المدونة

  • الفضول والألفة في الصحافة

    ما الذي يحدد جودة تصميم المواقع الإخبارية

    الآها.. ذاك الشعور الذي ينتابنا ما بين لحظة القلق التي نستشعرها لدى التعرض لشيء جديد ولحظة استيعابه وفهمه.

    في صيف دبي الملتهب عام 2004 بدرجات حرارة فاقت 46°، كانت الأجواء محمومة أيضاً في صناعة الصحافة الرقمية في العالم العربي. كان قد مضى على إطلاق الجزيرة نت نحو 3 سنوات كأول موقع إلكتروني رئيسي متفرد للأخبار باللغة العربية، مستفيداً من الاهتمام العالمي الذي حازته شاشة الجزيرة منذ عام 2001 لتغطيتها الحصرية للحرب على القاعدة في أفغانستان. في ذلك الصيف، تقرر إطلاق العربية نت بعد نحو عام من إطلاق قناة العربية ذاتها، كوِجْهة أخرى مختلفة عن هيمنة الجزيرة على اهتمام المشاهدين والقراء العرب، وصدف أن كنت جزءاً من تلك التجربة.

    حينه، اجتمع بنا رئيس التحرير د. عمار بكار -كان صاحب رؤية سبق أن خاض تجارب إخبارية رقمية أخرى، وكان لا يزال زملاؤنا الصحفيون في القناة ينظرون إلينا نحن الصحفيين الرقميين نظرة ريبة وشك- وقال إنه لا يريد خبراً؛ أي خبر، بدون صورة موضوعية. لم يكن الطلب عادياً. يكفي أن تلقي نظرة على تصميم الجزيرة نت حينئذ لتجد أن الصفحة الرئيسية للموقع كانت تضم صورة واحدة فقط للخبر الرئيسي. على عكس ذلك، الصفحة الرئيسية للعربية نت كانت تزدان بالصور؛ ليس ذلك فحسب، كان هنالك ألبوم الصور، والأسبوع في صور، وألبومات الكاريكاتير اليومية، والمواد التفاعلية البصرية التي كنت أعدها، وكلها بتقنية Flash Player. لقد كان احتفاءً لا يطاله الشك بمدى الإمكانات التي توفرها الصحافة الرقمية، وافتراقاً كاملاً عن الصحافة الورقية التي كانت تمثلها صحيفتا الحياة والشرق الأوسط، وسيكون للأمر تبعاته في السنوات الـ16 التالية.

    حدث الكثير منذ ذلك الوقت، وانتصرت الصور والفيديوهات على النص الذي كان -بشقيه المسموع والمقروء-عماد الصحافة على مدار بضعة آلاف السنين، إذا اعتبرنا الرواة الأوائل صحفيي العصور القديمة.

    مع ذلك، كان هنالك عنصر مفقود حال دون اكتمال مشهدية الصحافة الرقمية. عنصر مراوغ يصعب تلمّسه؛ مثل الثقوب السوداء التي يمكن مشاهدة آثارها في الفضاء، ولكن لا يمكن رؤيتها هي ذاتها. عنصر متجذرٌ في النفس البشرية، ورثناه مذ كان أسلافنا يتحلقون حول النار ليستمعوا ويستمتعوا بقصص ذاك الغريب القادم من الطرف الآخر من الجبل، بغض النظر عن شكلها -ورقياً كان أم رقمياً- ويسمى في علم النفس بـ aesthetic aha!؛ تلك الآها التي نطلقها -صمتاً أحياناً- عندما يعتصر الألم بطوننا رهبةً ومتعةً بما نقرأ أو نشاهد أو نسمع.

    حاول علم النفس الجمالي تفسير تلك الآها بأنها ذاك الشعور الذي ينتابنا ما بين لحظة القلق التي نستشعرها لدى التعرض لشيء جديد ولحظة استيعابه وفهمه؛ ذاك الفرح الغامر الذي يعتريك في حفلٍ مليء بالوجوه الغربية لحظة مشاهدتك لوجه صديق بينهم، ليس لأنه عزيز عليك -ربما كان كذلك- بل لأنه وجه مألوف بين حشد من الغرباء. في الواقع، إن معظم المستهلكين؛ بمن فيهم مستهلكو الأخبار، هم في الوقت ذاته neophilic – أي يتطلعون للأشياء الجديدة -وneophobic – أي يخشون الأشياء الجديدة – وأفضل المنتجات وأكثرها نجاحاً هي تلك التي تخلق معنىً بتزاوج الجديد مع القديم؛ الغرابة مع الألفة، إنها هندسة المفاجآت المألوفة التي ورثناها على مدار آلاف السنين. ويمكنك تخيل شعور الـ«آها» الذي كان ينتاب جدنا الأكبر عندما كان يميّز حيواناً مفترساً في إحدى غابات السافانا بأفريقيا؛ فحقيقة أنه يميّزه هي ذاتها حقيقة أنه لم يتحول حتى الآن إلى فريسة لذاك الحيوان! هذا ما نفتقده في «صحافتنا»؛ نفتقد إلى «جمال» المفاجآت المألوفة. ويدخل كتاب Hit Makers لديريك ثمبسون في الكثير من تفاصيل هذه الفكرة.

    على مدار قرون، حاول الفلاسفة والعلماء وضع نظرية تفسر لماذا الناس يفضلون شيئاً أكثر من آخر؟ أو بمعنى آخر: لماذا يرون عنصراً أجمل من عنصر آخر؟ فعند الإغريق القدماء كان الجمال يمكن قياسه كمياً بين «خبايا الكون المرئي»، بينما اعتنق آخرون تفسيراً صوفياً مبهماً بأن الرقم 1.61803398875 أو ما يسمى بـ«النسبة الذهبية» يمكنها أن تفسر جمال الزهور اليونانية والمعابد الرومانية، بل وحتى أجهزة آبل الحديثة. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، ذهب عالم الرياضيات جورج دافيد بيركهوف إلى حد اقتراح معادلة رياضية لكتابة الشعر: O = aa + 2r + 2m – 2ae – 2ce.

