٣. تحرير النص

٣. تحرير النص

في هذا القسم، نركز على جعل النص متماسكاً، بحذف ما قد يثقله.

وسنتناول: مواطن الحسن في ترتيب الكلمات في الجملة، وبعض الاستخدامات اللغوية.

حتى الآن، تحدثنا عن مبدأين رئيسين للوضوح:

  • اجعل الشخصيات الرئيسية بصيغة «الفاعل» في الجملة.
  • اجعل الأكشن بصيغة «الفعل» في الجملة.

بالتأكيد، لن يجلس الكاتب أو الصحفي، ويطبق هذه المبادئ على كل جملة. مع الممارسة، ستصبح جزءاً من مهاراته، وفي لا وعيه؛ سيحتاج إلى استحضارها فقط عندما تستغلق عليه جملة ما.

إضافة للمبدأين السابقين، ثمة مبدأ ثالث؛ وهو أيضاً يتعلق بالجملة، لكنه أيضاً يشرح انسيابية الجمل:

ضع المعلومات المألوفة قبل المعلومات الجديدة. أو مهِّد لها. لا تذكرها فجأة.

وللحديث عن ذلك، نحتاج أولاً فهم:

التماسك Cohesive يكون بين الجمل: كيف تنتهي جملة وتبدأ الأخرى.

الاتساق Coherent يكون في الفقرة بأكملها: كيف تتسق الجمل مع بعضها في فقرة كاملة. وكيف تتسق الفقرات مع بعضها.

لنأخذ هذا المثال:

بعض الأسئلة المذهلة بشأن طبيعة الكون، طرحها علماء يدرسون الثقوب السوداء في الفضاء. فانهيار نجم ميت إلى نقطة ربما لا تتجاوز حجم «البِلْية»، يكوّن ثقبًا أسود. عندما تُضْغَط كمية كبيرة من المادة في حجم صغير جدًا، تُحدِث تغييراً محيّر في نسيج الفضاء المحيط بها.

الآن انظر إلى التعديل:

(1) بعض الأسئلة المذهلة بشأن طبيعة الكون، طرحها علماء يدرسون الثقوب السوداء في الفضاء. (2) يتكوّن الثقب الأسود لدى انهيار نجم ميت إلى نقطة ربما لا تتجاوز حجم «البِلْية». (3) عندما تُضْغَط كمية كبيرة من المادة في حجم صغير جدًا، تُحْدِث تغييراً محيّر في نسيج الفضاء المحيط بها.

الآن، أصبح النص أكثر سلاسة؛ لكن، ماذا حدث؟

الجمل تصبح متماسكة عندما تكون بها «إحالة» بَعْدِية: آخر بضع كلمات في نهاية جملة ما، تظهر في بداية الجملة التالية بمزيد من العمق أو الشرح، ما يخلق انسيابية في القراءة. وبسبب ذلك، قد تلجأ أحياناً إلى صيغة المبني للمجهول كما في الجملة (3) في المثال السابق. في الواقع، أحد أسباب وجود صيغة المبني للمجهول في اللغات عموماً، هو لتمكين الجمل من التدفق بيسر وسهولة.

إن ذكر شيء ما في نهاية جملة بدون تفاصيل، فهو تنبيه للقارئ أن «ها هنا شيء ما»؛ نوع من الإضمار، دون الدخول في تفاصيله. وتأتي بداية الجملة التالية بمزيد من المعلومات عن هذا الشيء «المضمر» إذا جاز التعبير.

ليس ذلك فحسب. لغوياً، في العربية إذا أُضمِر الشيء ثم فُسِّر، كان ذلك أفخمَ له من أن يُذكَر من غير تقدمة وإضمار. وهذه من عجائب ضمير الشأن. وسمُِّيَ كذلك لأنه يُضْفِي «الشأنَ» والمكانة على ما يحيل إليه.

لتوضيح ذلك، انظر إلى هذه الآية:

﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦].

فـ «ـها» في «فَإِنَّهَا» تعود إلى «الأبصار» وإضمارٌ لها، وإضفاء مكانة وفخامة عليها. انظر كيف تذهب هذه الفخامة الروعة إذا حذفنا «ـها»: «فإن الأبصارَ لا تَعْمى.»

﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].

انظر كيف أن الْحُسْن كله يذهب بمجرد إزالة الإضمار: «إنَّ الكافرين لا يفلحون».

وفحوى الأمر أن ذكر شيء جديدٍ فجأة، ليس مثل ذكره بعد التنبيه عليه، والتقدمة له. فبالتنبيه والتقدمة، تجعل الشيء مألوفاً، ثم تعيد، وتوطِّد، ثم تبني، ثم تصرِّح بالجديد في هذا الشيء.

سبق أن تناولت بمزيد من التفصيل الألفةَ والفضول (بمعنى الجديد) نفسياً وجمالياً في الصحافة. أن تبدأ الجمل بالمعلومات المألوفة، فإنك تمهّد الطريق للقارئ؛ تجعله مستعداً لتلقي المعلومات الجديدة بيسر.

القارئ يحصل على تلك المعلومات المألوفة من مصدرين:

أولًا، هو يتذكر كلمات الجمل التي قرأها توّاً. ولهذا السبب، في مثالنا حول الثقوب السوداء، بداية (2) تترافق مع نهاية (1)، وبداية (3) تترافق مع نهاية (2).

ثانياً، لدى قارئ الجملة معرفة عامة عن موضوعها. مثلاً، لن يتفاجأ إذا وجد الجملة التالية (4) تبدأ بهذا الشكل:

…تُحْدِث تغييراً محيّر في نسيج الفضاء المحيط بها. (4) أظهر علماء الفلك أن…

فكلمات «علماء الفلك» لم تظهر في الجمل السابقة، مع ذلك لن يتفاجأ القارئ بالإشارة إليها نظراً لأن النص يتحدث عن الفضاء، وعنده، على الأقل، معرفة عن هذا الموضوع.

المشكلة التي قد تواجهها، هي أنك عملياً عندما تكتب، تصبح المعلومات مألوفة لديك، ولا تعود تعرف ما الجديد. رغم ذلك، عليك أن تحاول؛ مع الممارسة ستتعلم التمييز بين المألوف والجديد عند القارئ.

ستلجأ أيضاً في كثير من الأحيان إلى استخدام أسماء الإشارة أو الأسماء الموصولة، أو أدوات أخرى مثل «من ثمّ»، «بالعودة إلى»، «أولاً، ثانياً»، «أخرى».. إلخ، للإشارة إلى الجملة السابقة، كما فعلتُ في الفقرة السابقة باستخدام «رغم ذلك». عند استخدام هذه الأدوات، حاول أن تضعها في بداية الجملة أو قربها:

إن حساب اعتمادات الدروس في كليات الجامعة مسألة أخرى يجب النظر فيها.

التعديل:

مسألة أخرى يجب النظر فيها، هي حساب اعتمادات الدروس في كليات الجامعة.

إذاً، الجمل تتماسك عندما «تحتك» نهاية الأولى -بأن تمهد لما سيأتي- مع بداية الجملة التالية.

فمتعة القراءة ليست في الوصول إلى ما تقوله الجمل لفظاً فقط، إنما في استكشاف ديناميكيات التفاعل فيما بينها، تلك الحرارة بسبب الاحتكاك فيما بينها في أثناء توليد المعنى. هذا ما سنتناوله تالياً.

ابتداء من عهد الخلفاء الراشدين، وتوسع الدولة الإسلامية، ظهرت حركة شعوبية (قادها الفُرْس أساساً) مقاومة للغة العربية، ولهيمنة العرب على مفاصل الدولة. وسيظهر منهم مَنْ يقول إن المهم هو «المعنى»، وليس «المبنى»؛ تماماً، مثلما قد تسمع الآن ممن يعملون في الصحافة أنّ المهم «وصول الفكرة»، وليس صياغتها في ألفاظ حسنة.

لغوياً، أدت هذه الحركة إلى نقاش لا يزال محتدماً حتى الآن، حول علاقة اللفظ بالمعنى. وهو ما أسميه في هذا الكتاب «تَوَلُّد» المعنى من «الاحتكاك» الناشئ بين الجمل والعبارات.

وسيخرج الجاحظ ويقول: «المعاني مطروحةٌ في الطريقِ يَعْرفُها العجميُّ والعربيُّ، والقرويُّ والبدويُّ، وإنما الشأنُ في إقامةِ الوزنِ وتَخيّر اللفظِ، وسهولَة المَخْرج، وصحَّةِ الطَّبْعِ، وكَثْرةِ الماءِ، وجودةِ السَّبْك.» (كتاب الحيوان الجزء 3، ص 131-132).

