٢. تحرير الجملة

٢. تحرير الجملة

في هذا القسم، نلقي نظرة فاحصة على النحو واللغة والأسلوب.

وأنت تكتب نصَّكَ، سواء أكان تقريراً أم قصةً، اعرفْ:

  • ما تقوله كل جملة
  • وما لا تقوله
  • وما الذي تلمّح إليه ضمناً

الأصعب بين النقاط الثلاث هذه، معرفة ما تقوله كل جملة فعلياً، وليس ما يتخيله عقلك أنها تقوله.

لماذا التركيز على الجُمَلِ، وليس التقرير أو القصة ككل؟ لأن عملك بصفتك كاتباً هو بناء الجمل؛ معظم وقتك ستقضيه في إنشاء الجمل في عقلك. هذه هي حياة الكاتب.

اجعل جملك قصيرة. قصيرة بما يكفي لخلق التنوع في أطوالها. واترك مساحة بينها، لتفسح المجال لما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه. فالقارئ يعرف ما لا تستطيع الكلمات قوله.

وأقصد بالمساحة، ذاك الفراغ الأبيض (الرمادي في حالتي هذه) بين فقرة وأخرى

يستفيض الكاتب والصحفي فيرلين كلينكنبورج حول ذلك في كتابه الأخّاذ: Several Short Sentences About Writing.

انظر كيف تقوم كل جملة بدورها، وتغادر في هذا التقرير من «واشنطن بوست»، الذي أرَّخ للحظة لم تشهد أمريكا مثيلاً لها في تاريخها الحديث. التقرير فاز بجائزة بوليتزر لعام 2022.

مطلع تقرير «واشنطن بوست» عن اقتحام الكونغرس

بينما كان الرئيس ترامب يقول للحشد الهائم أمام البيت الأبيض ألاّ يقبل الهزيمة أبداً، اقتحم أنصاره بالمئات مبنى الكونغرس الأمريكي في خطوة ترقى إلى محاولة انقلابٍ أَمَلاً في إِبطال نتائج الانتخابات التي خسر فيها. في معمعة الفوضى، أُصيبت امرأةً بطلق ناري، بحسب المسؤولين، وقُتلت على يد شرطة حماية الكونغرس.

مشهد العنف هذا الذي أثاره إلى حد كبير لهجة الرئيس التحريضية، كان غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث، ما أوقف فجأة عملية إقرار الكونغرس فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية.

بِسَارياتٍ تحمل أعلام ترامب الزرقاء، اقتحم الحشد الهائج الذي تزايدت أعداده مع الوقت ليصل إلى الآلاف، أبوابَ مبنى الكونغرس ونوافذه، وشقّوا طريقهم بالقوة، متجاوزين رجال الشرطة الذين كانوا غير مستعدين لهكذا هجوم. النواب كانوا قد أُخْرِجوا من المكان قبل وقت قليل من مواجهة مسلحة جرت عند مدخل قاعة مجلس النواب. المرأة المصابة نُقلت بسرعة إلى سيارة إسعاف، بحسب الشرطة، وتوفيت في وقت لاحق. أُطلقت قذائف الغاز المسيل للدموع على الأرضية الرخامية البيضاء للقاعة الكبيرة المستديرة، وعلى درجات المبنى، رفع مثيرو الشغب أعلام الكونفدرالية.

«يو إس إيه! يو إس إيه!» أنشد الحشد الذي أراد تخريب ديمقراطيةٍ عمرها 244 عاماً

Washington Post · (بوليتزر 2022 – Public Service) · تاريخ النشر 7 يناير/كانون الثاني 2021

تحليل النص

الجملة الأولى تُعد طويلة بالنسبة إلى مطلع تقرير: 34 كلمة. تتبعها جملة قصيرة بـ 15 كلمة. هذا النمط والإيقاع في الجمل: طويل / قصير، يجده الكثير من الكُتّاب أداة فعالة لإضفاء الحيوية على النص.

تكاد لا تلاحظ التسلسل الزمني للأحداث: ترامب يقول شيئاً، أنصاره يفعلون شيئاً، مقتل شخص ما.

هذا التسلسل مهم في كتابة التقارير الإخبارية. لكن انظر إلى كيفية بناء الفقرة كاملة: يبدأ بشبه جملة (بينما كان الرئيس..) وهذا غير معهود في كتابة الأخبار عالمياً رغم انتشاره عربياً. بهذه التركيبة يجعل «لهجة ترامب التحريضية» أقل أهمية من الفوضى والعنف اللذين أفضت إليهما. وتجد أن الخبر المهم (الهجوم) جاء في الجملة الرئيسية (اقتحم أنصاره..). مقتل المرأة -رغم أهميته- لم يأتِ في الجملة الرئيسية، لكن الكاتب استطاع أن يضعها في موقع بارز: في نهاية الفقرة.

انتبه أيضاً كيف يستخدم الكاتب كلمات: اقتحم، محاولة انقلاب، إبطال نتائج الانتخابات. ويظهر انحيازه للمؤسسات التي بناها الشعب الأمريكي بالعرق والدم ضد أولئك الذين يريدون تخريبها الآن.

مشهد العنف هذا الذي أثاره حد كبير لهجة الرئيس التحريضية، كان غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث، ما أوقف فجأة عملية إقرار الكونغرس فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية.

ثمة الكثير يجري في الفقرة الثانية التي هي أيضاً جملة واحدة طويلة 30 كلمة، وبها جميع عناصر الخبر: 1. مشهد عنف في الكونغرس، 2. أَثارَه الرئيس، 3. حدث غير مسبوق، 4. خلفيات: وقف إقرار فوز بايدن.

الفقرة الثالثة تتكون من أربعة جمل مليئة بالأحداث. ومن وجهة نظر تقنية، تشكل هذه الجمل نوعاً من سرد يحلِّق بالقارئ فوق المكان ويجعله يرى بعين عقله ما كان يجري هناك.

ورغم النصيحة الدائمة باعتماد صيغة المبني للمعلوم والابتعاد عن المبني للمجهول التي لا تبدو مريحة في اللغة العربية ـ فإن الأفعال: أُخْرِجوا، نُقلت، أطلقت، تضفي حيوية على النص لا تقل أهمية عن الأفعال المبنية للمعلوم: اقتحم، شقوا طريقهم، رفع.

«يو إس إيه! يو إس إيه!» أنشد الحشد الذي أراد تخريب ديمقراطيةٍ عمرها 244 عاماً.

لعل هذ الجملة الأخيرة هي الأقوى، ربما بسبب إيجازها. إنها جملة سردية بنوع من المقابلة تنشأ عند تجاور شيئين لا يتناسبان مع بعضهما «تخريب ديمقراطيةٍ». وعبارة «يو إس إيه!» (الولايات المتحدة الأمريكية) لديها تأثير الحوار. فهي ليست اقتباساً مباشراً، بل عبارة منطوقة يسمعها القارئ، لتنقله إلى المكان والزمان المعنيين.

مخطط تحرير الجملة

كثيراً ما نجد قصصاً حبكاتها جيدة، وشخصياتها قوية، وقادرة على إثارة المشاعر، لكن صياغة الجمل غير متقنة؛ تدفن الأكشن والصور الحية بين ركام الحشو، والإسهاب، والجمل الفضفاضة التي توقف عجلة دوران القصة.

يقوم تحرير الجملة على التحقق من بناء الجملة لغوياً، ومن حيث الأسلوب.

تغطي الأسئلة في مخطط «تحرير الجملة» خمسة مجالات:

  • بنية الجملة الديناميكية
  • الكلمات القوية: الأسماء والأفعال
  • اللغة
  • النبرة والأسلوب والصوت
  • الحوار الجيد.

بنية الجملة الديناميكية

  • هل جملك متنوعة؟ حيوية؟ واضحة؟ تختلف في الطول؟ بها إيقاع؟ موسيقى؟
  • هل تتضمن تفاصيل ملموسة؟ تفاصيل متغايرة Contrast؟ وثيقة الصلة بموضوع قصتك؟
  • هل تصف جملك الشخصية؟ المكان أو المحيط الذي تدور فيه القصة؟ العواطف؟ تحرك الأكشن؟ تقود القصة؟
  • هل تجعل القارئ يرى بعين عقله؟
  • تحقق من الأخطاء الإملائية والنحوية وعلامات الترقيم.

الكلمات القوية: الأسماء والأفعال

  • هل أفعالك مبنية للمعلوم وليست مبنية للمجهول إلا عند الضرورة؟ هل تعبر عن الأكشن؟ عن الحركة؟ الشدّ والتوتر؟
  • هل الأسماء حيوية وملونة ومحددة؟ هل تصف الشخصية؟ مكان القصة أو محيطها؟ تخلق صوراً في ذهن القارئ؟
  • استبدل الأفعال الضعيفة والعبارات الحالية والظرفية بأفعال أكشن قوية.
  • استبدل الأسماء المجردة والغامضة بأسماء وصفية ملموسة.

دع الأسماء والأفعال تفعل فعلها.

اللغة

  • هل اللغة محددة؟ زاهية؟ بصرية؟ سهلة القراءة؟ تروق للحواس؟ العواطف؟
  • هل اختيار الكلمات واختيار التفاصيل يساعدان القارئ على تخيل مكان القصة ومحيطها؟ على فهم الشخصية؟ على التعاطف مع الشخصية الرئيسية؟ على تخيل الأكشن ومشاهدته بعين العقل؟
  • هل تضيف الألفاظ المقيّدة الحيوية على نصك؟ هل يتم استخدامها باعتدال؟
  • هل الانتقالات سلسة؟ واضحة؟ تدفع القارئ إلى الأمام؟
  • هل العبارات الملطّفة: الرطانة والإطناب، المترادفات، الكليشيهات، تشوش النثر؟
  • تخلّص من الإسهاب، والحشو، والكتابة المنمقة، والكتابة المذيلة بالحواشي.

كن واضحاً، كن آسراً، كن ملموساً

النبرة والأسلوب والصوت

  • هل اختيار الكلمات والتفاصيل المساعدة/الداعمة يضفي قِواماً Texture وجوّاِ مميزاً للقصة؟
  • هل النبرة متسقة (ساخرة، فكاهية، رسمية، غير رسمية، إلخ)؟ هل هي مناسبة للقارئ المقصود؟
  • هل «صوت السرد» Narrative Voice لديه قوة إقناع؟ هل يتدفق بسهولة؟ هل يأسر خيال القارئ؟
  • هل هناك انتقالات غير مناسبة في النبرة أو الأسلوب أو الصوت؟
  • تحقق من عدم وجود أخطاء في الأسلوب مثل الإسهاب، والحشو، والكتابة المنمقة، أو المذيلة بالحواشي.

الحوار الجيد

  • هل يكشف الحوار عن الشخصية؟ ينقل معلومات؟ يمهد لما سيأتي تالياً؟
  • هل ينطوي على معنى ضمني أو مجازي؟ إشارات فطنة؟ ظلال معاني؟ بمعنى آخر، هل يخدم الحوار أكثر من هدف؟
  • هل الحوار دقيق أكثر من اللازم؟ فالشخصيات المثيرة للاهتمام، كحال الناس جميعاً، تكذب وتتهرب وتسيء الفهم وذكرياتها انتقائية وتختبئ وراء الكلمات، وتقول شيئا وتعني شيئا آخر.
  • هل تتحدث الشخصيات بواقعية، تقاطع بعضها بعضاً، وتتحدث لغايات متقاطعة، وتكرر الكلمات المفتاحية، وتقول أنصاف الجمل، إلخ؟ هل يبدو الحوار طبيعياً؟ وتحادثياً؟
  • هل لدى الشخصيات انتقالات غير مناسبة في طريقة الحديث؟
  • هل يمكن إحكام الحوار؟ جعله أكثر فعالية؟ أكثر إثارة للاهتمام؟
  • هل من الممتع قراءته؟

هل جملك متنوعة من حيث الطول؟ بها إيقاع؟ موسيقى؟

الجمل القصيرة تخلق الشدّ والتوتر:

  • فُتِح الباب.
  • نار!
  • موت في ثوب أحمر.

