندريسه» المترجم إلى العربية تحت عنوان «أسس نقد الاقتصاد السياسي»، وطورها فيما بعد العالم النمساوي الأصل جوزيف شومبيتر لما بات يعرف الآن بمفهوم «التدمير الخلّاق» creative destruction، ومفاده أن النظام الرأسمالي كي يستمر يقوم بتدمير ذاته إبداعياً، بالتخلص من البنى القديمة المهترئة وإحلال بنى جديدة محلها.

    والواقع أن العملية معقدة، وقد حدثت مرات ومرات. لكن علماء الأنثروبولوجيا يركزون على حدثين فاصلين ميّزا التاريخ البشري: تمثال الرجل-الأسد العاجي (أو المرأة-اللبؤة إذا شئت) الذي اكتُشف في كهف هولنشتاين-ستادل بألمانيا ويعود تاريخه إلى ما قبل 40 ألف سنة. وهو عملياً، إعلانٌ لميلاد «الخيال» عند البشر، ويمثل أيضاً أقدم شكل للصحافة التي خرجت من رحم «النميمة»، ويشير إلى «الثورة الذهنية» التي ميزت البشر عن باقي الكائنات على الكرة الأرضية. فمع هذا التمثال، بات بمقدور الإنسان العاقل التحدث عن أشياء لا توجد حقاً. ففي كتابه «العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري»، يقول يوفال نوح هراري إنه لا يمكنك إقناع قرد أن يعطيك موزة بأن تعده بكمية كبيرة من الموز بعد الموت في «جنة القردة». لكن البشر استطاعوا التحدث عن روح الرجل الأسد الحارسة للقبيلة، ومنذ ذلك الوقت اكتشف آدم «شجرة المعرفة» و»أُذن» للأديان والرسالات السماوية بالنزول على البشر.

    والحدث الثاني، كان «أسد» شركة بيجو الفرنسية للسيارات. وقد بدأت كشركة عائلية صغيرة بقرية فالونتيه التي لا تبعد عن كهف هولنشتاين-ستادل سوى 300 كيلومتر فقط، وتوظف الآن نحو 200 ألف شخص حول العالم، معظمهم غرباء لا يعرفون بعضهم، وتصل عائداتها إلى 74 مليار دولار. مع هذه الشركة، بدأ نوع جديد من الخيال مختلفٌ عن الخيال الذي جاء مع تمثال الرجل الأسد، لم يعتده البشر من قبل.

    ففي عام 1896 قرر آرمو بيجو تسجيل الشركة الصغيرة التي ورثها عن والده كشركة محدودة المسؤولية والدخول في مجال السيارات. والشركات محدودة المسؤولية هي ضرب من الخيال يسميه المحامون «خيالاً قانونياً»؛ فهل شركة بيجو هي عدد سياراتها؟ لا طبعاً، فحتى لو أعدمت كل سيارات بيجو وبيعت كخردة -كما يقول هراري- ستظل شركة بيجو قائمة. تمتلك الشركة أيضاً مصانع وآلات ومعارض، وتوظف ميكانيكيين ومحاسبين وتقنيين، لكن كل ذلك مجتمع لا يشكل بيجو، فحتى لو تم التخلص من كل ذلك ستظل الشركة قائمة، ويمكنها اقتراض المال من البنوك لتبني مصانع جديدة، وتوظف أشخاصاً آخرين. لا يبدو أن لبيجو أي ارتباط بالعالم المادي. لكن بالمقابل، لو أمر قاضٍ بتصفية الشركة، فإنها ستتلاشى حتى لو بقيت مصانعها وموظفوها وسياراتها. مع نهاية القرن الثامن عشر؛ كانت القوانين محبطة للأعمال الحرة، فابتكر القانون الفرنسي فكرة الشركات محدودة المسؤولية كعملية تدمير داخلية خلاقة، تعفي مالكي هذه الشركات من المسؤوليات القانونية أمام المستهلكين في حال فشلت مغامراتهم التجارية. وبدأنا جماعياً نتخيل وجود الشركات محدودة المسؤولية، ونتعامل معها على أنها واقع، وأصبحت لاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي خلال القرنين الماضيين.

    وبكلمات ماركس في كتابه «غروندريسه» فإن تناقضات النظام الرأسمالي «تولّد انفجارات عنيفة وأزمات تؤدي آنياً إلى تعطيل العمل وإبادة حصة كبيرة من رأس المال بحيث يتقلص الأخير بشدة إلى المستوى الذي يستطيع عنده بدء النشاط من جديد»، هذا ما تقوم بتعجيله جائحة كورونا، فالاقتصادات التي ستخرج من هذه الأزمة ستكون مختلفة كلياً، وستضمحل تلك الحدود التي رسمتها الثورة الصناعية بين أرباب العمل والموظفين والحكومات، ونكاد أن نكون على عتبة الحدث الثالث بعد تمثال الرجل-الأسد وأسد شركة بيجو، بحسب ما يقوله توماس فريدمان في مقالة له بنيويورك تايمز، حيث «ستظهر بعض الأشياء المذهلة، وستختفي بعض المؤسسات العريقة، مثل الجامعات، وتتغير طبيعة العمل وأماكنه والقوى العاملة أيضاً.»

