الكاتب: رشاد عبد القادر

  • هل يمكن أن تنقرض الصحافة؟

    الإعلام يخسر مستقبله باستمرار

     فكرة «الخبر» تتآكل. كان الهدف أصلاً «الإعلام»، لكنه أصبح في المقام الأول يتعلق بـ«الترفيه».

    سألني صديق وصحافي سابق: متى ستجد عملاً لتعيدني إلى الصحافة؟ شاءت ظروف أشبه بالسينمائية أن تدفعه خارج المجال، فلم يستسلم لمصير بدا محتوماً، وهو في عزّ الشباب. استخرج شهادة سواقة، ثم مع الكثير من التدريب والوقت بدأ العمل بسيارات «أوبر»، وفي أثناء كل ذلك، بساعات نوم قليلة، كان يتابع دورات في البرمجة إلى أن وجد طريقه مجدداً، وعثر على عمل مستقر يكفل له بناء أسرة. لكنه لم يفعل. لا يزال هاجس الصحافة يأتيه بين الحين والآخر. بيده حق، كانت السنوات الأولى للإعلام الرقمي، ممتعة فعلاً، فقد بدا الإنترنت كلعبة بين أيادي «الصحافيين» الجدد، من دون ضغوط المال أو الإعلانات أو التجارة. لم يعتقد المدوّنون الأوائل أنهم سيجنون المال مما كانوا يقومون به، ولم يرتدوا لباس الصحافة التقليدي. كانوا أحراراً، يستمتعون بالتجربة، وقد اكتشفوا حديثاً «دودة» الصحافة التي لا تُقاوَم. ثم بدأت المؤسسات الإعلامية بتوظيفهم، مركّزة على النمو والقراءات «Pageviews»، على اعتبار أن «الأرباح» ستأتي فيما بعد، ما مدد بعمر «براءة» الصحافة الرقمية الأولى عشر سنوات أخرى، ثم بدأت تنهار لأسباب عديدة، أبرزها الرهان الخاطئ على ربحية الأخبار والشبكات الاجتماعية.

    قلت لصديقي: لو تسنى لي يوماً ما أن أوظفه، لَمَا فعلت. ما كانت الصحافة في شك من أمرها كما هي الآن. فالإعلانات نادرة؛ و«الترافيك» الذي كان يأتي من محركات البحث والشبكات الاجتماعية في تدهور مستمر؛ و«القراء» المفترضون يتجنبون الأخبار ومرهقين، وعلاقة الصحافة بالجمهور تمر بإعادة تفكير جذرية.

    تتبع تقرير(1) أكثر من 2181 حالة طرد للصحافيين في 2024 في أمريكا وحدها. «إن بي سي»، «فوكس ميديا»، «ڤايس نيوز»، «بيزنيس إنسايدر»، «سبوتيفاي»، «ذا سكيم»، «فيفتي ثيرتي أيت»، «ذا أثليتيك»، «ذا إنترسبت»،  Law360المختص بالصحافة القانونية، «كونديه ناست» (التي تدير ذا نيويوركر)، جميعها سرحت صحافيين بأعداد كبيرة. «واشنطن بوست» التي خسرت نحو مئة مليون دولار العام الماضي، عرضت على مئتي صحافي تسوية مقابل ترك العمل. «لوس أنجلوس تايمز» سرحت أكثر من 115 صحافياً. أُغلق موقع «بيتش فوركس» المختص بصحافة الموسيقى. «وول ستريت جورنال» نفضت مكتبها في واشنطن، وطردت أكثر من 20 صحافياً، وقبل ذلك بأشهر طردت 15 من المحررين الأساسيين. «سبورت إلوستريتر» التي طاردتها فضيحة نشر قصص أنتجها الذكاء الاصطناعي دون الإشارة إلى ذلك، أنهت عمل معظم صحافييها. ومجلة «التايم» سرّحت 15٪ من العاملين المسجلين في النقابة. أقال «ناوذيس» الموجه للشباب، نصف موظفيه. Engadget الذي يتابع أخبار الطرد، تخلص من كبار محرريه وصحافييه. أنا أيضاً، بعد 10 أعوام من الاشتراك في «نيويورك تايمز»، ألغيته هذا السنة، ليس بسبب تكلفته، إذ إن رسم الاشتراك زهيد (2$ في الشهر)، بل احتجاجاً على الموقع الذي أبدأ به صباحي. ففي السنوات الأخيرة بدأ يتراجع عدد المواد التي كنت أجدها تستحق عناء القراءة.

    كتابة نيويورك تايمز ممتازة، بلا شك. الحق، لم يكن للصحافة أبداً عمق وتأثير وجودة أكثر مما هي عليه الآن. ثمة الكثير من «الصحافة الجيدة»، بحيث كان من الصعب قبل سنوات تخيل جيل يستمتع بالبودكاستات الطويلة التي قد تمتد أحياناً لأكثر عن 4 ساعات، وتحقق ملايين المشاهدات، على غرار بودكاست «فنجان» الذي ينتجه موقع «ثمانية». حتى المنصات العملاقة مثل جوجل وفيسبوك وتويتر وغيرها، كانت تغير خوارزمياتها، وتعيد ضبطها لتدفع الناشرين إلى إنتاج محتوى ذي جودة عالية، ليس لأنها تهتم بالصحافة، إنما كي تجذب المستخدمين لقضاء وقت أكثر على منصاتها. مشكلة الصحافة عالمياً ليست في الجودة.

    المشكلة أن فكرة «الخبر» تتآكل(2). كان الهدف أصلاً «الإعلام»، لكنه أصبح في المقام الأول يتعلق بـ«الترفيه». لعلك تتذكر «الترفيه» الذي وصلت إليه السياسة في أعلى مستوياتها إبان فترة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. الآن يتحول الأمر على نحو متزايد إلى «اللهو»، لدرجة أن مجلة «تايم» الأمريكية اختارت المغنية تايلور سويفت شخصية العام، وهي المرة الأولى التي تختار فيها شخصاً من صناعة الترفيه. عندما بدأ التسويق يعتمد مالياً على الاشتراكات لا الإعلانات، حوّل تركيزه من «الحقيقة» في الصحافة إلى الصحافة بحد ذاتها. هكذا أصبح التحول الرقمي يعني «إسعاد» المشتركين. وهذا ما بدأت نيويورك تايمز فعله بالسنوات الأخيرة سعياً لكسب المزيد من المشتركين عالمياً، فزادت جرعة ما يندرج تحت بند «معلومات عامة» للترفيه واللهو، وقلت عدد المواد التي كنت أجدها تثري المجتمع والصالح العام. قال الناقد والصحافي أ. ج. ليبلينغ يوماً إن «وظيفة الصحافة في المجتمع هي الإعلام، ودورها هو كسب المال. وكلما زاد التركيز على الأخير، قل الاهتمام بالأول.» ما كان دور الصحافة يتعلق يوماً بجعل الناس سعداء. ولا ينبغي لها أن تنافس «تيك توك» على وظيفتها في إلهاء الناس عن متاعبهم اليومية؛ بل ينبغي لها أن تساعدهم على خوض غمارها. ولم أجد اختراعاً مهماً قدمته البشرية قد غيرّ من وظيفته مثلما تفعل الصحافة الآن. خذْ مثلاً «الدولاب»، لا تزال وظيفته هي هي رغم تعدد صفاته واستخداماته، أو «سمّاعة» الطبيب التي أصبحت إكسسواراً أكثر من كونها أداة للتشخيص، لكن الوظيفة استمرت؛ فـ«الرنين المغناطيسي» لا يزال وظيفته معرفة ما يجري داخل جسم المريض. هذا لا يعني بأي حال أن الصحافة لا ينبغي لها الترفيه، بل عليها أن تقدمه ضمن حزمة يشكل «الإعلام» عمودها الفقري.

    نيويورك تايمز تدرك ذلك. لكنها كمؤسسة تدير نحو 1700 صحافي، وتصرف نحو 83 مليون دولار شهرياً، تحتاج أن تقلق باستمرار بشأن الدخل؛ فقبل 15 سنة فقط، اضطرت أن تستدين من الملياردير المكسيكي كارلوس سليم 250 مليون دولار لتغطية نفقاتها في التحول الرقمي. وتدرك أيضاً أن الشبكات الاجتماعية قد غمرت الجميع بالمعلومات، والجميع يحسب نفسه صحفياً، ولديه رأي، ويظن أنه يمتلك «الحقيقة»، حتى إنَّ بعض المحللين في مجال الإعلام بدؤوا الحديث عن ملامح انقراض محتمل للصحافة في المستقبل المرئي.

    انهيار الوسط

    القوى التي يشير إليها(3) ماثيو جولدستاين Matthew Goldstein، كعوامل رئيسية في «الانقراض» القادم، معروفة عملياً: قرّاء مرهقون من الأخبار News Fatigue، خوارزميات الشبكات الاجتماعية التي تقلل فرص ظهور الأخبار. والآن البحث المدمج بالذكاء الاصطناعي على جوجل، الذي يجيب على الاستفسارات مباشرة بدلاً من الإحالة إلى روابط خارجية. ما يعني أن المواقع التي تعتمد على الوصول العضوي Organic Traffic، وتصل نسبته عالمياً إلى 40% من مجموع الترافيك، ستجد نفسها في ورطة كبيرة قريباً. المؤسسات التي استثمرت في مواقعها الإلكترونية ولديها جمهور موالٍ مثل نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، وبي بي سي.. إلخ، ستتأثر بدرجة أقل، وستصمد على الأرجح في وجه الانقراض المحتمل.

    ما يحدث هو أن «الوسط» في الصحافة ينهار. عالمياً، لا تزال هنالك فرصة في القمة؛ فنيويورك تايمز مثلاً، تواجه تحديات حقيقية؛ لكن قدرتها في الوصول إلى جمهور عالمي تفتح آفاقاً للنمو. وفي الأسفل ثمة فرصة أيضاً؛ تجد مثلاً الكثير من المؤلفين المستقلين يجنون أموالاً كافية(4) عبر موقع Substack مثل The Ankler، على ظهر ما لا يتجاوز 5 آلاف مشترك في نشراتهم البريدية. هذا هو الوضع الحالي للإعلام كما يقول(5) الصحافي عزرا كلاين Ezra Klein: يمكنك الازدهار كونك صغيراً جداً أو كبيراً جداً، ولكن من الصعب البقاء على قيد الحياة بين هذين القطبين. هذا بحد ذاته كارثة للصحافة. ومن ثَمَّ للقراء أيضاً. فـ«الوسط» هو المكان الذي يتوالد فيه الصحافيون المميزون؛ المكان الذي تُصنع فيه الثقافة. لكنه الآن يدفع ضريبة الانتقال من صحافة الإنترنت القائمة على «اختيارات المحرر» إلى الصحافة القائمة على ما تقترحه الخوارزميات.