    لم يدخل الرأي العلمي هذا المجال إلا في العقود الأخيرة. ففي الستينيات، أجرى عالم النفس الاجتماعي روبرت زايونتس سلسلة من التجارب، وخرج بنظرية exposure effect وكان مفادها أن الناس يظهرون تفضيلاً تجاه شيء معين لمجرد أنهم يعرفونه أو لمجرد أنه مألوف لديهم. وتلت ذلك المئات من الدراسات التي توصلت إلى النتيجة ذاتها. ولعل المثال الأكثر وضوحاً لهذه النظرية هي صورنا الشخصية. هل أنت أيضاً مثلي تأنف صورك؟ حسناً، exposure effect تفسر ذلك بأن الشيء الأكثر ألفة لنا هي وجوهنا التي نراها يوميا في المرآة، وبما أن الوجه البشري غير متناظر قليلاً، فإن الصور الفوتوغرافية تعطينا دائماً نسخة واحدة لم نعتدها، لذلك نأنفها.

    قبل عام، نشرت جامعة أكسفورد بالتعاون مع معهد رويترز ووكالة فلامنغو للبحوث الاستراتيجية دراسة تحت عنوان: كيف يستهلك الشباب (18-34) الأخبار؟ وكانت إحدى أبرز النصائح التي تقدمها للمنصات الخبرية ألا تحاول لعب دور «الأب الـ cool»، فالمنصة الخبرية ليست منصة اجتماعية، ومحاولة التحدث مع الشباب بلغتهم مثل محاولة الأب الذي يحاول أن يبدو cool لكنه ليس كذلك. وفي هذه المرحلة عندما تفشل هذه المنصات الخبرية في اختبار يسمى في علم النفس Uncanny valley (الوادي الخارق للطبيعة) فإن النتائج تنقلب عكسية، وبدلاً من جذب القراء الشباب تصبح طاردة لهم.

    من حسن حظ المواقع العالمية الكبرى مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وول ستريت جورنال وفايننشال تايمز والغارديان وغيرها، أنها كانت بالأساس مؤسسات ضخمة قائمة، وعملية التحول إلى منصات رقمية تمت في ظل مقاومة وببطيء، لذلك اجتازت اختبار «الوادي الخارق للطبيعة» بنجاح؛ لأنها حافظت في مسار تطورها على تلك «الألفة» التي اعتادها القارئ مع الصحيفة الورقية. وحتى الآن تجد أنها حافظت في تصاميم صفحاتها الرئيسية على روح الصحيفة أو ما يمكن تسميته بروح Digital Migrants.

    ما حدث مع المواقع الخبرية العربية الرئيسية، إنها ولدت رقمية Digital Native وأدت دور «الأب الـcool»، فلم يتهيأ لها فرصة اجتياز «الوادي الخارق للطبيعة» بنجاح تام. ونادراً ما تجد في تصاميمها روح الألفة ذاك الذي يمنح القارئ «الثقة» في الصحافة التي يحتاج إليها الآن أكثر من أي وقت مضى.

    نعم، البشر كائنات معقدة؛ فهم فضوليون ومحافظون؛ متعطشون لأشياء جديدة ومنحازون للأشياء المألوفة. والألفة، كما يقول صاحب كتاب Hit Makers ليست النهاية. إنها مجرد بداية فقط.


  • في مديح الثقة

    كيف يستطيع الإعلام بناء الثقة

    تقوم حياتنا نحن البشر على مفهوم «الثقة» الذي لا يزال بمعظمه فلسفياً أكثر من كونه علمياً.

    الأشهر الأخيرة من عام 2016 التي تلت الانتخابات الأمريكية، شهدت صعوداً وتدفقاً لما اصطلح عليه بـ«الأخبار المزيفة» Fake News. والواقع أن المصطلح لم يكن سوى تسمية أخرى لـ«فن الكذب» الضارب في القدم. فمنذ فجر ظهور اللغة، استخدم البشر الكذب لأسباب شتى: للفوز في الجدل الدائر فيما بينهم، ولتحميل عبء المسؤولية على أكتاف الآخرين، ولممارسة الهيمنة عليهم.. إلخ. حتى في الترفيه، كان الكذب أحد أعمدته الأساسية؛ فالقصص التي أمضوا بها لياليهم الطويلة، كانت بمعظمها قائمة على ليّ الحقائق لجعلها مستساغة درامياً.

    الكذب في جوهره، هو تزويد الآخرين بمعلومات خاطئة. وكثيراً ما تكون عواقبه يسيرة، لكنها أحياناً كانت كارثية أفضت إلى إبادات جماعية. وإن كانت ثمة فضيلة للضجة التي أثارتها «الأخبار المزيفة» في السنوات الأخيرة، فهي أنها رفعت مجدداً من شأن «المصداقية»، حتى بات الناس يتناقشون أكثر من أي وقت مضى على مر التاريخ، حول أهمية تقويم “المعلومات” وتمحيصها قبل اتخاذ قرارات على أساسها، سواء تعلق الأمر باستخدام دواء، أو شراء سيارة، أو التصويت في انتخابات، أو حمل بندقية لتصفية أعداء مفترضين.

    وعلى الأرجح، سيشير الناس بعد قرون من الآن، إلى عصرنا هذا بكونه «العصر الرقمي»، كما نشير نحن إلى العصور السابقة بكونها العصر الحجري، وعصر الثورة الصناعية، وعصر التنوير. وكما كان عشرات الملايين يكسبون رزقهم من تعدين الفولاذ وقطع الخُشب وزراعة المحاصيل، فإن ملايين مضاعفة يكسبون رزقهم اليوم من البيع والشراء استناداً إلى المعلومات. لكن المشكلة تكمن في أن المعلومات ليس كلها لها مصداقيتها. ومن ثم، فإن التحدي الذي يواجهونه هو كيفية فصل المعلومة النافعة عن المعلومة الضارة؛ إنها مشكلة «الثقة»، أحد أكثر المفاهيم البشرية وضوحاً وغموضاً في الوقت ذاته.

    تقوم حياتنا نحن البشر على مفهوم «الثقة» الذي لا يزال بمعظمه فلسفياً أكثر من كونه علمياً (على اعتبار أن المعرفة تظل فلسفةً في أحد تعاريفها طالما ينقصها البرهان العلمي). فأنت تثق ضمناً أو صراحةً في المؤسسة المالية، وفي رب العمل وبزميلك في الشركة وبالناس الذي تتعامل معهم يومياً. من دون الثقة، لن تقبل الفواتير التي تصلك، ولن تتعامل بالعملة التي ليس لها قيمة بذاتها، ولن تذهب إلى العمل مقابل وعدٍ بدفع راتبك نهاية الشهر. وأنت مثلاً «تثق» بأن طفلك الذي أرسلته ليلعب مع أطفال الجيران لن يتعرض لأذى، وأنك لن تُقتل في حادث سير في أثناء قيادتك اليومية لسيارتك، وأن البناء الذي تسكنه لن ينهار فجأة، وأن البقّال لن يضع السم في الخضراوات التي اشتريتها توّاً، إلخ هذه السلسلة. من أين أتت هذه “الثقة” بأن كل ذلك لن يحدث مع أنها واردة، أليست كذلك؟

    وما الاضطرابات التي شهدناها في الأشهر الأخيرة خلال أزمة كورونا، ومظاهرات السود حول العالم، وحتى حملة مقاطعة الإعلانات التي قادتها البراندات العالمية ضد فيسبوك؛ سوى أحد مظاهر فقدان الثقة بالحكومات والمؤسسات بما فيها الإعلامية والرقمية.