الجمل الأطول ترسم الحالة النفسية، تخلق الصور، وتضبط الإيقاع:

داخل السيارة، كانت جو روجرز وبناتها في طريقهن للنجاة بأنفسهن. غادروا المزرعة تاركين خلفهنّ نوّاب الشريف والمستشارين والمحامين، بحثاً عن مكان دافئ وآمن؛ مكان يمكنهم الاختباء والنسيان والعثور مجدداً على ذواتهن المفقودة.

هل تكشف الجُمل التفاصيل؟ أن تصف مثلاً مكتبة «الشخصية الرئيسية» في قصتك بأنها تعوم بالفوضى، سيكون وصفاً مجرداً وغامضاً. بدلاً من ذلك، استخدم تفاصيل محددة: أوراق مكوّرة مبعثرة هنا وهناك، منفضة تطفح بأعقاب السجائر، ومسدس على المكتبة، فهذه الأشياء تكشف عن الشخصية، وتشد اهتمام القارئ.

توم وولف، الصحفي الأمريكي، صاحب البذلة البيضاء صيف شتاء، كان أحد أكثر من أتقنوا كتابة الجملة الطويلة، بخاصة في مقالته المعنونة بـ A Sunday Kind of Love:

توم وولف
توم وولف

«A Sunday Kind of Love» — توم وولف

الحب! عطر الشهوة معلقاً في الهواء! الساعة 8:45 من صباح الخميس في محطة مترو IRT، عند تقاطع شـارعي الخمسين وبرودواي، وثمة صبي وصبية يتعانقان، وقد تشـابكت أيديهما وأرجلهما كنسيج «هارينغبورن» الصوفي، مما يثبت، بدون شك، أن الحـب فـي نيويورك لا يقتصر على يوم الأحد فقط.

على عكس التوقعات كلها! تنبثق الوجـوه فـي كتل خارجـة مـن محطة قطار الجادة السابعة، مـروراً بماكينة الآيس كريم ذات الحجم الكبير، والبوابات الدوّارة تصفق بعنـف، كمـا لـو كان العالم يتكسـر كالأمواج فوق الشعاب المرجانية. أربع خطوات بعد البوابات الدوّارة، يتدافع الجميع متلاصقين لتسلق السلالم إلى الشارع، كقِمْعٍ كبير من اللحم والصوف واللباد والجلد والمطاط والألومكرون الحراري، فيمـا يُعتصر الدم بصعوبة عبر الشـرايين المتصلبة لدى الجميع في دفقات متوثبة، بسبب الإفراط في شرب القهـوة والجهـد المبذول للخروج من محطة المترو سـاعة الذروة. مع ذلك، هناك على الرصيف، صبي وصبية في الثامنة عشـرة تقريباً، كانا مندمجين في عناق أبدي مُجْهِد كـ«عشق ممنوع».

حولهمـا عشـرة، عشـرات، بل يبـدو كأن مئات الوجوه والأجساد المتعرقة المتزاحمة المندفعة عبر السلالم، التي تعلوها تكشيرة المصاب بتصلب الشرايين، مـروراً بواجهة زجاجيـة تعـرض فيهـا صرعات السلع، مثل «جوي بازر» و«سكويرتنغ نيكلز» و«فينجر راتس» و«سكيري تارانتـولاس» وملاعـق لُصِقَ عليها ذبـاب يبدو حقيقياً، مروراً بصـالـون حلاقة «فِرِدْ»، الذي يقع بمحاذاة الرصيف، ويعرض صوراً براقة لشبان بقصات شعر باروكية يمكن للمرء الحصول عليها هناك، فصعوداً نحو شـارع الخمسين، ومنه إلى جنون زحمـة السير والمتاجـر التـي تـعـرض فـي الواجهـات قطع لانجري غريبة الشكل، ومستحضرات صبغ الشعر الأبيض، ولافتات عن قراءة الطالع مجاناً، وأخرى عن مباراة فـي لـعـب البليـاردو بـيـن فتيات البلاي بـوي وعارضات داوني، ثم يطرق الجميع نحو مبان «تايم – لايف» أو «بريل» أو «إن بي سي».

علامات الترقيم وديناميكية الجملة

فهي ترسم بداية الجملة ونهايتها وتضبط إيقاعها وموسيقاها ومساحتها، وكثيراً ما يُساء فهمها واستخدامها.

أول من صك تعبير «الترقيم» في العربية، واستحدث علاماته التي نعرفها اليوم، ووضع لها القواعد مستلهماً اللغات الأجنبية كان أحمد زكي باشا في كتابه الترقيم وعلاماته في اللغة العربية عام 1911. هذا يعني ضمناً أن هذه العلامات والقواعد «اعتباطية»، يستند استعمالها إلى التوافق والعُرف والثقافة.

علامات الترقيم هي بالأساس ترميز للوقفات والسكتات التي يجريها المتحدث شفاهاً لتسهيل الفهم والإدراك، وإضفاء الوقع الدرامي على الحديث، ومن ثم هي محاولة لإظهار صوت الكاتب في النص المكتوب؛ متى يسحب نَفَسَه، متى يحبسه، ومتى يتوقف ليخرج الهواء من رئتيه.

ورغم أنها إجبارية، فإن بعض هذه العلامات اختيارية تترك للكاتب مساحة، كما يقول Roy Peter Clark في كتابه Writing Tools. ولعل الفاصلة هي واحدة من علامات الترقيم الأكثر تنوعاً في الاستعمال والأقرب لتجسيد صوت الكاتب وصورته أمام القارئ، ومع ذلك فهي الأقل اهتماماً بها من قبل الصحفيين.

وعلامات الترقيم إرشادات للطريق، ولمساعدة القارئ على سلك هذا الطريق نستخدم هذه العلامات لـ:

  • ضبط إيقاع النص وسرعة القراءة.
  • تقسيم الكلمات والعبارات والأفكار إلى مجموعات متناغمة.

ستتعلم وضع علامات الترقيم بقوة لتصل للغاية التي تريدها عندما تبدأ بأخذ إيقاع أو سرعة pace الجملة ومساحتها space بعين الاعتبار. فقد ترغب مثلاً في تخفيف سرعة الإيقاع لأسباب استراتيجية: لتحقيق الوضوح، أو إيصال المشاعر أو خلق الإثارة.

ولا يهم طول الجملة أو قصرها، مكتوبة أو مسموعة، ما دامت تستطيع ضبط إيقاعها وسرعتها وفقاً لغرضها.

انظر كيف يستخدم توماس فرينش علامات الترقيم لخلق التنويع، والديناميكية بين الجمل، حيث تتضافر معاً لبناء نص ممتع قراءته:

«ملائكة وشياطين» — توماس فرينش

لم يعرف الرقيب المشرف عليهم ما إذا كانوا سيجدون الإجابة يوماً. على حد معلوماته، لم يمسكوا حتى طرف الخيط في القضية.

في نهاية الأمر، كان يعتقد أن الأمر بيد الله ما إذا كانوا سيعتقلون أحداً.

الرقيب الذي يعدُّ نفسه مسيحياً بولادة جديدة [*أحد المفاهيم الدينية]، يحمل كتاباً مقدساً في حقيبته. لم يكن لديه شك في أن الجنة والجحيم حقيقيان. لم يرَ الخير والشر فكرتين نظريتين أو فلسفيتين، بل بكونهما حقائق مطلقة تمشي منتصبة القامة عبر العالم. آمَنَ بقوى النور والظلام. آمَنَ بمسّ الشيطان. لقد اعتبر أمراً واقعاً أن الشيطان وأتباعه يسودون حالياً على الأرض.

«أؤمن بأن هنالك شياطين في كل مكان حولنا»، قال: «تماماً كما أؤمن بأن هنالك ملائكة في كل مكان حولنا.»

وعندما نظر في أدلة القضية المعروضة أمامهم الآن، درس صور الجثث والحبال والكتل الخرسانية، لم يكن لدى الرقيب شك في أنه هو والمحققون الآخرون يطاردون شخصاً مدفوعاً بقوى شيطانية.

بالتأكيد كانت الشياطين حقيقية. الآن، كانوا يطاردون واحداً.

Tampa Bay Times · جائزة بوليتزر عام 1998 عن فئة Feature Writing

وضع العرب فصل الجمل ووصلها باكراً في مرتبة عالية؛ فقد سُئِل: ما البلاغة؟ قيل: معرفة «الفصل من الوصل». وذهبوا في تفصيل ذلك مذاهب شتّى، حتى أصبح باباً انشغلوا به أيّما انشغال.

لسببٍ ما، فقد النثر الصحافي الشغف بهذه الأداة، فباتت الكتابات ممّلة رتيبة بسيادة حرف العطف «و» على غيره في مواضع «الفصل الوصل»، وأمست أجزاء الجملة كلّها تُكال بميزان واحد.

انظر إلى هذا البناء الدرامي الذي أدخله «عبد الحميد الكاتب» قبل 1300 عام في تركيب الجملة العربية الممتدة، ومواضع «الفصل الوصل» في رسالةٍ وجهها إلى ولي العهد عبد الله بن مروان قبيل انهيار الدولة الأموية:

من رسالة «عبد الحميد الكاتب» إلى عبد الله بن مروان

وليكن أوّل ما تَقْدم به في التهيّؤ لعدوك، والاستعداد للقائه، انتخابك من فرسان عسكرك وحماة جندك، ذي البأس والحنكة والجَلَد والصّرامة، ممّن قد اعتاد طِرَاد الكماة، وكَشَّرَ عن نَاجِذِه في الحرب، وقام على ساق في منازلة الأقران، ثقف الفروسية، مستجمع القوة، مُستحصد المريرة، صبوراً على أهوال الليل، عارفاً بمناهز الفرص، لم تمهنه الحنكة ضعفاً، ولا أبلغت به السنّ كلالاً ولا أَسْكَرَتْه غرّة الحداثة جهلًا، ولا أبطرته نجدة الأغمار صلفاً، جريئاً على مخاطرة التّلف، مقدماً على أذراع الموت، مكابراً لمرهوب الهول، مُتقحماً مَخْشِيَّ الحتُوف، خائضاً غَمَرات المهالك، برأي يؤيده الحزم، ونيّة لا يخالجها الشك.

ارتبطت «العربية» من حيث التطور بداية بلغة الشعر. كانت حياة العرب تدور حول الشعر؛ الجملة الموزونة موسيقياً.

لذلك تجد التقديم والتأخير والإضمار والتقدير والحذف، وأن حرفاً واحداً يحل محل جملة بأكملها، وأن الزمن «مطاط» فيمكن لصيغة المضارع أن تشير إلى الزمن الماضي أو العكس. فقد احتاج الشعراء إلى هذه المرونة للإبداع في أبياتهم.

الحق، أن هذه «المرونة» تصبح تحدياً في لغة النثر الصحافية.

فكيفية بناء «الجملة الواضحة» في اللغات الحية الأخرى كالألمانية مثلاً، أمر مفروغ منه؛ وله قاعدة؛ في العربية لا توجد هذه القاعدة.

انظر إلى هذا التنوع في الجمل التي أوردها د. فاضل السامرائي في كتابه «النحو العربي: أحكام ومعان»، من دون أن يحصل لبس بين المعطي والآخذ. فالمعطي في كل هذه الجمل هو محمد والآخذ خالد. وعلى الرغم من أن ثمة تغييراً طفيفاً على معنى كل جملة، إلا أن ذلك لا يؤثر في معناها العام.