    في السنوات الـ15 الأخيرة، واصلت صحافة «الوسط» مطاردة القراءات (أو الزيارات)، وكان «باز فيد» BuzzFeed، أبرز المواقع التي حددت معالم هذا الاتجاه، بنشر محتوى «فايرال» تغذّيه خوارزميات الشبكات الاجتماعية، إلى أن وصل إلى ذروته مع قصة «لون الفستان» التي حققت 35 مليون زيارة خلال ساعات. ومن بعدها بدأ كل شيء يتغير نحو الأسوأ. الحق، بدأ الأمر مع جونا بريتي Jonah Peretti، الفتى الذي كان يعاني «عُسر القراءة»، تنقله أمه من مدرسة إلى أخرى، بسبب مشاكله، والذي اشتهر عام 2001 عندما نشر إيميلات تبادَلها مع شركة «نايكي» بشأن حذاء رياضي. وأصبح همه منذ ذلك الحين اكتشاف الكيفية التي يتحول بها محتوى ما إلى «فايرال». أجرى في البداية بعض التجارب في «هافينغتون بوست»، الموقع الذي أطلقه كشريك مؤسس مع أريانا هافينغتون، إلا أن الأخيرة لم تكن راضية عن نشر محتوى «سخيف» يُسيء إلى سمعة الموقع الذي كان يساند باراك أوباما في ذروة صعوده إلى الرئاسة. بريتي لم يكن سخيفاً. كان في الواقع أحد ألمع العقول التي شكلت صحافة «الوسط» في العشرين السنة الأخيرة ومعها الإنترنت. لجأ بريتي إلى إنشاء صفحة أسماها «باز فيد» ليجري عليها تجاربه قبل نقلها إلى هافينغتون بوست. هكذا بدأت قصة محتوى الفايرال وموقع «باز فيد» الذي تنازل عملياً عن دور «التوزيع» لصالح شركات التكنولوجيا الخارجية (فيسبوك، تويتر، يوتيوب). ومع تزايد أعداد الزيارات التي أتقنها الموقع، فقدت قيمتها بالمعدل ذاته، ما سرّع في انهيار صناعة «الفايرال» كما كتب بن سميث في كتابه الأخير Traffic(6)، وكان المستفيد فيسبوك وجوجل. الصحافة لم تستفد، ولم يستفد بريتي.

    لم يكن بريتي يوماً مهتماً بالمال. كان صاحب رؤية ويحب المراهنات. عرضت عليه والت ديزني 650 مليون دولار عام 2013 لشراء «باز فيد». بريتي كان متردداً. ركع رئيس «باز فيد» حينئذ جون ستاينبرغ على ركبتيه يترجاه بقبول العرض المغري. لكنه أخيراً رفض لأن مديري ديزني لم يأخذوا الكلمة التي ألقاها فيهم على محمل الجد. انتصر لرؤيته على حساب مصالحه المادية.

    توالت الضربات التي تلقاها بريتي الذي لا يزال يملك هافينغتون بوست. وفي أبريل 2023، أغلق قسم الأخبار في «باز فيد» الحائز على جائزة بوليتزر قبل ذلك بعامين فقط. هذا القسم كان هدفه أصلاً خلق توازن للمحتوى الأخف في الموقع. ونشر مذكرة يشرح فيها رؤيته(7) لما هو قادم، قائلاً إن إقبال الناس على الشبكات الاجتماعية سيستمر لأنها توفر ملاذاً للهو. لكن هؤلاء الناس أنفسهم يميزون أيضاً الجِدّ من اللهو، وبدؤوا يكتشفون مجدداً أهمية «اختيارات المحرر» وعبث الاعتماد على ما تقترحه الخوارزميات لدى استهلاك الأخبار، وبدؤوا يعودون إلى الصفحات الرئيسية لمواقع الأخبار القوية ذات المصداقية. والفكرة القائلة إن الصحافة يجب أن تذهب إلى حيث يوجد الناس، ستفقد شعبيتها تدريجياً، ذلك أن الناس ببساطة لا يريدون أن تعكر الأخبار صفو ملاذ الشبكات الاجتماعية التي يلجؤون إليه للترويح عن أنفسهم. يريدون أن يقرروا بأنفسهم الوقت الذي يستهلكون فيه الأخبار ومكانه، لا أن يُفرض عليهم بقرار.

    المواقع الكبرى مثل واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، ونيويورك تايمز، لم تنجرّ إلى موجة الشبكات الاجتماعية منذ البدايات، ولم تأخذها على محمل الجد. لم يكن ذلك لمعارف كانت تمتلكها، إنما لسوء تقدير للقوة الهائلة التي ستجمعها هذه المنصات بالسيطرة على تدفق الترافيك والتفاعل في العالم الرقمي. كانت المؤسسات الصحافية الكبرى تعلم أنه في أثناء التحولات العملاقة على المرء دائماً أن يطرح الأسئلة، وأن يشك في الإجابات، وألا يؤمن بالحلول السحرية. غريزة البيزنس أنقذتها، بالتركيز على مواقعها الإلكترونية وعدم الاستسلام إلى توكيل مهام توزيع محتواها لشركات التكنولوجيا العملاقة؛ وإن تعاملت معها، فوفق شراكة مهنية بمعايير واضحة. هذا لا يعني بأي حال أن الشبكات الاجتماعية باتت خارج مجال اهتمام الصحافة، بل يمكن البناء عليها بالتركيز على تقديم الترفيه بما لا تقتضيه الحكمة التي تتطلبها استهلاك الأخبار.

    ما بدا جديداً قبل عقد من الآن، أصبح لا معنى له أمام التحديات التي يواجهها مستهلك الأخبار. فهو يريد معلومات موثوقة يمكن الاعتماد عليها لم تعد توفرها الشبكات الاجتماعية، ويتطلع إلى تعدد الزوايا للنظر في قضية ما، وأن مصدراً واحداً أوحد لم يعد قادراً على فعل ذلك. وقد ولّت منذ زمن بعيد تلك الأيام التي كانت تنشر فيها 300 صحيفة في وقت واحد(8) مقالاً للصحافي الأسطورة إيرني بايل الذي وجد نفسه يرمي ثلاثة مواد كتبها في سلة المهملات رهبة من الملايين الذين كانوا ينتظرون مقالاته، فالتقط صديق له إحداها، وكانت قصة «مقتل الكابتن واسكو» التي أصبحت أحد أروع المقالات التي كُتبت عن الحرب العالمية الثانية وأحد أكثرها إثارة للمشاعر في التاريخ. فأنت تشعر بأنك أمام مشهد سينمائي، أكثر من أنك تقرأ مقالاً صحافياً.

    انهيار «ذا مسنجر»

    نعم، كان ذلك حقاً منذ زمن بعيد لا يكاد يعرفه مستهلكو الأخبار الحاليين. لكن جيمي فينكلستاين، المستثمر الإعلامي المخضرم، الذي يبلغ من العمر 75 عاماً، أراد أن يعود إلى الأيام الخوالي عندما كانت العائلة تجتمع حول شاشة التلفزيون لتتابع معاً برنامج «60 دقيقة». فأطلق بداية العام الماضي موقع «ذا مسنجر» الذي دار حوله الكثير من التهويل، بأنه سيعيد تلك الأيام بغرفة أخبار ستصل إلى 550 صحافياً وزيارات تصل إلى 100 مليون شهري، وأن الإعلام القائم قد ضلّ الطريق، وتخلى عن مسؤوليته، وبات غير متوازن، متحيز، ينشر معلومات مضللة، وأن «ذا مسنجر» سيعيد الأمور إلى نصابها. لكن ذلك لم يحدث. وأُغلق الموقع نهائياً بعد 8 أشهر من إطلاقه. فالمشاريع الإخبارية الرقمية الجديدة عليها اختيار مسار معين للتركيز عليه، إذ لم يعد اختيار جميع المسارات ممكنًا إلا في المواقع الكبرى. لقد انتهى زمن الربح من تدفق الزيارات منذ فترة طويلة، حيث لم تعد المنصات الرقمية المسؤولة عن التوزيع تجلب الزيارات كما كانت تفعل في السابق. ثم إنَّ استراتيجية الركض وراء الزيارات أدت إلى الاعتماد على التقارير التجميعية ما جعلها رخيصة؛ وعمليات النسخ واللصق أساءت للمحتوى الأصلي للموقع، هذا إن وجد أصلاً. ونتيجة لكل ذلك، لم تعد عائدات الإعلانات قادرة على تغطية تكاليف الإنتاج. والآن، العقد الاجتماعي الذي كان ينظم التعاملات على الويب بدأ هو أيضاً بالانهيار.

    انهيار العقد الاجتماعي للويب

    لعقود من الزمن، كان هناك ملف يسمى robots. txt يتحكم في سلوك متصفحات الإنترنت. لا يتمتع هذا الملف بأي سند قانوني أو فني(9)، وهو ليس معقداً على نحو خاص. ومع ذلك، حافظ على تنظيم تدفق المعلومات على الإنترنت. وهو بمنزلة مصافحة بين محركات البحث وأصحاب مواقع الويب، بما يدل على الاحترام المتبادل لرغبات بعضهم البعض. ويمكن اعتباره دستوراً صغيراً مكتوباً بكود بسيط ينظم عملية التبادل على الإنترنت.

    يسمح هذا الملف لأي شخص يدير موقع ويب، بغض النظر عن حجمه، بإبلاغ الويب بمن يُسمح له بالوصول إليه ومن لا يُسمح له بذلك. ثم إنَّه يحدد محركات البحث المسموح لها بفهرسة الموقع والخوادم التي يمكنها عمل نسخة منه وأرشفته. بالإضافة إلى ذلك، فهو يحدد ما إذا كان بإمكان المنافسين مراقبة موقع الويب. يتخذ المسؤول الفني هذه القرارات، ويبلغها إلى الويب من خلال هذا الملف. مع أنه ليس نظامًا مثالياً، إلا أنه يعمل بفعالية.

    لقد كانت الصفقة ناجحة: فهي تسمح لمحرك بحث جوجل بأخذ نسخة من موقعك وفهرستها على خوادمه، حتى يتمكن المحرك من عرض محتوى الموقع في نتائج البحث وتوجيه الترافيك إليه. يمكنك كسب المال عن طريق وضع إعلانات عليه بناءً على عدد ونوعية الزيارات. لكن هذا الدستور الذي يعتمد بالدرجة الأولى على حسن نيات الأطراف المعنية، بدأ بالانهيار.

    شركات الذكاء الاصطناعي غيّرت المعادلة: تستخدم هذه الشركات الآن موقعك وبياناته من دون إذنك لبناء مجموعة بيانات ضخمة للتدريب، وإنشاء خدمات أو منتجات قد لا تعترف بوجودك على الإطلاق. فهي لا تعمل على تبادل القيمة كما اعتاد محرك بحث جوجل على فعل ذلك، فلن تحصل على شيء مقابل استخدام بياناتك، ولا حتى الزيارات.

    وعلى الرغم من المساءلة التنظيمية والقانونية في بناء وتدريب نماذجها المتعطشة للبيانات، تستمر شركات الذكاء الاصطناعي في التحسن، وتظهر شركات جديدة كل يوم. ويواجه أصحاب مواقع الويب، سواء الكبار أو الصغار، الآن قراراً: إما احتضان ثورة الذكاء الاصطناعي أو مقاومتها. بالنسبة لأولئك الذين يختارون المقاومة والمواجهة، فإن أقوى سلاح لديهم هو القانون الذي وضعه المتفائلون الأوائل للإنترنت قبل ثلاثة عقود. اعتقد هؤلاء أن الويب مليء بالأشخاص الطيبين الذين يريدون، قبل كل شيء، أن يكون الإنترنت مكاناً جيداً للجميع. في ذلك العالم، وعلى ذلك الإنترنت، كان شرح رغباتك في ملف نصي بسيط مكتوب بالكود كافياً كقاعدة تحكم العلاقات. الآن، بينما يقف الذكاء الاصطناعي على حافة إعادة تشكيل ثقافة الإنترنت واقتصاده مرة أخرى، يبدو هذا الملف المتواضع قديماً وبحاجة إلى إعادة نظر شاملة.