    والثقة؛ على ندرتها، لم تكن موضوعاً بشرياً محضاً. فمن بين 8.7 مليون نوع بيولوجي عاش، ويعيش على الأرض، هنالك حفنة من الثدييات تعد على أصابع اليد الواحدة، التي تنسج «الثقة» مع خيوط علاقاتها الاجتماعية. في الواقع تتجلى الثقة بأبهى صورها لدى مجتمعات أخرى من غير البشر.

    عندما يصل الليل أوجه؛ ويحل الظلام دامساً، يخرج الخفاش مصاص الدماء في جماعات بالمئات بحثاً عما تيّسر من الدماء. وليست أي دماء؛ يريدها طازجة نقية عَرْفَة! فبأنفه الذي حباه الله ببعض حكمته يحدد أفضل موضع من الجلد، فيشقه بأسنان نبيلة في حدتها، حتى لا تكاد الفريسة تشعر بألمٍ، ليتدفق الدم قانياً رقيقاً بفعل لعابه الذي يعتبره العلماء أعجوبةً طبية في التمييع. وفيما يفعل ذلك كله، يدرك عميقاً في قرارة نفسه أنه لن ينام الليلة جائعاً، لأن مجتمعاته قائمة على «الثقة» بين أفرادها. يحتاج هذا النوع من الخفافيش كل 48 ساعة إلى ما لا يقل عن 20 غراماً من الدماء كي يبقى على قيد الحياة. وأمام معضلة ندرة الغذاء، طوّرت آلية الثقة فيما بينها. فعندما يفشل أحدها في الحصول على وجبة دم، فإن أفراداً في المجموعة يتبرعون بما يكفيه للبقاء على قيد الحياة.

    حسناً، ألسنا نحن البشر أولى بهذه الثقة العمياء!

    كصحفي، كنت أقف دائماً مشدوهاً أمام «الثقة»؛ أمام تلك “الطاقة” التي تدفعني يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر وسنة بعد سنة إلى قراءة نيويورك تايمز وواشنطن بوست.. إلخ. كيف جعلت هذه الصحف القراء يثقون بما تنشر؟ كيف جعلتهم قرّاءً مخلصين إلى هذا الحد في زمن يتسم بـ«الإرهاق الخبري» News Fatigue و«تجنب الأخبار» News Avoidance؟

    في أبريل 2018، أطلقت جوجل آناليتيكس خدمة مجانية للمواقع الخبرية أسمتها News Consumer Insights، وقد أطلقت النسخة الثانية الأكثر تطوراً قبل أسابيع. الخدمة كانت بسيطة في الواقع؛ فهي عملياً لا تقدم سوى نقطة في بحر البيانات التي تمتلكها، وتقوم على فرز القراء إلى فئات: قراء عابرون Casual Readers، وقراء مخلصون Loyal Readers، وعشّاق البراند Brand Lovers الذين يستهلكون الأخبار 90 ضِعْفاً مقارنة بالقراء العابرين؛ تخيل المكاسب التي يمكن حصدها بإطلاق العنان لهؤلاء! لكن الخدمة لا تقدم سوى تفاصيل صغيرة في الصورة الأكبر؛ فهي لا تجاوب على: متى يتحول القارئ العابر إلى عاشق للبراند، وكيف؟ والحال أن عملية التحول هذه تتم عبر عملية بناء إنسانية معقدة للثقة، على خلاف الخفافيش التي تعتمد على غريزتها.

    الصحافيون أدركوا جبروت «الثقة» منذ زمن بعيد، لذلك رفعوا وبإجماع شعار «الحقيقة أولاً»، لكنهم اختلفوا حول ما الذي تعنيه الحقيقة؟ وهنا يحضرني شعارا الجزيرة والعربية: الحقيقة الكاملة / وأقرب إلى الحقيقة، على التوالي؛ ليرسما وجهتي نظر مختلفتين في رؤية ما يُسمى بـ«الحقيقة.»

    وكان الصحفيون الأوائل؛ أولئك المراسلون في المجتمعات ما قبل الكتابة، مطالبين بالدقة والوثاقة في نقل المعلومات. فالأخبار التي يحملونها كانت مسألة حياة أو موت، لذلك كان القادة يحتاجون إلى المعلومة الدقيقة ما إذا كانت القبيلة المعادية على الجانب الآخر من التل تستعد للهجوم. لكننا نحن الصحفيين المحدثين سنتعلم أن “الحقيقة الصحفية” تعني أكثر من مجرد الدقة. سنتعلم أنها عملية فرز مستمرة تتم بين القصة بمعلوماتها الأولية، وذاك التفاعل فيما بين الجمهور وصنّاع الأخبار والصحفيين.

    وإن المبدأ الأول للصحافة – سعيها غير المتحيز نحو الحقيقة – هو في نهاية المطاف ما يميز الصحافة عن أشكال الاتصال الأخرى. فالحقيقة ليست كاملة أبداً، إنما في طور التشكل دائماً مع كل قصة جديدة.


  • لسنا وحدنا.. فالعالم مثلنا أيضاً

    الجهل المعرفي ينبع من طبيعة تركيبة أدمغتنا نحن البشر

    هل نحن محكومون بأوهامنا المعرفية إلى الأبد؟ للأسف نعم.

    فشلت وأنا أسير مع ابنتي ذات الـ8 أعوام باتجاه المنزل، في إيجاد حاوية أرمي فيها عقب سيجارة كنت أحمله في يدي. بحركة خاطفة مواربة عن الأعين، أرخيت ذراعي إلى الخلف قليلاً، ورميته قرب أعقاب سجائر أخرى تفرقت على الطريق أسفل جذع شجرة ممتدة إلى الأعلى. فبعد خطوات سأكون قد وصلت إلى الباب، وسأحتاج إلى يدٍ حرّة أسحب بها كمّ القميص لأغطي به الإبهام كعازل قبل الضغط على زر الجرس خوفاً من كورونا. في اليد الأخرى كنت أحمل حقيبة ثقيلة.