وكل واحدة مختلفة عن الأخرى من حيث إزالة اللبس في ذهن المخاطب، بطريقة أو بأخرى:

أعطى محمدٌ خالداً كتاباً.

المخاطب لا يعلم شيئاً عن الموضوع بأكمله.

محمدٌ أعطى خالداً كتاباً.

المخاطب يعلم أن شخصاً ما أعطى خالداً كتاباً، ولكنه لا يعلم تماماً من هو. لذلك تقدم «محمد» لإزالة اللبس.

خالداً أعطى محمدٌ كتاباً.

المخاطب يعلم أن محمداً أعطى كتاباً شخص ما، لكنه يجهل من هو، فتقدم «خالداً» لإزالة اللبس.

كتاباً أعطى محمدٌ خالداً.

المخاطب يعلم أن محمداً أعطى خالداً شيئاً ما، لكنه لا يعلم ما هو، فتقدم «كتاباً» لإزالة اللبس.

كتاباً خالداً أعطى محمدٌ.

المخاطب يعلم أن محمداً أعطى شيئاً ما شخصاً ما، لكنه لا يعلم الشيء ولا الشخص، فتقدم «كتاباً» و«خالداً» لإزالة اللبس.

وهكذا..

خلق الشعر هذه «المرونة» في اللغة؛ لكن في «النثر»، ومع عدم وجود قاعدة لـ«الوضوح» في اللغة العربية، يعتمد الصحفي على مهاراته في بناء الجمل، ما يفضي في كثير من الأحيان إلى الالتباس في المعنى، بغير ما يقصده. وهذا يتنافى مع وظيفة اللغة في «إزالة اللَّبس».

لكن كيف أعرف أن الجمل التي أكتبها «واضحة»؟

إذا وجدتَ أن جملة ما تستعصي عليك، استخدم مبدأي الوضوح هذين:

[أساساً، القصة سرد عن «شخصيات» تقوم بـ«أكشن» معين.]

المبدأ الأول: اجعل الشخصيات الرئيسية بصيغة «الفاعلَ» في الجملة.

المبدأ الثاني: اجعل الـ«أكشن» الأساسي بصيغة «الفعل» في الجملة.

دعنا نطبق هذان المبدأان على الجملة التالية:

استندت حجة المعارضين للثورة فيما يتعلق بزعزعة استقرار الدولة بسبب الديمقراطية، إلى اعتقادهم بأنه ثمة ميل لدى «الثوّار» الذين استلموا سدة الحكم، إلى تعزيز مصالحهم الذاتية على حساب الصالح العام.

كما ترى: «الشخصيات»، (وهي في الجملة «المعارضين»)، ليست «الفاعل»، فالفاعل في الجملة هو «حجة».

أيضاً، «الأكشن» الأساسي (وهو في الجملة «حجة»، «زعزعة»، «تعزيز»)، لم يأتِ بصيغة «الفعل». ثم أن الجملة تفتقر إلى فعل رئيسي به «أكشن». كما ترى جاء «استند» فعلاً رئيسياً في الجملة وليس به «أكشن».

الآن دعنا نغير النص بوضع «الشخصيات» في صيغة «الفاعل» والـ«أكشن» في صيغة «الفعل»، وستجد أن النص أصبح أكثر وضوحاً وسهلاً قراءته:

جادل المعارضون للثورة بأن الديمقراطية تزعزع استقرار الدولة؛ فهُم يرون أن «الثوّار» الذين استلموا سدة الحكم، يعزّزون مصالحهم الذاتية على حساب الصالح العام.

المبدأ إذاً يقول: الجملة تكون واضحة عند التعبير عن الـ«أكشن» باستخدام الأفعال.

لنأخذ مثالاً، انظر كيف أن الأكشن (بالحروف العريضة) في المثال أدناه لا يُعبّر عنه بأفعال، إنما بصيغة المصدر الاسمية التي لا ترتبط بزمن له بداية ونهاية:

خلال أعوامها الثلاثين، تمكنت جهينة من إعادة صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، والتوسع والتنوع في إنتاجها، لتبدأ في العام الجاري تصنيع ألبان نباتية، لــتصل بمنتجاتها إلى إجمالي 200 منتج يتم توزيعــها في مصر وتصديرها لعدد من الدول الإفريقية والعربية والأوروبية. (صياغة المصدر)

ثم انظر إلى التعديل، كيف يستخدم الأفعال للتعبير عن الأكشن:

مرّت ثلاثون عاماً؛ أعادت «جهينة» خلالها صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، وحققت أرباحاً متصاعدة، ونوّعت في الإنتاج، وتصنّع هذا العام ألباناً نباتية، لــيصل عدد منتجاتها إلى 200 نوع، توزّعــها في مصر وتصدّرها إلى دول عربية وإفريقية وأوروبية.

أو انظر إلى هذه الصيغة:

كثيراً ما تزخر الكتابة الصحافية بـ أنْ المصدرية وأنّ/إن المشبهة بالفعل، انظر:

ستمرّ ثلاثون عاماً؛ ستعيد «جهينة» خلالها صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، وستحقق أرباحاً متصاعدة، وستنوّع في الإنتاج، وتصنّع هذا العام ألباناً نباتية، لــيصل عدد منتجاتها إلى 200 نوع، توزّعــها في مصر وتصدّرها إلى دول عربية وإفريقية وأوروبية.

قال المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة طالبان سهيل شاهين إنه يجب على الرئيس السابق أشرف غني أن يعيد أموال الشعب الأفغاني، مؤكداً أنه لا يملك تلك الأموال، وأنه هرب بها دون وجه حق.

غير أنه أوضح أن ملاحقة غني لاستعادة أي أموال قد يكون استحوذ عليها ليست أولوية، وأن اهتمام الحركة منصب الآن على موضوع الحكومة، ولن تجري تلك الملاحقة قبل تشكيل الحكومة الجديدة. (صياغة المصدر)

وفي أغلب الأحيان يمكن التخلص منها، ما يضفي الأكشن على النص:

قال سهيل شاهين، المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة طالبان، إنه يجب على الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني إعادة أموال الشعب؛ لأنها ليست ملكاً له، وقد هرب بها دون وجه حق.

وأوضح شاهين أن حركة طالبان لا تهتم الآن بأمر استعادة الأموال المستولى عليها، وتنصب جهودها على تشكيل حكومة جديدة ستلاحق الرئيس غني.

الأكشن قد يكون أحياناً مدفوناً في الجار والمجرور، أو في الصفات، أو الصفة المشبهة بالفعل، أو الحال.. إلخ، كل ما عليك هو إخراجه إلى النور بتحويله إلى صيغة الفعل:

حالت قلة البيانات لدى منظمات المجتمع المدني دون تقييم إجراءات الأمم المتحدة في توجيه الأموال إلى المناطق التي هي في أمسِّ الحاجة إلى المساعدات.

التعديل:

لأن منظمات المجتمع المدني كانت تفتقد البيانات، لم تستطع تقييم ما إذا كانت الأمم المتحدة قد وجهت الأموال إلى المناطق التي تحتاج إلى المساعدات العاجلة.

علاقة «الشخصية» بالفاعل

يتوقع القارئ أن تستخدمَ الأفعال للتعبير عن الأكشن، لكنه يتطلّع أكثر إلى أن تكون الشخصيات هي الفاعل في الجملة. إن استخدام الأسماء المجردة فاعلاً في الجملة من دون سبب وجيه، غالباً يتسبب في تشويش القارئ. من المهم التعبير عن الأكشن بأفعال، لكن المبدأ الأهم في الوضوح: اجعل الشخصيات الأساسية الفاعلَ في جملك الرئيسية.

لنأخذ هذه التركيبة المألوفة في الأخبار، فقد جاء الفاعل (تحته خط) مجرداً، وليس الشخصية الرئيسية (بالخط العريض) في الجملة:

كانت المخاوف تتصاعد -بالأخص في أوروبا- من الزيادة النسبية في عدد المساجد الضخمة التي شيَّدتها الحكومة التركية في السنوات الماضية في القارة السمراء. (صياغة المصدر)

لنضع الفاعل في مكانه الصحيح باستخدام مبدأ «الشخصيات» في الجملة، ونسهّل على القارئ فهم الجملة ونوفّر عليه أي تشويش محتمل:

أبدت أوروبا مخاوفها، بسبب تزايد أعداد المساجد الضخمة التي تشيّدها الحكومة التركية أخيراً في أفريقيا.

وهنا مثال آخر:

عند الحديث عن الوجود التركي المتصاعد في غرب أفريقيا، تحضر المنافسة التركية الفرنسية إلى الواجهة، حيث يُعَدُّ الوجود التركي مُزعجاً لباريس الساعية لمزيد من التمدُّد. (صياغة المصدر)

عادت المنافسة بين باريس وأنقرة إلى الواجهة بعد أن أبدت فرنسا التي تسعى إلى التمدد في غرب أفريقيا، انزعاجها من تزايد نفوذ تركيا هناك.

وآخر اقتصادي:

التدخلات الحكومية الخاطئة في سوق التكنولوجيا سريعة التغيير أدت إلى تشويه نمو السوق وإعاقة تطوير منتجات جديدة.

عندما تتدخل الحكومة في سوق التكنولوجيا سريعة التغيير، فــإنها تشوّه الكيفية التي تنمو بها هذه السوق، وتعيق قدرتها على تطوير منتجات جديدة.

حتى الآن، تحدثت عملياً عن الجملة الفعلية في اللغة العربية، على اعتبار أن لغة الأخبار، هي لغة أفعال؛ لغة ما يطرأ من أحداث جديدة تتطلب إبلاغاً عن انتقالها من حال إلى حال. علماً أن الأمر لا يختلف كثيراً مع الجملة الاسمية.

يناقش عالم اللغويات المغربي عبد القادر الفاسي الفهري في كتابه «اللسانيات واللغة العربية»، 1985، دار توبقال، قضية ترابط الجملتين الفعلية والاسمية في اللغة العربية ببنية عميقة واحدة (مسند ومسند إليه)، رغم اختلاف شكليهما في البنية السطحية. من ثَمّ، فإن التمييز الذي يضعه النحو التقليدي بين الجملتين لا يغطي دلالاتهما الفعلية.

إذاً، المبدأ العام للجملة الفعلية الواضحة:

  • اجعل الشخصية/الشخصيات الرئيسية الفاعلَ في الجملة.
  • اجعل الأكشن الأساسي الذي تقوم به هذه الشخصيات أفعالاً في الجملة.

ذهنياً، يتكامل مستويان من بناء الجملة في دماغ القارئ:

  • مستوى النحو — وهذا المستوى ثابت نسبياً: فعل ← فاعل ← مفعول به.
  • مستوى القصة — وهذا المستوى متغير: الشخصية/الشخصيات ← (وما تقوم به من) أكشن.

يتوقع القارئ أن يتكامل مستوى القصة مع مستوى النحو؛ أي أن يتطابق الأكشن مع صيغة «الفعل»، والشخصية مع صيغة «الفاعل».

عندما تُخيّب توقعات القارئ في تكامل مستوى النحو مع مستوى القصة، فإنك تجعله يبذل جهداً أكثر من اللازم في عملية الفهم، لذلك تجده يقول: الجملة غامضة، غير مفهومة، ومعقدة.

ولكن، ألا يفضي ذلك إلى أن تصبح الكتابة مملة وسطحية؟

الكتابة ليست قضية موهبة، وليست تفانياً، أو تجلّياً، أو مسألة مفردات، أو أسلوب. الكتابة عملية استكشاف عبر اللغة. استكشاف ما ينبغي لك أن تعرفه، وما تشعر به حيال ما تعرفه، من خلال اللغة. في الكتابة نستخدم اللغة للتعرف إلى العالم، ولتقييم ما نعرفه عن العالم، ولنقل ما نعرفه عن العالم، كما يقول كتاب The Essential Don Murray عن الكاتب والصحفي دون موري.