وسيُفْهَم من كلام الجاحظ تفضيلاً للفظ، لكنه سيعود، ويوضح في رسائله أن «الأسماء في معنى الأبدان، والمعاني في معنى الأرواح، اللفظ للمعنى بدنٌ، والمعنى للفظ روح.»

لكن العلاقة بين اللفظ والمعنى، لن تنضج إلا مع عبد القاهر الجرجاني الذي قال بنظرية «النظم» في «التَّخَيُّر» و«التوخي».

التَّخَيُّر والتَّوَخي

ومفاده: ليس لعبارة ما مزيةٌ على الأُخرى، إلا إذا كان لها في المعنى تأثيرٌ لا يكونُ لصاحبتها.

إذاً، «التَّوَخي» يتطلب عبارتين صائبتين لغوياً ونحوياً، ويُراد بهما الغرض ذاته. وتختار إحداها لأن تأثيرها في المعنى يختلف عن تأثير الأخرى. مثلاً:

  • زيدٌ كالأسد.
  • كأن زيداً الأسدُ.

فالعبارتان صائبتان لغوياً، وكلتاهما تريدان تشبيه زيد بالأسد، إلا أن «كأن زيداً الأسدُ» تَزيدُ في معنى تشبيهِهِ به زيادةً لم تَكُنْ في العبارة الأولى، وهي أنْ تَجعله من فَرْط شجاعته وقوةِ قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميَّز عن الأسدِ، ولا يُقَصِّر عنه، حتى يُتَوهَّم أنه أسد في صورة آدميٍّ.

ثم تجد أن هذه الزيادة، وهذا الفرق لم يأت إلاَّ بـ «التوَخِّي» والاختيار في نظمِ اللفظِ وترتيبهِ، حيثَ قُدِّم «الكافُ» إِلى صدرِ الكلام، ورُكِّبتْ مع «أنَّ»؛ وما كان ذلك إلا بالنظم الذي يخلق «احتكاكاً» بين العبارات، مولِّداً زيادة في المعنى.

عن الاختيار والصواب

في هذا الكتاب نظرنا إلى بناء الجملة من زاوية الاختيار وليس الصواب. فالكاتب الجيد يضع الأولوية دائماً للاختيار، ولا شيء يفوق ذلك أهمية. مثلاً، لنأخذ هذه الجمل البسيطة، أي واحدة ستختار، إذا أردت أن تكون كتابتك واضحة، علماً أن الجملتين صائبتان لغوياً:

  • نقص الدعم الإعلامي كان السبب وراء خسارتنا للانتخابات.
  • خسرنا الانتخابات؛ لأن الإعلام لم يدعمنا.

الغالبية ستختار الجملة الثانية.

لكن على عكس الوضوح، يبدو أن الصواب ليس مسألة اختيار، بل مسألة التزام بالقواعد.

الاختيار يتطلب محاكمة عقلية سليمة، ومَلَكة في التمييز.

بينما الصواب يتطلب ذاكرة جيدة في حفظ القواعد.

والكثير مما يُنشر عن الكتابة الصحافية يركز على «الصواب». والنصيحة الدائمة الجاهزة والغامضة: «إذا أردت أن ترى جلال اللغة العربية في بساطتها وسيرها قُدُماً نحو الغرض، فاقرأها عند الفلاسفة والمؤرخين والشعراء العرب»، من دون تقديم التوضيح لماذا لغتهم حسنة؟ والحال أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. فأنْ يقيد الكاتب نفسه بـ«الصواب» فقط، فإنه عملياً يجازف بوضوح كتابته.

لنأخذ أمثلة كيف يولّد «احتكاك» الألفاظ المعنى، أوردها الجرجاني في كتابه «دلائل الإعجاز»:

تقديم المفعول

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأَنعام: ١٠٠]

كما ترى، فإن الأصل في هذه الجملة هو: «وجعَلوا الجنَّ شركاء الله»، لكن الآية قدَّمت «شُرَكَاءَ» على «الْجِنَّ»، فأحدثت فرقاً وزيادة وحسناً في المعنى؛ ومفاده أن جملة:

«وجعَلوا الجنَّ شركاء الله»

تفيد معنى مقيّداً وهو أنهم جعلوا الجن (وحدهم) شركاء الله.

بينما الآية تقول:

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾

أي الشركاء إطلاقاً وليس الجن فقط. فكما ترى أن «شُرَكَاءَ» جاءت مفعولاً أولاً لـ«جعلوا»، و«لِلَّهِ» جاءت في موضع المفعول الثاني. وبذلك يكون «الْجِنَّ» شبيهاً بالاستئناف البياني الذي يكون ما قبله موضع استشراف وسؤال، فيجيب الاستئناف عليه؛ وكأنه جواب على سؤال: «فمن جعلوا شركاء لله تعالى؟» فقيل: «الْجِنَّ» لأنه منصوب. ويصبح معنى الجملة أنه لا ينبغي اتخاذ شركاء لله لا من الجن ولا من غيرهم، لأن الصفة التي وقع عليها الإنكار وهي «شُرَكَاءَ»، ذكرت مجردة غير مجراة على شيء -فقد جاءت قبل النطق بالجن- تكون إنكاراً ونفياً عاماً لأي نوع من الشركاء.

وهكذا ترى أن إعادة ترتيب الكلمات في النظم خلق احتكاكاً مختلفاً بين الكلمات، ما ولَّد زيادة في المعنى وفرقاً فيه.

حذف مفعول الفعل المتعدي

في المثال السابق حرَّكنا المفعول به من مكانه، الآن انظر هنا، ماذا سيحدث إذا كان الفعل متعدياً وحذفنا مفعوله:

لتسهيل الفكرة، ينبغي أولاً التمييز بين الفعل اللازم الذي لا يحتاج إلى مفعول به، والفعل المتعدي الذي يحتاج إلى مفعول به. فإذا دخل «ـه» أو «ـك» على الفعل، كان متعدياً، وإذا لم يدخل كان لازماً.

  • ضَرَبَ — يمكنك قول: ضربـ«ـه» أو ضربـ«ـك».. فهو متعدٍّ.
  • نَامَ — لا تستطيع قول: نامـ«ـه» أو نامـ«ك»، فهو لازم.

الآن، انظر إلى المثال:

فلانٌ يحُلُّ ويَعْقِدُ، ويأمر وينهى، ويضر وينفع.

الأفعال هنا كلها متعدية وحُذِفَ مفعولها، والأصل «فلانٌ يحل الأمور ويعقدها، يأمر بها وينهى عنها، وبيده أن يضرك وبيده أن ينفعك».

إلا أن ذكر المفعول يذهب الحُسْن كله الذي كان في الجملة؛ لكن كيف ذلك؟ من أين جاء ذاك الحسن الذي كان في حالة حذف المفعول؟ ولماذا ذهب بذكره؟ أليس الفعل المتعدي يتطلب أصلاً مفعولاً به؟

إليك التفسير: الفعل المتعدي به طاقة يصرفها عادة في المفعول عندما يحتك به. إذا حُذف المفعول، يوجه الفعل المتعدي طاقته إلى الفاعل ويصرفها فيه، ويُحْدِث زيادةً في معنى الفاعل؛ فـ«الحلّ» بمطلقه في يد «فلان»، والعقد بمطلقه، وكذلك الأمر، والنهي، والضر، والنفع.

وعلى ذلك قوله تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].

والمعنى: هل يَسْتَوي مَنْ له عِلْم ومَنْ لا علمَ له؟ من غَيْرِ أن يقصدَ شخصاً بعينه.

وكذلك قولُه:

﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر: ٦٨].

وقوله:

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [القمر: ٤٣، ٤٤].

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾، [القمر: ٤٨].

والمعنى هو الذي منه الإحياء والإماتة والغناء والإقناءُ.

وهكذا كلُّ موضعٍ كان القصدُ فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلاً للشيء، فإنَّ الفعلَ لا يُعدَّى هناك ويحذف مفعوله، لأَنَّ تعديته تَنْقُضُ الغرضَ وتُغيِّر المعنى.

ما تتميز به «إن» على «الفاء»

لنأخذ حالة أكثر تعقيداً من السابقتين، ونرَ ما سيحدث إذا استبدلنا «إن» بـ«فـ»:

يقول بشار بن برد:

بكِّرا صاحبيَّ قبل الهجير ⁕ إن ذاكَ النجاح في التَّبْكيرِ

كما ترى، استخدم بن برد تركيباً غير مألوف، وأول ما يخطر بالذهن لو أنه قال: فالنجاح في التبكير.