    ليتني لم أفعل.

    عادة؛ حسناً، ليس دائماً، أرمي أعقاب سجائري في ثقب الحاوية المخصص لها. لكن هذه المرة -هكذا فكرت- البيئة لن تنهار بسببها. بيري، وهو اسم ابنتي، التي لاحظت بطريقة ما ارتطام عقب السيجارة بالأرض وارتفاعه قليلاً مجدداً، ثم استقراره قرب أعقاب السجائر الأخرى، كان لها رأي مختلف! في الواقع، كان قناعة راسخة أكثر من كونه رأياً.

    – لماذا رميت سيجارتك على الأرض. أنت تدمر البيئة بهذا.

    – لم أنتبه، لقد سقطت من يدي.

    كذبتُ طبعاً، لأخرج من الموقف المحرج، فأنا أدرك أبعاد الحديث.

    – غير صحيح، رأيتك ترميها على الأرض! لا أدري لماذا يفعل الناس الأغبياء ذلك. أنتم لا ترحمون الأرض المسكينة.

    سكتّ. لا أعتبر نفسي غبياً، ولم أكن مقتنعاً تماماً بما تقول. لكن قفلت راجعاً إلى عقب السيجارة الذي كنا قد ابتعدنا عنه خطوات، التقطته بيدي وأريته لبيري قبل أن أدسه في جيب الجاكيت، قائلاً:

    – أنا آسف. لن يتكرر ذلك.
    – حسناً، هكذا أفضل.

    ستكبر بيري يوماً. ستذهب إلى الجامعة. ربما ستدرس أحد الفروع العلمية أيضاً. وستتعلم أن عقب سيجارتي ذاك هو أهون الشرور التي تُرتكب بحق البيئة. لكنها، على الأرجح، ستظل تغضب أكثر من أولئك الذين يرمون أعقاب سجائرهم قرب جذوع أشجار ترتفع إلى السماء.

    ما قالته بيري لم يكن -بطبيعة الحال- رأياً قائماً على معرفة بفداحة الأضرار التي تلحق بالبيئة، ولم يكن وجهة نظر فكرتْ فيها، وتمحصتها قبل أن تتحداني بها، بل كان تبنياً لـ«مانترا» (سنتحدث عن علاقتها بالصحافة لاحقاً) تَعَلَّمْتُه في المدرسة مع أصدقائها الآخرين. «مانترا» تضفي معنىً على حياتها الاجتماعية معهم. لا يهم مدى صحتها، بل تكفي تلك «الطاقة المعرفية» التي تشعر بها غريزياً كفرد بالانتماء إلى «معارف» الجماعة.

    كانت هذه الفكرة التي تُعرف أكاديمياً بـ وهم العمق التفسيري Illusion of Explanatory Depth، أو وهم المعرفة Knowledge Illusion، مثار بحث مسهب في مختبرات العلوم المعرفية Cognitive Science والبحوث التسويقية لفهم الطريقة التي يفكر بها البشر والكيفية التي يتخذون بها قراراتهم المختلفة في حياتهم اليومية.

    عام 2017 صدر كتابان Scienceblind لأندرو شتولمان و The Knowledge Illusion لستيفين سولمان وفيليب فيرنباخ، في عالم منقسم مستقطب سياسياً وعلمياً بين يمين محافظ يشكك في كروية الأرض والتغييرات المناخية ويسار ليبرالي يشكك في جدوى اللقاحات والأطعمة المعدلة وراثياً. الكتابان بحثا في مجالين مختلفين تماماً، لكنهما توصلا إلى نتيجة واحدة مفاجئة مفادها: الجهل المعرفي ليس سببه الأيديولوجيا والمعتقدات، بل ينبع من طبيعة تركيبة أدمغتنا نحن البشر.

    حسناً، جرّب أن تسأل صديقك الذي يجلس بجانبك، أو أحد أفراد أسرتك السؤال التالي: لماذا الصيف حار والشتاء بارد؟ سيكون الجواب القاطع في معظم الأحيان هو اقتراب الشمس من الأرض أو ابتعادها عنها. لعلك أنت أيضاً تعتقد ذلك. من أين جاءت هذه الإجابة؟ وكيف ترسخت في الأذهان لدرجة اليقين مع أنها خاطئة! (إذا كنت تعتقد أن السؤال صعب، يمكنك أن تجرب السؤال عن أشياء أبسط، ثم ابحث على جوجل لتعرف الإجابة التفصيلية الصحيحة).

    والحال أن فهمنا الناقص للعالم من حولنا، لا يقتصر على التفاصيل الصغيرة فقط، بل يمتد إلى حقيقة جلية مثل كروية الأرض. فما بالك إذاً بالقضايا الخلافية الأيديولوجية -ولا يهم إن كنت مؤيداً أم معارضاً- مثل الخلافة، أو الصحابة، أو الدولة، أو حقيقة صحيح البخاري، أو زواج المسلمة بغير المسلم، أو الحجاب، أو السنة والشيعة، أو أن الأكراد بشر لهم حق الحياة! وكلما ازداد الحماس passion تجاه قضية من هذه القضايا كلما ازداد “وهم المعرفة” لدى المنخرطين فيها.

    فما الذي يجري، وكيف تخدعنا أدمغتنا؟ الأمر ليس بالسوء الذي قد يبدو عليه. الأشخاص كأفراد لديهم قدرة محدودة جداً على معالجة المعلومات، وهذه القدرة في تراجع مستمر مع تزايد المعلومات التي تحتاج إلى معالجة ذهنية. فالصياد في العصر الحجري مثلاً، كان يعرف كيف ينتج ملابسه بنفسه، وكيف يبدأ ناراً من لا شيء، وكيف يصطاد أرنباً، وكيف يهرب من أسدٍ جائع. الآن، أنت كفرد تتوهم أنك تعرف أكثر مما كان يعرفه ذاك الصياد، لكن الحقيقة أن معارفك بحاجياتك في عالمك أقل بكثير من معارفه بحاجياته في عالمه. فنحن في عالمنا المعاصر نعتمد على خبرات الآخرين في تلبية جميع احتياجاتنا تقريباً.

