أولاً. البدايات

أولاً. البدايات

كان الفضول والقلق ينتابان الروائي الأمريكي لاري ماكميرتري Larry McMurtry الحائز على «جائزة بوليتزر» في الآداب، عندما حطّت طائرته في تكساس عام 1963، ففي ساعات قليلة سيشهد عملية غير اعتيادية -بمعايير زمانه- في تحويل شخصيات روايته Horseman, Pass By إلى كائنات من لحم ودم تقف أمام عدسات تصوير فيلم «هَادّ» Hud الذي سيحصد 3 جوائز أوسكار، وسيُحفظ في «السجل الوطني للأفلام» في مكتبة الكونغرس باعتباره إحدى أيقونات سينما الغرب الأمريكي.

كانت عمليات التصوير قد بدأت فعليّاً قبل أسبوع أو أسبوعين عندما وصل إلى الموقع، وكان أول ما تفتّق في ذهنه كحبة الذُّرَة أن سأل العاملين هناك: كيف جرى مشهد الصقور الحوّامة؟

في ذلك المشهد، يصل «هَادّ» -الذي يؤدي دوره الممثل بول نيومان- بشاحنته الصغيرة ليكتشف أن بقرة قد نفقَتْ، بسبب مرضٍ انتشر في قطيع أبقاره، فيُخرج بندقيته غاضباً، ويطلق النار على صقور حوّامة تراصفت على غصن شجرة تنتظر بفارغ الصبر الوليمة الماثلة أمامها. وكان من المفترض -بحسب أحداث الرواية- أن تطير الصقور فزعةً في السماء الزرقاء، لكنها في أثناء تصوير المشهد رفضت أن تتحرك من مكانها. ويذكر لاري ماكميرتري كيف تبادل العاملون نظرات الحَرَج من سؤاله؛ ليكتشف أن الأمر لم يسر كما يجب. ولَكَ تخيُّل ذلك: أن تطلق النار على طيورٍ، فتبقى في مكانها، وكأن شيئاً لم يكن!

بدأت المشكلة عندما اكتشف فريق العمل أن الصقور المحلية في «تكساس» مظهرها رثّ، فاضطروا إلى شحن صقور خاصة جوّاً وبتكلفة كبيرة، لها مظهر درامي يتناسب مع وسامة الممثل بول نيومان. ثم بدأت المشكلة الثانية؛ كان من المستحيل التمرين على المشهد، دون أن تفرّ الصقور الجديدة المهيبة، فما الحل؟ اقترح أحدهم أن تُربَط أرجلها بسلك إلى غصن الشجرة. وهذا ما فعلوه.

أطلق نيومان النار من بندقيته في أثناء التمرين، فلم تستطع الصقور الطيران، عوضاً عن ذلك، في أثناء هوجة الفزع، اندفعت إلى الأمام، وانقلبت رأساً على عقب متدليّة من أرجلها المربوطة بغصن الشجرة. نجحت الخطة، لكن القصة لم تنتهِ هنا. تبيّن أن الدورة الدموية لهذه الصقور الحوّامة لا تعمل عندما تكون رأساً على عقب، والنتيجة أنها تصاب بالإغماء، فيعمد الفريق إلى تصحيح وضعيتها مجدداً كي تعود إلى وعيها.

وهكذا إطلاق نار، محاولة طيران، انقلاب، إغماء، إفاقة – مرة، مرتين، ثلاثاً، أربع.. أصبح الجميع جاهزاً. فُكّت أرجل الصقور، وأُديرت الكاميرات استعداداً للحظة الكبرى، ومع صرخة: أكشن، طاخ طااخ، لم تتحرك الطيور من مكانها، ثم طاخ طااخ طاخ، طخ طاخ، رفضت أن تتحرك أيضاً. استعان الفريق بمدرّب رفيع المستوى لمساعدة الصقور على استعادة احترامها لذاتها، لكنه لم ينجح إلا مع صقرين اثنين من أصل 12. حسب صانعي الفيلم حساب كل شيء إلا «عقلية الصقر»، فقد كان لسان حال الصقور يقول: «جربنا الطيران ولم ينجح. لن نجربه مجدداً». كان المشهد برمته فوضى عارمة.

القصة ذكرها ماكميرتري عام 1968 في كتابه In a Narrow Grave، عن تأملاته وذكرياته في «تكساس». نكشت المؤرّخة والكاتبة والمحاضرة باتريشيا نيلسن ليمريك القصة مجدداً في مقال مطول نشرته في «نيويورك تايمز» عام 1993 تنتقد فيه «عقلية الصقر» في المؤسسات الجامعية، ثم أصبحت منذ ذلك الحين مضرباً للمثل لدى الحديث عن كتابة التقارير Reporting الصحفية؛ أو ما يُعرف بالاسم المفزع «الهرم المقلوب».

