١. تحرير المضمون

١. تحرير المضمون

مخطط تحرير المضمون

الآن وقد قرأت «حياة في اثنتي عشرة دقيقة»؛ (لا بأس إنْ لم تستطع)، يمكنك أن تلقي نظرة على مخطط تحرير المضمون والأسئلة المتعلقة به. ففيما يأتي، سنبحث عن إجابات لهذه الأسئلة.

يقوم مخطط «تحرير المضمون» على تقييم العمل ككل. تغطي الأسئلة في المخطط خمسة مجالات، وليس بالضرورة أن تكون جميعها حاضرة في نصّك أو قصتك:

  • الفكرة العامة للقصة/النص
  • البنية/الحبكة
  • نمو الشخصية
  • التأثير الدرامي
  • الاستمرارية والمصداقية والاتساق والسببية.

سندخل في تفاصيل كل مجال في الأقسام التالية من الكتاب.

الفكرة العامة للقصة

  • عن ماذا تتحدث قصتك؟ ما الحدث المركزي فيها؟ الصراع؟ الفرضية (أو إحدى المقدمتين الصغرى والكبرى) Premise؟ ما التيمة Theme؟
  • من الشخصية الرئيسية؟ هل هي فريدة؟ هل سيميزها القارئ؟
  • هل زمن القصة يخدم القصة؟
  • أين تجري أحداث القصة؟ هل يعزز المكان الأحداث؟
  • لماذا قصتك مثيرة لاهتمام القارئ؟ هل تثير المشاعر؟

البنية / الحبكة

  • هل تتعاقب الأحداث في قصتك؟ هل يوجد انسجام فيما بينها؟ هل ثمة بداية مثيرة Hook Beginning أو ما يسمى بـ «الخُطاف القصصي»؟ هل منتصف القصة يحث على مواصلة القراءة؟ هل تترك النهاية أثراً؟
  • هل أوضحت السؤال الأساسي الذي تطرحه القصة: ما الذي تريد القصة / أو شخصيتها الأساسية قوله (الغاية)؟
  • هل تتكشف الشخصية من خلال الحبكة؟ هل تطوّر الحبكة الصراع الدائر؟ هل بها مفاجآت؟ تحولات وانعطافات؟
  • هل تواجه الشخصية الأساسية عقبات؟ هل هي مجبرة على سلوك معين؟ واتخاذ خيارات صعبة؟
  • هل ترتيب المَشَاهِد ووتيرتها يساعد على نشوء الصراع وتطوره؟ هل ثمة شدّ وتوتر Tension في القصة؟ هل ثمة تشويق؟
  • هل لكل أكشن سبب ونتيجة؟ يدفع الحبكة إلى الأمام؟
  • هل تطور القصة منطقي؟ حلٌّ Resolution مُرضٍ؟ يجاوب على السؤال الذي طرحته القصة؟

نمو الشخصية

  • هل الشخصية / الشخصيات الرئيسية في القصة تثير التعاطف؟ ما أحلك أسرارها؟ الشغف الذي يقودها؟ العيب الفادح فيها؟
  • ما تصورها عن ذاتها؟ الوظيفة التي تشغلها؟ ما تحب؟ وما تكره؟ الصراعات؟ سماتها وما يميزها؟
  • هل تكافح؟ تنمو؟ تخاطر؟ تتخذ مواقف؟ تظهر الشجاعة؟ تتغير؟
  • ما هدفها؟ هل يستحق الهدف العناء؟ ما دوافعها؟
  • هل الشخصية / الشخصيات الرئيسية معروضة جيداً؟ دوافعها جيدة؟ أصلية؟ متنوعة؟
  • هل تخدم الشخصية / الشخصيات غرضاً درامياً؟ هل يمكن استبعادها؟

التأثير الدرامي

  • هل تبدأ القصة بالحدث الأكثر درامية؟ وفي لحظة أكشن؟
  • هل الشخصية الرئيسية هي التي تسرد القصة (أو ما يسمى وجهة النظر أو نقطة استشراف الأشياء) أم الراوي/الكاتب؟ هل الشخصية مضطرة للتغيير؟
  • هل خلفية القصة Settings أو محيطها يخلق أجواء درامية؟ شعوراً قوي بالزمن؟ بالمكان؟ تعكس الشخصية؟ تعزز الحبكة والتيمة؟
  • هل أدوات القصة (الانتكاس الدرامي Dramatic Reversal، الإلماع إلى قرب حدوث أمر ما Foreshadowing، الفلاش باك إلخ) تزيد الشدّ والتوتر Tension في القصة؟ وتدفعها إلى الأمام؟
  • ما العناصر، الشخصيات، المشاهد، الحوارات التي يمكن حذفها لإضافة الزخم Momentum إلى القصة؟
  • هل الشخصية الرئيسية للقصة والشخصية النقيضة (إنْ وُجِدَتْ) متساويتين؟ على حافة الأزمة؟ تتصارعان؟

الاستمرارية والمصداقية والاتساق والسببية

الاستمرارية Continuity / المصداقية Credibility/ الاتساق Consistency/ السببية Causality

  • هل تغيرت وجهة النظر أو نقطة استشراف الأشياء Point of View؟ أم سقطت في مكان ما؟ أو أصبحت ضعيفة؟
  • هل الشخصيات وما تقوم به من أكشن قابلة للتصديق؟
  • هل النبرة Tone والستايل والصوت السردي Narrative Voice مناسبة للقارئ المقصود؟
  • هل التركيبة / الحبكة جديرة بالتصديق، أم تنقصها العناصر الواقعية؟ التسلسل الزمني؟ التشويق؟
  • هل قلتَ ما أردت قوله؟ على نحو مثير للاهتمام؟ ودرامياً؟
  • هل جميع عناصر القصة والشخصيات تتسم بالاستمرارية، والمصداقية، والاتساق، والسببية؟
هربرت جورج ويلز
هربرت جورج ويلز١٨٦٦ – ١٩٤٧روائي وكاتب قصص بريطاني — آلة الزمن، الرجل الخفي
جان فانوليا
جان فانوليا١٩٢٨ – ٢٠٢٠كاتبة ومحررة أمريكية — Rewrite Right!

«لا يوجد شغف في العالم يعادل شغف تغيير مسودة شخص آخر.» — هربرت ويلز

«… إلّا إذا كان ذلك الجلوس وتحرير مادتك بنفسك.» — جان فانوليا

الفكرة العامة للقصة Story Concept

هل قصتك تثير اهتمام القارئ؟ هل تثير المشاعر؟

السؤال الأول: عن ماذا تتحدث قصتك؟

الجواب بجملة واحدة:

هذه القصة عن (الشخصية الرئيسية) التي تريد (الهدف) كذا.

مثال:

هذه قصة «أحمود ماركيز أربيري، وهو من السود في أميركا، أراد أن يعيش حياة طبيعية مثل أقرانه من البِيْض، لكن النظام القائم على سيادة البِيْض عوّقه، فدفع حياته ثمناً لذلك».

إذا كانت إجابتك واضحة وموجزة، فأنت تمسك جيداً بالفكرة العامة لقصتك. إن لم تكن كذلك، فأمامك عمل وعليك إنجازه. تذكر: القصة صراع / تغيير.

إذا كانت القصة تتناول المخاوف العميقة في حياة الناس، فإن «الفرضية» Premise و«التيمة» Theme مهمتان.

في كتابه Art of Dramatic Writing، يقول ليوش إيغري إن «الفرضية» هي القوة/العاطفة الدافعة للقصة.

«الفرضية» تجعلك ملتزماً بخط قصتك.

«فرضية» قصة أحمود ماركيز أربيري، هي:

السياسات العنصرية في أمريكا تؤدي إلى إعدام السود في الشوارع دون محاكمات قانونية.

التيمة: بالمصطلحات الحديثة «سيادة العرق الأبيض» White Supremacy في أميركا، أو «حياة السود مهمة».

أحمود ماركيز أربيري
أحمود ماركيز أربيري

البنية / الحبكة Structure / Plot

في بناء الحبكة، عليك اتخاذ الخيارات وطرح الأسئلة الصعبة.

هل تدفع الحبكة القصة إلى الأمام؟ تكشف عن الشخصية؟ تطور الصراعات الدائرة؟ تخلق التشويق؟ تضفي البعد الدرامي؟

إذا شعرت بالملل في أي جزء من قصتك، فإن القارئ سيشعر بذلك أيضاً. لذا لا تتردد في إعادة الكتابة.

في «حياة في اثنتي عشرة دقيقة»، بنى ميتشل جاكسون مادته بطريقة أقل ما يقال عنها إنها فريدة. لشرح ذلك، عليك معرفة أن «الحبكة» تختلف عن القصة.

فإذا قلنا: مات الملك، ثم ماتت الملكة.

فتلك قصة.

أما إذا قلنا: مات الملك، ثم ماتت الملكة حزناً عليه.

فهذه حبكة.

ما فعله جاكسون، هو أنه بنى «القصة» (الدقائق الـ١٢ الأخيرة من حياة مود) في خط منفصل عن «الحبكة» (وهي تأملاته ومقابلاته وسلسة الأفعال، والصراع بين القوى، التي أفضت في نهاية الأمر إلى مقتل مود).

فخط القصة، وخط الحبكة، يسيران بالتوازي أحياناً؛ يتشابكان ويتصادمان أحياناً أخرى. لكنهما في نهاية المادة يتداخلان ليبثّا الحياة مجدداً في أحمود «مود» أربيري.