    لكن في الواقع، نحن لا نعتمد على الآخرين في تلبية الحاجات اليومية فقط، بل نعتمد عليهم في التفكير أيضاً! فمن لديه الوقت مثلاً لقراءة «صحيح البخاري نهاية أسطورة» لرشيد أيلال والبحث في حججه لتفنيدها، عوضاً عن ذلك ستجد لدى آخرين يتبنون الـ«مانترا» التي تتبناها أنت، رداً جاهزاً يوفر مشقة التفكير، وهو أن «علماء الأمة أجمعوا أنه ثاني أصح الكتب إطلاقاً بعد القرآن الكريم،» مع أن الحقيقة تقول إن البخاري تعرض للتنكيل والاضطهاد من علماء عصره. علماً أن هذا حالنا جميعاً، بمن فيهم ابنتي بيري ، دون انتقاص من شأن أحد. فنحن كبشر مجبولون بالبديهيات مع أنها غير حقيقية، لأنها تساعدنا على التعامل مع البيئة اليومية بصورة عملية.

    وهذا ليس سيئاً بالضرورة، فاعتمادنا على التفكير الجماعي قد جعلنا سادة العالم، و«وهم المعرفة» يسّر لنا خوض غمار الحياة دون الدخول في وهم مستحيل آخر أنه يمكننا فهم كل شيء بأنفسنا. فالثقة بمعرفة الآخرين كانت دافعاً أساسيا لتطور البشرية.

    مع ذلك، فإن الاعتماد على وهم «معرفة الآخرين» له جانبه السلبي أيضاً. فالعالم أصبح معقداً أكثر من أي وقت مضى، ويفشل معظم الناس في إدراك مدى جهلهم بما يجري من حولهم، إذ يغلقون على أنفسهم في غرف صدى يرددون فيها ما يردده آخرون يشبهونهم.

    إذن، هل نحن محكومون بأوهامنا المعرفية إلى الأبد؟ للأسف نعم. هذا هو ملخص إجابة الكتابين. فمن غير المرجح أن تغير الحقائق طريقة تفكير الناس. وهذا ما انتبهت إليه أقسام التسويق في الصحف العالمية، وكانت بمثابة اكتشاف من الذهب الخالص.

    فـ Democracy dies in darkness كانت «مانترا» وصرخة حشد مذهلة أطلقتها واشنطن بوست لدفع المشتركين إلى الضغط على زر التسجيل، بخلق ذاك الشعور بالانتماء إلى «نادي المدافعين عن الديمقراطية المهدَّدَة.» ففي أجواء التنافس على الاشتراكات التي باتت الدخل الأساسي للصحف، والمناخ السياسي المكهرب عالمياً اندفعت المؤسسات الصحفية مثل نيويورك تايمز وفايننشال تايمز والغارديان وغيرها إلى رص الصفوف ليس خلف القيم التي تمثلها هذه الصحف إنما ضد الذي يهددون هذه القيم؛ حتى سُمِّيَت بـtribal subscription marketing أو التسويق العشائري.

    بهذه الاستراتيجية، استطاعت كل من نيويورك تايمز وواشنطن بوست أن تحققا عدد اشتراكات أكبر من كل الصحف المحلية (نيويورك تايمز 39% وواشنطن بوست 31% ومجمل الصحف المحلية 30% فقط).

    أمام كل ذلك، نجد أن المواقع العربية الكبرى، فشلت حتى الآن (بعكس الشاشات العربية الإخبارية) في خلق “مانترا” تجسد قيماً يتجمع حولها القراء، رغم أن منطقتنا هي الأكثر سخونة واستقطاباً ربما حول العالم. وبدلاً من القيم ذات العمر المديد، حشدت هذه المواقع قراءها حول معارك سياسية مؤقتة، علما أن الطرفين لديهما قيم أساسية كان الأولى أن تكون هي مكان التزاحم على قلوب القراء وأفئدتهم.


  • نحتاج إلى 3 بالمئة فقط لإحداث التغيير

    كيف يستطيع الإعلام إحداث التغيير

    القفز من منحنى قبيل انحداره؛ إلى منحنى آخر، يخلق الدفق الذي جعل الحضارة  تتقدم باستمرار.

    في 20 ديسمبر القادم، سيكون قد مرّ 8 سنوات على فيتشر نشرته نيويورك تايمز تحت عنوان Snow Fall يروي حكاية مجموعة من المتزلجين علقوا تحت انهيار ثلجي في سلسلة جبال كاسكيد غرب الولايات المتحدة، وستكون القصة قد حازت على جائزتي بوليتزر و«بي بادي» Peabody Award عام 2013، وسيكون العنوان قد بات فعلاً معتمداً في قاموس الصحافة الرقمية to snowfall، وسيُكتب الكثير الكثير احتفاءً بها منذ ذلك الوقت.

    القصة التي حظيت بـ3.5 مليون قراءة في الأسبوع الأول فقط من النشر في 20 ديسمبر عام 2012، لم تكن وليدة الصدفة المحضة. ففي لحظة معينة؛ لحظة تاريخية، أدرك الصحفي جون برانش، كاتب الفيتشر، أن ثمة شيء مختلف هنا، وأنه يحتاج إلى تفكير مختلف، مختلف تماماً عما سبقه، فاستغرق الأمر 6 شهور مع فريق متعدد الاختصاصات لإخراج القصة بالشكل الذي خرجت به. حتى أن الفريق اضطر إلى بناء سيستم آخر، خارج سيستم موقع نيويورك تايمز؛ لأنه لم يكن يرقى تقنياً لضخامة الفكرة المراد تنفيذها آنذاك.

    لم تكن أحداث القصة استثنائية، ولا أبطالها خارقون أو فوق العادة، ولم يكن بها «انفراد» بالمعلومة، أو اختراق صحفي، أو تسريب استخباراتي، أو ليكس لوثائق ممهورة بمهر القصر الجمهوري أو حتى وزارة الخارجية، لم يكن كل ذلك. بل كانت قصة إنسانية صدفَ أن وجد صحفي فيها شيئاً مختلفاً يمكن البناء عليه، فمنحته صحيفته الوقت والإمكانات، وأراد الجميع إحداث تغيير؛ تغيير كبير في الصحافة الرقمية، فكان له ذلك.

    الفكرة كانت بسيطة في جوهرها: وضع القارئ في مركز الاهتمام وجعله يعايش أحداث القصة، ومنحه فرصة النظر إليها من زوايا مختلفة؟ وهكذا، عبر وسائط مختلفة من نص وصور وفيديوهات وجرافيك وإعادة تركيب مشاهد كاملة، استطاعت نيويورك تايمز أن تنقل القراء إلى قلب العاصفة الثلجية بعد مرور 10 أشهر على حدوثها في 19 فبراير 2012.