القارئ يريد أنْ تكتبَ بوضوح، لكنه لا يريد أنْ تكتبَ جملاً ساذجة. فالعالم مليء بأشياء معقدة لا يمكن التعبير عنها بإيجاز وسطحية. مع ذلك يمكنك كتابة جمل معقدة عن أشياء معقدة، لكنها تبقى واضحة وقابلة للقراءة.

من تحقيق «مسموم» الفائز بجائزة بوليتزر 2022: مَصْهَر الرصاص الوحيد في فلوريدا
من تحقيق «مسموم» الفائز بجائزة بوليتزر 2022: مَصْهَر الرصاص الوحيد في فلوريدا

مسموم

إذاً، لفهم المقصود بـ«الوضوح» و«البساطة»، دعنا ندرس مطلع قصة «Poisoned» (مسموم)، وحازت جائزة بوليتزر عام 2022 عن فئة التحقيقات:

مطلع «Poisoned» — مسموم

داخل مَصْهَر الرصاص الوحيد في فلوريدا، تتكاثر السموم.

الكادميوم. الزرنيخ. ثاني أكسيد الكبريت.

لكن الرصاص هو الأكثر تفشيّاً.

فالغبار المحمَّل به يخيّم كضباب كثيف مخترقاً مبنى المصنع حيث يفتح العمال بطاريات السيارات المستهلكة بشقِّها، يستخرجون الرصاص ويصهرونه في فرن تصل حرارته إلى نحو 1500 درجة. الرصاص المصهور يُعاد تشكيله وبيعه للشركات التي تصنع بطاريات جديدة ومنتجات أخرى.

مئات العمال تعرَّضوا لكميات هائلة من السمّ المخرِّب للأعصاب.

والعواقب كانت وخيمة.

(بوليتزر 2022 — فئة التحقيقات)

اللغات في العالم تنقسم إلى قسمين:

اللغات ذات «الجملة المستقرة» كالألمانية والفرنسية والإنكليزية. فليس للمتكلم بهذه اللغات أن ينتقل بالكلمة من مكانها المعين في الجملة. هذا لا يعني أنها جامدة، فأي لغة لا تكاد تخلو من نوع من المرونة في ترتيب كلماتها.

واللغات ذات «الجملة الحرة» كالإغريقية واللاتينية، فهما لا تكادان تخضعان لنظام معين في ترتيب الكلمات. ومع ذلك فهي ليست حرة بشكل مطلق. فانتقال الكلمات داخل الجملة يخلق اختلافاً في المعنى.

العربية أقرب لهذه المجموعة الأخيرة. لذلك على الصحفي الجيّد ألّا يكتفي بالعثور على أفضل الكلمات، بل عليه ترتيبها داخل الجملة أفضل ترتيب. فنَظْم الكلام وترتيب الكلمات، كما يقول الجرجاني، أشبه بنظم اللؤلؤ والجواهر في سمط نفيس.

إليك التعليق

تتحدى الجمل قوانين الفيزياء، ويمكن إضفاء الحسن بوضع مركز الثقل في بداية الجملة أو نهايتها. انتبه كيف أعاد الكاتب ترتيب الكلمات بوضع «تتكاثر السموم» في نهاية الجملة.

هذه المواد الكيميائية لا تحتاج إلى شرح، فأسماؤها وحدها كافية لبث القشعريرة في الأجساد. كل كلمة مكتفية بذاتها. جملة بحد ذاتها. انتبه أيضاً أنها جاءت في فقرة وحدها.

«فالغبار المحمَّل به يخيّم كضباب كثيف مخترقاً مبنى المصنع حيث يفتح العمال بطاريات السيارات المستهلكة بشقِّها، يستخرجون الرصاص ويصهرونه في فرن تصل حرارته إلى نحو 1500 درجة. الرصاص المصهور يُعاد تشكيله وبيعه للشركات التي تصنع بطاريات جديدة ومنتجات أخرى.»

مهمة الصحفي أن يجعل الأشياء غير المألوفة مألوفة، وهذا ما تفعله هذه الفقرة، تكشف الوقائع المخفية والمخيفة. انظر أيضاً إلى الأفعال/المصادر: يخيم، محمَّل، مخترق، يستخرج، يصهر، يعيد تشكيل.

«مئات العمال تعرَّضوا لكميات هائلة من السمّ المخرِّب للأعصاب.»

تقديم المسند إليه «مئات العمال» جاء في مكانه الصحيح حيث مركز الثقل في بداية الجملة؛ إنّهم العنصر الإنساني في القصة، وهم الضحايا.

«والعواقب كانت وخيمة.»

الجمل القصيرة وقعها أقوى من الجمل الطويلة، فأهم الأفكار تأتي عادة في أقصر الجمل. وهذه الجملة الأخيرة تختصر كل شيء بثلاث كلمات.

  • هل أفعالك مبنية للمعلوم، وليست مبنية للمجهول إلا عندما يتطلب ذلك؟ هل تعبر عن الأكشن؟ عن الحركة؟ الشدّ والتوتر؟
  • هل الأسماء حيوية وملونة ومحددة؟ هل تصف الشخصية؟ مكان القصة أو محيطها؟ تخلق صوراً في ذهب القارئ؟
  • استبدل الأفعال الضعيفة والعبارات الحالية والظرفية بأفعال أكشن قوية، كلما أمكن ذلك.

الأسماء الملموسة، تساعد القارئ على تصوير Visualize القصة.

الأفعال المبنية للمعلوم تقود القصة، وتمنحها الحياة.

الألفاظ المقيّدة Modifiers غير الضرورية، أو في غير سياقها الصحيح، تشوّش على الجملة؛ لأنها تغيّر معناها، كالظروف والصفات والأحوال.

يمكن أن يكون الأطفال هم أفضل من يعلِّم الصحفيين الكتابة جيداً. في البداية، يتعلمون الأسماء، ومن ثم الضمائر والأفعال، ومن ثم يتعلمون حروف الجر.. إلخ. في مرحلة لاحقة، عندما يصبحون أكثر مهارة في اللغة، يبدؤون بـ«فذلكة» كثرة استخدام الألفاظ المقيدة كالظروف والصفات والأحوال. لذا، قد تحتاج أن تعود مرة أخرى -ربما إلى طفولتك- لتتعلم كيف تستخدم الأسماء والأفعال، وتستكشف القوة التي تكمن فيها؛ وتتجنب قدر الإمكان «فذلكات» الأطفال.

ولعلَّ الصحفي الأمريكي ماير بيرغر هو أفضل من أتقن ذلك. فحيوية الأفعال والأسماء التي يستخدمها، وعدم استخدام الظروف والصفات إلا في مكانها المناسب، أكثر ما يميز أسلوبه الكتابي. ويعد بحق سيّد السرد الحيوي الذي يصف بالتفصيل مشاهد الأحداث وأصواتها. ولا يهم «ما إذا كان ذلك مجرد موكب، أو كسوف شمس أو مجرم قاتل يهيم على وجهه في الشوارع» كما جاء في نعوته.

ماير بيرغر
ماير بيرغر

بيرغر مات باكراً في الـ 60 من عمره، وفاز عام 1950 بجائزة بوليتزر عن قصة كُلِّف بها الساعة الـ 11 صباحاً، فسافر بالقطار، وأجرى عشرات المقابلات، وكتب قصته، وسلّمها في الـ 9:20 مساءً لتلحق المطبعة، وتُنشر في صباح اليوم التالي.

كانت القصة عن جريمة سبتمبر 1949. حينئذ، ارتكب هوارد أونريه، المحارب القديم في الحرب العالمية الثانية، أعمال عنف مروعة استمرت نحو 20 دقيقة باستخدام مسدس «لوجر»، ما أسفر عن مقتل 12 شخصًا، وفيما بعد توفي أحد المصابين الأربعة. وكان من ضمن ضحاياه ثلاثة أطفال تحت سن العاشرة وعشرة بالغين تتراوح أعمارهم بين 24 و68 عامًا.

بعد جريمة «كامدن»، وُجِّهت لأونريه 13 تهمة قتل، لكن تشخيصه بالانفصام في الشخصية أنقذه من الإعدام، فحُجِزَ في مستشفى للأمراض النفسية في غرفة منعزلة لمدة 60 عاماً إلى أن توفي عام 2008.

وإليك مطلع القصة:

هوارد بي. أونريه، 28 عاماً، محارب قديم، هادئ ولبق، خاض العديد من معارك المدفعية المدرّعة في إيطاليا، فرنسا، النمسا، بلجيكا وألمانيا، قَتَلَ هذا الصباح اثني عشر شخصاً بمسدس «لوجر» حصل عليه كتذكار حرب، وذلك في حيِّه بشرق «كامدن» بولاية نيو جرسي. وأصاب أربعة آخرين.

لم يكن لدى أونريه، وهو رجل نحيل بخدّين بارزين، وبطول 183 سم، شغوف بقراءة الكتاب المقدس والتدريب المستمر على استخدام الأسلحة النارية، ما يدلّ على إصابته بمرض عقلي، لكن الاختصاصيين أشاروا هذه الليلة إلى أنه لا شك مريض نفسياً، وأنه كان يعاني خُفية «عقدة الاضطهاد» طوال عامين أو أكثر.

المحارب القديم أُصيب برصاصة في فخذه الأيسر أطلقها صاحب حانة محلية، لكنه أبقى هذه الواقعة أيضاً سرّاً، فيما كان رجال الشرطة وميتشل كوهين، مدعي مقاطعة «كامدن»، يستجوبونه في مركز الشرطة لأكثر من ساعتين مباشرة بعد أن اضطرته قذائف الغاز المسيل للدموع على الخروج من غرفة نومه والاستسلام.

بُقَع الدم التي خلّفها على المقعد الذي كان يجلس عليه في أثناء الاستجواب، أظهرت إصابته. عند اكتشاف ذلك، نُقل إلى مستشفى «كوبر» في «كامدن»، كسجين متهم بالقتل العمد.

كان هادئاً خلال التحقيق معه، كهدوئه خلال العشرين دقيقة التي قضاها في إطلاق النار على الرجال والنساء والأطفال. فقط تألّقُ عينيه الداكنتين على نحو مفرط بين الحين والآخر، كان يشير إلى أنه ليس شخصاً عادياً.

قال للمدعي العام إنه منذ أمد بعيد كان يكتنف الغيظ تجاه الجيران وأصحاب المتاجر في الحي. «كانوا يتحدثون بألفاظ مهينة عن شخصيتي»، قال. بدا استياؤه منصبّاً على نحو أكبر تجاه السيد موريس كوهين وزوجته، اللذين كانا يعيشان في منزل مجاور له. وهما من بين القتلى.

لننظر إلى هاتين الجملتين مثالاً:

قَتَلَ هذا الصباح اثني عشر شخصاً بمسدس «لوجر» حصل عليه كتذكار حرب.

فقد استخدم بيرغر فعلَ «قَتَلَ» كما هو دون إضافة ألفاظ مقيدة، فقد كان بمقدرته أن يقول: «قَتَلَ بدم بارد» مثلاً، لكنه لم يفعل.

وهنا أيضاً:

وأصاب أربعة آخرين.

يكتفي بالفعل «أصاب» دون إضافة مقيدات، فقد كان بمقدرته مثلاً قول: و«أصاب أربعة آخرين بجروح بليغة،» وذلك لأنه في النهاية توفي شخص واحد منهم. ما ينبغي أن تعرفه عن الألفاظ المقيدة، هي أنها تقيد المعنى: فـ:

  • وردة، قد تكون أية وردة بالعموم.
  • وردة حمراء، أصبحت الوردة مقيدة باللون الأحمر.
  • وردة حمراء قانية، أصبحت الوردة من ذات اللون الأحمر القاني، وليس أي أحمر، وهكذا.