ميتشل جاكسون
ميتشل جاكسون

الصـراع، التضارب، النزاع Conflict

الصراع الدرامي هو الصراع الذي ينمو من تفاعل قوى متعارضة (أفكار ومصالح وإرادات) في حبكة، ويمكن القول ان الصراع هو المادة التي تبنى منها الحبكة.

وللصراع أنواعه المختلفة:

فهنالك الصراع البدائي الأولي بين الإنسان والعالم الطبيعي. الصراع الاجتماعي بين الإنسان والإنسان، أو صراع الفرد ضد المجتمع. الصراع النفسي. صراع الإنسان ضد القدر.

شخصـية Character

(خصيصة ـ صفة أو طابع ـ خلق)

المعنى الشـائع هو مجمل السمات والملامح التي تشكل طبيعة شخص أو كائن حي.

وهي تشير الى الصفات الخلقية والمعايير والمبادئ الاخلاقية ولها في الأدب معان نوعية أخرى، وعلى الأخص ما يتعلق بالشخص الذي تمثله القصة.

الحبكة Plot

وهي ترتيب الأحداث للوصول إلى تأثير مقصود. والحبـكة هي سلسلة من الأفعال التي تصمم بعنـاية وتتشابك صلاتها وتتقدم عبر صراع قوي بين الأضداد إلى ذروة وانفراج.

وتختلف الحبكة عن القصـة أو عن خط القصة (ترتيب الأحداث كما وقعت).

فإذا قلنا: مات الملك ثم ماتت الملكة،

كان ذلك قصة.

وإذا قلنا:

مات الملك ثم ماتت الملكة حزناً عليه،

كان ذلك حبكة.

التشـويق Suspense

حالة من عدم التأكد الذهني والترقب والقلق والاستثارة أو عدم الحسم. والكلمة مستمدة من أصل لاتيني يعني أمراً معلقا، ولذلك فقد ترك دون حسم.

في الادب تشير الكلمة الى ترقب القارئ لما ستكون عليه نهاية الأحداث في رواية أو قصـة أو تمثيلية.

وهي صفة من صفات التوتر الذي يجعل الجمهور مهتماً ويجعله يتساءل ما الذي سيحدث بعد ذلك.

وقد يتباين التشويق ابتداء من تقديم قرينة في الروايات البوليسية ذات القالب الثـابت التقليدي، إلى ما استخدمه سوفوكليس في «أوديب ملكاً» (إخفاء معرفة أن أوديب قد قتل والده الفعلي).

حل (قرار) Resolution

الأحداث التي تعقب الذروة في القصة وتشير إلى موضع بداية حل العقدة.

الحبكة لا تكون بالضرورة دائماً قصة إنسانية أو «فيتشر». قد يمتلك التقرير العادي «حبكة».

انظر إلى هذا التقرير الذي نشرته صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، وفاز بجائزة بوليتزر في 2023 عن فئة التقارير. ستجد فيه كل عناصر الحبكة.

«سياسيون يثيرون الغضب بعد تعليقات عنصرية في تسجيل صوتي مسرب» — لوس أنجلوس تايمز

خلف الأبواب المغلقة، أدلت نوري مارتينيز، رئيسة مجلس مدينة لوس أنجلوس، بتعليقات عنصرية جهراً، سخرت فيها من زملاء لها في المجلس، واستخدمت تعابير فظّة غير معهودة عن تقسيم المدينة سياسياً. الحديث ظل سراً لمدة عام تقريباً، إلى أن تردد صداه في تسجيل مسرب يوم الأحد، ما وجّه أنظار المدينة الكبيرة المترامية الأطراف نحو مبنى بلدية مدينة لوس أنجلوس. بحلول مساء الأحد، ثلاثة من زملاء مارتينيز في المجلس طالبوها بتقديم الاستقالة. وتحوّل التسريب إلى قضية جديدة مثيرة للجدل في الانتخابات المقررة في 8 نوفمبر/تشرين الثاني، إذ اضْطُر المرشحون – وبعضهم ممّن تدعمهم مارتينيز – إلى اتخاذ موقف منها. ويبدو أنّ مارتينيز وقادة الأمريكيين اللاتينيين الآخرين الحاضرين في الجلسة، لم يعلموا أن حديثهم يُسجّل؛ تقول مارتينيز في التسجيل إن أحد أعضاء المجلس من البِيض يتعامل مع ابنه الأسود الصغير كما لو كان «إكسسواراً»، ووصفت ابن عضو المجلس مايك بونين بـأنه «يشبه القرود».

(بوليتزر 2023 — فئة التقارير)

الحبكة موجودة حتى في الخطابات؛ انظر إلى خطاب القسم الذي ألقاه إبراهام لينكولن في 4 مارس / آذار 1865، وقد كانت الحرب الأهلية الأمريكية قد شارفت الانتهاء:

من دون ضغينة تجاه أحد، بمحبة تجاه الجميع، وبالحزم في الحق كما يُرِيه الله لنا، لنجاهد من أجل أن ننهي ما بدأنا به، أن نضمّد جراح الأمة، أن نرعى ذلك الذي تحمل مشاق المعركة، نرعى أرملته وأيتامه، أن نفعل كل ما يمكن لتحقيق سلام عادل ودائم وتعزيزه بيننا، ومع الأمم جميعها.

كما ترى، ثمة عرض للمشكلة «بدون ضغينة تجاه أحد، بمحبة تجاه الجميع، وبالحزم في الحق كما يُرِيهُ الله لنا»، ثم تصاعد الأكشن فيها «لنجاهد من أجل أن ننهي ما بدأنا به، أن نضمّد جراح الأمة، أن نرعى ذلك الذي تحمل مشاق المعركة، نرعى أرملته وأيتامه»، ثم الحل «أن نفعل كل ما يمكن لتحقيق سلام عادل ودائم وتعزيزه بيننا ومع الأمم جميعها.»

فتاة النافذة
فتاة النافذة

مثال على الحبكة التي تدفع بعجلة القصة إلى الأمام:

اقرأ مطلع هذه القصة للصحفية لين ديغريغوري، التي فازت بجائزة بوليتزر عام 2009 عن فئة الفيتشر.

المشهد الافتتاحي أدناه، أعيد بناؤه بعد ثلاث سنوات من الحادث، من خلال الشهادات وتحقيقات الشرطة؛ إذ إن ديغريغوري لم تكن حاضرة هناك. انظر كيف تدفع هذه الحبكةُ القصةَ إلى الأمام؛ أي أن القارئ يريد أن يعرف ماذا حدث بعد ذلك. انتبه أيضاً كيف تَستخِدم حاستَيّ اللمس والشم.

«فتاة النافذة» — لين ديغريغوري

كانت العائلة تعيش في منزل مستأجر متهالك منذ ثلاث سنوات تقريباً عندما رأى أحدهم لأوّل مرة وجه طفلة في النافذة. فتاة صغيرة شاحبة ذات عيون داكنة، رفعت بطانية قذرة فوق زجاج النافذة المكسور، وهي تحدّق في الخارج؛ بحسب ما تذَكّرَه أحد الجيران. كان الجيران يعرفون أن امرأة تعيش في المنزل مع صديقها وابنيها البالغين. لكنهم لم يروا طفلاً هناك من قبل. لم يحدث أن شاهدوا أحداً يلعب في الفناء الذي تغطيه الأعشاب البرية بسبب الإهمال. بدت الفتاة صغيرة السن، 5 أو 6 أعوام، ونحيفة. نحيفة جداً. خدّاها مقعران؛ وعيناها غائرتان. تأملت الطفلة في البقعة التي تضربها أشعة الشمس، ثم انسحبت.

مرّت الشهور. لم تظهر الفتاة ثانيةً. تماماً، قبيل ظهيرة يوم 13 يوليو 2005، توقفت سيارة شرطة «بلانت سيتي» أمام تلك النافذة المكسورة. دخل شرطيان إلى المنزل، ثم خرج أحدهما مترنّحاً. الشرطي المستجد أمسك ببطنه، وتقيأ على الأعشاب.

كان المحقق مارك هولستي قد قضى 18 عاماً في شرطة «بلانت سيتي» عندما أُرْسِل هو وشريكه الشاب إلى المنزل في شارع «أولد سيدني» للمساندة في تحقيق عن حالة إساءة معاملة الأطفال. كان أحدهم قد اتصل أخيراً بالشرطة. وجدوا سيارة أمام المنزل. كان باب السائق مفتوحاً وامرأة منهارة على المقعد، تبكي. كانت المحققة من دائرة «الطفل والأسرة» في ولاية فلوريدا. «لا يُصدَق»، قالت لهولستي. «هذا أسوأ ما رأيته في حياتي.»

دخل الشرطيان عبر الباب الأمامي، إلى غرفة المعيشة الضيقة. «مررت بغرف تعفنت فيها جثث لمدة أسبوع، ولم يكن رائحتها بهذا السوء،» قال هولستي لاحقاً. «أمرٌ يفوق الوصف. بول وفضلات؛ براز الكلاب والقطط والبشر، ملطخة على الجدران ومهروسة على السجادة. كل شيء رطب وعفن.»