فتاريخياً، تقوم المؤسسات الإعلامية بربط أرجل صحفييها بقالب «الهرم المقلوب»؛ ومفاده أن المعلومات يجب تقديمها بطريقة معينة: الأكثر أهمية في قاعدة الهرم في الأعلى والأقل أهمية في رأسه المدبب المتجه إلى الأسفل. لا عيب في ذلك بحد ذاته. ينبغي أن يكون للصحفيين أرضية مشتركة، وعليهم أن يتشاركوا في بعض الافتراضات الأساسية، وأن تكون لديهم عادات ذهنية متشابهة. فهذا يمنح الصحفي موطئ قدم في المؤسسة التي يعمل فيها.

المشكلة تبدأ عندما تهيمن نفسية «الصقر الْحَوَّام» على الصحفي، فيرفض الطيران واستعادة احترام الذات حتى بعد فكّ قدميه. يرْبِض هناك على غصن الشجرة، بظهره المنحني، غاضباً ومتربّصاً بأي صحفي آخر يحاول التحليق قليلاً، فيتبرع بإيصال «شكوى» شديدة اللهجة بأن أي محاولة لاختراق حصن «الهرم المقلوب» المنيع ينبغي أن تُفْشَل في مهدها. فعنده الكتابة الباهتة «مهارةُ بقاءٍ» على قيد الحياة داخل المؤسسة. وهكذا أصبحت الحكمة هي الجلوس بهدوء على الغصن؛ الجلوس دون أيّ تفكير في الطيران، فحتى مجرد التفكير قد يكون كافياً لإمالة الميزان وإطلاق جولة أخرى من الرفرفة والإغماء والارتباك.

طوال قرون، لم يكن «الهرم المقلوب» الشكل الوحيد في إيصال الخبر، كان هناك دائماً استثناءات. لكن التوتر ظلّ مستمراً بين الذين يريدون تقديم الخبر ناشفاً ومجرداً Hard News، وبين أولئك الراغبين في رواية القصص Storytelling، المتحمسين لتبنّي هياكل سردية للحفاظ على القرّاء الذين تقِلُّ أعدادهم باطراد. والحق، أن أشكال الكتابة ليست ثابتة، بل هي استجابة لتطلعات الجمهور، ومتطلبات السوق، والمناخ السياسي، وما تتيحه التقنيات الجديدة من فرص.

ليس هذا فحسب. ففي عصرنا، عصر الذكاء الاصطناعي، والوباء والمعلومات المضللة، يتجادل الصحفيون عالمياً في المفاهيم الكبرى الراسخة في الصحافة، ويشككون في مدى جدواها، كـ«الموضوعية» و«الحياد» و«التوازن»، فيما تجد أن أسلوباً واضحاً مثل قاعدة «الهرم المقلوب» ما يزال متوجساً منه في صحافتنا.

انظر إلى التكرار والخوف من الاستنتاج وتغييب الصورة الكبيرة في هذا الخبر الذي نشره أحد أهم المواقع الصحافية العربية نقلاً عن الوكالات، وسأقارنه بالخبر ذاته نُشر في «نيويورك تايمز» في الوقت نفسه، وكلاهما يعتمد «الهرم المقلوب.»

خبر الصحيفة العربية:

أخفق رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف بنيامين نتنياهو (71 عاما) في تشكيل حكومة، بانتهاء المهلة الممنوحة له لإنجاز هذه المهمة. ولم يتمكن نتنياهو -رئيس حزب الليكود اليميني- من الحصول على أغلبية 61 نائبا من أصل 120 في الكنيست (البرلمان) اللازمة لتشكيل الحكومة.

وانتهت عند منتصف الليل يوم الثلاثاء مهلة 28 يوما يمنحها القانون للمكلف بتشكيل الحكومة، التي يمكن مَدّها أسبوعين بموافقة الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين.

وذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن نتنياهو أعاد التكليف بتشكيل الحكومة إلى ريفلين، بينما قال بيان للمتحدث باسم الرئيس الإسرائيلي إن الأخير سيتواصل صباح الغد مع الكتل السياسية بخصوص استمرار مساعي تشكيل الحكومة.

وأضاف بيان المتحدث باسم الرئيس «انتهت فترة الـ28 يوما المنصوص عليها في قانون أساس الحكومة، التي كانت تحت تصرف رئيس الوزراء عضو الكنيست بنيامين نتنياهو لتشكيل الحكومة، في منتصف الليل»، وتابع البيان «قبل منتصف الليل بقليل، أبلغ نتنياهو الرئيس أنه لم يتمكن من تشكيل الحكومة.»

انتبه إلى الفقرة الأولى كيف يرسم الصحفي الصورة الكبيرة للحدث، وفي الفقرة الثانية كيف يتوقع بجرأة منح المعسكر المناهض لنتنياهو فرصة تشكيل الحكومة، وهو ما حدث في اليوم التالي:

خبر «نيويورك تايمز»:

فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة مع انتهاء الموعد المحدد في منتصف ليل الثلاثاء، ما يعرّض مستقبله السياسي للخطر، إذْ يواجه محاكمة بتهم الفساد وإطالة الجمود السياسي الذي تفاقم بعد أربع انتخابات في غضون عامين.

الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين قد يمنح الآن المعسكر المناهض لنتنياهو فرصة تشكيل حكومة، ما قد يعني طرد نتنياهو من السلطة بعد 12 عاماً متتالية في منصبه.