كَمَّاً، ستلاحظ أن عدد الورود عموماً أكبر من عدد الورود الحمراء، وهذه عددها أكبر من عدد الورود الحمراء القانية، ذلك لأنك تقيّد المعنى بـ«الأحمر»، ثم «القاني». وتقييد المعنى يعني أنه أقل كمّاً، وليس كما يُتوَهّم عند استخدام الألفاظ المقيدة بأنها «إضافة» إلى المعنى أو زيادة عليه. عندما تدرك ذلك، فإن استخدام الألفاظ المقيدة عن إدراك ومعرفة، سيضفي الحيوية على نصك.

لنقرأ ما كتبه حازم صاغية وكيف يستثمر قوة استخدام الأسماء وحيوية الأفعال في السرد في مقالته «إيطاليا: مشكلتا الشمال والجنوب»:

«إيطاليا: مشكلتا الشمال والجنوب» — حازم صاغية

حين رشقني بائع البوظة (الآي سكريم) في باليرمو، بسيل من كلامه الإيطالي السريع، قلتُ إنني لست إيطالياً، تجنباً لمزيد من الحرج. لكن جوابه القصير والمرفق بابتسامة ودية، جاء بالغ الوضوح والبساطة في آن: «وأنا أيضاً لست إيطالياً. أنا صقلي».

فالصقلية عند الصقليين ُهويّة قائمة بذاتها، تجسدها تفاصيل صغيرة وعادات يومية؛ منها بعض الأطعمة، وبعض الكلام، وبعض العلاقات الشائعة. فالناس في باليرمو، عاصمة الجزيرة، يتفاخرون بأن البيتزا الصقلية هي البيتزا الحقيقية وما عداها تقليد كاذب. وعلى الأقل أتيح لي أن ألمس أن البيتزا في فلورنسا الشمالية – الوسطى، وفي البندقية الشمالية، شيء آخر يختلف عن المأكل الجنوبيّ الذي صُدّر إلى أمريكا، ومن نيويورك كان شيوعه العالمي.

كذلك يختص الصقليون دون سواهم بمآكل كسندويش البوظة الملفوفة بالخبز، وحلوى كانولّي التي رأينا أحد القتلة في فيلم «العرّاب – ١» يحمل معه الوعاء الذي طلبت زوجته َملأه بها، بينما هو ينفّذ إحدى جرائم آل كورليونيّ.

أما الضجيج الذي يُسمع في شوارع باليرمو، آتياً من زمامير السيارات وأصوات الموتورات والعربات والدراجات، فضلاً عن أصوات الناس أنفسهم، فأشد تذكيراً بالمدن العربية والشرقية منه بالبندقية والشمال الإيطالي. والواقع أن البعد عن أوروبا هو ما لا يكفّ المرء عن اكتشافه في صقلية. فالتدخين، مثلاَ، الذي أصبح من سمات المجتمعات المتخلِّفة، متفشٍّ فيها، لا يتردد في ممارسته بعض الباعة وموظفي الإدارات والمعاملات العامة وبعض سائقي أدوات النقل.

ألاحظتَ أنّ صاغيّة لا يحاول تجنب صيغة المبني للمجهول؟ ولا يستخدم تركيبة «تم»، التي تُستخدم بكثرة في الصحافة.

ربما كانت النصيحة الأكثر شيوعاً التي تعلمناها في الصحافة هي أن نبتعد عن صيغة المبني للمجهول؛ لأنها ببساطة تجعل القارئ يتساءل عن فاعل الفعل في الجملة، ومهمتك بوصفك صحفيّاً أن تجاوب عن سؤال: مَنْ؟ لا أن تطرحه على القارئ. النصيحة بحد ذاتها جيدة، لكنها في صحافتنا اتخذت تركيبةً «تمّ» استيرادها من اللغة الإنجليزية، هرباً من صيغة المبني للمجهول الثقيلة على اللسان العربي أحياناً، وأخذاً بالنصيحة الغامضة بالكتابة بصيغة المبني للمعلوم.

لكن المشكلة تظلّ قائمة عملياً؛ فلا يزال الفاعل في الجمل أدناه (تحتها خط) غير معروف، رغم أنها جاءت بصيغة المبني للمعلوم:

قال محافظ الخليل جبرين البكري إنه على إثر صدور مذكرة إحضار من النيابة العامة لاعتقال نزار خليل محمد بنات، قامت فجر الخميس قوة من الأجهزة الأمنية باعتقاله، وخلال ذلك تدهورت حالته الصحية، وفوراً تم تحويله إلى مشفى الخليل الحكومي، وتم معاينته من قبل الأطباء، وتبين أن المذكور متوفى، وعلى الفور تم إبلاغ النيابة العامة التي حضرت وباشرت بإجراءاتها وفق الأصول. (صياغة المصدر)

ولفهم سبب شعورنا بأن هذه الجمل مبنية للمجهول، علينا أن نميز بين المبني للمجهول نحوياً، والمبني للمجهول مجازاً من حيث المعنى. وفيما يلي سأتحدث عن المبني للمجهول نحوياً.

متى تقرر المبني للمجهول من المبني للمعلوم؟

إن تركيبة «تمّ» التي يلجأ إليها الصحفيون بإفراط لا تحلّ المشكلة التي يثيرها عادةً الداعون إلى تجنب صيغة المبني للمجهول بدعوى أنها تحذف «فاعل» الفعل. لا بل إن المبني للمجهول هو الخيار الأفضل في الكثير من الأحيان:

وفوراً نُقل إلى مشفى الخليل الحكومي، وعاينه الأطباء الذين وجدوا أنه قد تُوفّي، وأُبلغت النيابة العامة التي حضرت، وباشرت إجراءاتها وفق الأصول.

للاختيار بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول عليك أن تجيب عن ثلاثة أسئلة:

هل على القارئ أن يعرف مَنْ المسؤول عن الأكشن؟

غالباً، لا نذكر مَنْ قام بأكشن ما لأننا لا نعرفه ولأن القارئ لا يهتم بمعرفته.

أي صيغة ستساعد القارئ على الانتقال بسلاسة من جملة إلى أخرى، المبني للمعلوم أم المبني للمجهول؟

لدى طرح فكرة ما، سيسهل على القارئ وضع سياق قبل إيراد المعلومة الجديدة. الجملة التي تبدأ بمعلومة جديدة غير متوقعة تربك القارئ. في الفقرة أدناه، تقدم الجملة الثانية معلومات جديدة (بالأصفر) قبل أن تورد سياقها (تحته خط):

هل نحسّن التعليم في المواد العلمية وحدها أم نرفع مستوى كامل المنهاج الدراسي؟ إن الأهمية التي نعطيها للقدرة التنافسية في مجال الصناعة مقابل القيمة التي نعوّل عليها في العلوم الإنسانية ستكون فاصلاً في اتخاذ القرار.

كما تلحظ، جاء «اتخاذ القرار» مبنياً للمعلوم، لكن الجملة ستكون أسهل في القراءة إذا استخدمنا المبني للمجهول وقدمنا السياق (تحته خط) إلى بداية الجملة:

هل نحسّن التعليم في المواد العلمية وحدها أم نرفع مستوى كامل المنهاج الدراسي؟ سيُبنى القرار استناداً إلى الأهمية التي نعطيها للقدرة التنافسية في مجال الصناعة مقابل القيمة التي نعلقها على العلوم الإنسانية.

أي صيغة ستقدم للقارئ وجهة نظر أكثر اتساقاً، المبني للمعلوم أم المبني للمجهول؟

في المقطع التالي عن نهاية الحرب العالمية الثانية، يكتب الصحفي تقريره من وجهة نظر الحلفاء، لذلك جاءت دول الحلفاء بصيغة الفاعل واستخدم أفعالاً مبنية للمعلوم:

بحلول أوائل عام 1945، كان الحلفاء قد هزموا ألمانيا أساساً. وما تلا ذلك لم يكن سوى ذروة دموية للمعارك. فقد اخترقت القوات الأمريكية والفرنسية والبريطانية والروسية حدود ألمانيا، وقصفتها على مدار الساعة. مع ذلك، لم يدمروا ألمانيا إلى درجة نزع قدرتها على المقاومة.

لو أراد الصحفي شرح ما حدث من وجهة نظر ألمانيا لاستخدم المبني للمجهول، وجعل من ألمانيا نائب الفاعل:

بحلول أوائل عام 1945، كانت ألمانيا قد هُزمت أساساً. وما تلا ذلك لم يكن سوى ذروة دموية للمعارك. فحدودها انتُهكت، وقُصفت على مدار الساعة. مع ذلك، لم تُدمّر ألمانيا إلى درجة نزع قدرتها على المقاومة.

  • هل اللغة محددة؟ زاهية؟ بصرية؟ سهلة القراءة؟ تروق للحواس؟ للعواطف؟

اكتب بلغة واضحة، وأسرة، وملموسة

اللغة هي لوح ألوان الكاتب. هي مكان إجراء التجارب واختبارها. مكان للاستمتاع باللعب بالكلمات. لكن كنْ ملموساً، واضحاً، آسراً.

تتغذى القصص على التفاصيل الملموسة، وليس على اللغة المجردة فقط.

جورج أورويل
جورج أورويل

أوضح جورج أورويل المثال الكلاسيكي للغة التي تروق الحواس والعواطف بالضد من اللغة المعاصرة المبهمة، وذلك بإعادة صياغة الآية 11 من الإصحاح 9 سفر «الجامعة»:

فَعُدْتُ ورأَيْتُ تحت الشمسِ: أنَّ السَّعيَ ليس للخفيفِ، ولا الحرْبَ للأقوِياءِ، ولا الخُبزَ للحكَمَاءِ، ولا الغِنى للفُهَمَاءِ، ولا النِّعْمةَ لذَوِي المعرِفةِ، لأَنَهُ الوَقتُ والعَرَضُ يلاقِيَانِهِمْ كافَّةً.

أما النسخة التي أعاد صياغتها أورويل في مقالته Politics and the English Language، بالمصطلحات الحديثة:

إنَّ النظرةَ الموضوعيةَ للظواهرِ المعاصرةِ تفرضُ استنتاجاً مفاده أنَّ النجاحَ أو الفشلَ في الأنشطةِ التنافسيةِ لا يَظهران بأنّهُما متكافئان مع القدراتِ الفطريةِ لدَىَ الأشخاص، بلْ ينبغي أخذُ عوامل كثيرة لا يمكن التنبؤ بها بعينِ الاعتبارِ.

أي نسخة تروق القراءة؟ بالتأكيد نسخة «سِفْر الجامعة».

تخلص من الحشو في نصك. كن واضحاً. لامس العواطف. ارسم صورة. اجعل لكل كلمة قيمتها.

صموئيل إيشيا هاياكاوا
صموئيل إيشيا هاياكاوا

سُلَّم التجريد

إن «سُلَّم التجريد» الذي قال به عام 1939 عالم اللغويات الأمريكي صموئيل إيشيا هاياكاوا في كتابه Language in Action، هو من أعظم الابتكارات في الكتابة والتفكير. وسُلَّم هاياكاوا يُستخدم بمئات الطرق للمساعدة على التأمل في اللغة والتعبير عن المعاني. ولتبسيط الفكرة سألجأ إلى مثل مصري شارح يقول: «زي إللي رقصوا على السُّلَّم».

فأن تكون كاتباً جيداً عليك صعود سُلَّم اللغة وهبوطه باستمرار، إياك والوقوف في منتصفه للرقص. في أعلى السُّلَّم تكون اللغة مجرّدة كالحرية والمعرفة، وفي أسفله تكون اللغة مادية مرتبطة بالحواس كالشجرة والصخرة.