ستائر رثة مصفرّة، بسبب دخان السجائر، تتدلى من قضبان معدنية معوجّة. الكرتون وَاللُّحُف القديمة محشورة في نوافذ وسخة ومكسورة. القمامة تغطي الأريكة الملطخة والمناضد الدبقة. الأرضية والجدران وحتى السقف، بدت كأنها تتمايل مع جحافل الصراصير المتزاحمة. «بدا الأمر كأنك تمشي على قشور البيض. إذ لا يمكنك أن تخطو خطوة واحدة دون طقطقة الصراصير تنسحق تحت رجليك»، قال المحقق. «كانت داخل الإضاءات، داخل الأثاث. حتى داخل الثلاجة. الثلاجة!»

بينما كان هولستي يلقي نظرة حوله، اعترضت المرأة البدينة بردائها المنزلي الباهت مطالبة بمعرفة ما يجري داخل بيتها. نعم، كانت تعيش هنا. نعم، كان هؤلاء ابناها في غرفة المعيشة. ابنتها؟ حسناً، نعم، كانت لديها ابنة…

مشى المحقق مارّاً بها، باتجاه الممر الضيق. دفع الباب من مقبضه ففتح على مساحة بحجم خزانة الملابس. أمعن النظر في العتمة. عند قدميه، تحرّك شيء ما. أوّل ما رآه كان عينا الفتاة: كانتا داكنتين وواسعتين، من غير تركيز، لا ترمشان. لم تكن تنظر إليه بقدر ما كانت تنظر عبره.

استلقت في فراش ممزق، وعفن على الأرض. تلوَّتْ على جانبها، بينما كانت ساقاها الطويلتان مثنيتين نحو صدرها النحيل. ضلوعها وعظميا الترقوة ناتئة؛ ذراعها النحيفة التفَّتْ حول وجهها؛ وشعرها الأسود متشابك ومليء بالقمل. لدغات الحشرات والطفح الجلدي والقروح تغطي بشرتها. ورغم أنها بدت كبيرة بما يكفي لتكون الآن في المدرسة، إلا أنها كانت هناك عارية من كل شيء ما عدا الحفاظة المنتفخة.

«كومة الحفاظات القذرة في تلك الغرفة كانت بارتفاع 4 أقدام»، قال المحقق. «كُسِرَ زجاج النافذة، والطفلة كانت ترقد تماماً هناك محاطة ببرازها وبالحشرات.»

عندما انحنى ليرفعها، أصدرت صوتاً كثغاء الخروف. «شعرتُ وكأنني أرفع رضيعًا»، قال هولستي، «وضعتها على كتفي، وبدأ سوائل الحفاض تتسرب على ساقي.»

الفتاة لم تقاوم. سأل هولستي: ما اسمك، حبيبتي؟ بدت الفتاة كأنها لم تسمع. بحثَ عن ثياب ليُلبسها، ولكنه وجد فقط ثياباً متكتلة ملطخة بالبراز. بحث عن لعبة أو دمية حيوان محشو، «ولكن ما وجدته كان مغطى باليرقات والصراصير.»

كبح جماح غضبه، اقترب من الأم، وسألها: كيف تجرّأت على فعل هذا؟ «قالت الأم: هذا ما استطعته»، قال المحقق. «قلت لها: ما استطعتِه يبدو سيئاً جداً!»

أراد أن يعتقل المرأة على الفور، لكن عندما اتصل برئيسه، قال له أن يترك الأمر لوكالة الرعاية الاجتماعية لتجري تحقيقها الخاص.

حمل المحقق الفتاة عبر الممر المظلم، مارّاً بشقيقيها، وبوالدتها عند الباب، التي كانت تزعق: «لا تأخذوا طفلتي!» ثم ثبّت الطفلة بحزام مقعد سيارة محققة الولاية. المحققة وافقت قائلة: يجب أخذ الفتاة من هنا فوراً.

«اتّصلْ مع مستشفى تامبا العام»، يتذكر المحقق ما قاله لشريكه. «إذا لم تصل هذه الطفلة إلى المستشفى، فلن تبقى على قيد الحياة».

نمو الشخصية Character Development

  • ما هي خلفية الشخصية الرئيسية في القصة؟ وهل تؤثر في قراراتها وأفعالها؟ كيف تصف الشخصية؛ هل يعكس الشكل المضمون؟ ما هي نقطة قوتها وضعفها؟ هل هي متوازنة أم معقدة؟
  • ما الذي يدفعها؟ هل لها أهداف قصيرة / طويلة الأمد؟ كيف تؤثر دوافعها في تقدم القصة؟
  • كيف تتطور الشخصية خلال أحداث القصة؟ هل تؤثر الأحداث فيها؟ هل تكافح؟ تنمو؟ تخاطر؟ تتخذ مواقف؟
  • ما هي علاقات الشخصية مع الآخرين في القصة؟ كيف تؤثر هذه العلاقات على الشخصية؟ هل هنالك صراعات داخل هذه العلاقات؟
  • هل تتسق لغة الشخصية، ولهجتها، وصوتها، ونبرتها، مع توصيف الشخصية؟
  • ما الذي يجعل الشخصية الرئيسية مختلفة أو فريدة؟ هل لها عادات معينة تؤثر في مجرى القصة؟
  • ما الذي يجعل القارئ يتعاطف / يتماهى مع الشخصية؟ أو يرفضها؟

اختر من الأسئلة الزوايا التي تلائم قصتك. الشخصية تقوم بأفعال، وتتخذ خيارات فتتكشف للقارئ.

الفكرة / المشكلة التي تطرحها القصة ستساعد على اختيار الأسئلة الصحيحة، وهي أيضاً مفتاح نمو الشخصية.

مثلاً، كُتبت قصة «حياة في اثنتي عشرة دقيقة» بطريقة مفعمة بالحيوية عن الحياة القصيرة والمأساوية لأحمود ماركيز أربيري؛ الشاب الأسود البالغ من العمر 26 عاماً الذي طُرِدَ، وقُتِلَ في أثناء ممارسته رياضة الجري في حي ذي غالبية بيضاء في ولاية جورجيا.

تقدم حبكة القصة تفاصيل غنية عن حياته، وعائلته، وطموحاته. تُؤنسِنُهُ وتقدّمهُ للقارئ شخصاً من لحم ودم؛ شخصية تنمو وتتغير، تقع وتنهض، تفشل هنا وتنجح هناك، ما جعل مقتله ظلماً، فاجعة لها أثرها المستمر. ويحاول الصحفي ميتشل جاكسون، كاتب القصة، أن يُحدث التغيير من خلالها. «التغيير» هو ما تريد القصة قوله بعد تصاعد الأحداث فيها إلى الذروة بمقتل «مود». ويُسمى في السرد الأدبي «الحل» Resolution؛ أو الأحداث التي تعقب الذروة، وتشير إلى موضع بداية حل العقدة / المشكلة.

تستكشف حبكة القصة قضايا أوسع؛ قضايا الظلم العرقي، والتحيز، وعدم المساواة في الولايات المتحدة. فقد أظهرت أن مقتل أربيري كان نتاج عنصرية منظمة.

في النثر الأدبي، يوجّه الكاتب نظر القارئ إلى الأشياء الملموسة ليشاهدها بنفسه. فالعيون تتجه إلى بطل القصة؛ محرّك الأحداث وقوتها الدافعة. وفي أثناء مسعاه إلى تحقيق أهداف معينة، تتطور شخصية البطل من خلال الخيارات المختلفة المتاحة أمامه؛ يخاطر فتنفضح دوافعه وأسراره، يتخذ مواقف فتظهر عيوبه، يتغيّر فيتكشف الشغف الذي فيه. تتطور الحبكة من خلال المفاجآت والتحولات والانعطافات؛ أي من خلال الأكشن الملموس، خالقة الشدّ والتوتر والتشويق.

في هذا، لا تختلف القصة الصحفية كثيراً عن القصة الأدبية:

القصة الصحفية تستند إلى الوقائع لنقل المعرفة وتقديم الترفيه في موضوعات تجري في العالم الحقيقي.

القصة الأدبية تستند إلى الخيال لنقل رسائل وقيم إنسانية وتقديم الترفيه من خلال سرد مبتكر، وقد يكون له صلة بالعالم الحقيقي.

لكن كلتيهما تقوم على الشخصيات؛ إنْ ضاعت، ضاع كل شيء.

ما الدور الذي تقوم به الشخصيات؟

فكّر في الروايات التي أعجبتك، هل تتذكّر الشخصيات التي عشت معها الصفحة تلو الأخرى، حتى كنتَ تتمنى ألا تنتهي الرواية أبداً؟ ما الذي تتذكره بوضوح أكبر: الشخصيات أم الحبكة؟

فكّر أيضاً في الأفلام التي شاهدتها، وأثّرت فيك، أتتذكر حبكة الفيلم أم الممثلين؟ هنالك كتاب بعنوان: Characters Make Your Story، فالعنوان يقول كل ما تحتاج إلى معرفته. إذا دبّت الحياة في الشخصيات على الصفحة، فإن ما تفعله هذه الشخصيات يصبح القصة.

والحال، أن الأدب كان مدخلاً لتيار في الصحافة سُمّي فيما بعد الصحافة الأدبية أو السردية، ابتدأه الصحفي والروائي البريطاني جورج أورويل بمقالة كتبها خلال رحلة استشفاء من مرض السل في المغرب عام 1939 بعنوان «مراكش»، وأُسيل حولها الكثير من الحبر. وفي الستينيات وجد هذا التيار زخماً ليتوج في عام 1973 بكتاب نشره الصحفي الأمريكي توم وولف بعنوان «الصحافة الجديدة» وهو مجموعة من المقالات المختارة، وكان بمثابة البيان رقم واحد أو مانفيستو الصحافة الأدبية. مشكلة وولف أنه كان يروّج حينها لموت الرواية الأدبية القائمة على تخيل الأحداث والشخصيات، ولفكرة أن الصحافة الأدبية ستحل محلها بأحداثها وشخصياتها الحقيقية. لم تمت الرواية، لكن استعارة تقنياتها في الصحافة استمرت.