ويعد حزب الليكود اليميني الذي يتزعمه نتنياهو الأكبر في المشهد السياسي الإسرائيلي الممزق، بعد أن فاز بـ 30 مقعداً في الانتخابات العامة في مارس. مع ذلك، لم يتمكن من حشد عدد كافٍ من الشركاء لقيادة تحالف أغلبية لا يقل عن 61 مقعداً في الكنيست (البرلمان) المؤلف من 120 عضواً.

خلال 20 عاماً من العمل الصحافي، قرأت معظم «كراسات التحرير» العربية، وقرأت الكثير من الكتيبات التي تشكو كثرة الحشو وقلة الإيجاز وسيادة الإطناب والتكرار؛ قرأت كتباً في اللغة العربية والبيان والبلاغة والأسلوب، وكتباً تُوعِد بكشف أسرار الكتابة الصحافية، لكنها على الرغم من أهميتها، لا تقدم أدوات كافية للكتابة الجيدة.

الكتابة الجيدة لا أسرار فيها؛ بل ببساطة هي نتاج عمل شاق. فالكاتب الجيد يشعر بالعزلة؛ لأنه يقف وحيداً قبالة الصفحة البيضاء؛ ويشعر بالعجز لأن الأفكار لا تريد أن تخرج من رأسه؛ ويشعر بالتوتر لأنه يحاول أن يضع جزءاً من ذاته على الورقة أمامه، وغالباً ستخرج ذاتُه تلك متخشّبة لا تشبه روح الكاتب فيه. ولا بأس بذلك كله؛ فالكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة، والجملة الواضحة ليست بنت المصادفة، ونادراً ما تأتي من المحاولة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة. تذكّر هذا في لحظات اليأس، إذا وجدت الكتابة صعبة، ذلك لأنها فعلاً صعبة.

الكتابة الصحافية الجيدة «صنعة» وليست «فناً». ولحسن الحظ ثمة أدوات لذلك. هل يمكن تدريسها؟ ربما لا، لكن يمكن تعلّم معظمها بالعمل الدؤوب. واعلمْ أن مؤسستك الإعلامية لن تمنحك وقتاً بصفتك صحفيّاً، إنْ بقيت أسير هذا الأمل، فلن تكتشف في نفسك الكاتب الذي تريده. بل عليك أن تجرّب بعض ما سيأتي من أفكارٍ في هذا الكتاب على الأقل على مادة واحدة تكتبها شهرياً.

وقبل أن تفعل ذلك، عليك أن تعقد «صفقة» بينك ونفسك: المنتَج الذي تبيعه للقارئ ليس القصة التي تكتبها، إنما هو هُويّتك بصفتك كاتباً؛ مَنْ أنت.

ما السرّ في القصة؟

لا تكاد تجد صحافياً لا يرغب في أن يصبح رَاوِيَةَ قصةٍ؛ أن يصبح «حكّاءً» Storyteller. لا يريد أن يظل مجرد محرّر يعرف كيف يكتب خبراً أو مادة شارحة. فرواة القصة يتمتعون بمكانة أعلى، ويحظون باهتمام أكبر، ويفوزون بجوائز أكثر.

لا أحد يعلم تماماً كيف اهتدينا نحن البشر إلى قوة القصص. لكن المؤكد أننا منتجون للقصص ومستهلكون مدمنون لها منذ الزمن الأول عندما بدأ أحدهم بقصة متواضعة سردها لمجموعة أفراد قد لا تتجاوز العشرة، جلسوا القرفصاء حول نيران تتّقد بفعل الشحم الذائب من لحم فريسة اصطادوها قبل ساعات.

لماذا إذاً نقضي كل هذا الوقت في الاستماع إلى القصص وروايتها، وغالباً عن مآثر لم تحدث قطّ؟

لأن القصة تستطيع تجاوز «هنا، الآن»؛ تستطيع تجاوز التجارب اليومية، لتصل إلى المغزى، المعنى، القيمة الكونية التي تكمن في تلك التجارب.

سنتحدث عن هذا بشيء من التفصيل في قسم «تحرير المضمون».

ثَمّة شريك لكتابة القصة لا يقل عنها أهمية؛ وهي الكتابة الواضحة. لا توجد قصة جيدة بدون كتابة واضحة.

من المدهش حقاً، أنك تجد دائماً الجملة الواضحة تسير كتفاً بكتف مع الجملة الحَسَنَة. وإذا كان عليك اختيار أحدهما -رغم صعوبة الفصل بينهما- فإن الوضوح أكثر أهمية من الحُسْن.

لِمَ ذلك؟

قد ينحاز الكاتب إلى نفسه، فيرغب في أن يظهر مدى براعته في الكتابة، فيُكثر «الحُسْن» على حساب الوضوح. الكاتب الصحفي نادراً ما يفكر هكذا. «البهلوانيات» اللغوية تشتت القارئ، وتقتل القصة الصحافية.

قال جورج أورويل مرّة إن الكتابة الجيدة مثل النافذة، تنظر من خلالها، دون أن تلاحظ الإطار.

سنتحدث عن هذا أكثر في قسم «تحرير الجملة».