ليس للغة المجردة طعم ولا رائحة، ولا يمكن قياسها؛ إنها تحتكم إلى العقل، أما اللغة المادية فتحتكم إلى الحواس. أنْ تقف في المنتصف فلا «إللي فوق» سيرَوْنك، ولا «إللي تحت» سيصفقون لك. هناك تتوارى اللغة الرتيبة والروتينية للدوائر الحكومية. عندما تكتب نصاً، ولا يستطيع القارئ أن يراه أو يفهمه، فأنت عالقٌ في منتصف السُّلَّم؛ ولغتك لغة صحفي خائف مرتبك، غير واثق من أدواته ومعلوماته.

لتبسيط الفكرة، اقرأ هذا النص من مادة نشرتها «واشنطن بوست» للصحفي الرياضي، توماس بوزويل. ستجد أنه يصعد السُّلَّم ويهبطه برشاقة.

توماس بوزويل — واشنطن بوست

عند منتصف الليل، يأتي عمال التنظيف متسللين تحت الأضواء الشبحية لمثلث ملاعب البيسبول الفارغة، بمقشّاتهم التي تكنس ببطء، وخراطيم المياه المتدفقة المتراخية. طوال الموسم، يزيلون قمامة مباراة لا حياة فيها. الآن، مع (نهاية موسم المباريات) وتقاصر الأيام في سبتمبر وأكتوبر، يأتون لجمع أرواح البيسبول.

العُمْر زبّالٌ، والإصابة مقشّته.

بين مزيج أكواب الجعة المبعوجة، والأغلفة الملطخة بالخردل المتجهة إلى كومة النفايات، نجد أصدقاء قدامى يُرسَلون إلى سلة مهملات تاريخ البيسبول.

فالمعنى المجرد لـ«قمامة مباراة لا حياة فيها»، يتجسد في «أكواب الجعة المبعوجة» و«الأغلفة الملطخة بالخردل». كما أن عمال التنظيف بمقشّاتهم وخراطيم المياه، يتحولون إلى حاصدين لأرواح البيسبول. ستلاحظ أيضاً في النص السابق أن شخصيات عمال التنظيف تمنح القصة الحيوية؛ بدونها يخاطر الكاتب بأن تكون كتابته باهتة.

بصفتك صحفيّاً، لا تستهن بالشخصيات مهما بدت لك ضئيلة.

لنأخذ مثالاً آخر:

في هذا النص البديع من مادة نشرتها «نيويورك تايمز» للصحفييْن مايكل بولسن Michael Paulson وكارا باكلي Cara Buckley. ستجد أنهما يصعدان السُّلَّم ويهبطانه برشاقة. أحياناً حتى العبارة المؤلفة من كلمتين، كلمة في الأعلى، والأخرى في الأسفل. ولا وجود حتى لعبارة واحدة في منتصف السُّلَّم.

انتبه إلى هذه الكلمات..

أعلى السُّلَّم (المجردات): شهرة، قوة، سمعة، وضاعة، ذوق، موهبة، الترويع، ثورات الغضب، الإساءة، الانتقام، القساوة (معنوياً)، المعاناة، الألم، يوم الحساب، التنمر، اعتذار، شهية، تبعات.. إلخ.

أسفل السُّلَّم (المحسوسات): جوائز إيمي وغرامي وأوسكار وتوني، المرؤوسون، الأكواب، أجهزة الجوال، الدَّبَّاسَات، شركة تأمين، مسرح، سرطان الثدي، رابطة برودواي، الأعمال الفنية، سلوك (مجسّد).. إلخ.

عن سكوت رودين — نيويورك تايمز

لطالما كان سكوت رودين أحد أكثر المنتجين شهرةً وقوةً في هوليوود، وبخاصة في برودواي؛ فقد فاز الرجل بجوائز إيمي وغرامي وأوسكار و17 جائزة توني، كل ذلك بينما كانت سُمعته كأحد أكثر المديرين وَضاعةً تزدهر في الوسط الفني باطراد.

حظي ذوقه وموهبته بالتقدير في أفلام مثل «The Social Network» و«No Country for Old Men» والعروض المسرحية «To Kill a Mockingbird» و«The Book of Mormon»، وعُرِفَ أيضاً في عالم الترفيه بترويعه مرؤوسيه، ورميهم بالأكواب وأجهزة الجوال والدبّاسات، وكل ما كانت تطاله يده في ثورات الغضب.

ولكن إساءة معاملة المساعدين ليست سوى جزءٍ صغير من الطريقة التي مارس بها نفوذه.

لديه سمعة انتقامية؛ فبعد نزاع مع وكيل شركة طيران حول سعر تذكرة، قيل إنه ضغط على بعض زبائنه لتركه. وهو مولع بالمنازعات القضائية؛ فقد رفع دعوى ضد شركة تأمين للمطالبة بتعويضات هائلة، ملقياً مسؤولية إلغاء عرض موسيقي على حَمْل الممثلة أودرا مكدونالد. وبمقدوره أن يكون قاسياً؛ فعندما أبلغته الممثلة ريتا ويلسون التي كانت تؤدي دور البطولة في إحدى مسرحياته، بأنها مصابة بسرطان الثدي، أعرب عن أسفه لأن عليها التوقف عن العمل في أثناء موسم التصويت على جائزة «توني» المرموقة للعروض المسرحية.

«إنه مثل زعيم المافيا. إذا كُسِرت ساقه، فعلى الآخرين معاناة الألم»، قال الكاتب المسرحي آدم راب الذي ألغى سكوت رودين إحدى مسرحياته بطريقة فظة عندما رفض قطع العلاقة مع وكيل كان في نزاع معه.

الآن، يبدو أن المنتج ذا الـ62 عاماً يواجه يوم الحساب. فقد أثار مقال نشرته مجلة «هوليوود ريبورتر» هذا الشهر ضجةً بتفصيل تاريخه الطويل في التنمر على المساعدين، ما قاد سكوت رودين إلى إعلان استنكافه عن «المشاركة النشطة» في مشاريعه في برودواي وهوليوود ومسارح ويست إند بلندن. وفي ردٍّ مكتوب على أسئلة هذا المقال، قال إنه يشعر بـ«عميق الأسف» لسلوكه، وكشف أنه سيستقيل من رابطة «برودواي» التي تُعنى بالمنتجين وملّاك المسارح.

وقال: «أعلم أن الاعتذار ليس كافياً بأي حال. أنا عازم على إيجاد حل لمشكلاتي بالاستنكاف، وأدرك تماماً أن كثيرين سيشعرون بأن هذا قليل جداً ومتأخر جداً».

طوال عقود، فلَتَ سكوت رودين إلى حد بعيد من تبعات سلوكه. توافد عليه الفنانون، كبيرهم وصغيرهم، جزئياً بسبب شهيته للأعمال الفنية الطموحة (التي غالباً كانت تحصد الجوائز). كثيرون ممن تضرروا من سخطه كانوا يخشون الانتقام إنْ جاهروا بذلك.

«النبرة» و«الأسلوب» و«الصوت» هي قلب الكتابة الجيدة وروحها ونَفَسُها.

اختيار التفاصيل، وانتقاء الكلمات، والوتيرة والإيقاع، وأسلوب السرد، كل هذه العناصر مجتمعة تتضافر لتضفي قِوامَاً، وجوّاً، وقوة إقناع، وأصالة، على قصتك.

فهي تجعل الشخصيات في قصتك مركبة، وتمنح القارئ الإشباع العاطفي، وترسم حبكة مقنعة.

استخدم الأسئلة في هذا القسم بعين عقلك.

نيويورك تايمز الصفحة الأولى
نيويورك تايمز الصفحة الأولى اضغط للتكبير

لفهم «النبرة»، و«الأسلوب» و«الصوت»، دعنا نتحدث عن مثال نموذجي لا يتكرر كثيراً.

يوم الأحد 21 فبراير / شباط 2021، كان يوماً مختلفاً للصفحة الرئيسية لصحيفة نيويورك تايمز. نقاط سوداء مبعثرة بدأت في مستطيل على طول الصفحة مع مؤشر زمني، ثم تزداد كثافة حتى تكاد تغطي المساحة باللون الأسود تماماً قرب نهاية الصفحة. نحو 500,000 نقطة. وكل نقطة كانت تمثل حالة وفاة ناتجة عن فيروس كورونا منذ 29 فبراير/شباط 2020، وحتى 3 فبراير/شباط 2021.

بدا المستطيل كمِسلّة، أو مَنْليثٍ، أو شاهد قبر، يخلد أرواح الضحايا. ولم يكن التقرير المرفق بأقل بهاءً من الـ«مَنْليث» الضخم. فالصحفية جولي بوسمان استخدمت أيضاً لغةً هي لغة الفَقْد. تتجاوز حدود اللغة اليومية. تحرِّر الحقائق المدهشة عن الجائحة من قيود زخرف اللغة، وتجعلها تتحدث عن نفسها بنفسها.

«٥٠٠٫٠٠٠» — جولي بوسمان، نيويورك تايمز

تواجه أمة أنهكها البؤس والفَقْدُ، رقماً لا يزال قادراً على إثارة الصدمة: 500,000.

مر عام تقريباً منذ أول حالة وفاة معروفة بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، وثمة ثمن باهظ بعيد الغَور يقترب من فَقْدِ نصف مليون شخص.

لم يشهد أي بلد آخر هذا العدد الضخم من الوفيات في الجائحة. لقد مات أمريكيون؛ بسبب كوفيد-19 أكثر من الذين هلكوا في ساحات معارك الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام مجتمعة.

ويأتي اجتياز هذه العتبة في أوقات يملأها الأمل: الإصابات الجديدة بالفيروس في تراجع حاد، ووتيرة الوفيات في تباطؤ، واللقاحات تُوزَّع بخطى متسارعة.

لكن هناك مخاوف من سلالات جديدة من الفيروس، وقد يستغرق الأمر أشهراً قبل السيطرة على الجائحة.

كل وفاة تركت وراءها أعداداً لا تُحصى من المفجوعين، سلسلة مصائب ضربت المدن والبلدات. فكل وفاة تركت وراءها مساحة فارغة في المجتمعات المحلية عبر أمريكا: كرسي في البار حيث كان يجلس فيه زبون دائماً، طرف سرير لم ينم فيه صاحبه، مطبخ فارغ من دون طاهيه.

الأحياء يجدون أنفسهم في مساحات فارغة كان يشغلها أزواجهم، آباؤهم، جيرانهم وأصدقاؤهم؛ ما يقارب 500,000 شخص فقدوا حياتهم، بسبب فيروس كورونا.

«يشعر الناس بفراغ نفسي وروحي»، قال بادي لينش، المسؤول عن الجنازات في ميشيغان، ويعمل مع العائلات التي فقدت أقاربها بسبب فيروس كورونا.

جزءًٌ من هذا الفراغ، أضاف، يأتي من غياب طقوس العزاء؛ تلك الحاجة إلى المواساة بعد الوفاة.

لنقرأ هذا التعليق:

كثيراً ما يتجاهل الصحفيون الأرقام بوصفها عناصر مهمة في الأخبار والسرد. ولكن، في هذا النص الذي أمامك، تجد أن الرقم 500,000 يشغل مكاناً بارزاً في نهاية الجملة/الفقرة الأولى، وهو موضع لا يستطيع أي قارئ تجاهله.

«مر عام تقريباً منذ أول حالة وفاة معروفة بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، وثمة ثمن باهظ بعيد الغَور يقترب من فَقْدِ نصف مليون شخص.»