أدى تطبيق تقنيات السرد في الكتابة الصحفية إلى إنتاج بعض القصص الأكثر إثارة خلال العقود القليلة الماضية. فبدلاً من «الراوي» الغامض mysterious الموثوق authoritative كلَّي المعرفة omniscient في صياغة الأخبار، تلجأ الصحافة السردية إلى بناء القصة مشهداً بعد مشهد لأن الصحفي يكون متواجداً -ولو مجازاً- على «الأرض» حيث يدون الملاحظات، ويجري المقابلات والحوارات المعمقة مع الشخصيات المنخرطة في الحدث المعني. ويُروى الحدث من وجهة نظر الشخص الثالث أو ما يُسمى في اللغة العربية ضمائر الغائب: هو، هي، هم، ما يساعد الكاتب على تقديم شخصيات متعددة ومستويات مختلفة للسرد والحبكة بالطريقة التي تعمل بها الكاميرا في الأفلام من زووم-آوت وزووم-إن.

ولعل أحد الأمثلة الحديثة على استخدام تقنيات السرد في الصحافة، ما نشرته واشنطن بوست عن اللاجئ السوري مازن الحمادة الذي قرر العودة إلى سوريا. فعلى مدار أكثر من 3500 كلمة وفيديوهات وتسجيلات صوتية أُعِدت خصوصاً لهذه المادة، تتنقل الصحفية ليز سلاي من مشهد إلى مشهد، ومن زووم-آوت إلى زووم-إن، لتضع القارئ أمام الصورة الأكبر لمأساة السوريين، راسمةً مصاير أولئك الذين تحولوا إلى بقايا بشر تطاردهم أشباح الانتقام بعد أن أنهكتهم الحرب على مدار 10 سنوات، وأولئك الذين استطاعوا الفكاك من أسر الماضي، وبدؤوا حياة جديدة في أوطان غير وطنهم الأم.

تمسك ليز سلاي، الصحفية البريطانية المتمرسة، بيد القارئ، وترشده خطوة بخطوة، عبر سرد صحفي، ليستكشف بنفسه حقيقة ما خلفته الحرب في سوريا. ويكفي أن تقرأ الفقرات الأولى لتعرف أنك أمام سرد صحفي رزين:

«اللاجئ الذي عاد» — ليز سلاي، واشنطن بوست

بجسده النحيل ووجهه الجزِع ودموعه الغزيرة، أصبح مازن الحمادة رمزاً لمعاناة ضحايا التعذيب السوريين. بعد هربه من سوريا إلى هولندا، سافر كثيراً، وروى للجمهور في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا، قصصاً عن الفظائع التي تعرض لها خلال اعتقاله بسجن في دمشق.

ثم فجأة، وفي خطوة غامضة عصيّة على التفسير، لا بل ربما في خطوة انتحارية، عاد قبل نحو عام إلى سوريا، ليخاطر مرة أخرى بالوقوع في قبضة حكومة وحشية كان قد جاهد لشجبها.

اختفى مازن منذ ذلك الحين، تاركاً وراءه أسرة وأصدقاء هالهم تفسير الدافع وراء أن يُقْدم رجل مثقل بندبات جروحه الماضية، على العودة إلى أحضان جلّاديه. وما يخشونه هو دخوله مرة أخرى في كابوس نظام السجون في سوريا.

ففي هذه الفقرات الأولى، تحدد سلاي ثلاثة من أهم العناصر التي ترسي قواعد سرد القصة. فهي أولاً ترسم نبرة الصوت Tone (نغمته) أو موقف الكاتب من القصة التي يسردها أو جوها العام؛ وهي هنا تهيئ القارئ بأنه سيقرأ (أو إذا شئت: سيسمع) قصة جديرة بالقراءة: تعرض لفظائع في التعذيب، مع ذلك قرر العودة بملء إرادته لحضن جلاديه. هذا وحده كفيل بجعل أذن القارئ تنتصب لمعرفة المزيد.

ثم تضع المنظور Perspective والصوت Voice (بمعنى مَنْ يرى ومَنْ يتكلم في القصة)، فهي لن تسرد القصة من وجهة نظرها الأمر الذي قد يرمي بظلال الشك حول دوافعها، بل أسرته وأصدقاؤه الذين هالهم تفسير ما جرى. وفي غضون ذلك فإنها ستلعب دور الراوي الذي يساعد القارئ على فهم الأحداث الدرامية التي ستتكشف أمامه واستيعابها، لتُبنى في النهاية الصورة الأكبر التي لا يراها عادة المنخرطين في الحدث.

جيمي بريسلين
جيمي بريسلين

في عام 1963، استطاع الصحفي الأسطورة جيمي بريسلين أن يخلّد ما كتبه عن مقتل جون كينيدي، بشخصية حفّار القبور «كليفتون بولارد» في قصة بعنوان: «إنه لشرف لي»:

«إنه لشرف لي» — جيمي بريسلين

كان كليفتون بولارد واثقاً تماماً أنه سيذهب إلى العمل الأحد، فعندما استيقظ في التاسعة صباحاً في شقته المكونة من ثلاث غرف في شارع «كوركورين»، ارتدى أفرول العمل الكاكي قبل التوجه إلى المطبخ لتناول الفطور. زوجته، هيتي، أعدّت له اللحم المقدد مع البيض. كان بولارد قد بدأ بتناول طعامه عندما جاءته المكالمة الهاتفية التي كان ينتظرها. كانت من مازو كوالشيك، كبير حفّاري القبور في مقبرة «أرلينغتون» الوطنية، حيث يعمل بولارد لكسب لقمة العيش.

سأله كوالشيك: «بولي، هل يمكنك أن تكون هنا بحلول الساعة 11 هذا الصباح؟ أظن أنك تعرف السبب»، بولارد كان يعرف حقاً. أنهى المكالمة، فرغ من تناول فطوره، وغادر شقته ليقضي يوم الأحد في حفر قبر جون فيتزجيرالد كينيدي.

في الأدب، يبدأ الروائيون العمل عادةً بتخيّل شخصية ما. وكذا في الروايات البوليسية التي تتمحور حول الشخصية، مثل: «شارلوك هولمز». ومع أن روايات المغامرات والجاسوسية والخيال العلمي والروايات الرومانسية الشعبية وأفلام الأكشن تبدأ أولاً بالحبكة، ثم تُسكَّن بالشخصيات، إلا أن هذه الشخصيات تبدو غالباً «مختلقة»، ولا تترك أثراً يُذكر.

الكاتب الذي يكون ولاؤه للشخصية تكون قصته أكثر قابلية للبقاء والاستمرار. فأحداث القصة لا تؤثر فينا إلا إذا عرفنا الشخصيات المنخرطة فيها. لماذا أصلاً سيهتم أي قارئ بأمر شخصية لا يعرفها؟! نحن نريد دائماً أن نقع في حب الشخصية، كما وقعت أمريكا في حب «كليفتون بولارد»؛ أن ننغمس بأسرع وقت ممكن في تفاصيل حياتها.

لنأخذ هذا المطلع الذي كتبه الصحفي كيث برادشر، الحائز على جائزة البوليتزر عن قصة نشرها عام 1993 في «نيويورك تايمز»:

مطلع قصة كيث برادشر — نيويورك تايمز

هنا على مرج صخري غرب تكساس، وبنهاية طريق غير معبدة على مسافة 10 أميال عبر أراض تغطيها نباتات «المَسْكيت» الشوكية، وتنتشر فيها ذئاب «القَيُّوط»، يتجمع المئات من حاملي سلعة استراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية.

إنها الماعز.

«تع، تع، تع، إررررر!» ينادي «بوب ريك»؛ مربّي ماشية، على ماعز «الأنقَرة» الهائمة على وجهها، لتناول وجبة من بذور القطن العالية البروتين، بينما يطارد كلبه تلك الشاردة عن القطيع.

من بين النزاعات جميعها التي يواجهها الرئيس كلينتون مع نهاية الحرب الباردة، ربما لا يوجد نزاع أغرب من محنة مربي الماشية التي تنتج صوفَ «الموهير»؛ السلعة التي اعتبرها الاتحاد السوفييتي «استراتيجية» لجيشه.

ففي نهاية الحرب الكورية، أقنع مربّو الماشية الكونغرس بإدراج تجارتهم ضمن برنامج السلع الاستراتيجية بوصفهم منتجين لصوف الماشية. لكن نظراً إلى تراجع استخدام الجيش الأمريكي لشَعْر الماعز «الموهير»، انتهى بهم الأمر بإرسال ثلاثة أخماس الإنتاج السنوي المدعوم بحلول عام 1990 إلى الاتحاد السوفييتي من خلال وسطاء يصنعون الأوشحة والقبعات والمعاطف.

مع زوال الاتحاد السوفييتي في العام التالي، انخفضت المبيعات، ما أدّى -في انعكاس غريب لفوائد السلام- إلى زيادة الإعانات الفيدرالية لمالكي هذه القطعان ذات الصوف الدهني بطبيعته.