    هذه الثيمة، في الواقع، تتكرر على مر التاريخ؛ عند كل مفترق حضاري، كان هنالك شخص مختلف، يفكر بطريقة مختلفة، ويريد إنجاز شيء مختلف، فيُحدِث التغيير الذي ينحدر في نهاية الأمر إلى نقطة الصفر، ولكي يستمر التطور سيحتاج إلى تغيير آخر! هذا التغيير الأخير يسمى Jumping the Curve (القفز من منحنى إلى آخر). فإذا اعتبرنا أن المنحنى-S له بداية ووسط ثم انحدار نحو النهاية، فإن القفز من هذا المنحنى قبيل انحداره؛ إلى منحنى آخر، يخلق ذاك الدفق الذي جعل الحضارة الإنسانية تتقدم باستمرار. التطور لم يكن يوماً تصاعدياً، بل قفزات من منحنى إلى آخر.

    إذاً، بعد خمسة أشهر من قصة نيويورك تايمز التي بدأت بهذا المنحنى، نشرت الغارديان في مايو 2013 قصتها Firestorm، فأتبعتها نيويورك تايمز بقصة أخرى The Jockey في أغسطس عام 2013، فردت الغارديان في نوفمبر من ذات العام بقصة NSA Files Decoded، وكانت هذه الأخيرة قد تطورت تطوراً هائلاً حتى بات يُطلق عليها، وبحق، اسم Digital Mega Story (القصة الرقمية العملاقة). إنها تلك القصص الاستثنائية في فكرتها، المديدة في عمرها، التي تثير رشقات إبداعية في بحرٍ من القصص المكررة المتشابهة؛ إنها برهان على حيوية الصحافة الرقمية.

    هذه القصص التي ألهمت تياراً كاملاً وجباراً في الصحافة العالمية، لم تُذكر إلا نادراً في أدبيات الصحافة العربية التي تعيش ربما أصعب عصورها. فرغم كرم الأموال التي تصرفها المؤسسات الإعلامية العربية على منصاتها الرقمية، إلا أنها لم تدخل عملياً عصر الصحافة الرقمية الحقيقية، ما عدا بعض التجارب المحدودة التي يُعتد بها هنا وهناك، لكنها لم تتحول إلى تيار.

    أين تكمن المشكلة؟

    المشكلة ليست في أننا كصحفيين لا نملك المهارات الكافية؛ فثمة أسماء تُرفع لها القبعات. ولا هي بسبب الرواتب الضعيفة كما يقال؛ فمعظم المؤسسات الكبيرة تدفع رواتب يحلم بها أي صحفي في الغرب. وهي ليست بسبب أن الصحافة لدينا ليست صحافة كما يُشاع. وهي أيضاً ليست بسبب المؤسسات الإعلامية التي تقدمت كثيراً حتى بتنا نختبر تقنيات Immersive Journalism، على شاشات العربية والجزيرة.

    حسناً، في عام 1909 التقى ستة من ألمع رجال العصر في اجتماع مغلق بجامعة كلارك في ماساتشوستس ليتباحثوا في فكرة ستغزو فيما بعد «العالم الجديد» على مدار قرن كامل تقريباً، وهي أن الدماغ تحركه قوى شعورية مظلمة ليس للبشر إلا سيطرة قليلة عليها تكاد تكون منعدمة تسمى «اللاوعي»، وأن الوعي واللاوعي في صراع أبدي يغذيه دوافع كالطاقة الجنسية التي تكبحها الأخلاق المغروسة اجتماعياً، فتُنفِّس عن نفسها في زلات اللسان والأحلام والاضطرابات العصبية إلخ. كان على رأس تلك المجموعة المحلل النفسي سيغموند فرويد وعالم النفس جي ستانلي هول والفيلسوف ويليام جيمس وعالم النفس السويسري كارل يونغ وطبيب الأعصاب البريطاني إرنست جونز.

    لكن أبحاث الدماغ الحديثة، اكتشفت جوانب جديدة كلياً في العقل البشري تفيد بأنه «عقل تنبؤي» مبرمج آلياً. وعلى عكس النسخة الفرويدية في أن الوعي واللاوعي في صراع أبدي، فإن العمليات اللاوعية، بحسب نظرية العقل التنبئي، تعمل بتناغم كبير مع إدراكنا الواعي لتوفير طاقة الجسم. فالهدف الأعلى للتفكير هو ألا تفكر؛ وعقولنا لا تسعى إلى المزيد من الوعي، إنما العكس، فهي تسعى إلى إبقاء عمليات الوعي في حدها الأدنى واستخدام القيادة الذاتية -مثل الطيار الآلي- بدلاً من ذلك. هل مر معك أنك تقرأ نصاً بشكل صحيح، رغم أن به أخطاء لغوية؟ نعم، إنها القيادة الذاتية للدماغ.

    فرغم الوفرة الغذائية التي نعيشها في عصرنا الحديث، إلا أن ملايين السنين من الجوع والمجاعات وأخطار المجهول جعلت أجسامنا تقتصد في صرف الطاقة، وتخزن كل ما يزيد. ويكفي أن تعلم أن الدماغ الذي لا يشكل سوى 2٪ من وزن الجسم الكلي، يصرف 20٪ من الطاقة التي يصرفها الجسم. لذلك كان الدماغ أكثر عضو في الجسم، وأشدها مكراً في عدم صرف الطاقة بعدم التفكير؛ إنما استغلال تراكم الخبرات السابقة في القيادة الآلية. وعالمياً، فإن 3 أشخاص فقط من كل مائة شخص يفكرون بطريقة مختلفة، وأن 95٪ من حياة كل فرد قائمة على القيادة الآلية.

    والحال، أن كثيراً من عمليات التغيير -التفكير المختلف- تُجابه بمقاومة فطرية ونظريات المؤامرة، فهي قد تفضي للهلاك بحسب غريزة البقاء الضاربة في القِدَم! لذلك يميل الناس عموماً إلى التفكير داخل الصندوق، لأنها الأقل صرفاً للطاقة. وعندما تحتدم الأمور، وتستعصي أحد المشكلات على الحل، تراهم يتداعون للتفكير خارج الصندوق.

    أين الحل إذاً؟

    نحتاج أن نفكر خارج الصندوق.