    الصحافة والذكاء الاصطناعي

    يطرح الذكاء الاصطناعي تحديات واضحة على الصحافة، إلا أن الفرص التي قد يتيحها لا تزال أقل وضوحاً. وطالما استمر الناس في الاهتمام بالقصص والتجارب وخبرات الآخرين، سيكون هناك دائماً مكان للصحافة، ولكن ليس لجميع وظائفها. من الواضح أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً حقيقياً ربما في المستقبل القريب لوظائف مثل التدقيق اللغوي والتحرير، حتى في اللغة العربية. لكتابة هذا المقال، استخدمت الذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات، والترجمة والتدقيق اللغوي (الإملائي والنحوي) وإعادة صياغة بعض الجمل بجعلها أبسط وأكثر سلاسة، وتصميم الصورة الرئيسية. وبدون شك سيقضي الذكاء الاصطناعي في مستقبل يمكن رؤيته على الغالبية العظمى من وظائف الكتابة التي تعتمد على التجميع. الجمهور بدوره، سيتوقع محتوى مخصص تفاعلي، ومدمج بالذكاء الاصطناعي، «يشخصن» Personalize الصحافة. فمنذ الآن تقوم Channel1 بالإعداد لقناة إخبارية تُدار بالذكاء الاصطناعي. والكثير مما نعرفه عن الأشكال الصحافية، قد تجد نفسها يوماً ليس ببعيد مضطرة إلى التغيير.

    عمر المؤسسات الإعلامية الكبيرة طويل بما فيه الكفاية (نيويورك تايمز وفايننشال تايمز أكثر من 130 عام)، لتدرك ما الذي قد ينطوي عليه فترة الاضطرابات كالتي يحدثها الآن الذكاء الاصطناعي. فقد مرّت هذه المؤسسات بتجارب مماثلة، وتعلمت أنه في الاضطرابات هنالك دائماً منحنى يؤدي إلى نهاية سعيدة: اعتنق التغيير، ابحث عن الفرص، تعرّف على ما قد يجعلك مختلفاً، وابدأ البناء عليه. وتدرك أيضاً أن المسببين في الاضطراب لن يقدموا يد العون.

    الاعتناق

    فمثلاً استحدثت فايننشال تايمز منذ سنة وظيفة جديدة تحت مسمى «محرر الذكاء الاصطناعي»، وبدأت تبحث من كثب عن الفرص التي تتيحها التقنية الجديدة.

    الفرص

    ففرصة «الترجمة» مثلاً، التي أحدث الذكاء الاصطناعي قفزة فيها، قد تتيح لهذه المؤسسات الوصول إلى جمهور أوسع بفتح أبواب جديدة للنمو عالمياً.

    وعلى الرغم من «هلوسات» الذكاء الاصطناعي، كما قالت(10) رولا خلف، رئيسة تحرير فايننشال تايمز، فإن الأدوات المساعدة التي يقدمها في التحرير والتلخيص والصوت، والبحث والتحليل، ستتيح للصحافيين المزيد من الوقت لإنتاج قصص أصلية، ومن ثَمَّ إضفاء المزيد من «الأنسنة» على الصحيفة.

    الاختلاف والبناء عليه: الأنسنة

    فقد أدركت هذه المؤسسات أنه في عصر الخوارزميات والـ«بوتات» Bots، سيكون هنالك طلب أكثر على ذاك الدفيء الذي يقدمه الصحافي الإنسان للقارئ. ولتمييز نفسها، جددت صحيفة نيويورك تايمز، على سبيل المثال، بروفايلات صحفييها، وجعلتها مفصلة وشخصية من أجل إضفاء الطابع الإنساني على صحافتها بالضد من «صحافة الآلة».

    من غير المستبعد أن يتمكن الذكاء الاصطناعي في المستقبل من إجراء مكالمات هاتفية وبناء العلاقات (مع المصادر مثلاً) وتطويرها، إلا أنه لن يستطيع الخروج إلى الشارع لالتقاط قصص الناس، لذا سيبقى الجزء الأكثر أهمية في سرد أي قصة بشري. القصة كانت دائماً مشروعاً إنسانياً. ولم يكن تطورنا إلى بشر عاقلين إلا نتاجاً جانبياً من نتاجات الطبيعة، لعبت فيه القصة دوراً أساسياً عندما بدأنا بعبادة الطوطم الأول(11).

    مع ذلك ثمة قلق(12) من تفكيك النظام البيئي للإعلام. ترى هذه المؤسسات الإعلامية أن شركات التكنولوجيا الكبرى الجديدة مثل OpenAI، تعيد الخطأ ذاته الذي ارتكبته قبلها منصات الشبكات الاجتماعية، وتخفق في القيام بما ينبغي لها أن تقوم به. فهذه الشركات تريد الآن أن تستولي على المحتوى الذي أنتجته المؤسسات الإعلامية على مدار عشرات السنوات، لتدريب محركات (نماذج) الذكاء الاصطناعي عليه دون تقديم تعويضات عن حقوق الملكية؛ كما فعلت الشبكات الاجتماعية بالاستيلاء على الإعلانات التي كانت تدرّ دخلاً على الصحافة، وتجعلها قابلة للاستمرار، ما يعني عملياً انهيار المؤسسات الإعلامية التي هي بمكانة النظام البيئي للذكاء الاصطناعي لتقديم محتوى موثوق للجمهور. هكذا، يستثمر اللاعبون الكبار بسخاء في الذكاء الاصطناعي بينما يتدهور النظام البيئي الذي يدعمه. ما سيخلق المزيد من عدم الفهم والاضطرابات عندما تبدأ المعلومات المضللة بالانتشار.

    ويبدو الآن أن عدم الفهم المتبادل(13) منتشر في كل مكان. إحدى أعظم الخدمات التي يمكن أن تقدمها الصحافة للجمهور هي مساعدة الناس على فهم الحقائق وفهم بعضهم البعض. إذا كان هناك أمل في تحويل الخوف والغضب -فقط انظر حولك، إنه في كل مكان- في حوار الناس إلى لباقة ومساحة للبحث عن الحلول، فيجب أن تستمر الصحافة.

    حقاً، التهديدات الوجودية التي تواجهها الصحافة، كما قال آ. ج. سولزبرغر، ناشر نيويورك تايمز، تفوق ما قد يتسع له فيلم رعب ذي ميزانية كبيرة. لطالما كان الأمر كذلك.


    [1] Malone, Clare Is the Media Prepared for an Extinction-Level Event?, The New Yorker.

    [2] Streitfeld, David How the Media Industry Keeps Losing the Future, NYTimes.

    [3]  Goldstein, Matthew Weathering the Storm of Potential Publisher Extinction, Mondo.

    [4] Maher, Bron ‘Miraculous’ Substack-based Ankler Media eyes $10m annual revenue next year, PressGazette.

    [5] Klein, Ezra I Am Going to Miss Pitchfork, but That’s Only Half the Problem, NYTimes.

    [6] Smith, Ben Traffic: Genius, Rivalry, and Delusion in the Billion-Dollar Race to Go Viral, Penguin Press.

    [7] Peretti, Jonah 5 Predictions for the Future of Digital Media, BuzzFeed.

    [8] راندال، ديفيد المراسلون العظماء، ترجمة ثائر ديب، العبيكان.

    [9] Pierce, David The text file that runs the internet, The Verge.

    [10] Khalaf, Roula Letter from the editor on generative AI and the FT, Financial Times.

    [11] فيلتشيك، فيفولود الإنسان العاقل نتاج جانبي من نتاجات الطبيعة؟ ترجمة ثائر ديب، مجلة المعرفة.

    [12] “Don’t expect help from the disruptors”: The FT’s chief executive on AI, Niemanlab.

    [13] Sulzberger, A.G. “Mutual incomprehension now exists seemingly everywhere”, Niemanlab.

  • ترتيب الكلمات في الجملة

    في العربية، الجملة «حرة» لا تكاد تخضع لنظام معين في ترتيب الكلمات

    حُسْن الجُمْلَة هو ما يجعلنا نقف عندها؛ نكررها سرّاً -ربما- عشرات المرات.

    الحبكة لا يمكن لها أن تكون أبسط من ذلك: خِرْنِقٌ صغيرٌ يلقي تحية ما قبل النوم: «ليلة سعيدة»، على الأشياء والكائنات الحيّة في غرفته العملاقة ذات الجدران الخضراء، إلى أن يأخذه النعاس شيئاً فشيئاً، فيستسلم للنوم مع تخافت الأضواء تدريجياً، وظهور القمر بدراً في النافذة الكبيرة.

    الجمل بسيطة أيضاً. والحال أنّ محاولة فهم نظام بناء الجملة العربية، قادتني إلى الكتاب المعنون «Goodnight Moon». ويصادف هذا الشهر، الذكرى 75 لصدوره، بعد أن شهد تعثّراً في سنواته العشر الأُوَل، ثم ليبدأ باحتلال مكانته الأدبية تباعاً إلى أن أصبح ما لا يمكن الاستغناء عنه في البيوت التي اُبْتُليت بأطفالٍ يجافيهم النوم.

    والكلمات بسيطة. فالكتاب بأكمله 131 كلمة؛ وإذا حذفنا المكرر منها، لَاِنْتَصَفَ العدد. مع ذلك، يباع منه سنوياً 800 ألف نسخة بسعر 8 دولارات للقطعة الواحدة. ومجمل ما بِيعَ منه حتى الآن يفوق 50 مليون نسخة. العدد كبير. والمبلغ أكبر. يا لحُسْن حظ ابن الجيران الذي سجلت الكاتبة مارغريت وايز براون باسمه حقوق الملكية. لم تعمّر طويلاً. فقد توفّيت بعمر 42، بعد 5 سنوات من صدور كتابها هذا.

    وحُسْن الجُمْلَة هو ما يجعلنا نقف عندها؛ نكررها سرّاً -ربما- عشرات المرات. فما الذي يجعل جملةً ما ذات حُسْن؟ ما الذي يجعل ذاك الطفل يستمع إلى «Goodnight Moon» كل ليلة؛ يستمتع به في كل مرة، يهدأ بعد صخب، ينعس، ثمّ ينام؟ كيف تنتقل جُمْلة ما من «البيان إلى التبيين» from clarity to grace؟ الجواب بالتأكيد ليست «القصة»، فالكتاب ليس بقصة. وليس أيضاً «معاني» الجمل. لو كان كذلك، لَمَلّ الطفل في القراءة الثانية أو الثالثة أو السابعة بعد التمكّن من معانيها. كما أن المعاني ذاتها يمكن التعبير عنها بأكثر من طريقة في بناء الجُمَل. فلماذا هذه الجملة بعينها هي التي تستوقفك، تجعلك تتأمّل، ثم أحياناًـ تستولي عليك؟ قبل أيام سألني صديق عن جملة «إننا محكومون بالأمل،» آخذة بمجامع قلبه، ليجد فيها معنى جديداً آنياً بعد 26 عاماً من ولادتها على لسان سعد الله ونوس في كلمته بيوم المسرح العالمي.

    الجُمَل هكذا؛ تُولَد ثم أحياناً تكبر وتكبر مع السنين. مع ذلك لم يحظَ نظام الجملة العربية بالدراسة الكافية لدى نحاة «عصور الاحتجاج» الذين أرسوا قواعد اللغة. فلا تجد بين كتبهم الكثيرة، كتاباً عن الجملة العربية، أو حتى فصول من كتاب. كل ما لدينا إشارات سريعة متناثرة، إلى أن جاء عبد القاهر الجرجاني، بنهاية «عصور الاحتجاج»، ليولي ـولأوّل مرّة- «نظام بناء الجملة» كامل عنايته في كتابه «دلائل الإعجاز». ويتناول نظام الجملة في التقديم والتأخير مع الاستفهام والنفي والخبر المثبت، وفي الفصل والوصل، وفي القصر والاختصاص.. وما إلى ذلك.

    لكن الجرجاني فُهِمَ خطئاً بأنّه يتحدّث في شيء آخر غير قواعد اللغة، فجاء من كمّل عمله كالسكاكي والخطيب القزويني والسبكي، ليؤسسوا ما أسموه بـ«علوم البلاغة». ومنذ ذلك الحين أصبح «حُسْن الجملة» شيئاً ما خارج قواعد اللغة؛ إلهاماً غامضاً، وحياً يمتاز به كاتب دون آخر من دون سبب معلوم.