(بوليتزر 1993 — نيويورك تايمز)

كيث برادشر
كيث برادشر

ورغم أن هذه القصة تندرج ضمن قسم الاقتصاد أو المال والأعمال، فإننا ننغمس مباشرة في تفاصيل حياة «بوب ريك» وقطعان ماعزه، والأرض البور التي تجوبها الذئاب، وكيف أن الحظوظ قد انقلبت بسلعة «صوف الموهير» التي ينتجونها، حتى باتت حياتهم على المحك.

السرد في الصحافة العربية نادر، وثمة توجه إلى مقاومته، على اعتبار أنه كتابة «حيّة» أكثر مما ينبغي، و«ملونة» غير «نقيّة» لا تصلح لكتابة الخبر.

على العكس من ذلك تماماً، ينبغي على الكتابة، لكي تكون ناجحة، أن تغمر القارئ بكثافة التجربة التي يختبرها في القراءة؛ عاطفية كانت أم فكرية أو كلاهما، حتى لتبدو «التجربة» أحياناً أكبر من الحياة ذاتها. هذا ما فعله بريسلين في «إنه لشرف لي». الكتابة الباهتة لا تمنح المتعة.

ومهما تكن المعلومات والرؤى التي تَحْتَوِيهَا هذه الكتابة الباهتة، فإنها ستكون متاحة فقط لأولئك الذين يتحمّلون مشقة التنقيب عنها في النثر الباهت.

لا سبب يستدعي أن تكون الكتابة غير الأدبية -بما فيها الصحافة- غير ممتعة وغير مثيرة للاهتمام. فالمعلومات تفعل فعلها عندما تُصاغ لتلامس مشاعر القارئ. ولا يحتاج الصحفي أن يكون روائياً كي يستخدم أدواتٍ للكتابة تجعل القصة الصحفية أكثر إغناءً لتجربة القارئ.

عندما يحشر الصحفي مَنْ وماذا ومتى وأين ولماذا في الفقرة الأولى، فأنّى له أن يلفت انتباه القارئ إلى ما تبقى من القصة؟! الحقائق المجردة لا تكفي في معظم الأحيان لشد القارئ حتى النهاية. بل السياق؛ أي النص بوصفه حاوية المعلومات، هو ما يضيء هذه الحقائق، ويمنحها القوة والمعنى.

مع ذلك ينبغي توخّي الحذر، ففي الكثير من الأحيان تنتهي الكتابة الصحفية التي تحاول استعارة أدوات الكتابة الأدبية إلى المبالغة في التقليد، في محاولة لجذب انتباه القارئ إلى مادة باهتة أصلاً. وسنأتي إلى تفصيل ذلك في الفصول القادمة.

  • هل خلفية القصة Settings أو محيطها تخلق أجواء درامية؟ شعوراً قوياً بالزمن؟ بالمكان؟ تعكس الشخصية؟ تعزز الحبكة والتيمة؟
  • هل الشخصية الرئيسية للقصة والشخصية النقيضة متساويتان؟ على حافة الأزمة؟ تتصارعان؟

لا صراع، لا تغيير، لا قصة!

هل بدأت بأكثر الأحداث درامية؟ هل الشخصية الأكثر تأثيراً هي التي تروي القصة؟ هل تستغل العواطف القوية؟ هل يتصاعد الصراع؟

الاستمرارية، المصداقية، الاتساق، السببية Continuity, Credibility, Consistency, Causality

  • هل الشخصيات وما تقوم به من أكشن واقعية وقابلة للتصديق؟
  • هل التركيبة / الحبكة جديرة بالتصديق؟ التسلسل الزمني؟ التشويق؟
  • هل قلتَ ما أردت قوله على نحو مثير للاهتمام؟

الانتكاس الدرامي Dramatic Reversal

انقلاب أو تغيير مفاجئ وغير متوقع في اتجاه القصة أو نتيجتها. وينطوي على تحولٍ كبيرٍ في السرد.

الإلماع في السرد Foreshadowing

إلماع، أو تلميح لأحداث أو تطورات أو نتائج قادمة داخل القصة. الإلماع يخلق شعوراً بالترقب، ويمهد للتطورات القادمة في القصة، أو يكشف عن شخصيات جديدة أو أحداث هامة.

الاستمرارية Continuity

التدفق السلس للمعلومات وعناصر السرد في النص، وهي التي تخلق تجربة قراءة موّحدة ومتماسكة للقرّاء.

المصداقية Credibility

ترتبط بمدى قناعة القارئ بدقة المعلومات المقدمة، واستنادها إلى مصادر يمكن الوثوق بها.

الاتساق Consistency

التوازن والاستقرار في الأسلوب والبناء واللغة والتنسيق والمفاهيم والمعلومات عبر النص بأكمله، ما يعني تجانس النص وتدفقه بسلاسة وتناغم.

السببية Causality

العلاقات بين الأسباب والنتائج داخل سياق النص. أفعال أو أحداث أو ظروف معينة تؤدي إلى نتائج أو عواقب معينة.

لننظر إلى ما كتبه إيلي ساسلو، وهو أحد أفضل كتّاب الفيتشر في جيله. فاز بجائزة بوليتزر، وهو في الـ 32 من عمره، ثم فاز بها مجدداً في الـ 41 بهذه القصة في 2023 عن سائقة الحافلة رقم 15، المسلمة الأمريكية من أصل تركي «سونا كاراباي»؛ البطلة غير المحتفى بها التي تكسب رزقها في ظروف عمل صعبة يومياً إبّان جائحة كورونا في أمريكا.

يستخدم ساسلو أداة تقليدية في السرد الصحفي تسمى ride-along (المرافقة)، وذلك لاختبار التجارب اليومية التي تمر بها الشخصية في القصة، كقضاء يوم أو ليلة داخل سيارة الشرطة، أو سيارة الإسعاف، أو شاحنة النفايات، أو في حالتنا هذه، حافلة المدينة. يُضاف إلى ذلك، أداة أخرى fly on the wall (وتعني حرفياً الذبابة على الحائط) وتترجم عربياً بـ: عدسة الكاميرا، حيث يتحول المراسل الصحفي إلى مجرد «عدسة كاميرا» لا يُلحَظ وجوده، ولا أثر له في تطور الأحداث، مثل الذبابة على الحائط التي تشاهد كل شيء دون أن يلحظها أحد.

إيلي ساسلو يدرك الفرق بين كتابة تقرير وكتابة قصة. فـ «مَنْ؟» تصبح الشخصية الرئيسية في القصة، وهي السائقة التي تضع اللمسات الأخيرة على مكياجها، وتبدأ بتلاوة دعاء صباحي. و«ماذا؟» تصبح ما يحدث خلال المشاهد والمحطات المختلفة التي تمر بها البطلة. و«متى؟» تصبح الترتيب الزمني للأحداث. أيضاً الأشخاص يتحدثون، لكن ليس بصيغة اقتباسات، بل الحوار ذاته يتحول إلى أكشن يقود القصة. ففي بضع فقرات سريعة، ننغمس نحن القرّاء في عالم سائقة الحافلة.

سونا كاراباي
سونا كاراباي

«غضب وحزن في الحافلة رقم 15» — إيلي ساسلو

دنفر – وضعت سونا كاراباي [المسلمة التركية الأصل] اللمسات الأخيرة على مكياج عينيها، وهي تنظر في المرآة الخلفية، ثم استندت إلى عجلة القيادة لتتلو الدعاء الصباحي. «اللهم ارزقني الصبر،» قالت، «اللهم اجعلني رحيمة طيبة الأَثر.» سارت داخل الحافلة لتلقي النظرة الأخيرة قبل الانطلاق: الأرضية مُسِحَتْ، المقاعد نظيفة، المساند والمَسَّاكات معقمة، خزان الوقود ممتلئ بما يكفي لمناوبة عمل تستغرق 10 ساعات على أكثر طريق مزدحم في المدينة. قادت الحافلة إلى المحطة الأولى، انتظرت هناك حتى الساعة 5:32 صباحاً بالضبط، ثم فتحت الأبواب.

«صباح الخير!» قالت، وهي تحيّي أول راكب لليوم؛ رجلٌ حافي القدمين يحمل بطانية ووسادة. أدخل 29 سنتاً في آلة التذاكر مقابل تذكرة رحلة تبلغ تكلفتها 3 دولارات. «هذا كل ما لدي،» قال. أومأت سونا له ليصعد إلى الحافلة.

«جمعة مباركة!» قالت للناس الذي صعدوا إلى الحافلة تالياً، منهم اثنان يحملان ثلاثة أكياس قمامة بلاستيكية، وكلب كبير فُكّ من مقوده. «كلب خدمة مدرَّب،» قال أحدهما. ثم بحث في جيبه، وأخرج تذكرة حافلة فيما طال الكلب إلى التابلو وأمسك بعلبة كلينكس، وبدأ يمزق المناديل على الأرض. «كلب خدمة مدرَّب؟» سألت سونا. «هل أنت متيقن من ذلك؟» «ألم أقل لك ذلك تواً؟» قال الراكب. «اهتمِّي بشؤونك وقودِي الحافلة اللعينة.»

أدارت وجهها نحو الزجاج الأمامي للحافلة، واتجهت إلى «شارع كولفاكس»؛ طريق بأربعة مسارات يمتد مسافة 48 كيلومتراً، مارّاً بمبنى الكابيتول، عبر وسط المدينة، باتجاه جبال الروكي.