    هذه الإجابة ليست جاهزة ومكررة كما قد تعتقد.

    واقعياً، مر زمن طويل في عمر التطور التكنولوجي، منذ أن نشرت نيويورك تايمز قصتها تلك. وما كان يستغرق عدة أشهر في ذلك الوقت، يستغرق الآن بضعة أسابيع أو حتى بضعة أيام. فالتطورات التكنولوجية والأدوات الجديدة والعديدة التي توفرها، فتحت آفاقاً واسعة للتفكير في أشكال الكتابة الصحفية. مَنْ منا كان يعتقد أن مادة صحفية كتبت على شكل رسائل واتس آب، ستلقى الاحتفاء كله الذي لاقته هذه القصة التي نشرتها صحيفة التايم عن أسرة سورية لاجئة Heln’s First Year، أو هذه القصة التي نشرتها نيويورك تايمز عن فتيات خطفتهم حركة بوكو حرامKidnapped as Schoolgirls by Boko Haram، أو هذه القصة التي نشرتها الغارديان the Internet but not as we know it، جميعها تعتمد الحد الأدنى من «النص» الذي هو أصعب عنصر في القصة الصحفية، وتقدم تجربة فريدة، ومؤثرة في القارئ.

    تخيل كم الجهد الذي يمكن توفيره بإخراج الصحافة من ربقة النص، ومدى السهولة في تحريك المراسلين الذين تنقصهم غالباً خبرة الكتابة الصحفية الجيدة، لإنتاج مواد بصرية بدلاً من نصوص ضعيفة، وتيّسر عليهم صعوبة الوصول إلى المعلومات الرسمية، بالتركيز على قصص الناس اليومية، ومدى التجربة الغنية التي ستقدمها للقارئ الذي سيجزيك مقابل كل ذلك.

    السنة الماضية، حاولت أن أستكشف هؤلاء الـ3٪ الذي يستطيعون التفكير خارج الصندوق، ضمن فريق كان يعمل معي، وأنشأنا مختبراً إعلامياً سميناه Mobile Lab؛ نعم مختبر مثل المختبرات الطبية أو المختبرات العلمية. وبدأنا على مدار 3 أشهر بوضع أرضية مشتركة للتفاهم وتأسيس المنطلقات وتحديد بعض المشكلات التي استعصت عليها الحلول، وأجرينا بعض التجارب العلمية واختبارات A/B، وطرحها على القراء وقياس ردود أفعالهم. التجربة لم تستمر لأسباب عديدة أولها ما ذكرناه آنفاً المقاومة الغريزية لمحاولة التغيير.

    ما نحتاج إليه هي تلك المختبرات الإعلامية التي باتت منتشرة في مؤسسات إعلامية حول العالم منذ سنوات، وأن نعزز ثقافة عدم النظر إلى محاولات التغيير على أنها صرف للطاقة. لقد أدركت هذه المؤسسات منذ زمن قوة هؤلاء الـ3٪ في القفز فوق المنحنيات.

    الأمر ليس سهلاً حقاً، لكنه يستحق المحاولة.


  • لا يكفي أن تكون صحفياً

    صعود معيار عدد الزيارات للمواقع الإلكترونية وسقوطه

    الصحفي الجيد مثل العازف الجيد، عليه أن يعرف أين يضع إصبعه.

    في أحد أيام عام 1942 ناول ألبرت آينشتاين أوراق الامتحان إلى طلابه في جامعة أكسفورد، وبينما كان يسير نظر إليه مساعده وسأله باستغراب:

    – «دكتور آينشتاين، أليست أسئلة الامتحان التي ناولتها لطلابك قبل قليل هي ذاتها أسئلة امتحان السنة الماضية؟»

    – «نعم، نعم، هي ذاتها بالضبط»، أجاب أينشتاين.

    – «لكن دكتور آينشتاين، كيف تفعل ذلك!»، قال المساعد.

    – «حسناً،» أومأ آينشتاين برأسه «لقد تغيرت الأجوبة.»

    خطرت ببالي هذه القصة عندما تذكرت النقاش المرير، والطويل، الذي خضته قبل نحو سنة مع زملاء لي حول جدوى أحد أشهر المقاييس استخداماً في المواقع الإلكترونية؛ وهو عدد القراءات أو ما يُعرف بالـ Pageviews.

    فمنذ إطلاق جوجل أناليتيكس في نوفمبر 2005، بات هذا الـ Pageview مقياساً أساسياً لأداء المواقع الإلكترونية التي كانت تبحث عن قراءات أكثر لتحقق أرباحاً إعلانية أكبر. النتائج كانت مدمرة. فقد نشأت مزارع المحتوى Content Farm التي كانت «تفرّخ» المقالات مثل مزارع الدجاج، وتراجعت النوعية ليحل محلها الـ Clickbait أو المحتوى المضلل، وباتت الحاجة إلى الصحفيين الحقيقيين في أدنى مستوياتها طالما أن أي شخص يمتلك مهارة النسخ واللصق قادر على القيام بالمهمة، ووجدت جوجل نفسها في ظل 3.5 مليار عملية بحث يومياً تصرف أموالاً طائلة (7 مليارات في عام 2013) على خوادم تضم كماً هائلاً من المحتوى الذي لا يضيف قيمة عند القراء.

    بعد 15 سنة من عمر جوجل أناليتيكس لا يزال السؤال الأساسي لدى المواقع الإلكترونية هو ذاته: كيف نحقق الأرباح؟ لكن الإجابة، حسناً، لم تعد هي بالضبط؛ لقد تغيرت.

    في عام 2017 حدث شيء غريب. انطلقت حركة عالمية تحت اسم #MeToo بعد أن نشرت نيويورك تايمز ونيويوركر قصة هارفي وينشتاين الذي استغل منصبه لإقامة علاقات جنسية مع ممثلات شهيرات، وحازت القصتان حينها على جائزة بوليتزر، لكن لدى البحث عن هذه القصة على محرك جوجل كان يظهر في المرتبة الأولى تقرير شارح نشرته بي بي سي. لم يكن الأمر منطقياً.

    منذ ذلك الحين، وحتى اليوم، تغيرت خوارزميات جوجل كثيراً، إذ أضافت معايير النوعية والفرادة والأصالة على سلم الأولويات. وتغير معها جوجل آناليتيكس وسلوك القراء على الإنترنت، وتغيرت المواقع العالمية أيضاً. لكن المواقع العربية الكبرى ظلت أسيرة عدد القراءات، فإجابتها على السؤال القديم هي ذاتها الإجابة القديمة، إلا أنها أضافت ثنائية جديدة ليصبح فك الأسر شبه مستحيل: فأما الانتشار (Pageviews) أو التأثير (Quality)!