    ليس ذلك فحسب، فقد لجأ البلاغيون إلى تفسير الظواهر اللغوية خارج نظام اللغة، وعزوا مثلاً تقديم المسند إليه أو تأخير المسند إلى شواهد معينة كالتمكن في ذهن السامع، والتعجيل بالمسرّة أو المساءة، أو الاستلذاذ والتعظيم والتحقير وغير ذلك. وباتت لـ«المعاني» حياةٌ خارج اللغة؛ في أذهان السامعين أو في مقاصد المتكلمين. والحق، أنه لإدراك ما في اللغة من حُسْن وجمال ينبغي دراستها لغوياً، ولا يأتي ذلك دائماً من اللغويين. إن أفضل تقنيات الكتابة وأدواتها اللغوية في الإنكليزية، جاءت من الكُتّاب أنفسهم بالتركيز على الأساليب المختلفة في بناء الجملة أوّلاً. الجرجاني نفسه في كتابه «دلائل الإعجاز»، بانشغاله في بناء الجملة، كان مُتكلِّماً، فيلسوفاً، أديباً ناقداً أكثر من كونه لغوياً.

    لننظر إلى هذه الظواهر اللغوية:

    استخدام صيغة الماضي للتعبير عن حدث مستقبلي: (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)؛ أي سيأتي.

    وهنا استخدام صيغة الماضي للتعبير عن الحال: (وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)؛ أي لا يزال.

    وهنا استخدام صيغة الحاضر للتعبير عن حدث ماض: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ)، أي ما تلت. واللافت هنا توالي فعلين أحدهما في صيغة الماضي والآخر في صيغة المضارع لحدث واحد.

    وهنا: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، أي قتلتم.

    وبمجرد أن نبدأ بفصل صيغة الفعل عن الزمن، وكيفية ترتيب الكلمات في الجملة، سريعاً ما ندرك مواطن الحسن والجمال في اللغة. ويسهب الدكتور إبراهيم أنيس في شرح ذلك في كتابه «من أسرار اللغة». ولعلّ التعريف الذي وضعه للجملة؛ الأمر الذي اختلف فيه الأقدمون، هو الأكثر نضجاً: الجملة في أقصر صورها هي أقل قدر من الكلام يفيد السامع معنى مستقلا بنفسه، سواء تركب هذا القدر من كلمة واحدة أو أكثر. فإذا سأل القاضي أحد المتهمين قائلاً: مَنْ كان معك وقت ارتكاب الجريمة؟ فأجاب: زيدٌ، فقد نطق المتهم بكلام مفيد في أقصر صورة.

    لندرس قليلاً مطلع مادة «Poisoned» التي فازت بجائزة بوليتزر عام 2022 عن فئة التحقيقات:

    داخل مَصْهَر الرصاص الوحيد في فلوريدا، تتكاثر السموم.

    الكادميوم. الزرنيخ. ثاني أكسيد الكبريت.

    لكن الرصاص هو الأكثر تفشيّاً.

    فالغبار المحمَّل به يخيّم كضباب كثيف مخترقاً مبنى المصنع حيث يفتح العمال بطاريات السيارات المستهلكة بشقِّها، يستخرجون الرصاص ويصهرونه في فرن تصل حرارته إلى نحو 1500 درجة. الرصاص المصهور يُعاد تشكيله وبيعه للشركات التي تصنع بطاريات جديدة ومنتجات أخرى.

    مئات العمال تعرَّضوا لكميات هائلة من السمّ المخرِّب للأعصاب.

    والعواقب كانت وخيمة.

    إليك التعليق:

    «داخل مَصْهَر الرصاص الوحيد في فلوريدا، تتكاثر السموم.»

    الجمل تتحدى قوانين الفيزياء، فمركز الثقل يكون في بداية الجملة أو نهايتها. انتبه كيف أعاد الكاتب ترتيب الكلمات بوضع «تتكاثر السموم» في نهاية الجملة.

    «الكادميوم. الزرنيخ. ثاني أكسيد الكبريت.»

    هذه المواد الكيميائية لا تحتاج إلى شرح، فأسماؤها وحدها كافية لبث القشعريرة في الأجسام. كل كلمة مكتفية بذاتها. جملة بحد ذاتها. انتبه أيضاً أنها جاءت في فقرة وحدها.

    «فالغبار المحمَّل به يخيّم كضباب كثيف مخترقاً مبنى المصنع حيث يفتح العمال بطاريات السيارات المستهلكة بشقِّها، يستخرجون الرصاص ويصهرونه في فرن تصل حرارته إلى نحو 1500 درجة. الرصاص المصهور يُعاد تشكيله وبيعه للشركات التي تصنع بطاريات جديدة ومنتجات أخرى.»

    مهمة الصحافي أن يجعل الأشياء غير المألوفة مألوفة، وهذا ما تفعله هذه الفقرة، تكشف الوقائع المخفية والمخيفة. انظر أيضاً إلى الأفعال/المصادر: يخيم، محمَّل، مخترق، يستخرج، يصهر، يعيد تشكيل.

    «مئات العمال تعرَّضوا لكميات هائلة من السمّ المخرِّب للأعصاب.»

    تقديم المسند إليه «مئات العمال» جاء في مكانه الصحيح، إنّهم العنصر الإنساني في القصة، وهم الضحايا.

    «والعواقب كانت وخيمة.»

    الجمل القصيرة وقعها أقوى من الجمل الطويلة، فأهم الأفكار تأتي عادة في أقصر الجمل. وهذه الجملة الأخيرة تختصر كل شيء بثلاث كلمات.

    اللغات في العالم تنقسم إلى قسمين:

    اللغات ذات «الجملة المستقرة» كالألمانية والفرنسية والإنكليزية. فليس للمتكلم بهذه اللغات أن ينتقل بالكلمة من مكانها المعين في الجملة. هذا لا يعني أنها جامدة، فأي لغة لا تكاد تخلو من نوع من المرونة في ترتيب كلماتها. واللغات ذات «الجملة الحرة» كالإغريقية واللاتينية، فهما لا تكادان تخضعان لنظام معين في ترتيب الكلمات. ومع ذلك فهي ليست حرة على نحو مطلق. فانتقال الكلمات داخل الجملة يخلق اختلافاً في المعنى.

    العربية أقرب لهذه المجموعة الأخيرة. لذلك على الصحافي الجيّد ألّا يكتفي بالعثور على أفضل الكلمات، بل عليه ترتيبها داخل الجملة أفضل ترتيب. فنَظْم الكلام وترتيب الكلمات، كما يقول الجرجاني، أشبه بنظم اللؤلؤ والجواهر في سمط نفيس.


  • بناء الجملة في اللغة العربية

    الجُملة العربية تزدهر وتنتعش بالرّبط والارتباط والانفصال

    الأصلُ في الجُمَل الانفصال والاستقلال، والأصل في المفردات الارتباط والتركيب.

    لسببٍ ما، تتجاذبُ قوّتان متضادتان بناءَ الجُملةِ في جميعِ اللغات. فالأصلُ في الجُمَل الانفصال والاستقلال [بوضع نقطة في نهايتها]، والأصل في المفردات الارتباط والتركيب [باستخدام أدوات الربط أو بوضع الفاصلة بعدها].

    أرْجعَ الألماني جوتهلف برجشتراسر، المستشرق المختص باللهجات العربية، نزعةَ الاستغناء عن ربط الجمل بعضها ببعض، إلى خصائص اللغات عموماً، وأنها من بقايا حالِها الأوّليةِ البسيطة عندما كان لا يزال معجم البشر حُفنة مفردات لا تساعد على الإسهاب.

    انظر:

    جاء محمد وعبد الله.

    فهذه الجملة – على بساطتها- هي بالأصل جملتان:

    جاء محمد.

    جاء عبد الله.

    ولأنّ الجملتين السابقتين تنزعان إلى الانفصال والاستقلال [.]، رُبِطتا بأداة ربط (و) لتجنّب تكرار الفعل.

    والربط هنا (و) هو أمْن اللَّبس في فهم الانفصال بين الجملتين؛ إذْ لا نستطيع القول: جاء محمد عبد الله. والربط اصطناعيّ لأنه ليس من أصل الجملة؛ أي أن الربط ليس حركة إعرابية إنما باستخدام الأداة (و).

    فالجملة، بسيطة كانت أم مركبة، دائماً ذات معنىً دلاليٍّ واحد وليس عدة معانٍ دلالية [المعنى الدلالي الواحد قد يكون له أكثر من تفسير]. وتقتضي وحدةُ المعنى الدلاليِّ ائتلافَ المعاني الجزئية داخلَ الجُملة بطريق العلاقات النحويّة السياقيّة. لكن العلاقات النحويّة لا تَستوي كلها؛ فبعضها وثيقٌ كعلاقة الشيِ بنفسه وتسمى «الارتباط» [مثلاً الارتباط بطريق الحركات الإعرابية]، وبعضها واهنٌ كعلاقة الشيء بغيره ويحتاج دائما إلى أداة [أدوات الربط]، وتسمى «الرَّبْط».

    ويشرح اللغوي د. مصطفى حميدة ذلك في كتابه «نظام الارتباط والربط» بقوله إن الجُملة كالعِقْد الذي يَجْمَع بين حَبّاتِه سِلْكٌ وثيقٌ، ولا بُدَّ أنْ يَبقى ذلك السِّلْكُ مُتَّصلاً، وإلا ما استطاع الرَّائي أنْ يَفهَمَ من شَكلِهِ معنى العِقْد، وهذا هو «الارتباط»، فإذا انقطع السِّلْك، وكنا نريد له أن يتصل وأن يُفْهَم منه معنى العِقْد، عالجنا انقطاعه بطريق الرَّبْط، حتى يعود متَّصلاً اتِّصال أشبه بما كان عليه، إلّا أن مَعْقِد الرَّبط يبقى واضحاً للرَّائي، ويظلُّ مَعْلماً وقرينةً ماديَّةً على أن ما اصطنعناه لا يُعدُّ ارتباطاً، كما أنَّه لا يُعذُّ انفِصالاً، وإنّما هو مَرْتبة وسطى بين الارتباط والانفصال ويسمى «الرَّبْط».

    وإليك توضيح لمفهومي الارتباط (إسناد، تعدية، إضافة.. إلخ) والربط (باستخدام أداة ربط -و- في المثال) في هذه الجملة:

    والعربية تلجأ إلى الرّبط بأداة لفظية ظاهرة حين تَخْشى اللَّبْس في فهم الانفصال بين مَعْنَيَين، أو اللَّبْس في فهم الارتباط بين مَعْنَيَين.

    ليس ذلك فحسب، «العربية» تطوّرت بخصائصها في الإيجاز كلّما وجدت إليه سبيلا. لذلك قالت العرب «خَيْرُ الكلام ما قِلّ ودَلّ»، فمتى ما أمكن أن يكون الكلامُ جملةً واحدة، كانَ أَوْلَى من جعله جملتين «من غير فائدة»، كما يقول أبو بركات الأنباري النحويّ في كتابه «الإنصاف». فحال الوصل لدى العرب أعلى مرتبة من حال الوقف، وثقافياً الجماعة أهم من الفرد. وذلك أنّ «الكلام إنما وُضِعَ للفائدة،» يقول ابن جِنّي في كتابه «الخصائص»، فـ «الفائدة لا تُجنى من الكلمة الواحدة، وإنما تُجنى من الجُمَل ومدارج القول؛ فلذلك كانت حال الوصل عندهم أشرف وأقوم وأعدل من حال الوقف».