بعمر الخامسة والأربعين، قادت الحافلة في الطريق ذاته لما يقرب من عشر سنوات، حتى باتت مظهراً ثابتاً من خط الحافلات رقم 15 في «دنفر»، لدرجة أن صورتها أُلصقت إعلاناً على جوانب عدة حافلات؛ وجه ضخمٌ ومبتسمٌ لمدينة لم تعد سونا تعرفها بعد جائحة كوفيد-19.

فمدينة «دنفر» التي تختبرها يومياً على الحافلة، تحوّلت بفعل موجة جديدة من الأوبئة التي تجتاح المدن الكبرى في جميع أنحاء البلاد. ارتفعت نسبة التشرّد في دنفر بنسبة تصل إلى 50% منذ بداية الجائحة. الجرائم العنيفة زادت بنسبة 17%، وارتفعت جرائم القتل بنسبة 47%، وتضاعفت تقريباً جرائم السرقات، وحالات ضبط «الفينتانيل» و«الميثامفيتامين» وصلت إلى أربعة أضعاف خلال السنة الماضية.

كانت تُوقِف الحافلة كل بضعة شوارع لتحمل المزيد من الركاب أمام الفنادق ذات الإقامة الطويلة والمطاعم ذات التكلفة المنخفضة، محوّلة نظرها بين الطريق الممتد أمامها والمرآة الخلفية التي تُظْهِر الـ 70 مقعداً في الخلف.

خلال السنتين الأخيرتين، تعرّض سائقو الحافلات في منطقة دنفر لأكثر من 145 حادثة اعتداء ارتكبها الركاب. بُصِقَ على سونا، وضُرِبَتْ بصندوق الأدوات، وهُدِّدَتْ بسكين، ودُفِعَتْ من الخلف في أثناء قيادة الحافلة، ولُوحٍقَتْ في دورات المياه خلال استراحتها. تحطم الزجاج الأمامي للحافلة بفعل رمي الأحجار أو القناني ثلاث مرات. بعد آخر حادثة، كتبت للمشرف عليها «باتت هذه الوظيفة مثل كرة ضغط آدمية.»

كل يوم، تمتص سونا معاناة ركابها وإحباطاتهم على مدار ست رحلات على طول طريق «كولفاكس» ذهاباً وإياباً، لدرجة أنها، بنهاية مناوبة العمل، تستطيع أن ترى بجلاء آثار ضغط أصابعها على مقود الحافلة.

الآن، توقفت ليصعد أربعة عمال بناء أمام المطعم الصيني «سنرايز – 1.89 دولاراً للمغرفة الواحدة.» ثم توقفت قرب مدرسة ثانوية لتصعد مراهقة، وكانت لا تزال تدخن عندما صعدت إلى الحافلة. «عفواً. لا يمكنك التدخين هنا،» قالت سونا. «إنها مجرد مَرْهوانة.» «ليس هنا،» قالت سونا. رمت الفتاة السيجارة على الرصيف، وخبطت بقبضتها على مقاعد الصف الأول، لكن سونا تجاهلتها.

استمرت في القيادة حتى امتلأت الحافلة بالركاب ثم بدأت تفرغ بعد المرور بوسط المدينة. «المحطة الأخيرة،» أعلنت سونا ذلك فيما كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحاً إلا بضع دقائق.

لديها استراحة لست دقائق قبل أن تبدأ رحلة الإياب على طول طريق «كولفاكس»، لكن عندما نظرت في المرآة الخلفية، كان لا يزال هناك سبعة أشخاص نائمين داخل الحافلة. في الآونة الأخيرة، ربع ركابها تقريباً كانوا بلا مأوى. الحافلة كانت وجهتهم، لذلك يبقون في الحافلة إلى أن يجبرهم أحدٌ ما على النزول. «أنا آسفة. يجب على الكل النزول،» قالت سونا ذلك مرة أخرى بصوت أعلى، نزل الجميع ما عدا راكباً واحداً بدا منهاراً على مقعدين في الصف الثاني.

نهضت سونا للتحقق من حالته. «سيدي؟» قالت، وهي تلكز كتفه. كان هناك جرح مفتوح على كاحله، وكانت ساقه ترتجف. «سيدي، هل أنت على ما يرام؟»

فتح عينيه. سعل، ثم بصق على الأرضية، ونظر حوله في الحافلة الفارغة. «هل وصلنا إلى تولسا؟» سأل. «لا، هذه دنفر. هذا خط الحافلة 15.» تعثر الراكب، وهو يقف على قدميه. «هل ترغب أن أطلب لك سيارة إسعاف؟» سألت سونا، لكنه هزّ برأسه، وبدأ يعرج نحو الباب. «حسناً. أتمنى لك يوماً سعيداً»، قالت سونا. أشار الراكب بإصبعه الوسطى لها، ونزل من الحافلة.

(بوليتزر 2023 — واشنطن بوست)

السرد في الصحافة، لا يقتصر على كتابة «الفيتشرات» وحدها، وليس بالضرورة أن يبدأ دائماً بالحدث الأكثر درامية، أو «قلب الأحداث»، أو الأكشن، كما مرّ سابقاً في النصيحة الثانية.

انظر إلى التحقيق الشارح الذي كتبته الصحفية كايتلين ديكرسون لـ «ذا أتلانتيك»، وفازت بجائزة بوليتزر لعام 2023 عن فئة الصحافة الشارحة. فالمواد المطوّلة، ومادة ديكرسون تزيد عن 30 ألف كلمة، غالباً لا تبدأ بمطلع قصير، بل بمقدمة. الهدف منها ليس جذب انتباه القارئ، بل الإمساك بقِيَادِه وتيسير الطريق أمامه لقراءة شيء قد لا يكون ميّالاً إلى قراءته.

ليكن اسمي اسماعيل. كنتُ قبل بضع سنوات -لا يهم عددها على وجه الدقة- بلا نقود في جِزْداني أو بالكاد، ولم يعد على البرِّ شيء يبعث المتعة في نفسي، خطر لي أنني قد أقضي بعض الوقت مبحراً وأرى الجزء المائي من العالم.

تلجأ ديكرسون إلى أداة أتقنها الصحفي جيم دواير، وساعدته على تغطية الأحداث الكبرى؛ مثل هجمات 11 سبتمبر. كان يسميها: «The bigger, the smaller»؛ أي كلما كبر الحدث كان الأفضل للصحفي أن يعمل «زووم إن» ويركز على العالم الأصغر لفهم العالم الأكبر.

يتناول تحقيق ديكرسون سياسة فصل الأطفال المهاجرين غير الشرعيين عن آبائهم عند الحدود الجنوبية في أمريكا، وتبدأ مادتها بـ«زووم إن» على طفل صغير فُصِل عن والده. ومرّة أخرى -كما في قصة «سونا كاراباي» – فإن الحوار، وليس الاقتباسات، هو الذي يقود العجلة، ويدفعها إلى الأمام، ويجعلنا نتساءل: كيف حدث هذا؟ ماذا سيحدث لهذا الطفل؟ هل سيُلَمّ شمل الأب والابن؟ إلخ..

«علينا فصل الأطفال عن الآباء»

«علينا فصل الأطفال عن الآباء» — كايتلين ديكرسون، ذا أتلانتيك

بصفتها معالجة للأطفال الذين يخضع أمر متابعة ملفّاتهم لنظام الهجرة الأمريكي، لدى سينثيا كينتانا روتين تتَّبعه كلما قابلت مراجعاً جديداً في مكتبها في «غراند رابيدز»، بميشيغان: تتصل بالوالدين أو بالأقرباء لإبلاغهم أن الطفل بخير، وفي أيادٍ أمينة، وتُعرِّفهم بكيفية الاتصال للاطمئنان على مدار الـ 24 ساعة.

تتخذ هذا الإجراء عادة في الساعات الأولى من وصول الطفل. معظمهم مراهقون حفظوا أو كتبوا أرقام هواتف أقاربهم في دفاتر يحملونها معهم عبر الحدود. بحلول وقت المكالمة الابتدائية، تكون العائلات بغاية القلق، ينتظرون بلهفة معرفة الأخبار بعد أن أرسلوا – في خطوة يأس – أطفالهم إلى بلد آخر وحدهم سعياً للسلامة وأملاً بمستقبل.

ولكن في صيف 2017، واجهت كينتانا حالة غريبة مثيرة للفضول. صبي غواتيمالي بعمر 3 سنوات بابتسامة بارزة وشعر أسود قصير من الجوانب، جلس إلى مكتبها. كان أصغر من أن يستطيع القيام بالرحلة بمفرده. لم تكن معه أرقام هواتف، وعندما سألته أين كانت وجهته أو مَنْ كان برفقته، نظر الصبي إليها بانشِداه. قلَّبت كينتانا ملفه بحثاً معلومات إضافية، لكنها لم تجد شيئاً. طلبت مساعدة ضابط الهجرة والجمارك، الذي عاد بعد عدة أيام مع شيء غير عادي: معلومات تشير إلى أن والد الصبي كان في سجن اتحادي.

في الجلسة التالية، كان الصبي يَتَلَوَّى في كرسيه فيما كانت كينتانا تتصل بمركز الاحتجاز، لتضع والده على خط الاتصال. في البداية كان الأب هادئاً، كما قالت. «أخيراً قلنا له: ابنك هنا. يمكنه سماعك. يمكنك التحدث الآن. كان صوته متهدّجاً، لم يستطع التحدّث.»

بكى الصبي طالباً والده. فجأة، بدأ كلاهما بالصراخ والبكاء بأصوات عالية لدرجة أن زملاء كينتانا هرعوا إلى مكتبها.