    ويحدث الآن أمران أساسيان: أولاً، العالم يزداد تماسكاً؛ نعم تباطأت عولمة السلع وحركة الناس، بسبب الوباء، لكن تزايدت عولمة الخدمات. ويتقلص العمر الوسطي للمهارات؛ أي الفترة الزمنية لظهور مهارة جديدة ثم انتشارها وازدهارها وانحدارها نحو النهاية الطبيعية بأن تصبح غير مطلوبة. وهذا يعني عملياً أن أطفالنا سيضطرون إلى تغيير مهنهم مرات عديدة في حياتهم. ما يعني أن مسار حياتهم المهنية لن يتبع المسار التقليدي: من التعلم إلى العمل، بل سيكون: العمل – التعلم – العمل – التعلم.. إلخ، أي أن ما سيميزهم هو قدرتهم على التعلم باستمرار. نعم، الجميع يحتاج الأساسيات القوية في القراءة والكتابة والرياضيات، ولكن في عالم ستتغير فيه الوظائف والمهن مرات عديدة، سيكون الدافع الذاتي لدى المرء بأن يكون متعلماً مدى الحياة أمراً بالغ الأهمية.

    وثانياً، سيكون الطلب ليس على الذين يحلون المشكلات Problem Solvers بل على مكتشفي المشكلات Problem-Finders، فهذا العصر هو عصر أولئك الأشخاص ذوي الاهتمامات المتنوعة في الفن والأدب والعلوم والأنثروبولوجيا، الذين يمكنهم تحديد الأشياء التي يريدها الناس حتى قبل أن يعرف هؤلاء ذلك، مثل ستيف جوبز الذي كان مكتشفاً فذاً للمشكلات. حل المشكلات سيكون مهمة سهلة ووظيفة الذكاء الاصطناعي، فقريباً ستجد أن الآلات تقوم بكل عمليات البرمجة، يكفي أن تحدد لها المشكلة بأبعادها، وستجد لها حلاً.

    وقبل نحو سنة أدركت فولكسفاغن فداحة المشكلة التي تعانيها، وبعد أن فشلت في توظيف الكفاءات داخل ألمانيا، أقدمت على تلك الخطوة التي سمّيتها في البداية «التدمير الخلاق» للسيستم، فقد افتتحت جامعة 42wolfsburg في مدينة فولفسبورغ، مقر الشركة، لتخريج المواهب من المبرمجين، ومن دون شروط؛ نعم من دون أية شروط وبراتب شهري أيضاً. فلن يسألوك عن لونك أو عرقك أو جنسيتك أو دينك، أو المدارس التي ارتدتها، ولن يطلبوا منك شهادة، وليس مطلوباً معرفتك المسبقة بالبرمجة، أو الخبرة في هذا المجال، كل ما هنالك بعد أن تتقدم للتسجيل أنك ستشارك في لعبة أونلاين سيتعرفون من خلالها على قوة المنطق لديك وقدرتك على التعلم المستمر.

    وقبل أيام قليلة، رفعت وزارة العدل الأمريكية دعوى قضائية ضد شركة جوجل، متهمةً إياها بإساءة استغلال هيمنتها في البحث على الإنترنت بطرق تضر بالمنافسين والمستهلكين، ما يخنق بيئة الإبداع لدى الصغار، في وقت يحتاج فيه رأس المال لكل صوت مبدع مهما كان صغيراً؛ ليساعده على الخروج من الورطة التي وضع نفسه فيها. وهذه أول دعوى من نوعها ضد جوجل. وليس من المتوقع الخروج بنتائج حاسمة لهذه المعركة، لكنها بكل تأكيد ستكون طويلة ومستمرة ومزعجة للشركة التي تهيمن على البحث والإعلانات عبر الإنترنت، وستضطر في النهاية لتقديم تنازلات كما فعلت أخيراً، ورضخت لتقديم مليار دولار للناشرين بعد سنوات من المطالبات. لا يعد هذا كافياً طبعاً لكنها بداية جيدة.

    وصحافياً، بعد أن أعلنت شركة آبل قبل أيام أيضاً، عن هاتفها آيفون 12 الذي يدعم تقنية G5 – صحيح أن شركات أخرى سبقتها إلى ذلك، لكن انتشار هذه التقنية كان بطيئاً – سنشهد ثورة في الصحافة الرقمية في مجالين رئيسين: كيف نجمع الأخبار وكيف نقدمها. ويمكنك أن تتخيل الإمكانات التي تقدمها هذه التقنية مع مقدرتك للوصل إلى 4 جيغابايت في الثانية الواحدة! وفي نيويورك تايمز يعملون منذ سنة في مختبر خاص لاستكشاف إمكانات هذه التقنية. وفي بي بي سي قطعوا أشواطاً في تطوير ما يسمونه Object-Based-Media، حيث ستتحول غرف الأخبار كلياً عن الشكل الذي نعرفه الآن.

    إنها أوقات استثنائية وممتعة لمتابعتها، وبحق نحن مقبلون على عصر ما بعد الخيال، أو ربما صناعة الخيال ذاته!