    والحال، أنَّ هذه النزعة المتأصلة في الجملة العربية إلى الانفصال وميل مستخدميها إلى الإيجاز والوصل، خَلقَا بضع عشرات من أدوات الرّبط الاصطناعية، تُضْفي معنىً جديداً ودلالةً في كل سياق تُسْتَخدم فيه، خاصة إذا علمنا أن الإعراب بذاته لا يُضفي ثُقلاً معنوياً على الجملة. فأفعال الماضي والحاضر والأمر والفاعل والمفعول به والمبتدأ والخبر.. إلخ، هي هي، لا يتغير سلوكها ومعناها من كلام إلى كلام.

    فهل يستوي أن نقارن هذا الكلام بكلام العوام؟

    وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

    لاحظ في «أَرْضِعِيهِ» و«أَلْقِيهِ» أنها تجمع الفعل والفاعل والمفعول به في كلمة واحدة بطريق الارتباط.

    فالأصل:

    – أوحى الله إلى أم موسى.

    – قال الله أرضع يا أم موسى موسى.

    – قال الله يا أم موسى إذا كنت تخافين على موسى، ألق موسى في اليم.

    فلا يزال الفعل والفاعل والمفعول به كلها موجودة، ولم يتغير سلوكها أو معناها، ولكن الجُمَل أصبحت لا تطاق لركاكتها.

    ما يحكم بناء الجُمْلة العربية في كل أحوالها، ويجعلها جُمَلاً مثقلة بالمعنى، هو القانون الذي أسماه الجرجاني «الفصل والوصل». الجُملة العربية تزدهر وتنتعش بالرّبط والارتباط والانفصال، فهي تَحْكُم العلاقات السياقيّة النحوية بين جُزئيات المعاني داخل الجُملة الواحدة، كما تَحْكُم تلك العلاقات بين الجُمل بعضها وبعض داخل النّص. ولا تُبْنى هذه العلاقات فقط بحرف العطف «و» المستشري في الكتابة الصحافية.


  • غاية اللغة الوضوح

    الجانب المعنوي من علم النحو

    الجرجاني كان حريصاً على دراسة دور «المتكلم» في بناء الجملة، لا دور «المتلقي» في فهمها

    متعة القراءة ليست في الوصول إلى ما تقوله الجملة لفظاً، إنما في استكشاف ديناميكيات التفاعل بين مكوّناتها؛ فتنفصل أحياناً وتترابط أو ترتبط أحياناً أخرى في طريقها لتوليد «المعنى».

    قبل ألف عام، كان «الجرجاني» على وشك أن يوجه اللغة العربية وجهة مختلفة تماماً لولا أن دارسيه ظنّوا خطئاً أنه يتحدث عن علم جديد في البلاغة لا اللغة، فسمّوه «علم المعاني»؛ ثم فصلوه عن آليات بناء الجملة.

    منذ ذلك الحين، نعيش في تيه لغوي. لعل المحاولة الأكثر جدية صدرت من اللغوي القدير د. تمام حسان وبعض تلامذته لإعادة الشأن لما اكتشفه الجرجاني وللغة العربية، لكن «الخطأ» كان قد ترسّخ حتى بات صعباً زحزحته.

    باختصار، بعد أن انتشر اللحن بين المسلمين المستجدين من غير العرب، دأب النحاة في درسهم على إعانة المتلقي على صحة تلاوة القرآن لا على تدبُّر معانيه، وتركوا هذه المهمة للمتكلّمين والمتأدبين والبلاغيين؛ أي أنهم انطلقوا من وجهة نظر «المتلقي» وليس «المتكلم»، فظلت قضايا اللفظ والمعنى خارج نطاق النحو. فالغاية الأولى من النحو -بحسبهم- المبنى وليس المعنى. بذلك أغفلوا جوانب معنوية مهمة في بناء الجملة، كالتقديم والتأخير، والفَصْل والوَصْل، والإيجاز والإطناب والمساواة إلخ، وأدخلوها في إطار علم جديد، هو «علم المعاني».

    والحق، لم يكن العلم المستجد إلّا الجانب المعنوي من علم النحو. هذا ما أراد فعله الجرجاني، فقد كان حريصاً على دراسة دور «المتكلم» في بناء الجملة، لا دور «المتلقي» في فهمها. وقد جعل نقطة الانطلاق في دراسته لبناء الجملة هي المعنى وليس المبنى.

    انظر إلى الديناميكيات التي تنشأ من خلالها علاقة الارتباط بين «خَاتَم» و«فِضَّة» في الجمل التالية:

    1. خَاتمُ فِضَّةٍ: علاقة إضافة.

    2. خَاتمٌ فِضَّةً: علاقة تمييز.

    3. خَاتمٌ فِضَّةٌ: علاقة وصفية.

    4. خَاتمٌ من فِضَّةٍ: اصطناع علاقة رَبْط بأداة «من».

    ستلاحظ أن الارتباط في «1، 2، 3» عضويّ؛ أي أن الجملة لا تحتاج إلى أداة إضافية لخلق الربط، وهذا هو الأصل في اللغة العربية. بينما «4» احتاجت إلى حرف «من» لخلق الربط لهذا فهو اصطناعي.

    عندما تكتب، استكشف الديناميكيات الداخلية لمكونات الجملة بتجنب أدوات الربط لأنها عوالق في الجملة، ولا تستخدمها إلّا لأمن اللبْس في فهم المعنى، لأنَّ غاية اللغة الوضوح.


  • مرونة «العربية».. لوثة لغة الصحافة

    في العربية لا توجد قاعدة واضحة في كيفية بناء الجملة

    خلق الشعر «المرونة» في اللغة؛ ولكن لدى ترجمتها إلى «النثر» الصحافي بوضعه الحالي، تصبح «لوثة».

    «العربية» من حيث النشأة، هي بالضرورة لغة الشِّعر.. كانت حياة العرب تدور حول الشِّعر؛ الجملة الموزونة موسيقياً. لذلك تجد التقديم والتأخير والإضمار والتقدير والحذف، وأن حرفاً واحداً يحلّ محل جملة بأكملها، وأن الزمن «مطّاط» فيمكن لصيغة المضارع أن تشير إلى الزمن الماضي أو العكس. فقد احتاج الشعراء إلى هذه المرونة للإبداع في أبياتهم.

    انظر إلى هذا التنوع في هذه الجملة دون أن يحصل لبس بين المعطي والآخذ. فالمعطي في كل هذه الجمل هو محمد والآخذ خالد. وعلى الرغم من أن هنالك تغييراً طفيفاً على معنى كل جملة، إلا أن ذلك لا يؤثر في معناها العام.

    أعطى محمدٌ خالداً كتاباً.

    محمدٌ أعطى خالداً كتاباً.

    خالداً أعطى محمدٌ كتاباً.

    كتاباً أعطى محمدٌ خالداً.

    كتاباً خالداً أعطى محمدٌ.

    أعطى خالداً كتاباً محمدٌ.

    أعطى خالداً محمدٌ كتاباً.

    الحق، أن هذه «المرونة» تصبح تحديّاً في لغة الصحافة، لذلك تجدها «ملوّثة» و«غامضة».

    فكيفية بناء «الجملة الواضحة» في اللغات الحية الأخرى كالألمانية مثلاً، أمر مفروغ منه؛ وله قاعدة واضحة. في العربية لا توجد هذه القاعدة.

    بناء هذه الجمل ليس صحيحاً نحوياً فحسب، بل مطلوباً بلاغياً أيضاً، إذ إن كل واحدة مختلفة عن الأخرى من حيث إزالة اللبس في ذهن المخاطب.

    فمثلاً، في:

    أعطى محمدٌ خالداً كتاباً.

    المخاطب لا يعلم شيئاً عن الموضوع بأكمله.

    محمدٌ أعطى خالداً كتاباً.

    المخاطب يعلم أن شخصاً ما أعطى خالداً كتاباً، ولكنه لا يعلم تماماً من هو. لذلك تقدم «محمدٌ» لإزالة اللبس.

    خالداً أعطى محمدٌ كتاباً.

    المخاطب يعلم أن محمداً أعطى كتاباً شخصاً ما، لكنه يجهل من هو، فتقدم «خالداً» لإزالة اللبس.

    كتاباً أعطى محمدٌ خالداً.

    المخاطب يعلم أن محمداً أعطى خالداً شيئاً ما، لكنه لا يعلم ما هو، فتقدم «كتاباً» لإزالة اللبس.

    كتاباً خالداً أعطى محمدٌ.

    المخاطب يعلم أن محمداً أعطى شيئاً ما شخصاً ما، لكنه لا يعلم الشيء ولا الشخص، فتقدم «كتاباً خالداً» لإزالة اللبس.

    وهكذا..

    خلق الشعر هذه «المرونة» في اللغة؛ ولكن لدى ترجمتها إلى «النثر» الصحافي بوضعه الحالي، تصبح «لوثة» ينبغي التخلص منها، إذ إن الأمر لم يكن هكذا دائماً.


  • نعم، لم يكن عادياً

    البشر منتجون ومستهلكون مدمنون على القصص

    القصة الأجمل، الأكثر إدهاشاً ودرامية هي التي انتصرت دائماً بغض النظر عن الحقيقة.

    معظم اللواتي عايشنه سيحلفن بأغلظ الأيمان أنْ لا عين رأت ولا أذن سمعت بمثله. سيستحضرن «الشيخ جِبِر» من قبره الذي لا يغادره إلا عند الشدائد، تصديقاً على كلامهن. سيتحدثن جهاراً عن شخصيته، حكمته وحصافته، وطلاقة لسانه. ربما سيتجرأن أيضاً على الحديث عن طوله، محياه، وبياض غطاء رأسه.

    لكن حينما يختلين بأنفسهن سيتحدثن أكثر عن رقصته؛ فعندما يدخل إلى حلقة الدبكة كان صاحبا «الطبل» و«الزرناية» يعيدان ضبط آلتيهما على حركات جسمه، يهتز من اليمين إلى اليسار، من اليسار إلى اليمين مثل طائر الـ«رفول» يغوي الأنثى إلى عشّه، فيما قدمه تخرج بين الحين والآخر ببطء وبهاء من الشق الأمامي لـ«خفطان» كان يرتديه فوق «جلابيته».

    كنّ يَعْلمَن علم اليقين أن الحركات ذاتها يؤديها بالشغف ذاته في السرير؛ حتى إذا أخذته الحماسة، سيبدأ بالركض حول مغويته التي تبقى هناك طريحة الفراش منقطعة النفس، مبهوتة، مربوطة اللسان في حضرة رجل يعوي لقمر مكتمل.

    الرجال أيضاً كانوا يفضلون السهر في مجلسه على الإيواء إلى أسرّة نسائهم الباردة في ليالي الشتاء بسهول جبال طوروس أقصى شمال شرق سوريا. يستمعون إلى ما يرويه من سيرة «بني هلال» أو شعر «ساري العبد الله» أو «رستم يه زال» وابنه «زهراب»؛ القصة المفضلة لديه. كان يقول بعدم يقين إن أجداده قدموا من إيران، لأكتشف بعد 50 عاماً من DNA أن 72% منه كان كردياً/إيرانياً خالصاً، والـ 28% الباقية خليطاً من القوقاز والأرمن والجورجيين بالقرب من بحيرة قزوين، حيث قاتل رستم زال الجني الأبيض (دیو سپید) إلى أن قتله وأخرج كبده وقدمه إلى ملكه كيكاوس ليدهن دمه على عينيه فعاد إليه بصره.

    لم يكن أكثر إخوته شجاعة؛ فقد كان له أخ قلبه من حجر. ولم يكن أكثرهم وسامة، فأخوه الآخر كان أرق من نسمة. لكنه كان أكثرهم طلاقة لسان. يعيش على القصص. ينام معها. يأكلها، ويأخذها معه أينما حل.

    من أعقد المشكلات التي قد يتذابح عليها الرجال، إلى أبسطها، كان يفكك عقدها بالقصص. حتى الرجال القساة وهُم على شفير ارتكاب الجريمة، كانوا يذوبون بين يديه، يتلوّون، ثم يستسلمون. مرّة أعجبته امرأة، فأقنع الزوج بأن يطلّقها، ليتزوجها هو.