ما تتميز به «إن» على «الفاء»، هو أنه:

إذا جاءت «إنَّ» على هذا الوجهِ، فإنها تغني عن «الفاءِ» العاطِفةِ، وتُفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً. كما تَرى قد صار الكلامَ بها «مستأنفاً غير مستأنف، ومقطوعاً موصولاً معاً». فلو أسقطتَ «إنَّ» من قوله: «إنَّ ذاك النجاح في التبكير»، ستجد أن العبارة لا تلتئِم، وسترى أن الجملة الثانية لا تتَّصل بالأولى، ستضطر أن تجيء بالفاء، فتقول: «بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجير، فذاك النجاحُ في التبكير» ومثل ذلك قول بعضِ العرب:

فغَنِّهَا وهْي لكَ الفِداءُ ⁕ إنَّ غِناءَ الإِبلِ الحُداءُ

فانظر إِلى «إنَّ غِناءَ الإبلِ الحداءُ»، وإِلى ملاءمَتِهِ للجملة قبلَه، وحسْنِ تشبثِه به، وإِلى حُسْن عطف الجملة الأولى عليه. ثم انظر إذا تركت «إنَّ» فقلتَ: «فغنِّها وهيَ لك الفداءُ، غناءُ الإِبلِ الحداءُ»، كيفَ تكونُ الصورةُ؟ وكيفَ يتخلخل البيت؟ ولن تجد بُدّاً من استخدام «الفاءَ» فتقول: «فغنِّها وهيَ لكَ الفداءُ، فغناءُ الإبلِ الحُداء». مع ذلك ستجد أن الألفة بين الجملتين، تلك الحرارة التي ولّدتها «إنَّ» بسبب الاحتكاك بين الجملتين، قد ذهبت لدى استخدام «فـ» في موقع «إنَّ».

ترك العطف

دعنا نزد الاحتكاك بين الجمل والعبارات، بعدم وضع أي شيء بينها، وترك العطف، لنرَ ما يحدث؟

انظر إلى هذا المثال الذي سبق أن أوردته أكثر من مرة من قصة الصحفي توماس فرينش «ملائكة وشياطين»:

ستجد أن حرف العطف «و» قد أُسْقِطَ كثيراً؛ مثلاً: عملوا ليلاً ونهاراً، وعملوا في العطلات الأسبوعية، وألغوا الإجازات، ونحفوا، وسمنوا، وأصبحوا شاحبين وناحلين ومنهكين، ويستيقظون في الثالثة صباحاً…

ترى أن الحُسن كله قد ذهب مع استخدام العطف.

انظر إلى هذه الآية:

﴿آلم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢]

لم يقل «ولا ريب فيه»، إذ إن «لا ريب فيه»، بيان وتوكيد وتحقيق لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وزيادةُ تَثْبيتٍ له، وبمنزلِة أنْ تقولَ: «هو ذلك الكتابُ، هو ذلك الكتابُ»، فتعيدُه مرة ثانية لتثبته، وليس يثبت الخبرِ غيرَ الخبرِ، لا يحتاج إلى ضامٍّ يَضُمُّه إليه، وعاطفٍ يعطفه عليه.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧]

قولُه: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾، تأكيدٌ لقولِه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، وقولُه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، تأكيدٌ ثانِ أبلغُ من الأول، لأنَّ مَن كان حالُه إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر، كانَ في غايِة الجَهْل، وكان مطبوعاً على قَلْبِه لا محالةَ.

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨، ٩].

إنما قال «يخادعون» ولم يقل: «ويخادعون» لأنه هذه المخادعةَ ليست شيئاً غيرَ قولِهم: «آمنا»، من غير أن يكونوا مؤمنين، فهو إذن كلامٌ أَكَّدَ به كلاماً آخر هو في معناه، وليس شيئاً سواه.

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧].

لم يأت معطوف نحو: «وكَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا» لأنَّ المقصودَ من التشبيه بِمَنْ في أذنيه وقْرٌ، هُوَ بعينه المقصودُ من التشبيه بِمَنْ لم يسمع، إلاَّ أنَّ الثاني أبلغ وآكَد من الأول.

متعة القراءة ليست في الوصول إلى ما تقوله الجملة لفظاً، إنما في استكشاف ديناميكيات التفاعل بين مكوّناتها؛ فتنفصل أحياناً، وتترابط أو ترتبط أحياناً أخرى في طريقها لتوليد «المعنى.»

انظر إلى الديناميكيات التي تنشأ من خلالها علاقة الارتباط بين «خَاتَم» و«فِضَّة» في الجمل التالية:

  • خَاتمُ فِضَّةٍ: علاقة إضافة.
  • خَاتمٌ فِضَّةً: علاقة تمييز.
  • خَاتمٌ فِضَّةٌ: علاقة وصفية.
  • خَاتمٌ من فِضَّةٍ: اصطناع علاقة رَبْط بأداة «من.»

ستلاحظ أن الارتباط في «1، 2، 3» عضويّ؛ أي أن الجملة لا تحتاج إلى أداة إضافية لخلق الارتباط، وهذا هو الأصل في اللغة العربية، ومفهوم «الاحتكاك» بين الجمل هو بهذا المعنى. بينما «4» احتاجت إلى حرف «من» لخلق الربط لهذا فهو اصطناعي.

عندما تكتب، استكشف الديناميكيات الداخلية لمكونات الجملة.

لسببٍ ما، تتجاذبُ قوّتان متضادتان بناءَ الجُملةِ في اللغات جميعها. فالأصلُ في الجُمَل الانفصال والاستقلال، والأصل في المفردات الارتباط والتركيب.

أرْجعَ الألماني جوتهلف برجشتراسر في كتابه «التطور النحوي للغة العربية»، نزعةَ الاستغناء عن ربط الجمل بعضها ببعض، إلى خصائص اللغات عموماً، وأنها من بقايا حالِها الأوّليةِ البسيطة عندما كان لا يزال معجم البشر حُفنة مفردات لا تساعد على الإسهاب.

  • جاء محمد وعبد الله.

فهذه الجملة – على بساطتها- هي بالأصل جملتان:

  • جاء محمد
  • جاء عبد الله

ولأنّ الجملتين السابقتين تنزعان إلى الانفصال، رُبِطتا بأداة ربط (حرف العطف: و) لتجنّب تكرار الفعل. والربط هنا يُسميه النحويون «أمْن اللَّبس» في فهم الانفصال بين الجملتين؛ إذْ لا نستطيع القول: جاء محمد عبد الله. والربط اصطناعيّ؛ لأنه ليس من أصل الجملة؛ فهي بالأصل جملتان، وليس جملة واحدة.

الجملة، بسيطة كانت أم مركبة، دائماً لها معنىً دلالي واحد، وليس عدة معانٍ (قد يكون لها أكثر من تفسير؛ لكنها كلها تندرج ضمن المعنى الدلالي الواحد). وتقتضي وحدةُ المعنى الدَّلَالِيّ ائتلافَ المعاني الجزئية داخلَ الجُملة بطريق الوظيفة النحوية التي تؤديها كل مفردة. لكن الوظائف (العلاقات) النحويّة لا تَستوي؛ فبعضها وثيقٌ كعلاقة الشيء بنفسه، وتسمى «الارتباط»، وبعضها واهنٌ كعلاقة الشيء بغيره، ويحتاج دائما إلى أداة، وتسمى أداة «الرَّبْط».

ويشرح اللغوي د. مصطفى حميدة ذلك في كتابه «نظام الارتباط والربط» بقوله إن الجُملة كالعِقْد الذي يَجْمَع بين حَبّاتِه سِلْكٌ وثيقٌ، ولا بُدَّ أنْ يَبقى ذلك السِّلْكُ مُتَّصلاً، وإلا ما استطاع الرَّائي أنْ يَفهَمَ من شَكلِهِ معنى العِقْد، وهذا هو «الارتباط»، فإذا انقطع السِّلْك، وكنا نريد له أن يتصل وأن يُفْهَم منه معنى العِقْد، عالجنا انقطاعه بطريق الرَّبْط، حتى يعود متَّصلاً اتِّصالاً أشبه بما كان عليه، إلّا أن مَعْقِد الرَّبط يبقى واضحاً للرَّائي، ويظلُّ مَعْلماً وقرينةً ماديَّةً على أن ما اصطنعناه لا يُعدُّ ارتباطاً، كما أنَّه لا يُعدُّ انفِصالاً، وإنّما هو مَرْتبة وسطى بين الارتباط، والانفصال ويسمى «الرَّبْط».