في نهاية الفقرة الثانية، يتكرر الرقم، ولكن هذه المرة مع إضافة عنصر إنساني: «فَقْدِ نصف مليون شخص.» حقاً، تتكرر كلمة «فقد» في الفقرة الأولى ثم الثانية، وفيما بعد في فقرات أخرى، وفي كل مرة بطريقة مختلفة مبتكرة، وكلها تجيب عن السؤال الذي طرحناه في بداية هذا الكتاب: بكلمة واحدة، عن ماذا تتحدث قصتك؟ تتحدث القصة عن «الفقد».

تكتسب القصة زخماً في الفقرات التي تلي:

«كل وفاة تركت وراءها أعداداً لا تُحصى من المفجوعين. سلسلة مصائب ضربت المدن والبلدات.»

«كل وفاة تركت وراءها مساحة فارغة في المجتمعات المحلية عبر أمريكا: كرسي في البار حيث كان يجلس فيه زبون دائماً، طرف سرير لم ينم فيه صاحبه، مطبخ فارغ بدون طاهيه.»

«الأحياء يجدون أنفسهم في مساحات فارغة كان يشغلها أزواجهم، آباؤهم، جيرانهم وأصدقاؤهم؛ ما يقارب 500,000 شخص فقدوا حياتهم، بسبب فيروس كورونا.»

انظر إلى اللغة المستخدمة: وفاة، مساحات فارغة، كان يجلس فيه، لم ينم فيه، بدون… تستمر القصة باستخدام هذه اللغة على نحو أعمق فأعمق.

تقوم الكاتبة بالطيران افتراضياً، وتنظر إلى الأمة من الأعلى، ثم تهبط هنا، وهناك، لتجد الفقد العميق الذي يعانيه الناجون من الموت، وتأنسن بعض المتوفين؛ خالقة تلك اللحظة التي نشعر فيها بمعاناة الآخرين بغض النظر مَنْ هم وأين هم.

قبيل نهاية القصة، تورد بوسمان اقتباساً عن مسؤول الجنازات، وهو أيضاً يستخدم اللغة ذاتها لوصف ما يمر به الناس في الجائحة:

«يشعر الناس بفراغ نفسي وروحي»، قال بادي لينش، المسؤول عن الجنازات في ميشيغان، ويعمل مع العائلات التي فقدت أقاربها بسبب فيروس كورونا.

جزءًٌ من هذا الفراغ، أضاف، يأتي من غياب شعائر العزاء؛ تلك الحاجة إلى المواساة بعد الوفاة.

انظر إلى اللغة؛ أشبه ما تكون بـ«تكبيرات» صلاة الجنازة، أو بجرس كنيسة يدق: الفراغ، الفقدان، غياب، الحاجة، المواساة، الوفاة.

في هذه القصة على الأقل، لم تكن صحيفة «نيويورك تايمز» تقدم مجرد معلومات للقارئ. كان هنالك ما يتجاوز ذلك. لعلّها كانت تستلهم نظرية الباحث والصحفي جيمس كاري في كتابه Communication as Culture، في أن دور الإعلام ليس فقط نقل المعلومات؛ بل هو أيضاً بناء الرموز داخل ثقافة المجتمع بمساعدة الناس على فهم عالمهم، وإقامة الأواصر الاجتماعية وتعزيزها، والمشاركة في الممارسات الثقافية لمجتمع معين.

كاري كان يرى أن للأخبار وظيفة «شعائرية» بجمع الناس معاً بعد الفوز في مباراة مثلاً، أو إبان الأوبئة، أو الحداد.

حقاً، طوال تاريخنا منذ الزمن الأول عندما كنا نتجمع حول النيران لتبادل القصص، إلى يومنا هذا حيث نشاهد لساعات مسلسلات نتفليكس، كان البشر منتجين ومستهلكين مدمنين للقصص.

ونظراً لانتشار القصص في كل مكان، فهي تعمل كآلية لنشر المعرفة من خلال بث الأعراف الاجتماعية لتنسيق السلوك الاجتماعي، وهذا ما توصلت إليه دراسة نُشرت في Nature Communications. فرواة القصص مثل الأنبياء، ولكن على نطاق ضيق. فقد وجدت الدراسة أن المجتمع لا يكافئ رواة القصص المهرة بمكانة اجتماعية عالية فقط، بل يحظون بمكانة مفضلة لدى الجنس الآخر أيضاً.

أدت بوسمان في قصتها دور رجال الدين، الكهنة، الحاخامات، الشعراء، الخطباء، والمعزين. فهي لم تكتب تقريراً فقط، ولكن أيضاً تعزية ومواساة؛ رؤية مشتركة للإنسانية.

كبشر، نحن ننجذب إلى الشعائر. نحتاج إليها لأنها تواسي، وتعبر عن قيمنا المشتركة، وتبني مجتمعاً يمكن الركون إليه.

في ظل «التباعد الاجتماعي»، جاءت قصة بوسمان لتجمع الناس معا للقيام بشعائر دفن تليق بآلاف الضحايا فقدوا حياتهم في الجائحة، بشاهد قبر على طول الصفحة.

هل ينطوي على معنى ضمني أو مجازي؟ إشارات فطنة؟ ظلال معانٍ؟ بمعنى آخر، هل يخدم الحوار أكثر من هدف؟

نحن البشر يأسرنا الآخرون عندما يكشفون عن مكنوناتهم الداخلية. هذه هي وظيفتنا بوصفنا رواة للقصة: أن نأسر القارئ.

ووجود حوار واقتباسات هو المفتاح لذلك.

الحوار والاقتباس الجيدان يضطلعان بأكثر من أمر: فهما يشخّصان، ويظهران الصراع، ويخلقان الشدّ والتوتر، وينقلان المعلومات في القصة، ويحددان خلفياتها، ويدفعان بالحبكة والشخصيات إلى الأمام داخل الزمان والمكان.

استخدم الأسئلة في هذا القسم لتنمية سمعك للحوار الجيد.

في الصحافة العربية لا توجد الكثير من القصص، بل ثمة «تقارير» تستخدم، على ندرتها، بعض أدوات السرد. وإن وجدت القصص، فإنها ستخلو على الأغلب من الحوارات. ارتبطت الحوارات في مخيلتنا بالروايات؛ بـ«الاختلاق»، وليس بالصحافة التي «تورد الحقائق.»

مع ذلك، تجد أن هذه الأداة تكتسب شعبية بين الناس، على الأقل لدى بعض أولئك الذين ينقلون مشاهد من حياتهم على السوشال ميديا.

الحوار الجيد يستطيع أن يجرّ القصة وراءه، فهو يدخل القارئ إلى داخل المشهد، ويجعله يترقب ما سيحدث تالياً.

في أثناء القراءة، قد تقفز من فقرة إلى أخرى، ولا سيما إذا كانت فقرة ما مزدحمة، ليس بها مساحات بيضاء كافية للتنفس. لكن نادراً ما يستطيع القارئ تجاهل الحوار الجيد.

انظر إلى هذا الحوار:

كانت والدة «شاينا» قد وصلت إلى المنزل، عندما عادت في عصر ذلك اليوم.

«كيف كان يومك في العمل؟» قالت شاينا وهي تتجه نحو غرفتها، وحقيبة من ماركة «مارشالز» تتأرجح متدلّية من ذراعها.

«في الواقع، لم يكن يوماً سيئاً تماماً،» قالت والدة شاينا؛ كاثي يونغ (47 عاماً). «ما الذي تحملينه؟»

كانت شاينا قد حدّثت والدتها عن دروس الإتيكيت، وكيف أنها تتعلم العناية ببشرة وجهها، والجلوس على نحو صحيح. لكنها لم ترغب في أن تفسد مفاجأة الفستان.

«سَتَرَيْن،» قالت شاينا.

أمضت شاينا بضع دقائق في غرفتها بعد أن أغلقت الباب، ثم خرجت مرة أخرى.

«هل أعجبك؟» سألت، وهي تدور حول نفسها على طول الممر الضيق. القوس الذهبي على ظهرها كان معوجّاً، وكانت تترنح في حذائها العالي.

كانت والدة شاينا تجلس على الأريكة وظهرها باتجاه ابنتها. عندما التفت ورأتها، لهثت. ثم انهارت باكيةً.

«يا إلهي، يا ابنتي! يا إلهي، لقد اقشعرّ بدني.»

يا لجمالك، قالت والدة شاينا. لقد كبرت.

«آمل أن أتمكن من الحضور، وأن أراك هناك في حفل الغداء،» قالت، وهي تمسح دموعها.

لم تحضر والدة شاينا أبداً مناسبات المدرسة، ولم تشارك في أي حفل غداء مدرسي من قبل.

في هذا الحوار، على بساطته، ينتقل قارئ قصة الصحفية لين ديغريغوري، إلى منزل شاينا، ويرى بأم عينيه ردة فعل والدتها، وهي ترى ابنتها التي تمر بصعوبات جمة في التكيف مع الحياة، قد صارت أكثر نضجاً بفضل مدرسة قررت إخضاع الفتيات اللواتي يعانين صعوبات التعلم إلى مسار في الإتيكيت.

ليسهل عليك استخدم الحوار في قصتك القادمة، اعلم أن الحوارات في القصص الصحفية لا تقود الأكشن، إنما تشرحه، تلقي عليه الضوء، وتضعه في سياق. فالحوار مثل «الاقتباس»:

  • يقدم صوتاً آدمياً في القصة.
  • يفسر شيئاً عن الأمر الذي تتحدث عنه القصة.
  • يضع إطاراً للمشكلة أو المعضلة المطروحة.
  • يضيف معلومات.
  • يكشف شخصية المتحدث.
  • وقد يمهد لما سيأتي تالياً في القصة.

لكنه يختلف عن الاقتباسات في أن: الاقتباس يقدم معلومات وشرحاً، بينما الحوار يضفي عمقاً على القصة. الاقتباس هو ما يسمعه الصحفي قاصداً وبعلم المتحدث، الحوار قد يسمعه الصحفي عَرَضاً، وربما بدون علم المتحدثين. الحوار يحمل القارئ إلى داخل المشهد ليصبح جزءاً منه، يسمع ويرى بعين عقله. هكذا، يستطيع الصحفي استخدام الحوارات إلى جانب الاقتباسات لإحداث تأثيرات مختلفة داخل قصته.

«الحوار» يعيدنا مجدداً إلى فكرة الشخصية..

الشخصية في «القصة» و«التقرير»

ثمة ثقافة سائدة بأن يخفي الصحفي شخصيته لدى كتابة «قصة» صحفية، لكن قبل الحديث عن ذلك أريد التمييز بتفصيل أكبر بين «القصة» و«التقرير».

يُستخدم تعبير «القصة» بمزيج من السحر والغموض لدى الحديث عن التقرير الخبري. فالصحفيون ينظرون إلى أنفسهم على أنهم رواةُ قصص، وهم ليسوا كذلك في كثير من الأحيان. فمعظم ما ينشرونه تقارير، وليس «قصصاً» كما تسمى خطأً.

إن التمييز بين «التقرير» و«القصة» أمرٌ مهم لما يتوقعه القارئ وللأسلوب الذي يكتب به الصحفي.

وإليك الفرق..

القراء يقرؤون لأحد سببين، فهُمْ إما يريدون الحصول على معلومات Information، أو يريدون التعرّض لتجربة Experience.

وهنا الفرق: التقارير توصل المعلومات، والقصص تخلق التجربة.

التقارير تنقل المعرفة، والقصص تنقل القارئ نفسه، عابرةً الزمان والمكان.

التقارير تدلّنا على الحدث، بينما القصص تضعنا داخل الحدث.

التقرير: يجتمع أعضاء المجلس البلدي اليوم لمناقشة خطة جديدة لتوزيع أجهزة التنفس على مستشفيات المدينة.