    شهرته وشخصيته كانتا مزيجاً من واقع حاله وخيال قصصه. فلم يكن طويلاً بقدر ما كانت تتخيله النساء من حوله. ولم يكن وسيماً بقدر ما يجعلهن يتوقفن عن الرقص ويستسلمن لمشاهدته. ولم يكن شجاعاً بقدر ما كان يهابه رجال نُزع عن قلوبهم الخوف.

    لا أحد يعلم تماماً كيف اهتدى إلى قوة القصص.

    لكن المؤكد أننا طوال تاريخنا منذ الزمن الأول عندما كنا نتجمع حول النيران لتبادل القصص، إلى يومنا هذا حيث نشاهد لساعات مسلسلات نتفليكس، كان البشر منتجين ومستهلكين مدمنين للقصص.

    لماذا إذاً نقضي كل هذا الوقت في الاستماع إلى القصص وروايتها، وغالباً عن مآثر لم تحدث قطّ؟

    فمن وجهة نظر التطور، من الواضح أن هذا الوقت يمكن استغلاله بشكل أفضل في البحث عن الطعام أو ربما التكاثر، أو ببساطة أكثر عدم القيام بشيء لتوفير الطاقة.

    هل من الممكن أن ميل البشر إلى سرد القصص مجرد عرض ثانوي لتطورنا نفسياً؛ سلسلة من المدخلات التي تتلاعب وتؤثر في آليتنا المعرفية؟

    في مناقشته للموسيقى، يرى عالم النفس المعرفي ستيفن بينكر أنها ممتعة بصورة معقدة يصعب وصفها، ويسميها «تشيز كيك التطور»؛ من الممتع وجودها، لكن لن يبات المرء ليلته جائعاً بدونها. بمعنى آخر، أن الموسيقى حادث عرضي للتطور وأثر جانبي له، وليس لها غرض بيولوجي حقيقي.

    لكن نظراً إلى انتشار القصص في كل مكان، ربما كان لها دور يفوق دور الموسيقى في المجتمعات البشرية. هذا ما توصلت إليه دراسة نُشرت في Nature Communications، ومفادها أن رواية القصص تعمل كآلية لنشر المعرفة من خلال بث الأعراف الاجتماعية لتنسيق السلوك الاجتماعي.

    المعرفة المقصودة هنا هي الميتا-معرفة meta-Knowledge؛ أي المعلومات حول معارف الآخرين.

    فمثلاً، لا يكفي أن تعرف أنه ينبغي لك قيادة السيارة على الجانب الأيمن من الطريق، بل تحتاج أن تعرف أيضاً أن الآخرين يمتلكون المعرفة ذاتها. القصص تعمل على التأكد من أن جميع أفراد مجتمع معين يعرفون «قواعد اللعبة»، ويلتزمونها. فهي تقوم بدور مماثل للأديان من خلال تنظيم السلوك وتعزيز التعاون.

    لكن لماذا يقوم الفرد الواحد باستثمار الكثير من الوقت والطاقة ليصبح راوياً ماهراً للقصص؟ لأنهم مثل الأنبياء، ولكن على نطاق ضيق. فقد وجدت الدراسة أن المجتمع لا يكافئ رواة القصص المهرة بمكانة اجتماعية عالية فقط، بل يحظون بمكانة مفضلة لدى الجنس الآخر أيضاً.

    طوّرنا نحن البشر القدرة على خلق القصص والإيمان بها. طوّرناها لأن السرد يستطيع تجاوز «هنا، الآن» من خلال تعريف الأفراد بمواقف تتجاوز تجاربهم اليومية. انظر إلى التاريخ: القصة الأجمل، الأكثر إدهاشاً ودرامية هي التي انتصرت دائماً بغض النظر عن الحقيقة. انظر إلى الأديان، إلى السرديات الكبرى، إلى الدول، إلى القوميات والأيديولوجيات، فقد باتت جزءاً لا يتجزأ من تماسك المجتمعات الحديثة واستمرارها. ومن المدهش حقاً أن كل ذلك بدأ بقصة متواضعة سردها أحدهم لمجموعة أفراد قد لا تتجاوز العشرة، جلسوا القرفصاء حول نيران تتقد بفعل الشحم الذائب من لحم فريسة اصطادوها قبل ساعات.

    القصة؛ هذا ما نفتقده في صحافتنا. عندما تريد إقناع شخص بتغيير رأيه بشأن أمر ما فإن ما تقوله لا يكون دائماً بنفس أهمية كيف تقوله. نحن البشر من جنس الإنسان العاقل مخلوقات عاطفية غريبة، أكثر إذعاناً لنبرة مقنعة من حقيقة تُقال بلغة جافة. والصحافي الذي يعتقد أن مادته تصبح جاهزة للاستهلاك بكتابة آخر جملة، موهوم. كيف تقدم قصتك هو الأهم.

    هل كان والدي يعلم كل ذلك؟ بالتأكيد لا. على الأرجح كان فقط يستشعر قوة القصص.

    كان يعلم تماماً أن الخَصمين اللذين يتواجهان في مجلسه يتحاشيان النظر في العيون، وقد وضع كل واحد يده على سلاحه الذي قد يستلّه في أي لحظة ليغرسه في كبد الآخر. كان يعدّل جلسته بسحب جسده شبراً أو شبرين إلى الأمام، ثم يدفع بيده اليمنى العقال فوق رأسه إلى الوراء قليلاً كمَنْ يبحث عن المزيد من الهواء، ويبدأ بقصته. ضيفاه لن ينتظرا طويلاً قبل الوصول إلى تلك اللحظة؛ اللحظة التي تُنار فيها العقول. وتكفي كلمة واحدة، ربما دفعة صغيرة على الكتف ليقوما ويقبّلا الشوارب.


  • دع الكلمات والجمل تتصادم

    الكتابة الجيدة لها مغزى في كل جملة؛ وممتعة بكل جملة

    فضيلة الجملة وقيمتها ليسا فقط «المعنى» الكامن فيها

    في المرة القادمة، عندما تنهي كتابة جملة وتبدأ بأخرى، اضبط نفسك. لا تستخدم «و».. «لكن».. «إلا أن».. «كيما».. «لا بد أن».. إلخ. لا تخشَ الفجوة بين الجملتين؛ ذاك الإحساس بأن هناك جسراً ناقصاً؛ بأن القارئ سيقع في «الفراغ». لن يحدث ذلك.

    هل أنت كقارئ من هذا النوع؟ هل تتعثر بين الجمل، وتتلعثم بين الفقرات؟ هل يحتبس عليك الفهم عندما تجد فاعلاً مستتراً، أو ضميراً محذوفاً، أو مفعولاً به مؤولاً؟ هل تحتاج إلى مَنْ يرشدك عندما تقرأ نصّاً؟ إذا كتبت بوضوح، وكنت متأكداً مما قلتَه وما لم تقله، لن يضيع القارئ. إنْ كان ثمة سبب للتشويش، فهو كثرة أدوات الربط.

    يكفي أن تفتح أي موقع أخبار عربي، لتجد الجُمل مثقلة بأكثر من 90 أداة ربط. أحياناً ستجد ثلاث أدوات ربط متتالية في بداية الجملة الواحدة كما الحال هنا «لكن في المقابل، فقد حصل الفلسطينيون..»

    الهوس بأدوات الربط والانتقال ينفي حقيقة أساسية عن الكتابة؛ حقيقة سحرية، وهي أن الكتابة ليست مثل حزام ناقل الأمتعة، تحمل القارئ إلى النقطة عند نهاية النص حيث يتكشّف «المعنى». الكتابة الجيدة لها مغزى في كل جملة؛ وممتعة بكل جملة.

    تعلّمنا في المدارس والجامعات أن ما يهم في القراءة هو اكتشاف «المعنى» الذي بُثَّ في النّص. فالكلمات تتبخّر تاركةً وراءها لحظةَ إدراك في الدماغ.

    تعلّمنا أن الكتابة ليست سوى إِيْداع «المعنى» الذي يستخلصه القارئ لاحقاً. وأن الجُمْلة استنساخٌ للفكرة؛ مجرد قشرة خارجية، قيمتها تكمن فيما تنقله أو تحتويه، لا في كونها جملة. لا يهم شكلها، المهم المعنى الكامن فيها.

    تعلّمنا كصحافيين أن نفكر ونقرأ ونكتب كما لو أن التوافق بين اللغة والمعنى تقريبيٌّ؛ فالأشكال المختلفة لكتابة الجملة الواحدة، تعني الشيء عينه، لا فرق بينها.

    لم يشرح لنا أحد الروابط بين بقع الحبر على الصفحة التي نقرأها. لم يقل لنا أحد إن اللغة تعيش داخل متانة الجملة.

    ماذا لو لم يكن «المعنى» هو الغرض الوحيد من بناء الجملة؟

    ماذا لو كانت الفضيلة والقيمة هي الجملة ذاتها وليس «المعنى» الكامن فيها؟

    ماذا لو كانت كل سمة من سمات الجملة -المفردات، الإيقاع، الصوت، الترابطات، التركيب دلالةً ولغةً.. إلخ- لها قيمتها، وليس معناها فقط؟

    إذا كنت أباً مثالياً وتروي القصص لطفلك، هل انتبهت أنه قد يطلب منك عند لحظات معينة، إعادة جملة بعينها كلمة بكلمة ومرة بعد أخرى؟

    إذا كان «معنى» الجملة ليس بديلاً عن الجملة ذاتها.

    إذا كان الغرض من الجملة أن تقول ما ينبغي لها قوله، وأن تكون هي ذاتها أيضاً، وليست مجرد «وعاء» لاستخلاص المعنى.

    إذا كانت الكلمات لها تاريخها المعقد، وتشكلت عبر قرون من نطقها وكتابتها في سياقات الأدب والثقافة والعمل. إذا كان صداها يتردد مع أشباح أشكالها السابقة.

    إذا كانت الجملة ذاتها لها إيقاعاً وسرعة حركة.

    إذا كانت تستخدم المجاز والتشبيه، أو الجناس أو واحدة من عشرات محسنات البديع.

    إذا كانت تحدد الإيماءات الدرامية التي تقوم بها ككاتب.

    إذا كانت تثير توقعات القارئ وتطلعاته على مستويات عدة.

    إذا كانت تسمي الأشياء الفعلية في العالم، أو ربما تعيد تسمية العالم.

    إذا كنت ككاتب حارس على كل هذه الصفات في الجمل التي تنشئها، فلماذا تتركها هناك، مركونة في زاوية مهملة؟ لماذا هذه النظرة الاستعلائية إلى القارئ، وأن «المعنى» سَيَفرُّ منه ما لم تكبّله بأدوات الربط؟

    أليس استخدام أدوات الربط، هو محاولة متوترة لترقيع الجمل القصيرة مع بعضها في جملة طويلة. وكأن «المعنى» سيضيع ما لم يأتِ قبل نقطة النهاية في الجملة.

    أليس حذف أدوات الربط، هو طريقك إلى تعلّم كتابة الجملة القصيرة، وتعلّم كيف يكون نصّك مفهوماً للقارئ.

    أليس الفراغ الذي تشعره بين الجمل، هو على الأغلب أدوات الربط والانتقال التي ينبغي لك حذفها.

    أليست الجملة المزدحمة الطويلة، هي عملياً إقصاء للعلاقات كلها التي قد تتكون بين الجمل القصيرة. ذاك الاحتكاك، والشدّ، والتوتر في الكهرباء الساكنة فيما بينها، مثل الـ«بيمول» والـ«دييز» بين العلامات الموسيقية.

    دع الكلمات والجمل تتصادم بدلاً من عقد صلح وسلام مصطنع بينها باستخدام أدوات الربط.