وإليك توضيح لمفهومي الارتباط (إسناد، تعدية، إضافة إلخ) والربط (باستخدام أداة ربط -و- في المثال) في هذه الجملة:

توضح لمفهوي الارتباط والربط في اللغة العربية
توضح لمفهوي الارتباط والربط في اللغة العربية اضغط للتكبير

والعربية تلجأ إلى الرّبط بأداة لفظية ظاهرة -حرف (و) في المثال أعلاه- حين تَخْشى اللَّبْس في فهم الانفصال بين مَعْنَيَين، أو اللَّبْس في فهم الارتباط بين مَعْنَيَين.

ليس ذلك فحسب، «العربية» تطوّرت بخصائصها في الإيجاز كلّما وجدت إليه سبيلا. لذلك قالت العرب «خَيْرُ الكلام ما قِلّ ودَلّ»، فمتى ما أمكن أن يكون الكلامُ جملةً واحدة، كانَ أَوْلَى من جعله جملتين «من غير فائدة». وذلك أنّ «الكلام إنما وُضِعَ للفائدة،» فـ «الفائدة لا تُجنى من الكلمة الواحدة، وإنما تُجنى من الجُمَل ومدارج القول؛ فلذلك كانت حال الوصل عند العرب أشرف، وأقوم وأعدل من حال الوقف».

كما ترى، ثمة نزعتان متناقضتان هنا: نزعة متأصلة في الجملة العربية نحو الانفصال، ونزعة نقيضة في ميل مستخدميها إلى الإيجاز والوصل؛ وقد خَلقتا بضع عشرات من أدوات الرّبط الاصطناعية، تُضْفي معنىً جديداً ودلالةً في كل سياق تُسْتَخدم فيه، بخاصة إذا علمنا أن الإعراب بذاته لا يُضفي ثُقلاً معنوياً على الجملة. فأفعال الماضي والحاضر والأمر والفاعل والمفعول به والمبتدأ والخبر.. إلخ، هي هي، لا يتغير سلوكها ومعناها من كلام إلى كلام.

لفهم ذلك، دعنا نفكك هذه الآية لغوياً إلى مكوناتها، ونرى ما يحدث:

﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

بداية، لاحظ في «أَرْضِعِيهِ» و«أَلْقِيهِ» أنها تجمع الفعل والفاعل والمفعول به في كلمة واحدة بطريق الارتباط وليس الربط.

إذاً، أصل الكلام:

  • أوحى الله إلى أم موسى.
  • قال الله أرضعي يا أم موسى موسى.
  • قال الله يا أم موسى إذا كنت تخافين على موسى، فألقي موسى في اليم.

كما ترى، لا يزال الفعل والفاعل والمفعول به كلها موجودة، ولم يتغير سلوكها أو معناها، ولكن الجُمَل أصبحت لا تطاق لركاكتها.

ما يحكم بناء الجُمْلة العربية في كل أحوالها، ويجعلها جُمَلاً مثقلة بالمعنى، هو القانون الذي أسماه الجرجاني «الفصل والوصل». الجُملة العربية تزدهر، وتنتعش بالوصل والفصل؛ بالارتباط والرّبط، فهي تَحْكُم العلاقات السياقيّة النحوية بين جُزئيات المعاني داخل الجُملة الواحدة، كما تَحْكُم تلك العلاقات بين الجُمل داخل النّص. ولا تُبْنى هذه العلاقات فقط بحرف العطف «و» المستشري في الكتابة الصحافية.

في المرة القادمة، عندما تنهي كتابة جملة، وتبدأ بأخرى، اضبط نفسك. لا تستخدم «و».. «لكن».. «إلا أن».. «كيما».. «لا بد أن».. إلخ. لا تخشَ الفجوة بين الجملتين؛ ذاك الإحساس بأن هناك جسراً ناقصاً؛ بأن القارئ سيقع في «الفراغ». لن يحدث. اترك مجالاً للجمل والعبارات كي تحتك مع بعضها كحجري الرحى، كلما أمكن ذلك.

هل أنت قارئ من هذا النوع؟ هل تتعثر بين الجمل، وتتلعثم بين الفقرات؟ هل يحتبس عليك الفهم عندما تجد فاعلاً مستتراً، أو ضميراً محذوفاً، أو مفعولاً به مؤولاً؟ هل تحتاج إلى مَنْ يرشدك عندما تقرأ نصّاً؟ إذا كتبت بوضوح، وكنت متأكداً مما قلتَه وما لم تقله، لن يضيع القارئ. إنْ كان ثمة سبب للتشويش، فهو كثرة أدوات الربط التي تقلِّل من عملية الاحتكاك.

يكفي أن تفتح أي موقع أخبار عربي، لتجد الجُمل مثقلة بأكثر من 90 أداة ربط. أحياناً ستجد ثلاث أدوات ربط متتالية في بداية الجملة الواحدة كما الحال هنا:

  • «لكن في المقابل، فقد حصل الفلسطينيون..»

الهوس بأدوات الربط والانتقال ينفي حقيقة أساسية عن الكتابة؛ حقيقة سحرية، وهي أن الكتابة ليست مثل حزام ناقل الأمتعة، تحمل القارئ إلى النقطة عند نهاية النص حيث يتكشّف «المعنى». للكتابة الجيدة مغزى في كل جملة؛ وممتعة بسبب ذاك الاحتكاك بين الجمل في أثناء توليد المعنى.

تعلّمنا في المدارس والجامعات أن ما يهم في القراءة هو اكتشاف «المعنى» الذي بُثَّ في النّص. فالكلمات تتبخّر تاركةً وراءها لحظةَ إدراك في الدماغ.

تعلّمنا أن الكتابة ليست سوى إِيْداع «المعنى» الذي يستخلصه القارئ لاحقاً.

وأن الجُمْلة استنساخٌ للفكرة؛ مجرد قشرة خارجية، قيمتها تكمن فيما تنقله أو تحتويه، لا في كونها جملة. لا يهم شكلها، المهم المعنى الكامن فيها.

تعلّمنا أن نفكر، ونقرأ ونكتب كما لو أن التوافق بين اللغة والمعنى تقريبيٌّ؛ فالأشكال المختلفة لكتابة الجملة الواحدة، تعني الشيء عينه، لا فرق بينها.

لم يشرح لنا أحد الارتباطات بين بقع الحبر على الصفحة التي نقرؤها. لم يقل لنا أحد إن اللغة تعيش داخل متانة الجملة.

ماذا لو لم يكن «المعنى» هو الغرض الوحيد من بناء الجملة؟

ماذا لو كانت الفضيلة والقيمة هي الجملة ذاتها، وليس «المعنى» الكامن فيها؟

ماذا لو كانت كل سمة من سمات الجملة -المفردات، الإيقاع، الصوت، الترابطات، التركيب دلالةً ولغةً.. إلخ- لها قيمتها؟

إذا كنت أباً مثالياً، وتروي القصص لطفلك، هل انتبهت أنه قد يطلب منك عند لحظات معينة، إعادة جملة بعينها كلمة بكلمة ومرة بعد أخرى؟

إذا كان «معنى» الجملة ليس بديلاً عن الجملة ذاتها.

إذا كان الغرض من الجملة أن تقول ما ينبغي لها قوله، وأن تكون هي ذاتها أيضاً، وليست مجرد «وعاء» لاستخلاص المعنى.

إذا كانت الكلمات لها تاريخها المعقد، وتشكلت عبر قرون من نطقها وكتابتها في سياقات الأدب والثقافة والعمل. إذا كان صداها يتردد مع أشباح أشكالها السابقة.

إذا كانت الجملة ذاتها لها إيقاع وسرعة حركة.

إذا كانت تستخدم المجاز والتشبيه، أو الجناس أو واحدة من عشرات المحسنات.

إذا كانت تحدد الإيماءات الدرامية التي تصنعها بها بصفتك كاتباً.

إذا كانت تثير توقعات القارئ وتطلعاته على مستويات عدة.

إذا كانت تسمي الأشياء الفعلية في العالم، أو ربما تعيد تسمية العالم.

إذا كنت بصفتك كاتباً حارساً على كل هذه الصفات في الجمل التي تنشئها، فلماذا تتركها هناك، مركونة في زاوية مهملة؟ لماذا هذه النظرة الاستعلائية إلى القارئ، وأن «المعنى» سَيَفرُّ منه ما لم تكبّله بأدوات الربط؟

أليس استخدام أدوات الربط، هو محاولة متوترة لترقيع الجمل القصيرة مع بعضها في جملة طويلة. وكأن «المعنى» سيضيع ما لم يأتِ قبل نقطة النهاية في الجملة.

أليس حذف أدوات الربط، هو طريقك إلى تعلّم كتابة الجملة القصيرة، وتعلّم كيف يكون نصّك مفهوماً للقارئ.

أليس الفراغ الذي تشعره بين الجمل، هو على الأغلب أدوات الربط والانتقال التي ينبغي لك حذفها.