القصة: وقف إحسان أحمد أمام مبنى المجلس البلدي والدموع تتساقط من عينيه، رافعاً صورة والدته احتجاجاً على وفاتها يوم أمس نتيجة نقص حاد في أجهزة الأوكسجين.

ما الذي حدث هنا؟

في كلتا الحالتين، يلجأ الصحفي إلى جمع المعلومات عن طريق الأسئلة الستة المعروفة (مَنْ وماذا وأين ومتى ولماذا وكيف) وإيصالها إلى القراء.

في التقارير تكون الإجابات عن هذه الأسئلة بمعلومات ثابتة، جامدة.

أما القصة، فيبثّ السرد الحياة في هذه المعلومات. فمَنْ، يصبح شخصية في القصة. وماذا، يصبح الأكشن في القصة، وهكذا.

طبيعة الموضوع المتناول تفرض ما إذا كان تقريراً أم قصة أم مزيجاً بين الاثنين باستخدام تقنيات السرد في إيصال المعلومة الجامدة.

الأول يُسمى صحافة «قال وأضاف»، وهو السائد من دون منازع في الصحافة العربية، والثاني كثيراً ما يُستخدم في السرد الصحافي في الفيتشرات، أما الثالث فهو الأقرب إليّ؛ لأن الكاتب يستطيع مخاطبة القلب والعقل معاً، قادراً على خلق التعاطف وإفهام القارئ في آن واحد.

هذا لا يعني بأي حال أن يكون التقرير مملاً طالما أنه ليس قصة، كما لا يعني أن تكون القصص ممتعة لمجرد كونها كذلك.

لنأخذ هذا المثال من «نيويورك تايمز» عن سرطان «هودجكين»:

«كان الظلام قد حلّ عندما بدأت المرأة ذات الـ 41 عاماً رحلتها الطويلة من شقة والدها في واشنطن إلى منزلها في ويستشستر. كانت توّاقة للعودة إلى زوجها وأطفالها الثلاثة. عند نقطة ما، بعد أن عبرت الحدود إلى ولاية مريلاند، أُصيبت بحكة شديدة في كامل جسدها. قبل بضعة أسابيع شعرت بحكة خفيفة، لكنها عزت الأمر إلى جفاف بشرتها التي أصبحت فاتحة بعد أن كانت داكنة، بسبب شمس الصيف. لكن الحكة هذه المرة بدت مختلفة تماماً؛ فهي أقوى وأعمق، وفي كل مكان من جسدها، وكل ذلك في وقت واحد».

في هذه المادة تمزج الكاتبة ليزا ساندرز، وهي بالأصل طبيبة، تقنيات القصة والتقرير لإيصال معلومات طبية جامدة بطريقة بديعة. والعناصر كلها في سردها تدفع القارئ للانتقال من فقرة إلى أخرى، دون أن يشعر بذلك.

لكن ماذا لو كانت الشخصيات غير موجودة أصلاً عند بناء الجملة، لا ظاهراً ولا حرفاً ولا ضميراً مستتراً؟

كيف تعيد بناء الشخصيات المفقودة؟

يصدف أحياناً أن هنالك معلومة ترد في النص ليس بها شخصية تقوم بدور الفاعل، كما هو الحال مع هذه الجملة التي أوردتها توّاً:

يصدف أحياناً أن هنالك معلومة ترد في النص ليس بها شخصية تقوم بدور الفاعل.

فالشخصية التي تقوم بإيراد المعلومة في النص غير معروفة. قد يكون المقصود كاتب هذه السطور، أو قد يكون أنت، أو ربما أي صحفي أو كاتب آخر. ونلجأ إلى هذه الطريقة لدى إيراد معلومات عامة.

لكن عندما تكون المعلومات مجردة معقدة، كما في المثال أدناه، قد نحتاج إلى اختلاق شخصية لجعل المعلومات سهلة الهضم لدى القارئ.

تشمل الممتلكات غير الملموسة الخاضعة للضريبة الأوراقَ المالية والسندات. وتُطبق الضريبة على هذه الأصول لمرة واحدة وقدرها 2% من قيمتها.

إليك التعديل:

يتعين عليك دفع ضريبة على ممتلكاتك غير الملموسة، بما في ذلك أوراقك المالية وسنداتك. وستدفع على هذه الممتلكات ضريبة لمرة واحدة قدرها 2% من قيمتها.

يمكنك أيضاً استبدال الضمير «ــــــك»، بشخصية أكثر وضوحاً، مثلاً: «يتعين على دافعي الضرائب..».

تحدثنا حتى الآن عن الشخصيات، وكأنها يجب أن تكون شخصيات حية من لحم ودم، لكن الأمر ليس كذلك دائماً.

لننظر في هذا المثال:

يمكن للأفراد الذين يعانون مشكلات في الصحة العقلية أن يصبحوا خطرين على الناس. من المهم التعامل مع هذا الأمر بمجموعة متنوعة من الاستراتيجيات، بما في ذلك مساعدة المرضى، وإنفاذ القانون إن تطلب ذلك.

كما تلاحظ في المثال، أنْ تستخدمَ المجردات كشخصيات في الجملة، فإنك تخلق مشكلة لدى القارئ. بعض المجردات يمكن فهمها واستيعابها؛ لأنها واضحة بما فيه الكفاية؛ مثل «أشارت المصادر» أو «قالت دراسة». ولكن عندما تكون الفقرة بأكملها قائمة على المجردات بدون سبب، سيحتاج القارئ إلى التركيز، وقد يشعر بأن كتابتك معقدة وصعبة الفهم.

قد يصبح الأشخاص المصابون بأمراض عقلية خطرين على الناس. عند ذلك ينبغي لنا استشارة الطبيب المختص، أو إبلاغ الشرطة عند الضرورة.

ولا يقتصر هذا الأمر على لغة دون أخرى، فأدمغتنا نحن البشر هي ذاتها باختلاف اللغات.

لنأخذ نصاً كتبه توماس هنري هكسلي الذي كان طبيباً من القرن التاسع عشر، ويُنسب إليه الفضل في نشر أفكار داروين والأفكار العلمية الأخرى شعبياً في عصره. وهذه الفقرة الافتتاحية لمقاله الشهير «منهج البحث العلمي»:

«منهج البحث العلمي» — توماس هنري هكسلي

إن منهجية البحث العلمي ليست سوى تعبير عن الطريقة الضرورية لعمل العقل البشري. إنها ببساطة الطريقة التي تُدْرَس بها الظواهر جميعها، وتُعالج بعناية ودقة. وليس ثمة فرق بين العمليات العقلية لعَالِمٍ، وتلك التي يقوم بها الشخص العادي، بقدر وجود فرق بين العمليات التي يقوم بها الخبّاز أو الجزار بوزن بضاعته باستخدام مقاييس عادية والعمليات التي يقوم بها الكيميائي في القيام بتحليل صعب ومعقّد عن طريق ميزانه واستخراج الأوزان المتدرجة بدقة. ذلك لا يعني أن استخدام المقاييس في الحالة الأولى والميزان في الحالة الثانية يختلفان في مبادئ بنائهما أو طريقة عملهما، ولكن شعاع أحدهما يتم ضبطه على محور أدق بكثير مقارنة بالآخر، وبطبيعة الحال يتغير بإضافة وزن أصغر بكثير.

إن مقالة هكسلي هذه كانت لا تزال تُدرّس كنموذج في بعض الكتب المدرسية الإنجليزية حتى عهد قريب، رغم أنها ليست، بعبارة ملطّفة، نموذجاً على الوضوح، ومن المؤكد أنها ليست ممتعة للقراءة. لنلقِ نظرة كيف صاغ كاتب آخر المعلومات ذاتها بطريقة مختلفة:

البحث العلمي طريقة دقيقة، لا بل مألوفة، في فحص المعلومات. فالخبّاز أو الجزّار يزن بضاعته بطريقة التفكير ذاتها التي يستخدمها الكيميائي الذي يجري تحليلاً صعباً ومعقداً باستخدام أوزان متدرجة بدقة.

بالعودة إلى شخصية الصحفي، فإن النصيحة الدائمة هي أن يتجنب الحديث عن تفكيره أو عن القارئ، ويشار إلى ذلك أكاديمياً بالاسم المفزع «الميتا-خطاب» Metadiscourse. وإليك أمثلة عن ذلك:

  • الإشارة إلى تفكير الصحفي: سأشرح أو سنشرح، سأناقش، وأضيف أن..، كما ذكرتُ آنفاً.. إلخ.
  • الإشارة إلى القارئ: فكِّر في..، انظر إلى..، وإليك..، تذكّر.. أريدك الآن أن.. إلخ.
  • الإشارة إلى الكتابة: أولاً، ثانياً، بالعودة إلى، وبالتالي.. إلخ.

علماً بأن «الإشارة إلى الكتابة» ليس حولها جدل، لكنها تندرج ضمن «الميتا-خطاب». المشكلة تكمن في أن الكثير من الصحفيين، بناءً على نصيحة باتت من تقاليد الكتابة الصحفية، يتجنبون الإشارة إلى تفكيرهم، أو إلى أنفسهم، ويلجؤون بدلاً من ذلك إلى صيغة المجهول (ويُذكر أن، ويُعد، ويقال.. إلخ) لتبدو كتابتهم موضوعية ومحايدة. إلا أن القارئ لديه ما يكفي من الذكاء ليعرف أن شخصاً من لحم ودم يقف وراء النص.

في الواقع، جاءت النصيحة، ليس لأن إشارة الصحفي إلى نفسه بها خطأ، بل لأن الصحفي غير المتمرس يقع عادةً فريسة الحشو بالإشارة إلى نفسه أو تفكيره بمناسبة، ومن دون مناسبة.

أما الصحفي المتمرس الذي يشارك بشخصيته في القصة وينخرط فيها، يضفي بُعداً جديداً عليها. وإليك هذا المقطع الذي جاء في نهاية قصة «أحمد ماركيز أربيري»:

من خاتمة «حياة في اثنتي عشرة دقيقة» — ميتشل جاكسون

في 23 فبراير/شباط 2020، أعدِم شاب خرج للجري في مقاطعة «جلين» بولاية جورجيا.

كان اسمه أحمد ماركيز أربيري، كان يُدعى «كويز» من قبل محبيه، و«مود» من قبل معظم الناس الآخرين. وأريدك أن تعرف أن «مود» كانت لديه موهبة في ترك الانطباعات الجيدة، ولديه موهبة خاصة في تقليد «مارتن لورانس». أن «مود» كان مولعاً بالحلويات، وكان يطلب كعكة «الفَدْج» من والدته في حفلات أعياد الميلاد، وغالباً كان يشارك الكعكة مع أخته الكبرى. أريدك أن تعرف أن «مود» كان يوقع البطاقات التي يشتريها لوالدته باسم «الطفل المدلل». وأن «مود» وشقيقه كانا يرتديان الخوذات التي يستخدمانها في لعبة سيارات «الكارتينغ»، ويلعبان بحذر على «الترامبولين»، وأنه لم يخذل قطً شقيقه الأكبر. أريدك أن تعرف أن «مود» هرس خنصره، وهو يلعب بالطوق في المدرسة الثانوية وبدلاً من معالجة الإصبع كما نصحت «ياسمين»، تركه يُشْفَى من تلقاء ذاته، وظل ملتوياً إلى الأبد. أريدك أن تعرف أن «مود» لم يكن يتأفف كلما بدأ شيئاً جديداً، وعندما يتأفف الآخرون كان يوبخهم قائلاً: «لا تبتئس يا رجل. افعل ما عليك فعله للتعامل مع الأمر.»

لاحظ كيف تداخلت شخصية الصحفي مع شخصية القارئ مع شخصية الضحية، مع شخصيات كل أولئك المنخرطين في القصة بطريقة أو بأخرى.