    لا تصادم = لا احتكاك.

    لا احتكاك = لا حرارة.

    لا حرارة = لا نور.

    لا نور = لا رؤية.

    لا رؤية = لا معنى.

    انظر كيف يكتب توماس فرينش بأقل ما يمكن من أدوات الربط؛ كيف تتصادم العبارات والجمل مولّدة المعنى في قصته هذه التي حازت جائزة بوليتز عام 1998.

    ملائكة وشياطين

    مرّ عام على جرائم القتل، ثم آخر، والآن قطع المحققون رَدْحاً من العام الثالث. عملوا ليلاً ونهاراً، عملوا في العطلات الأسبوعية، ألغوا الإجازات، نحفوا، سمنوا، أصبحوا شاحبين وناحلين ومنهكين، يستيقظون في الثالثة صباحاً بصدمةٍ وخربشات على دفاتر الملاحظات الملقاة بجانب أسِرَّتِهِم.

    لم يعرف الرقيب المشرف عليهم ما إذا كانوا سيجدون الإجابة يوماً. على حد معلوماته، لم يمسكوا حتى طرف الخيط في القضية.

    في النهاية، كما يعتقد، الأمر بيد الله ما إذا كانوا سيعتقلون أحداً.

    الرقيب الذي يُعد نفسه مسيحياً بولادة جديدة [*أحد المفاهيم الدينية]، يحمل كتاباً مقدساً في حقيبته. لم يكن لديه شك في أن الجنة والجحيم حقيقيان. لم يرَ الخير والشر كفكرتين نظريتين أو فلسفيتين، بل بكونهما حقائق مطلقة تمشي منتصبة القامة عبر العالم. آمَنَ بقوى النور والظلام. آمَنَ بمسّ الشيطان. لقد اعتبر أمراً واقعاً أن الشيطان وأتباعه يسودون حالياً على الأرض.

    «أؤمن بأن هنالك شياطين في كل مكان حولنا»، قال: «تماماً كما أؤمن بأن هنالك ملائكة في كل مكان حولنا».

    وعندما نظر في أدلة القضية المعروضة أمامهم الآن، درس صور الجثث والحبال والكتل الخرسانية، لم يكن لدى الرقيب شك في أنه هو والمحققون الآخرون يطاردون شخصاً مدفوعاً بقوى شيطانية.

    بالطبع كانت الشياطين حقيقية. الآن، كانوا يطاردون واحداً.

    المعنى يتوالد في التصادم بين الجمل، وليس كما تعتقد بأنه فكرة في دماغك يمكنك إيصالها عبر «وعاء» يسمى الجملة.


  • الجُمَل.. ممثلون يؤدون الدور ويغادرون خشبة المسرح

    كيف تكتب جملة حسنة

    اجعل جملك قصيرة؛ قصيرة بما يكفي لخلق التنوع في أطوالها.

    وأنت تكتب تقريرك أو قصتك، اعرفْ:

    1. ما تقوله كل جملة

    2. وما لا تقوله

    3. وما الذي تلمّح إليه ضمناً

    الأصعب بين النقاط الثلاث هذه، معرفة ما تقوله كل جملة فعلياً، وليس ما يتخيله عقلك بأنها تقوله.

    لماذا التركيز على الجمل وليس الخبر أو القصة ككل؟ لأن عملك ككاتب هو بناء الجمل؛ معظم وقتك ستقضيه في إنشاء الجمل في عقلك، ألم يخبروك بذلك؟ هذه هي حياة الكاتب.

    كبداية، اجعل جملك قصيرة؛ قصيرة بما يكفي لخلق التنوع في أطوالها. واترك مساحة بينها، لتفسح المجال للأشياء التي لا تستطيع الكلمات التعبير عنها. فالقارئ يعرف ما لا تستطيع الكلمات قوله.

    والمساحة المقصودة، ذاك الفراغ الأبيض بين فقرة وأخرى.

    انتبه إلى الإيقاع أولاً وأخيراً.

    ثم تخيّل الجملة تلو الأخرى تظهر على خشبة المسرح (أحداث تقريرك أو قصتك).

    كل جملة تقول الشيء عينه الذي أُنشِئتْ من أجله، ثم تغادر الخشبة.

    لا ترفع من شأن الجملة التي تليها، ولا تقلل من قدر التي سبقتها.

    لا تلّوح لأصدقائها بين الجمهور.

    ولا تقف على خشبة المسرح منتظرة العرفان أو الثناء عليها.

    ولا تتحدث عمّا تقوله.

    ببساطة، تقول المعلومة المناطة بها وتغادر.

    الرابط الوحيد بينك وبين القارئ هو الجمل التي تنشئها. فليس هنالك ما يدل على ما تقصده غيرها.

    ولكل جملة دوافعها والتزاماتها بصرف النظر عن دوافعك والتزاماتك.

    فهي تلتزم مجموعة من القواعد؛ النحو والنَّظْم، وتاريخ اللغة وأعرافها؛ عالمٌ من الأصداء والتلميحات والإشارات الاجتماعية، لا تعير بالاً لمقاصدك الشخصية، ما لم تلتزم هذه القواعد.

    هذا ليس كامل «صنعة» الكتابة الجيدة، ولا حتى معظمها، بل فقط بداية لها.

    انظر كيف تقوم كل جملة بدورها وتغادر الخشبة في هذا التقرير من «نيويورك تايمز»:

    مرّ عرب ويهود «الّلد»، إحدى أكثر المدن اختلاطاً في إسرائيل، بالكثير من الاضطرابات. لكنهم لم يروا قطّ هكذا عنف يندلع بين الطوائف هنا خلال الأيام الثلاثة الماضية.

    أثار شبان عرب غاضبون أعمال شغب هذا الأسبوع بعد أن تحوّل العنف الذي مارسته الشرطة الإسرائيلية في القدس إلى معركة مع غزة. شرعوا في حرق الكُنُس والسيارات ورشق الحجارة وإطلاق عيارات نارية متفرقة. فشنّت عصابات يهودية متطرفة جُلبت من خارج المدينة، هجوماً مضاداً وأشعلوا النيران في الممتلكات. واستهدفت مجموعات أخرى العرب في المدن الأخرى.

    حتى خلال الانتفاضات الفلسطينية الواسعة في الماضي، لم يختبر الإسرائيليون (عرباً ويهوداً) هذا النوع من عنف الغوغاء. ورغم أن الاضطرابات بدأت في الّلد، فإنها امتدت بسرعة إلى المدن الإسرائيلية المختلطة في عكا وحيفا اللتين تفتخران منذ فترة طويلة بالعلاقات المجتمعية الطيبة. وامتدت أيضاً إلى البلدات العربية في الجليل. ضرب اليهود سائقاً عربياً حتى الموت تقريباً في إحدى ضواحي تل أبيب يوم الأربعاء. وأشعل البدو النيران في سيارات يهودية ونصبوا كميناً لها بالحجارة في صحراء النقب الجنوبي.

    «هربنا من المنزل بدون ملابس. اندلعت فيه النيران»، قالت العربية من مدينة اللد شيرين الحناوي (33 عاماً) التي تفحّم منزلها في هجوم بزجاجة مولوتوف ليلة الأربعاء. قالت إن عائلتها طلبت مساعدة الشرطة، لكن لم يأت أحد.

    «نحن لا نعيش في غزة»، قالت بذهول: «أنا مواطنة إسرائيلية؛ لم نفعل شيئاً».

    حطام السيارات المحترقة والزجاج المحطم والمباني المتفحمة على كلا الجانبين تشهد على كابوس وطني. دعا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الهدوء وإنهاء «عمليات الإعدام شنقاً من غير محاكمة قانونية»، وتوجه إلى اللد يوم الخميس، قائلاً إنه قد يرسل الجيش إلى داخل المدن. فبدأ بعض الإسرائيليين بالقلق من احتمال اندلاع حرب أهلية.

    أعلنت السلطات حالة طوارئ خاصة في المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 80 ألف نسمة، وفرضت حظر تجوال ليلي.

    وأُحْضِر المئات من عناصر شرطة الحدود شبه العسكرية من الضفة الغربية المحتلة وانتشروا في جميع أنحاء المدينة.

    لكن الكثيرين يخشون أن العنف سيشتد أكثر.


  • الكتابة تجعلك إنساناً

    الكتابة «حرفة» و«موقف».. تعرّف كيف تميز بينهما

    يستغرق الاستايل سنوات حتى ينضج ويخرج للقراء

    بعيداً عن «المشاعر الفيّاضة»، تشهد الصحافة في منطقتنا لحظة نادرة تتصادم فيها «الأزمنة المقدسة» مع «الأمكنة المقدسة».

    فكم مرّةً في حياتك ستكون شاهداً كصحافي على هكذا «خلطة» اجتمع فيها شباب فلسطيني له سردية من المظالم. يرى يهوداً يصادرون منازلَ في القدس الشرقية، ولا يجد منفذاً قانونياً للمطالبة بأملاكه في القدس الغربية. شباب لا ينتظر التعليمات من قيادته السياسية. ثم أضف إلى الخلطة المناسَبة الأقدس عند المسلمين التي صادفت يوم السبت في «ليلة القدر» في الحرم القدسي. ثم على مسافة بضعة أمتار عند «حائط المبكى»، أضف «اليوم الوطني» المقدس عند الإسرائيليين الذي صادف يوم الأحد في ذكرى احتلال القدس الشرقية. ثم أضف «حماس» التي لا تريد أن تتخلّف عن قيادة «القضية». والسلطة الفلسطينية التي تخشى افتضاح مدى ضآلة سلطتها على الشارع الفلسطيني. ثم أضف الحكومات العربية التي ترى المستقبل في التكنولوجيا الإسرائيلية. وليس لديها لا الوقت ولا الطاقة للدفاع عن «رماة حجارة». ثم أضف البيت الأبيض المنشغل بإحياء الاتفاق النووي مع إيران ولن يدعم حملة قمع واسعة ضد الفلسطينيين. ثم أضف نتنياهو الذي يكاد يعيش آخر أيامه. فجاءت هذه الأحداث بمثابة قشّة يتمسك بها، ويؤججها لقطع الطريق على خصومه في تشكيل حكومة قد تطيح به.

    صُدف مجنونة اجتمعت في «خلطة» مرشحة أن تصبح «زلزالاً» يهزّ الجميع بما في ذلك الفلسطينيون، إذا كُتِب لها الاستمرار في الأيام القليلة القادمة وتحولت إلى انتفاضة جديدة. وأمام كل ذلك، تجد صحافة باهتة أسيرة «كلمات» فقدت قوتها بفعل التكرار، وذهبت حِدّتها بفعل الاحتكاك. فالكلمات المفتاحية في النص كائنات حيّة لها مجالها الحيوي. حشرها في مساحات ضيقة يخلق تصادماً بينها بالتنافس على انتباه القارئ، فتتآكل في ظاهرة تسمى Keyword cannibalization. ولا أريد أن أضرب أمثلة هنا، فهي كثيرة.

    ما يهمني أكثر، هو تلك الميزة التي يفتقدها الصحافي بوصفه كاتباً. أن تكون كاتباً، عليك أن تجيد أمرين معاً: الأول «الحرفة» Craft، والثاني «الموقف» Attitude. الأول هو مسألة إتقان مهارة دقيقة معينة، والثاني هو كيفية استخدام تلك المهارة للتعبير عن شخصيتك أو «استايلك». في الأول تكتب لـ «قرّاء» مفترضين. وفي الثاني تكتب لإرضاء نفسك.