أليست الجملة الطويلة المزدحمة بأدوات الربط، هي عملياً إقصاء للعلاقات كلها التي قد تتكون بين الجمل القصيرة. ذاك الاحتكاك، والشدّ، والتوتر في الكهرباء الساكنة فيما بينها، مثل الـ«بيمول» والـ«دييز» بين العلامات الموسيقية.

دع الكلمات والجمل تتصادم، كلما أمكن ذلك، عوضاً عن عقد صلح وسلام مصطنع بينها باستخدام أدوات الربط.

لا تصادم = لا احتكاك.

لا احتكاك = لا حرارة.

لا حرارة = لا نور.

لا نور = لا رؤية.

لا رؤية = لا معنى.

الصحافي ديف باري
الصحافي ديف باري

لنقرأ هذه القصة للصحفي «ديف باري»، أحد أكثر الصحفيين المعاصرين فكاهة، وقد حاز جائزة بوليتزر عام 1988. وذكرت اللجنة أن الجائزة جاءت تقديراً لاستخدامه المستمر والفعّال للفكاهة كوسيلة لتقديم رؤى جديدة حول مسائل جادة.

انظر إلى جمله؛ كيف أنه لا يستخدم أدوات الربط إلا عندما يتطلب الأمر ذلك، ما يخلق احتكاكاً بين الجمل مولِّدة المعنى والعمق.

«تائهة في أمريكا» — ديف باري

أقود السيارة مع والدتي عبر مدينة «هارتفورد»، بكونتيكت، في طريقنا إلى بلدة تسمى «إسكس». لم يسبق لكلينا زيارة «إسكس»، لكن كلانا يأمل وبشدة أن توافق والدتي على الاستقرار هناك.

منذ عدة أشهر، وهي بدون منزل، تنتقل من ابن إلى ابن عبر البلد، بعد أن باعت المنزل الذي عاشت فيه مدة 40 عاماً؛ المنزل الذي ربتنا فيه، المنزل الذي بناه والدي. المنزل الذي مات فيه، في 4 أبريل 1984. كانت تدوِّن ملاحظة بهذا التاريخ كل عام على التقويم في المطبخ.

«توفي ديف، 1984،» تقول الملاحظة. «عُدْ إلينا، يا ديف.»

في 5 يوليو، ذكرى زواجهما، كانت تدوِّن ملاحظة أخرى: «تزوّجت ديف عام 1942. لقد كان أفضل ما صنعته في حياتي.»

المنزل كان أكبر من أن تعتني به والدتي وحدها؛ نصحناها جميعاً ببيعه. في نهاية الأمر، فعلت ذلك، وشحنت كل أثاثها إلى «سانيفيل» بكاليفورنيا، حيث يعيش أخي «فِلْ». كانت تنوي الإقامة معه إلى أن تجد منزلاً مناسباً هناك.

إلّا أنها كرهت «سانيفيل». في أول الأمر، بدا ذلك مضحكاً نوعاً ما، حتى بالنسبة إليها. كانت تقول باستغراب: «كل ممتلكاتي الدنيوية، في مستودع ببلدة سانيفيل، التي أكرهها.» كان دائماً لديها حس دعابة رائع.

بعد فترة، لم يعد الأمر مضحكاً. غادرت والدتي «سانيفيل» لتقيم بعض الوقت مع أخي «سام»، في سان فرانسيسكو، ثم معي، في فلوريدا؛ لكنها لم ترغب في الإقامة معنا. ما أرادته كان منزلاً.

الحق، ما أرادته، كان استعادة منزلها القديم.

مع والدي فيه.

بالتأكيد كانت تدرك عدم إمكانية تحقيق ذلك؛ وكلما حاولتِ التفكيرَ في أمر آخر تريده، كان ذهنها يتجمد فجأة. بدأت تقضي الكثير من الوقت في مشاهدة المسلسلات الدرامية.

«عليكِ أن تمضي في حياتك،» كنت أقول لها بصوت أبوي جديد بدأت أكتسبه عندما أتحادث معها. من دون تردد، كانت تطفئ التلفزيون وتُخْرِج خريطة للولايات المتحدة، اشتريتها لها لمساعدتها على التفكير.

«قد تكون بلدة بولدر خياراً جيداً،» كانت تقول، وهي تنظر إلى كولورادو. «لقد ولدت بالقرب من بولدر.»

«أمي،» أقول ذلك بصوتي الجديد. «لقد تحدثنا عن بولدر 50 مرة، وكنتِ دائماً في نهاية الأمر تقولين إنكِ حقاً لا تريدين الإقامة هناك.»

تشعر بالندم؛ تعود إلى النظر إلى الخريطة، لكن أستطيع أن أقول بثقة إنها حقيقة لم تكن تُبصر الخريطة.

«عليكِ أن تكون واقعية،» أقول ذلك بصوت الحكيم.

عندما بلغت المماحكة فيما بيننا حد الجنون، عادت إلى كاليفورنيا، وكررت العملية ذاتها مع إخواني الاثنين. ثم في ليلةٍ، اتصلت لتسأل، بكثير من الحرج، ما إذا كنت سأذهب معها للبحث عن منزل في «إسكس»، بكونتيكت؛ سمِعَتْ أنها بلدة لطيفة. كنت أمر بفترة سيئة، لكن بالتأكيد قلت لها «نعم»، فأمك هي أمك. قابلتها في «هارتفورد»، واستأجرت سيارة.

أقود السيارة؛ ووالدتي تنظر عبر النافذة.

تقول: «مررت بـهارتفورد العام الماضي مع فرانك ومِل، في طريقنا إلى ماين،». «فرانك» هو شقيق والدي؛ لقد توفي قبل أيام. كانت والدتي تحب رؤيته. كان يذكرها بوالدي.

«كنّا نغني،» تقول والدتي. ثم تبدأ في الغناء.

أنفخ أبداً الفقاعات

فقاعات جميلة في الهواء.

أستشعر أنها تريدني أن أغني أيضاً. أعرف الكلمات؛ كنا نغني هذه الأغنية في الصغر.

تطير إلى الأعالي، لتصل إلى حد السماء.

ثم مثل أحلامي، تتلاشى وتذهب أدراج الرياح.

لكنني لا أغني معها. أتظاهر بالانشغال.

«أشتاق إلى فرانك،» تقول والدتي.

تبيّن أن «إسكس» بلدة صغيرة جميلة، ورأينا فيها شقتين جميلتين بسعر جيد. لكنني أستشعر تماماً أن والدتي لا تريد أن تظلّ هناك. لا تريد قول ذلك، بعد أن جرجرتني بالطائرة من ميامي؛ كلانا يعرف ذلك.

صباح اليوم التالي، في مقهى الموتيل، تناولنا وجبة إفطار مشحون.

«انظري، أمي،» قلت لها، «عليكِ أن تتخذي قراراً.» تحدثت بالمنطق.

نظرت إلى خريطتها. بدأت تتحدث مجدداً عن «بولدر». أثار هذا غضبي. ألقيت عليها محاضرة، وأخبرتها أنها تتصرف كالأطفال. كانت تنظر إلى خريطتها، وتمسك بها بقوة. أعدتُها إلى «هارتفورد»، بالكاد تحدثنا في الطريق. وضعتها على متن طائرة؛ ستذهب إلى «ميلوَوْكي» لزيارة شقيقة والدي، ثم ستعود إلى أخي في «سانيفيل» بكاليفورنيا، التي تكرهها.

الحق، شعرت بارتياح عند مغادرتها.

«لا يمكنكَ مساعدتها،» قلت في نفسي، «إلى أن تقرر هي ما تريد.» كان موقفاً سليماً.

بعد أسبوع تقريباً، تلقينا أنا وزوجتي بطاقة من والدتي.

«هذه لأقول لكما عيد ميلاد سعيد في هذا العام الخاص جداً»، كتبت على البطاقة، «وشكرًا لكما على كل شيء.»

عيد ميلادنا لا يزال أمامه أسابيع.

بعد يومين تقريباً، اتصل أخي «فِل»، باكياً، من المستشفى. تناولت والدتي جرعة كبيرة من الفاليوم والكحول. الأطباء يطلبون الإذن لنزع الأجهزة التي تبقيها على قيد الحياة. قالوا أنْ ليس ثمة أمل.

تحدثنا عن ذلك، لكن حقاً، لا خيارات لدينا. منحناهم الإذن.

إنه الخيار الوحيد المنطقي.

آخر شيء فعلته والدتي، قبل أن تذهب عبر النفق نحو طائرتها، كان التفاتة نحوي، ثم ابتسمت لي ابتسامة عريضة. لم تكن ابتسامة سعادة؛ إنها الابتسامة ذاتها التي أغدقها على ابني عندما يزعجه الاستماع إلى الأخبار، وأقول له: «لا تقلق، لن تنشب حرب نووية قط».