أخيراً، هدأ الرجل بما يكفي للتحدث مباشرة مع كينتانا. قال «أنا آسف جداً، من أنت؟ أين يوجد طفلي؟ جاؤوا في منتصف الليل، وأخذوه،» قال. «ماذا سأقول لأمه؟»

The Atlantic · (بوليتزر 2023 – Explanatory Reporting) · تاريخ النشر 7 أغسطس/آب 2022

يكتب الصحفي لينقل معلومات عن أمر ما إلى القارئ (ويسمى: تقريراً)، أو لينقل القارئ ليعايش ذلك الأمر، ويختبره بنفسه (وتُسمّى: قصة).

لكي يكتب الصحفي القصة، عليه أن ينتبه إلى العالم من حوله: ما الذي يوجد في المشهد، ماذا ينقصه، وما الذي ينبغي أن يكون عليه؟ ما الذي يجري؟ وما معناه؟

عليه أن يهوى المفاجآت، وأن تكمن سعادته في أن يعثر على ما لا يتوقعه.

عندما يبدأ الصحفي البحث في قصة ما، تكون لديه فكرة عما يبحث عنه، وتكون لديه بعض التوقعات. لكنه أيضاً يؤمن بالمفاجآت، ويؤمن بأن الوقائع قد تخون حدسه، وبأن ما قد يقوله الشخص ربما سيسير عكس ما كان يتوقعه، وبأن «غير المتوقع»، له طاقة على الكشف.

لدى استكشاف العالم لكتابة قصة، يبحث الصحفي عمّا هو غير موجود بقدر بحثه عمّا هو موجود، عليه أن يسمع ما لا يقال بقدر سماعه ما يقال.

تتطلب القصة أن يستخدم الصحفي كل حاسة من حواسه، لا بل أن يطوّر حواسّ لم تكن لديه. ويأتي كل ذلك من خلال الممارسة، وهو ليس ضرباً من السحر.

حواسّ الصحفي العشرة

ويتحدث عنها الصحفي والكاتب والمعلم دونالد موري في كتابه: Writing to Deadline.

ابدأ باستخدام كل حاسة على انفراد، وابدأ بالأقوى لديك.

الشم

إحدى الحواس التي نعتمد عليها أحياناً أكثر من غيرها، مع ذلك نادراً ما نتحدث عنها، أو نذكرها في الكتابة الصحفية. هذه الحاسّة يمكنها أن تكون ذات انطباع قوي لدى استخدامها مثلاً لالتقاط رائحة الخبز الطازج قبل أن نجد المخبز، أو رائحة ذاك المشرّد الذي يحلم يومياً بترف الاستحمام، أو حتى رائحة الخوف.

البصر

هل تنظر بطرف عينيك لتستوعب ما يجري حولك وما لا يجري؟ وكيف يجري ذلك؟ الفعل والاستجابة؟ الإيماءات والتعبيرات؟ كيف يتحدث الناس؟ ما الذي يجري علناً وما الذي يكشفه؟ ما الذي يجري خفاء وما الذي يكشفه؟

السمع

نحن البشر مستمعون سيئون. نسمع ما نتوقع سماعه. الصحفي الجيد يدرب نفسه على الاستماع. تسجيل الملاحظات في أثناء الحديث قد يساعدك على الاستماع الجيد؛ وهذا يساعد على طرح أسئلة جيدة.

وبدلاً من أن تضع المتحدِّث معك في أجواء استجواب غير مريحة، دردش معه ودِّياً. لفعل ذلك، عليك أن تبدو مسترخياً، وأن تستمع، وتومئ برأسك، وتستجيب بلغة جسدك لما يقوله.

يتطلب الإصغاء قدراً كبيراً من الطاقة للانتباه والاستماع الجيدين. عليك أن تستمع لما يقال وكيف يقال. قد تحمل نغمة الصوت، الوقفات، التعبيرات، والإيماءات، معنى مختلفاً عن المعنى الذي تحمله الكلمات وحدها. استمع إلى سياق ما يقال وما لا يُقال أيضاً. استمع إلى الأصوات الأخرى التي قد تكشف عن المكان المحيط .

التذوق

إذا تمكنت من جعل القارئ يرى ويشم، فإن التذوق أيضاً سيجعل القارئ يفهم القصة ويختبر التجربة بشكل أعمق؛ والعوالم التي تتحدث عنها ستنبض بالحياة.

انظر ما كتبته الصحفية الفلسطينية ريم قسيس لـ «نيويورك تايمز»، عن «النَّفَس في الأكل» عند العرب، ورغم أنها لا تتحدث عن التذوق مباشرة، فإنّ اللعاب يكاد يسيل بسبب وصفها لإعداد الطبق:

كلمة «النَّفَس» تنطوي على تلك الحميمية التي تمتد إلى ما وراء السمات المادية المحسوسة في الطبق. فهي تتعلق بالشخص الذي يعد الطبخ بقدر ما تتعلق بما «ينفخه من روح» في الطعام. إنها الوقت والجهد المبذولان في اختيار المكونات وإعدادها؛ تلك الرقصة الصبورة مع التوابل ذهاباً وإياباً إلى أن تصل كل نكهة إلى حد الكمال؛ ذاك السخاء في مدّ السُّفْرة والحفاوة بالضيوف؛ وقبل كل شيء، إنه عشق للطبخ وشهوة إطعام الآخرين.

التغيير

يجب أن تكون على دراية بالتغييرات. الحق، أن معظم القصص الصحفية هي أولاً وأخيراً سِجِلٌّ للتغييرات؛ فالصحافة تدوين للتاريخ في لحظة وقوعه. انظر إلى مجتمعاتنا، ستجد أن العلاقات الاجتماعية تغيرت، النظرة إلى العالم تغيرت، حتى المناخ تغير. فأينما نظرت، ستجد ذاكرة الماضي وظلال المستقبل. مهمة الصحفي هي أن يلتقط إشارات التغيير القادم، تلك التلميحات لما سيكون عليه ما هو موجود الآن.

اللمس

حاسة، نادراً ما يستخدمها الصحفي. بوصفي قارئاً، أود معرفة كيف يكون الإحساس في الملعب ذي العشب الطبيعي مقارنة بالاصطناعي. أود من الصحفي الرياضي أن يمسك بيدي وقدمي، ويضعهما على أرضية الملعب أو المدرجات. أود أن أعرف ما يحسّ به الجراح وهو يبضع بطن مريضه، أين يرتكز توازن المِشرط: يده؟ معصمه؟ ربما كتفه؟ لعلّه ظهره؟ أود معرفة ثقل ذاك المسدس الذي أردى قتيلاً يوم أمس، وأريد أن أعرف كيف يستطيع الشرطي الركض بكامل معداته على جسده؛ كيف يحس بكل ذلك؟ أود بوصفي قارئاً أن أمرّر يدي تماماً على المكان ذاته، التراب ذاته، الذي مرّغت فيه يديها تلك الأم التي دفنت ابنها للتو. وأود أن أشعر بالأوتار، وهي تحتك بأصابع عازف البزق أو العود. أريد، أريد، أريد.

السياق

يفشل الصحفي أيضاً عندما لا يضع التفاصيل المحددة في سياقاتها. فالأحداث لا تقع بمعزل عن بعضها؛ لكل حدث أسبابه وتداعياته. الصحفيون هم مؤرِّخو اللحظة. ينبغي أن يضعوا حدثَ اليوم في سياق الماضي والمستقبل. تكتسب التفاصيل حقيقتها وأهميتها عندما توضع في سياقها الصحيح.

التأثير

أحد الإخفاقات التي قد تعترض الصحفي، الفشلُ في الإحساس بتأثير الأخبار في حياة الناس. فتغيير بسيط في خط الحافلات، بسبب التصليحات، قد يؤثر في حياة مئات المسنين. وانقطاع الكهرباء عنهم في الصيف الحار، قد يودي بحياتهم. ربما تغيير بسيط في أسعار السلع، قد يدفع الأسر إلى الاقتصاد في وجباتها.

الصراع

نحن نعيش في عالم حيث القوى فيه دائماً على مسارات التصادم. من مهام الصحفي تغطية التصادمات قبل وقوعها، وعند حدوثها، وبعد انتهائها. يحتاج الصحفي إلى تطوير حس الصراع؛ عندما تفضي مصالح مجموعة ما، إلى تصادم مع مصالح مجموعة أخرى.

الذات

يتعلم الصحفيون أن يكونوا موضوعيين، وهذا أمر جيد؛ لأنه يمنعهم من اختلاق الحقائق. إنهم يحتاجون إلى نقل المعلومات بدقة، وتوثيق ما يقولونه بالأدلة، ولكن كثيراً منهم ينأون بأنفسهم عن تجاربهم، ويتنكرون لردود فعلهم على الأشخاص والأحداث التي يغطّونها، رغم أنهم قد يكونون جزءاً من الحدث.

استفد من تجربتك بوصفك واحداً من الجمهور المتأثر بالحدث، لأن ذلك سيساعد القارئ على فهم مادتك على نحو أفضل.

إضافة إلى تمرين حواسك، تحتاج إلى تعلُّم:

أسئلة القارئ الخمسة

سواء أكنت تكتب قصة سريعة لنشرها اليوم، أو قصة طويلة تستغرق أربعة أسابيع، أو كتاباً قد يأخذ سنتين أو أكثر، ستجد دائماً أن هنالك خمسة أسئلة رئيسية يهتم بها القارئ. قد تزيد هذه الأسئلة قليلاً، وقد تنقص، وهي غالباً ليست الأسئلة التي تطرحها بذهنك، وتظن أنها مهمة لقصتك. الأسئلة الخمسة هي التي سيسأل عنها القارئ لو كان في مكانك. إذا لم تُجب عنها، سيشعر بالإحباط.