    وكان آخر تحديث كبير على جوجل أناليتيكس قبل نحو أسبوعين عندما أعلنت باقة جديدة من التغييرات تركز فيها على «التجربة الإيجابية» التي تمنحها المواقع لقرائها، وليس عدد القراءات التي يمنحها القارئ للموقع. وبذلك بات الـUser Experience في مركز الاهتمام.

    أدركت المواقع العالمية باكراً هذا الأمر، وغيرت استراتيجياتها منذ سنوات، والآن تقطف الثمار إذا علِمْتَ أن الغارديان مثلاً وصلت إلى 2.17 مليار قراءة في فبراير الماضي، ومثلها تقريباً نيويورك تايمز (1.2 مليار) وواشنطن بوست وفايننشال تايمز وول ستريت جورنال، رغم أن هذه الصحف، ما عدا الغارديان، تعتمد استراتيجية الخدمة المدفوعة، وليس عائدات الإعلانات من عدد القراءات المجانية. بينما متوسط المواقع العربية الإخبارية (وليست الترفيهية) تصل إلى نحو 50 مليون قراءة.

    كيف فعلت هذه المواقع ذلك؟

    لقد استثمرت في القارئ، واكتشفت العادات Habits والأنساق patterns التي تتحكم في سلوكه، وكان هذا جوابها الجديد على السؤال القديم.

    الأمر ليس سهلاً كما قد يبدو لأول وهلة. فمعظم المنصات التي تحلل بيانات المستخدمين؛ مثل جوجل أناليتيكس، و«تشارت بيت» و«بارسلي» وغيرها الكثير، تقدم في الواقع هذه البيانات مجردة من سياقها الفعلي. ونادراً ما يستطيع القائمون على المواقع الإلكترونية تحويل هذه الأرقام إلى خطوات عملية. فهي تعطي مؤشرات عامة على الأداء، لكنها لا تشرح ما الذي يجري عند القارئ؛ تبين أي مادة حازت على قراءات أكثر، لكنها لا توضح لماذا حازت على هذه القراءات. فكيف وصل القارئ إلى هذه المادة؟ وما الذي لفت انتباهه؟ هل هي الصياغة أم الصورة أو ربما توقيت النشر، لعلّه العنوان؟ كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير، يحاول الصحفي الإجابة عليها بحدسه؛ فيصيب مرة ويخيب مرات.

    لم تكن علاقتي جيدة يوماً مع الأرقام. وأحسب أن معظم الصحفيين مثلي. فأنّى لنا أن نستطعم ذلك المعنى المتعالي / الصوفي / الكوني فيها؛ نحن الذين هربنا من الرياضيات والفيزياء والهندسة والجبر إلى دراسة الفروع الأدبية. لكن الأرقام متعالية transcendental، لا يُفهم معناها إلا بعمل زوم آوت ومشاهدة تلك الخيوط التي تربط فيما بينها. وهذا ما يفعله بالضبط محللو البيانات، وعلماء الرياضيات طبعاً.

    قبل نحو 800 عام، نشر الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي كتاباً أسماه «ليبر أباتشي» (كتاب الحساب) مستلهماً الأرقام العربية التي تعرّف إليها في مدينة «بجاية» الجزائرية حيث كان لوالده تجارة هناك. وأورد فيها متتالية عرفت فيما بعد بـ«متتالية فيبوناتشي» حيث إن كل حد في هذه المتتالية هي مجموع الحدين السابقين: 1-1-2-3-5-8-13-21…… استخدمت هذه المتتالية فيما بعد في الأسواق المالية وخوارزميات الكمبيوتر، وحتى في العلوم البيولوجية، فمثلاً الزهور جميعها تتبع هذه المتتالية في عدد أوراقها، لا تجد زهرة بـ 4 أو 6 أو 9 أوراق مثلاً، والكثير من الأشياء الأخرى في كوننا الفسيح. ويكاد المرء يقف صامتاً في حضرة ذلك الهارموني الذي تتحرك فيه أسراب الطيور أو الأسماك، أو تلك الإضاءة المتناغمة التي تطلقها عشرات آلاف حشرات اليراع من بطونها في إيقاع كوني متعالٍ صوفي تضاهي بجمالها لوحات فان كوخ ورنوار ومونيه. حسناً، لقد وجد العلماء أن كل ذلك يسير بحسب أنساق ومعادلات رياضية، من حركة الذرات إلى تشكل المجرات. فمتى تعلمت كل هذه المخلوقات الكونية الرياضيات!

    في الواقع، نحن أيضاً كمستخدمي الإنترنت، لدينا هذه الأنساق، وهذه المعرفة اللاواعية بالرياضيات التي تتحكم في سلوكنا. ويمكنك تخيل المعادلة الرياضية المعقدة التي تستخدمها دون أن تدرك ذلك، لالتقاط كرة بقدميك في المكان والزمان الصحيحين: y = (v/u) x – (x^2/2u^2) x^2، هذا ما استثمرت فيه مواقع مثل نيويورك تايمز التي أطلقت Project Feel لتتنبأ بالشعور التي ستنتاب القراء لدى قراءة مادة ما، وفرضت على المعلنين الذي يريدون أن ترتبط منتجاتهم بشعور معينة أسعاراً تعادل عدة أضعاف الأسعار العادية، وProject Habit الذي أطلقته وول ستريت جورنال، واستطاعت من خلاله التعرف إلى عادات القراء وتحويلهم إلى مشتركين دائمين في الصحيفة، ومشروع Quality Read الذي أطلقته فايننشال تايمز للاحتفاظ بالمشتركين لأطول فترة زمنية ممكنة، وغيرها من المشاريع التي أطلقتها واشنطن بوست والغارديان على مدار السنوات الماضية، وكان لها مفعول السحر في أعداد المشاهدات التي ذكرناها سابقاً.

    وأولئك الذين يعزفون على إحدى الآلات الموسيقية، يعلمون تلك المساحات المحسوبة بدقة هندسية متناهية بين العلامة الموسيقية ونصف العلامة وربع العلامة لتخرج تلك النغمات التي تستسلم لها أرواحنا. والصحفي الجيد مثل العازف الجيد، عليه أن يعرف أين يضع إصبعه.