لا يزال يمكنني رؤية تلك الابتسامة في أي وقت أريد. أغلق عيني، وها هي هناك. أمُّ تحاول ن تطمئن ابنها بأن كل شيء سيكون على ما يرام.

(بوليتزر 1988)

أردت تقديم هذه القصة، ليس لأنها تستخدم أدوات الربط عندما يتطلب الأمر ذلك، وليس لأنها تعتمد على الارتباطات بين مكونات الجملة لخلق ذاك الاحتكاك الذي يولِّد المعنى، بل أيضاً بسبب نهايات الجمل فيها. أشرت إليها بالخط العريض. تكاد تستطيع معرفة القصة من الكلمات والعبارات التي وردت في نهايات الجمل.

كيف تنهي الجمل

إذا كتبت دائماً جملك بحيث تكون صيغة «الفاعل» هي الشخصيات الأساسية في القصة، وربطت الأكشن الذي تقوم به بـ«أفعال» قوية، فعلى الأرجح سيكون ما تبقى من مكونات الجملة واضحاً أيضاً. وبالنتيجة تحصل على نص متماسك ومتسق. لكن، إذا كانت بداية الجملة تستحق انتباهاً خاصاً، فإن نهايتها هي التي تظل في ذاكرة القارئ، وتؤثر في ما يشعر به تجاه النص ككل.

القارئ يريدك أن تساعده على تخطي نوعين من الصعوبات:

  • الجمل والعبارات المعقدة والطويلة.
  • المعلومات الجديدة، ولا سيما المصطلحات التقنية غير المألوفة.

بوجه عام، الأفضل أن تبدأ جملك بعناصر قصيرة نسبياً: عبارة أو جملة تمهيدية قصيرة، يليها «فاعل» مختصر وواضح، ويليه «فعل» يعبر عن أكشن محدد. بعد الفعل، يمكن بناء الجملة الجيدة مهما امتد طولها.

المبدأ العام هو أن تقود القارئ ليس من التعقيد إلى البساطة، ولكن من البساطة إلى التعقيد.

انظر، كيف تبدأ هذه الجملة التي تتحدث عن مفاهيم معقدة نوعاً ما، بعبارة تمهيدية «في هذه الدراسة»:

في هذه الدراسة، نحلل إيرادات الضمان الاجتماعي ونفقاته على مدار العقود الستة الأخيرة، باستخدام معايير اجتماعية وتأمينية لتحديد المتغيرات في العجز المستقبلي.

الآن، انظر إلى هذا النص. على الرغم من أنه نص اختصاصي، إلّا أن القارئ العادي سيستطيع فهم الفكرة العامة بلا مشقة:

عندما تتقلص عضلة ما، فإنها تستخدم الكالسيوم. إذا استطعنا معرفة الآلية التي يؤثر بها الكالسيوم على تقلص العضلات، سيمكننا فهم الآلية التي تستخدمها أدوية «مثبطات الكالسيوم» في إعادة ضبط اضطرابات نُظُم القلب. إن الوحدة الأساسية لتقلص العضلة تسمى «الساركومير». يتكون «الساركومير» من شريطين، شريط فاتح وشريط داكن. تتكون هذه الشرائط بدورها من أربعة بروتينات تنظم عملية تقلص العضلة: «الأكتين» والـ«تروبوميوزين» والـ«تروبونين» في الشريط الفاتح والـ«ميوزين» في الشريط الداكن. تتقلص العضلات عندما يتفاعل بروتين في الشريط الفاتح، وهو الـ«أكتين»، مع بروتين في الشريط الداكن، وهو الـ«ميوزين» الذي ينتج طاقة تسمى إنزيم الأدينوسين ثلاثي الفوسفات، ويشار إليه اختصاراً بـ«أتيباز».

لاحظ كيف أن المصطلحات الاختصاصية (بالخط العريض) جاءت في نهاية الجمل.

مفهوم «النبرة»

إذاً، الكلمات الأولى في الجملة مهمة؛ لأنها تحدد الفكرة التي تتحدث عنها الجملة. والكلمات الأخيرة في الجملة مهمة أيضاً، لأنها تحدد «نبرة» الجملة.

انتبه عندما تتحدث مع الآخرين، كيف أنك تشدد على بعض الكلمات أو المقاطع أكثر من غيرها. حتى عندما تقرأ نصاً ما بصمت، فإن قراءتك تشدد على بعض الكلمات أكثر من غيرها. هذا التشديد يسمى «النبرة». وهي مهمة لأن القارئ يشعر بصوتك ككاتب إذا وضعت «النبرة» في مكانها الصحيح لدى كتابة جملك.

انظر إلى هذه الجملة:

قد تتسبب ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع مستوى مياه البحر إلى درجة تُغمَر فيها المناطق الساحلية المنخفضة في العالم، ومن ثم اختفاؤها، وفقاً لعلماء الغلاف الجوي.

وفقاً لعلماء الغلاف الجوي، قد تتسبب ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع مستوى مياه البحر إلى درجة تغمر فيها المناطق الساحلية المنخفضة في العالم، ومن ثم اختفاؤها.

الحق، يمكنك خلق تأثيرات أسلوبية مختلفة من خلال الطريقة التي تنهي بها جملك.

والعربية، إحدى اللغات التي قد تضحِّي بأي مكوِّن في الجملة لخلق ذاك التأثير الذي تتركه النبرة.

﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩].

الأصل: لو شاءَ أنْ يَهدِيَكم أجمعينَ لهَداكم. وترى كيف أن الجملة ذهب منها الحُسن الذي كان فيها بذكر «أنْ يَهدِيَكم»، وكيف أصبحت «أجمعين» أضعف مما هي عليه في الآية.

وهنا حذف مفعول الفعل «شاء» في قوله:

﴿مَنْ يَشَأِ الله يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].

وكذلك في قوله:

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٣، ٢٤].

كما ترى، حُذف المفعول هنا في أربعة مواضع، والمعنى: وجدَ عليه أمة منَ الناس يَسْقون أغنامهم أو مواشيهم وامرأتين تذودان غنمهما، وقالتا لا نَسْقِي غنمَنَا، فسقى لهما غنمَهَم.. وهكذا. بحذف المفعول به، بات تركيز المعنى كله على الأفعال: يسقون، تذودان، نسقي، فسقى.

ثم انظر في هذا البيت:

فلوْ أنَّ قَوْمي أَنطَقَتْني رماحُهُمْ ⁕ نَطَقْتُ ولكنَ الرماحَ أَجرَّتِ

كما ترى، فالأصل: لكن الرماح أجرَّتني، فحذف «ني»، حتى تتركز القوة و«النبرة» على «أجرّت». ومعنى البيت أن عدم صبر قومه، وخذلناهم في مقارعة الأعداء بالرماح «أجرَّت»، أي شقّت، لسانه ولم يعد يستطيع مدحهم. ويقال: أجررت الفصيل، إذا شققت لسانه لئلا يرضع أمه، كي ينفصل عنها.

ومن ذلك أيضاً:

شَجْوُ حسَّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ ⁕ أن يَرى مُبْصِرٌ ويسْمَعَ واعِ

الأصل: أن يَرى مُبصرٌ مَحاسِنَه، ويَسْمعَ واعٍ أخبارَه وأوصافَه، ولم يذكر «المحاسن» و«الأخبار» لأن لا داعي لهما، فبمجرد أن تكون مبصراً سترى محاسنه، وبمجرد أن تكون واعياً ستسمع أخباره. ولو ذكرهما، لذهب التركيز الذي تضعه الجملة على «مبصر» و«واع».

عندما تقترب الجملة من نهايتها، يتوقع القارئ أن يجد كلمات استحقت العناء، وسيشعر أن الجملة ليس لها «نبرة» إذا انتهت بكلمات ذات وزن دلالي أو نحوي خفيف. إيقاع الجملة يجب أن يحمل القراء أكثر فأكثر نحو القوة. فمثلاً، الصفات والظروف أثقل من حروف الجر، ولكنها أخف من الأسماء، وصيغة المصدر هي أثقل الأسماء. صيغة المصدر عادة تكون إشكالية إذا اُستخدمت بديلاً للفعل، فهي تدل على حدث من دون زمن أو أكشن. ولكن في نهاية الجملة يكون لها وزنها، فهي -رغم أن بعض الآراء تذهب إلى غير ذلك- تُعد أصل المشتقات جميعها.