في أغلب الأحيان، الأسئلة الخمسة واضحة رغم أنها تختلف من قصة إلى قصة. أسهل طريقة لمعرفتها هي أن تضع نفسك مكان القارئ. وثمة كتاب عن الأسلوب؛ أحد أهم الكتب، بعنوان: The Reader Over Your Shoulder من تأليف الشاعر والروائي روبرت غريفس ومساعده آلان هوج؛ أي كيف تكتب، وأنت تنظر بطرف عينك من فوق كتفك إلى القارئ المفترض الذي يقف بجانبك، يتحدث معك وتتحدث معه كما في أي جلسة واقعية.

مع الوقت والممارسة، لن تستغرق معرفة هذه الأسئلة الخمسة أكثر من دقائق معدودة. واحرص أن تطرحها على المصادر جميعها في قصتك. فالاختلاف في الإجابات قد يكون هو القصة، أو قد يقودك إلى القصة.

مثلاً، في قصة عن مشروع لتوسيع حديقة عامة في المدينة، يمكن أن تكون الأسئلة الخمسة كما يلي:

  • ما التكلفة؟
  • هل ستُقتطع من ميزانية بلدية المدينة؟
  • هل ستأتي على حساب خدمات أخرى يحتاجها الأهالي أكثر؟
  • لماذا التوسعة؟
  • هل يمكن الاستغناء عنها بمشروع أفضل؟

الأسئلة الخمسة فعّالة أيضاً لدى تناول قصة معقدة. حاول أن ترتب الإجابات على الأسئلة بالتسلسل الذي سيسأل به القارئ المفترض الذي يقف بجانبك.

هذا لا يعني بأي حال، أن يحصر الصحفي بحثه ضمن الأسئلة الخمسة، ويغلق بابه أمام المفاجأة، كما ذكرنا آنفاً.

وطرح الأسئلة، يتطلّب تعلُّم:

المقابلات

لن تصادف «المفاجآت» إلا إذا كان لديك أصلاً «توقعات». ولبناء التوقعات تحتاج إلى بعض التحضير. حضّر قائمة بالأسئلة التي تودّ طرحها على مصدرك أو الشخص الذي تجري معه المقابلة. هذا سيضمن أنك لن تنسى شيئاً، وسيمنحك الثقة في أثناء الحديث في المقابلة.

لا ينبغي أن تنخرط في المقابلة فوراً، وتقرأ الأسئلة مباشرة من الورقة بين يديك. ابدأ أولاً بكسر الجليد مع محدِّثك، اشرح ما تنوي فعله، وما إذا كان لديه أسئلة لك. دعه يسترسل، ويبدأ الحديث من النقطة التي تريحه، ثم دع فضولك يقدك. عد إلى قائمتك لتتأكد من أنك سألت الأسئلة كلها التي أردت طرحها، وأشرع أبوابك لما هو غير متوقع.

وإليك 30 سؤالاً عاماً قد تبدو بسيطة وسطحية، لكنها تساعد للتعرف إلى الشخصية، وقد تستفيد منها. تحتفظ الصحفية لين ديغريغوري بهذه القائمة دائماً في حقيبتها:

أسئلة ستساعدك على فهم أفضل للشخص

  • لكل إنسان قصة، فما هي قصة حياتك؟
  • ما أقدم ذكرى لا تزال تحفظها في ذاكرتك؟
  • كيف تصف عائلتك؟ بيتك؟ ما ترتيبك بين أفراد أسرتك، وأين تضع نفسك ضمن ديناميكية العلاقات داخل أسرتك (كيف ينظر إليك أفراد أسرتك)؟ (إن كان لديك حيوان أليف:) ما اسمه؟ صِفْهُ؟ كيف تتعامل معه؟
  • طقوس العائلة، عاداتها وتقاليدها: أيها تحب وأيها تكره؟
  • في الصغر (أو الصبا) ماذا كنت تود أن تصبح عندما تكبر (أو ما كان حلمك)؟ هل كنت دائماً ترى نفسك متزوجاً أم أعزب؟ هل كنت تتخيل أن يكون لديك أطفال أم لا؟
  • كيف كانت شخصيتك في الطفولة؟ هل كان أقرانك يتوددون إليك؟ كيف كانت علاقاتك في المدرسة؟ ما أبرز الأنشطة التي كنت تمارسها؟
  • مَنْ هو (هم) مثلك الأعلى (أبطالك)؟ ولماذا؟ ومن هم الآن؟
  • كيف كانت أول تجربة لك مع الموت (قد يكون موت شخص عزيز، أو أحد أفراد الأسرة، أو هو نفسه مرّ بالتجربة في حادث أو مرض)؟
  • كيف التقيت بزوجتك / بزوجك؟ أو كيف بدأت علاقتك مع أفضل صديق لك؟
  • ما أصعب قرار اتخذته في حياتك؟ كيف كان ذلك؟
  • بماذا تحلم الآن؟
  • مَنْ هو الشخص الذي تظن بأنه يعرفك حقّاً؟ بمن تثق؟
  • هل أنت من المؤمنين بالخالق؟ هل تذهب إلى المسجد / الكنيسة؟ ما أكثر دعاء تردده في صلاتك؟
  • هل تنشط في المجال السياسي؟ إلى أي حد؟ ولماذا؟

أسئلة ستساعدك في تكوين نظرة أعمق عن الشخص

  • بماذا تحتفظ دائماً في محفظتك.. أو حقيبتك.. أو سيارتك.. أو الثلاجة؟
  • ما أكثر شيء يسبب لك القلق على المستوى الشخصي؟ وعلى مستوى العائلة؟ وعلى مستوى مدينتك أو بلدك أو العالم؟
  • ما أكثر شيء تتمناه في الحياة؟
  • ما الذي تريد أن تفهمه بشكل أفضل؟ ما الأسئلة التي لا تزال تطرحها على نفسك وتبحث عن إجابات لها؟
  • ما الشيئ الذي لا تزال تندم عليه؟ ولماذا؟
  • إذا كان لديك خيار أن تبدأ الحياة من جديد، كيف تتخيل أن تكون هذه الحياة الجديدة؟ هل ترغب في تغيير حياتك الحالية؟
  • إذا كنت ستختار كلمة واحدة فقط لتصف شخصيتك، فما هي؟
  • هل يسيء الناس فهمك؟ بماذا يسيئون فهمك؟ أو ما الذي يفترضونه عنك؟
  • ما الشيء الذي لا يعرفه الناس عنك؟
  • ما أكثر شيء يزعجك في نفسك؟ وفي الآخرين؟
  • هل ترغب في أن يصبح أطفالك مثلك عندما يكبرون؟ لماذا؟ أو لم لا؟
  • ما الأمر الذي يشعرك بالفخر تجاه نفسك؟
  • باعتقادك، ماذا يحدث لنا بعد الموت؟
  • لماذا أنت هنا، على هذه الأرض، في هذا الوقت؟
  • مَنْ سيتأثر أكثر برحيلك؟
  • كلنا سنرحل يوماً عن هذه الحياة، ما الذي تتأمل أن يُذكر عنك بعد رحيلك؟

والمقابلات، تتطلّب تعلّم:

تدوين الملاحظات

كتابة قصة محورها السرد تختلف عن كتابة تقرير محوره نقل معلومات. في القصة -إضافة إلى المعلومات وخلفياتها وسياقاتها- تحتاج إلى مَشَاهِد، مكان الأحداث وزمانها، تحتاج إلى تفاصيل محددة، ورؤية الصورة الأكبر.

وفيما يلي تشرح ديغريغوري كيف تدوّن ملاحظاتها. ديغريغوري هذه، تُعد جيمي بريسلين وقتنا الحالي، يمكنها أن تكتب عن أي شيء، وستأسرك بقصصها.

لتدوين ملاحظاتك:

  1. خصِّص لكل مشهد صفحة.
  2. في الزاوية اليمنى العليا، سجِّل التاريخ والوقت.
  3. في الهامش العلوي، أكتب ما تستشعره بحواسك: البصر، الشم، المذاق، اللمس..
  4. في الهامش الأيمن، ضع سهماً عندما يخبرك شخصٌ ما بشيءٍ، وترغب بالعودة وطرح أسئلة التي تتعلق بذاك الشيء. بهذه الطريقة لن تقاطع تسلسل حديثهم وأفكارهم. ففي نهاية اللقاء يمكنك العودة إلى تلك الأسهم لتسأله عنها.
  5. أسفل الصفحة رقّم المشهد كي يسهل العودة إليه.
  6. وسط الصفحة هو للملاحظات الأساسية؛ قسِّمه إلى ثلاثة أقسام:
  • القسم الأول لما يقوله الشخص: لا تكتب ما يقوله حرفاً بحرف، بل أعد صياغته باختصار ودوّن رؤوس الأقلام فقط.
  • القسم الثاني للاقتباسات: عندما تسمع جملة أو عبارة حسنة، اكتبها كما هي بكامل حُسْنها. وضع حولها علامات الاقتباس.
  • القسم الثالث لملاحظاتك وتعليقاتك الشخصية. الأفضل أن تضعها بين أقواس كبيرة كي لا تختلط بما يقوله الشخص.