لننظر كيف أنهى ونستون تشرشل الكلمة التي ألقاها في مجلس العموم في 4 يونيو 1940؛ وهو اليوم ذاته الذي انتهت فيه عملية سحب الجنود العالقين في خليج «دنكرك». وقتئذ، لم تكن أمريكا، ويشير إليها تشرشل في كلمته بـ«العالم الجديد»، قد انحازت إلى أي طرف في الحرب العالمية الثانية.

قال تشرشل:

… إلى أن يتقدم، بمشيئة الله، العالم الجديد بكامل قوته وجبروته، لإنقاذ العالم القديم وتحريره.

الطريف أنه غالباً تُقتطع هذه الجملة من كلمته لدى الاستشهاد بها. والعالم القديم هي أوروبا. ولكن انظر كيف أنه يحمل القارئ (أو المستمع) إلى الذروة والحُسْن في نهاية الجملة بذكر مصدرين اثنين «إنقاذ» و«تحرير».

لا يزال مفهوم «الحُسْن» مراوغاً، فما هو بالأصل؟ وهل يمكن تعلمه؟

الحُسْن: محاولة للفهم

إذا كنت قد استفدت من هذا الكتاب، وأصبحت قادراً على الكتابة بجلاء وترتيب، أو كنت بالأصل قادراً على ذلك، فعليك أن تَسْعد؛ لقد أنجزت الكثير. وفيما سيفضل القراء معظمهم الوضوح والبساطة على رطانة اللغة، يمكن للبساطة المبالغ فيها، أن تتحول إلى لغة جافة، عقيمة لا حياة فيها، نادراً ما تعلق بالذاكرة. إن دفقةً من الْحُسْن في جملك، لن تجعل فكرتها واضحة في الأذهان فقط، بل في كل مرّة تُسْتَدْعَى إلى الذاكرة، ستبث المتعة والإشباع.

للأسف، ليس ثمة طريق واحد إلى الْحُسْن، ولا يمكن تعلمه، بإتقان هذا الأسلوب أو ذاك. مع ذلك، ثمة أدوات ستساعد على استكشاف الطريق إليه. وقد تحدثنا عن العديد من هذه الأدوات فيما تقدم. لكن كتابتك لن تصبح حسنة بمجرد معرفة هذه الأدوات، تماماً مثل معرفتك بمكونات وصفة ما، لن تجعلك طاهياً ماهراً. ستحتاج أحياناً إلى نسيان بعض تلك الأدوات؛ إلى تجاوزها كي تجد صوتك بصفتك كاتباً. لا تتردد؛ إفعل ذلك. الكتابة الحسنة قد تكون هبة؛ الهبات أيضاً تحتاج إلى الممارسة والتعلم. وأفضل أنواع الْحُسْن، هو ذاك الذي يساعد على التفكير. وأهم تلك الأدوات:

التناظر والتوازن

فما يجعل جملة ما حسنة هو بشكل رئيسي ذاك التوازن والتناظر بين أجزائها، إذ يردد كل جزء صدى الأجزاء الأخرى من حيث الصوت، والإيقاع، والتركيب، والمعنى. الكاتب الجيد يستطيع تقريباً تحقيق التوازن بين أجزاء الجملة أياً كانت، ولكن التوازن الأكثر شيوعاً يعتمد على التناظر المتوازن.

إليك أمثلة أوردها كتاب في غاية الأهمية، واعتمدت عليه كثيراً، لجوزيف وليامز وجوزيف بيزآب بعنوان: Style: Lessons in Clarity and Grace. لنقرأ هذا النص المتناظر الذي كتبه الصحفي والكاتب والتر ليبمان:

والتر ليبمان

إن الوحدة الوطنية لشعبٍ حرٍّ تعتمد على توازنٍ في السلطة السياسية بمقدارٍ يكفي أن يجعل من المستحيل على الحكومة أن تكون تعسفية، وعلى المعارضة أن تكون متطرفة ومعاندة. حيثما يختل هذا التوازن، تفنى الديمقراطية. لأنه، ما لم تُجبِر الظروف جميع مواطني الدولة على عقد تسوية، ما لم يشعروا أن بمقدرتهم التأثير في السياسة، وأنه ليس لأحدٍ الهيمنة عليها كاملاً، ما لم يأخذوا ويعطوا بحكم العادة والاضطرار، فإن الحرية لا يمكن صونها.

والتر ليبمان
والتر ليبمان

في نص ليبمان، نجد أن كل عبارة تردد صدى الأخرى من حيث الترتيب، والصوت، والمعنى، بما يضفي على النص ككل تناظراً معمارياً معقداً.

دعنا نعمل على تشريح نص ليبمان:

انظر كيف تُردِّد كل كلمة مهمة في عبارةٍ، ما يقابلها في العبارة الأخرى (أبرزت الكلمة الأساسية في كل عبارة بالخط العريض، وبوضع خط تحت النبرة). لاحظ كيف أن «متطرفة» و«معاندة» تردد صدى «تعسفية»:

تركيب الجملة العربية
تركيب الجملة العربية اضغط للتكبير
تركيب الجملة العربية
تركيب الجملة العربية اضغط للتكبير

ليبمان يخلق توازنا بين الكلمتين الحكومة والمعارضة، ويختم بتوازن الأصوات والمعاني في النبرات «تعسفية، متطرفة، ومعاندة». ثم يتبع ذلك بجملة استنتاجية قصيرة لا تنطوي على تناظر بين الكلمات، لكنها لا تزال متوازنة:

تركيب الجملة العربية
تركيب الجملة العربية اضغط للتكبير
تركيب الجملة العربية
تركيب الجملة العربية اضغط للتكبير

ثم بعد ذلك، يبدع تركيباً معقداً، بثلاثة عبارات تمهيدية قبل الجملة الرئيسية، على عكس بعض النصائح التي جاءت في هذا الكتاب، خالقاً التوازن بين العديد من الأصوات والمعاني وقد أشرت إليها بالخط العريض وبوضع خط تحت العبارات:

انظر إلى الاحتكاكات التي تخلقها «ما لم» في ثلاث عبارات متتالية، ثم المقابلة بين «التأثير» و«الهيمنة»، ثم ذاك التوازن في المعنى بين «يأخذوا» و«يعطوا»، وبين «العادة» و«الاضطرار»، ثم في العبارة الأخيرة «فإن الحرية لا يمكن صونها» يردد صدى «حيثما يختل هذا التوازن، تفنى الديمقراطية»، من حيث طريقة بنائها.

إذاً، إحدى ميزات النثر الحسن هو البناء المتوازن. وقد يكون هذا التوازن بين أي جزأين من الجملة، أو الجمل، ويمكنك بسهولة خلق التوازن باستخدام أدوات العطف أو الاستدراك، أو العديد من أدوات الربط. ليس بالضرورة أن تكون كل جملة متوازنة. لا بل إن الاستخدام المفرط لهذه الأداة سيبدو تحاذقاً. إذا استخدمت هذه الأداة بحكمة ورويّة داخل نصك لتختتم سلسلة أفكار، أو عندما تريد تسليط الضوء على نقطة مهمة، فإن القارئ النبيه سيلحظ الجهد المبذول في بناء الجملة ويقدّره.

قد يلجأ الكاتب الجيد، إذا أراد إضفاء الحسن على كتابته، إلى البدء بسلسلة من العبارات والجمل المتوازية، لتأخير الوصول إلى ذروة الجملة، ومن ثَمّ خلق التشويق. انظر إلى هذا النص للصحفي جيمس فالوز:

تركيب الجملة العربية
تركيب الجملة العربية اضغط للتكبير

إذا اعتبرَ الصحفيون أنفسهم مسؤولين عن تزايد الريبة لدى الناس، بالقدر ذاته الذي يحمِّلون فيه المسؤولية على السياسيين «الفاسدين» والجمهور «الأناني»؛ إذا اعتبروا أن الرخصة التي يمتلكونها للانتقاد والتشهير، تنطوي ضمناً على مسؤولية خدمة الجمهور؛ إذا فعلوا ما ذكر جميعه أو أيّاً منه، فإنهم سيجعلون الصحافة أكثر فائدة، والحياة العامة أكثر قوة، وسيجعلون أنفسهم أكثر جدارة بالاحترام.

تركيب الجملة العربية
تركيب الجملة العربية اضغط للتكبير

كما ترى، يفتتح فالوز جملته الطويلة هذه، بثلاث عبارات شرطية، والأخيرة منها هي أطولها. أيضاً، عليك أن تنتبه أن هذه الأداة مثل غيرها؛ كثرة استخدامها يقلل من تأثيرها. كلما استخدمت على نحو أقل، كلما كان تأثيرها أكبر.

إليك الفكرة: الجملة الحسنة الأنيقة تنتهي دائماً بقوة. يمكن تحقيق هذه القوة بأربعة طرق:

  • الجملة التي تنتهي بكلمة قوية، أو الأفضل، بكلمتين قويتين.
  • الجملة التي تنتهي بعبارة تردد صدى عبارة سابقة.
  • الجملة التي تنتهي بعبارة تتقاطع مع عبارة أخرى.
  • ابنِ الجملة بحيث تتصاعد فيها الدراما تدريجياً إلى أن تصل ذروتها في نهاية الجملة.

وهنا جملة للروائية الأمريكية جويس كارول أوتس، من كتابها New Heaven and New Earth:

جويس كارول أوتس — New Heaven and New Earth

هيهات أن نكون محتجزين داخل جلودنا، داخل «زنزانات» أجسادنا، بمقدرتنا الآن إدراك أن عقولنا تنتمي، بطبيعتها، إلى «عقل» جماعي، عقلٍ نتشارك بما هو ذهني فيه؛ اللغة ذاتها كأوضح تجلياته، وأن تلك التخوم القديمة لجِلْدِ الإنسان ليست تخوماً إطلاقاً، بل غشاءً يربط بين تجربة الوجود الداخلية والخارجية. ذكاؤنا، فطنتنا، حِذْقَنا، شخصياتنا الفريدة؛ هي كلها في الآن ذاته «ملكيتنا» وملكية العالم.

وإليك تشريح هذا النص:

تركيب الجملة العربية
تركيب الجملة العربية اضغط للتكبير
تركيب الجملة العربية
تركيب الجملة العربية اضغط للتكبير

لا تبتئس إذا وجدت هذه الأشكال في بناء الجملة، هندسيةً معقدة. أنا أيضاً، لم تكن علاقتي جيدة يوماً مع الرياضيات. وأحسب أن معظم الكُتّاب والصحفيين مثلي. فأنّى لنا أن نستطعم ذلك المعنى الصوفي، الكوني فيها؛ نحن الذين هربنا من الجبر، والتفاضل والتكامل، وعلم الهندسة إلى دراسة الفروع الأدبية. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت استكشف تلك العلاقة بين الكتابة والرياضيات. فالمنطق الرياضي، منطق متعالٍ، متسامٍ Transcendental، لا يُفهم معناه إلا بعمل «زوم آوت» ومشاهدة تلك الخيوط التي تربط ما بين مكوناته. تماماً مثلما فعلنا بتشريح الجمل السابقة بالرسوم البيانية، لفهم الصورة الأكبر لها.

قبل نحو 800 عام، نشر الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي كتاباً أسماه «ليبر أباتشي» (كتاب الحساب) مستلهماً الأرقام العربية التي تعرّف إليها في مدينة «بجاية» الجزائرية حيث كان لوالده تجارة هناك. وأورد فيه متتالية عُرفت فيما بعد بـ«متتالية فيبوناتشي»، ومفادها أن كل حدٍّ في هذه المتتالية هي مجموع الحدَّين اللذين يسبقانه: 21-13-8-5-3-2-1-1-0. استخدمت هذه المتتالية فيما بعد في الأسواق المالية وخوارزميات الكمبيوتر، وحتى في العلوم البيولوجية، فمثلاً الزهور جميعها تتبع هذه المتتالية في عدد أوراقها، لا تجد زهرة بـ4 أو 6 أو 9 أوراق مثلاً، وأشياء أخرى كثيرة في الكون الفسيح.

ويكاد المرء يقف صامتاً في حضرة ذلك الهارموني الذي تتحرك فيه أسراب الطيور أو الأسماك، أو تلك الإضاءة المتناغمة التي تطلقها عشرات آلاف حشرات اليراع من بطونها في إيقاع كوني يضاهي بجماله لوحات فان كوخ ورنوار ومونيه. حسناً، لقد وجد العلماء أن كل ذلك يسير بحسب أنساق ومعادلات رياضية، من حركة الذرات إلى تشكل المجرات.

نحن البشر أيضاً لدينا هذه الأنساق ومعرفة لا واعية بالرياضيات تتحكم في سلوكنا. ويمكنك تخيّل المعادلة الرياضية المعقّدة التي تستخدمها دون أن تدرك ذلك، لالتقاط كرة بقدميك في المكان والزمان الصحيحين: y = (v/u) x – (x^2/2u^2) x^2. هذه المعادلة تسمى «خطية تربيعية»، وعلى الأرجح، سيصعب عليك فهمها حتى، وإن شُرحت، مع ذلك فأنت لا تزال تلتقط ببراعة الكرة بقدميك، تماماً مثلما قد تكتب بيُسرٍ جمل يحكمها منطق رياضي حسن.

الكتابة الجيدة، مثل الرياضيات، تنطوي على ذاك الامتنان الفطري للإيقاع والأنماط والتراكيب؛ ذاك الإحساس الذي نشعر به عند قراءة رواية عظيمة أو قصة شائقة، أو ربما قصيدة رائعة، بأن ما قرأناه شيء جميل، فأجزاؤه تتراكب معاً، لتكوّن كُلّاً واحداً لا تنفصم عُراه، تماماً مثل البهاء والحسن الذي شعر به عام 1980 عالم الرياضيات بينوا ماندلبروت عندما اكتشف بمعادلة بسيطة Zn+1 = Zn2 + C، ما بات يُعرف الآن بمعادلة ماندلبروت. ولا بد أنك قد شاهدت تجسيدها في شاشات توقف الكمبيوتر وقضيت وقتاً تتأمل الإبداع الذي فيها.

أينما وجدتَ كتابة جيدة، ستجد معها الرياضيات؛ فرواية «موبي ديك» مليئة بالاستعارات الرياضية، لا بل كلّما قرأتَ أكثر لكاتبها هرمان ملفيل، ستكتَشف الرياضيات أكثر فأكثر. وليس ملفيل وحده. ليو تولستوي كتب عن التفاضل والتكامل، وجيمس جويس كتب عن الهندسة، ومثلثات قطرب أبو علي محمد بن المستنير، النحوي الذي سار بعكس التيار، ورباعيات عالم الفلك والرياضي والفيلسوف والشاعر عمر الخيام.. إلخ. هذا ما تستكشفه عالمة الرياضيات سارة هارت في كتابها الصادر حديثاً Once Upon a Prime.

الكتابة الحسنة والرياضيات ليستا مترابطتين فحسب، بل إن استكشاف هذا الربط يزيد متعة القراءة، كما فعلنا في تشريح نص ليبمان وأوتس.

وثمة سبب أعمق يفسر وجود الرياضيات في قلب الأدب والكتابة الحسنة. الرياضيات تجعل «العبث» الكوني منتظماً: الكون مليء بما يبدو، وكأنه «عبث» محض، بمليارات النجوم والكواكب التي تدور أبداً، وتتقاطع، ثم تتصادم، وتموت، ثم تولد نجوماً وكواكب جديدة، وأفضل أداة لفهم هذا «العبث» هي الرياضيات؛ «لغة الكون»، التي اكتشفت أن وراء كل ذلك تراكيب وأشكالاً منتظمة وأنماطاً متناسقة، تماماً كما فعلت معادلة ماندلبروت التي ترى أن وراء عدم الانتظام هذا، نظاماً دقيقاً يجد فيه كثير من البشر البصمة الإلهية في خلق الكون.

القصص، بدورها، تجعل «عبث» الحياة قابلاً للعيش: كما تجعل الرياضيات بمنطقها ومعادلاتها، الكونَ مفهوماً لدينا، فإن أدمغتنا نحن البشر تساعدنا على خوض «عبث» الحياة بالقصص. من دون القصص ما كنا قادرين على تقبل الموت والفناء. أدمغتنا تلهينا عن هذه الحقيقة المروعة، بأن تملأ حياتنا بأهداف نسعى إلى تحقيقها. والصعوبات التي نمر بها في أثناء السعي لتحقيق تلك الأهداف، هي قصتنا. إنها تمنح وجودنا معنىً.

لا يمكن فهم عالم الإنسان بدون القصص. نحن نعيش حياتنا اليومية داخل قصة. عقولنا تخلق عالماً نعيش فيه؛ تكوّن الصداقات، وتكتسب العداوات، وتضع الأهداف لتصنع الحبكة؛ حبكة حياتنا.

إن ما يقوم به العقل هو خلق قصة تحوّل «عبث» الحياة إلى «أمل». فأدمغتنا مبرمجة فطرياً على «معالجة» القصص، وليس المنطق. تولد القصة في الدماغ كما يتدفق الهواء بين الشفتين.

وكل ما قمت به في هذا الكتاب هو مساعدتك بأدوات، قد تستخدمها أو تتجاوزها، للنظر بعين عقلك إلى داخلك لتكتشف الكاتب الكامن فيك، وتخرجه إلى النور.