    في الصحافة، كثيراً ما تطغى «الحرفة» على «الموقف» بدعوى «الموضوعية» و«الحياد» و«التوازن». ولكن، هل تتذكر صحافياً حاز جائزة بناءً على هذه المعايير؟ لن تجد طبعاً؛ لأن هذه أدوات مُسلَّم بها، تقع ضمن مساحة «الحرفة» وليس «الموقف»، وتساعد على التعامل مع المعلومات بجمعها وفرزها وعرضها على القرّاء المفترضين. ما ينقص الصحافي «الموقف» أو «الاستايل» الذي يبرز شخصيته، وهو الذي يجعله مختلفاً عن الصحافيين الآخرين.

    ليس ذلك فحسب، حتى في التقارير الخبرية التي تُخفي «صوت» الصحافي عادةً، ثمة «موقف» في هذا الإخفاء. انظر إلى العبارات التي تدل على «موقف» الكاتب في تقرير نشرته «نيويورك تايمز» باستخدام الصفات والأسماء والظرف والأفعال المشار إليها بين نجمتين. وانتبه أيضاً كيف يتحسّس الكاتب مدى خطورة الوضع في الأراضي المحتلة.

    اشتد أسوأ قتال بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ سبع سنوات ليل الثلاثاء، عندما بدأت الضربات الجوية الإسرائيلية تستهدف مكاتب «حماس» في غزة، وأطلق مسلحون في غزة الصواريخ على مدن تل أبيب وعسقلان الجنوبية والمطار الرئيسي في إسرائيل.

    في غزة، قتل ما لا يقل عن 35 فلسطينياً بينهم 10 أطفال، وأصيب 203 آخرون، وفقاً لمسؤولي الصحة. وفي إسرائيل، قُتل 5 أشخاص في ضربات على تل أبيب وعسقلان واللد، وأصيب ما لا يقل عن 100، وفقاً لمسؤولين طبيين.

    بعيداً عن النزاع العسكري، انتشرت موجة اضطرابات مدنية في القدس الشرقية في الأحياء العربية، حيث عبر الفلسطينيون في إسرائيل عن غضبهم من عمليات القتل في غزة والشكاوى القائمة منذ فترة طويلة من التمييز العنصري داخل إسرائيل نفسها.

    وفي حين أن الضربات المتصاعدة، وهي الأسوأ منذ عام 2014، جلبت معها الخوف إلى الملايين في غزة وإسرائيل، إلا أنها عزّزت مواقف طرفين غير مرغوب فيهما: حماس، الجماعة الإسلامية المسلحة التي تدير قطاع غزة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

    أما حماس، فقد سمح الصراع لها بتجديد مطالبها بقيادة المقاومة الفلسطينية. فقد ظهرت صواريخها بمثابة رد مباشر على غارتين للشرطة الإسرائيلية على مجمّع المسجد الأقصى المقدس لدى كل من المسلمين واليهود. ففي هذه العملية، تقدم حماس نفسها كحامية للمتظاهرين الفلسطينيين والمصلّين في الحرم القدسي.

    أما نتنياهو، فإن الإلهاء الذي تسببه الحرب، والانقسامات التي تخلقها بين الأحزاب المعارضة المتباينة التي تتفاوض حالياً على ائتلاف للإطاحة به، تمنحه فرصة ولو هزيلة للبقاء في منصبه، بعد أن بدا قبل أيام فقط أنه أخيراً في طريقه للخروج من السلطة.

    ككاتب لا عذر لك في مجال «الحرفة» إذا غادر القارئ في منتصف المادة لأنها ركيكة؛ فإن الذنب ذنبك وحدك. عليك أن تعمل بجد لإتقان أدوات الكتابة في البساطة والإيجاز والترتيب. وهذا عمل ميكانيكي، مع بعض الاهتمام سرعان ما ستصبح جُمَلك أكثر وضوحاً.

    أما في مجال «الموقف»؛ ما إذا أحبك القارئ أو أحب ما تقوله وكيف تقوله، أو ما إذا اتفق معك وشعر بالقرب من روحك أو رؤيتك، ليس عليك الاهتمام بذلك. أنت أنت وهو هو، قد تتفقان وقد تختلفان. فبمجرد تغلبك على ذاك الخوف من القارئ، الذي زرعته المؤسسات الصحافية في الصحافيين، ستبدأ بتشكيل هُويتك الإبداعية ككاتب. استرخِ وقلْ ما تريدُ قوله بالطريقة التي تريدها. وبما أن الموقف أو «الاستايل» هو أنت، فكن صادقاً مع نفسك، وستجد أنه بدأ يخرج تدريجياً من تحت الركام والحطام، وسيزداد تميّزاً كل يوم. يستغرق الاستايل سنوات حتى ينضج، أليس الإنسان في بحث دائم ليجد شخصيته؟ إلى ذلك الحين، لن يبقى استايلك ثابتاً، سيتغير مع تقدمك في السن.

    «الحرفة» تنزع الشغف عن الكتابة، مع أن الشغف مقوّم أساسي في الاستايل. ولحسن الحظ يمكن استعادته. وإليك الطريقة: الكاتب يحتاج إلى «صَنْعَتين»: واحدة رئيسية؛ وهي الكتابة بطبيعة الحال، والأخرى متشابكة معها تَعجُنها بعجينتها؛ لا يهم ما هي. قد تكون الطبخ، أو المكياج، أو لعبة «البلوت» و«التريكس»، أو الرقص، أو النحت والرسم، أو كرة القدم.. إلخ. والكاتب المحظوظ سيكتشف العلاقة بينهما؛ كيف تؤثر الثانية في الأولى، ما سيمنح لغته طاقة تحويلية.

    فكثيراً ما أجد أن الكتابة نوع من الموسيقى، وضربٌ من «النجارة». اكتشفت العلاقة بين العلامة الموسيقية ونوعية الخشب عندما أردت تعلّم العزف على «البزق»، فصنعت آلة موسيقية وطّدت علاقتي بالأخشاب. فخشب «الجوز» مثلاً، إضافة إلى تعريقاته الممتدة والمتداخلة، يصدر نغمة متوازنة وأصواتاً رقيقة عالية، تذكرني بالجمل الطويلة والقصيرة التي تخلق إيقاعاً في النص. وخشب الورد بكثافته وصلابته يجعل الأصابع تستقر بثقة على الأوتار، فتصدر العلامة الموسيقية واضحة لها بداية ونهاية، مثل الجمل اللغوية التي لها بداية ونهاية واضحتان. ويشاركه في هذه الصفات خشب الأبنوس. أما خشب الزان، إذا مُنح الزمن الكافي والمعالجة الصحيحة، يصدر أصواتاً بها الكثير من الحكمة والرصانة تذكرني بالجمل الموسيقية عند محمد عبد الوهاب الذي أدخل الهارموني الغربي إلى الموسيقى العربية. و«السكتة» في الموسيقى تذكرني بالمساحات البيضاء التي يتركها الكاتب في نهاية الفقرة. و«القفلة» الموسيقية تذكرني بأن النص ينبغي أن ينتهي بما بدأ به مع جرعة من الحصافة والبصيرة.

    والصحافة أيضاً وطدت علاقتي بالأخشاب، ولا أتذكر عدد المرات التي وقفت فيها تحت أشجار الصفصاف الباكي حبّاً في تحقيق صحافي قرأته قبل نحو سنتين، أسترجع فيها اللحظات التي تسقط فيها الضحية غارقةً في دمائها.

    وقبل أن تقرأ التحقيق الذي كتبه مايكل شويرتز ونشرته «نيويورك تايمز» عن التصفيات الجسدية التي تقوم بها المخابرات الروسية، انتبه إلى هذه النصائح:

    1. ضع الكلمات المفتاحية في بداية أو نهاية الجملة أو الفقرة، وليس في منتصفها.

    2. عندما تكون الأحداث معقدة، استخدم الجمل القصيرة لتجعلها سهلة الفهم.

    3. عندما تكون الأحداث معقدة، اترك مساحات بيضاء تسمح للقارئ بالتنفس واستيعاب ما يجري أمامه.

    4. عندما تكون الأحداث معقدة، ابتعد عن الكليشيهات والجمل الإنشائية الرخيصة، فالأحداث قادرة على حمل نفسها ولا تحتاج إلى ألعاب بهلوانية في اللغة.

    وإليك ترجمة لجزء من نص التحقيق:

    كان الهدف يعيش في الطابق السادس من مبنى كئيب بلون السلمون في شارع فيدينسكا، مقابل أجَمَة من أشجار الصفصاف الباكي. وجده أولِغ سمورودينوف هناك، استأجر شقة صغيرة في الطابق الأرضي، وترقَّبَ.

    حصل على الاسم من ضابطين في روسيا يشرفان على العملية. التقيا معه في مقهى «فيينا» على بُعد بنايات قليلة من المقر الرئيسي لوكالة الاستخبارات الروسية، وناولاه قائمة بأسماء ستة أشخاص في أوكرانيا. اعثر عليهم، قالا لسمورودينوف، وكن على استعداد. كان يتباهى أمام الأصدقاء بأنه جاسوس.

    كل شخص حُدّد برمز على اسم زهرة. أحدهم كان «الورد الياقوتي»، وآخر كان «الحَوْذان». أما الهدف، فكان رجلاً يُدعى «إيفان مامشور»، وسُمّي «الوردة». لم يكن أحداً بنظر سمورودينوف، مجرد عامل كهربائي في السجن المحلي. أما الضابطان المشرفان على العملية فقد كانا يُعدّانه شخصاً هامّاً.

    قالا له: «يداه غارقتان في الدماء حتى المرفقين».

    المراقبة كانت هادئة. في السابعة من كل صباح، يترك مامشور زوجته وابنته، يركب دراجته إلى العمل، ويعود كل مساء في السادسة «منتظماً كالساعة»، يتذكر سمورودينوف. في ساعات الفراغ، كان سمورودينوف يشرب الجعّة في الباحة المخصصة لوقوف السيارات، حيث كانت سيدة عجوز تعتني بمجموعة من القطط.

    ثم في 16 سبتمبر 2016، رنّ هاتف سمورودينوف برسالة نصّية من موسكو.

    «يجب قطف الوردة اليوم»، تقول الرسالة، «غداً، لن يكون له معنى».

    مَكُنَ سمورودينوف في الردهة الموحشة خارج شقة الرجل، يحمل سيجارة في يدٍ، وفي اليد الأخرى مسدس يعمل بضغط الهواء مُعدّ لإطلاق رصاص حقيقي بكاتم صوت.

    «أخذت المسدس» يتذكّر لاحقاً، «وقلت ليكن ما يكون».

    عندما همّ مامشور بالخروج من المصعد، نادى سمورودينوف اسمه وأفرغ مخزناً كاملاً من الرصاص فيه.

    لم يسقط مامشور أرضاً فوراً، استدار نحو قاتله، تعثّر بضع خطوات قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

    «لم أكن أنا» قال، «لست مذنباً».

    ثم خرَّ على الأرضية الخرسانية.

    فرّ سمورودينوف إلى موسكو حيث دعاه الضابطان المسؤولان إلى عشاء في مطعم سوشي ياباني يدعى «تو تشوبستيكس». ومقابل ما قام به، اشتريا له سيارة مرسيدس «فان»، ونشر صوراً لها في حسابه على الشبكات الاجتماعية. لكنهما امتنعا عند تقديم جزء من مبلغ 5000 دولار الموعود لأنه ترك سلاح الجريمة وراءه في أوكرانيا.

    حينئذ، لم يكن سمورودينوف متأكداً من سبب طلبهم قتل إيفان مامشور، لكنه الآن يعتقد بأنه يعرف.

    «كان انتقاماً» قال، «انتقام على الأرجح».

    الكاتب يستخدم كل شيء. يستخدم خياله، وغريزته، وعقله، وحواسه، وخبراته، وعلاقاته، وكلماته، وكل قصة تشرّبها منذ طفولته. قد تكون الكتابة عندك مهنة أو هواية أو ربما طموحاً. ولا يهم الطريق الذي تختاره، فبكل الأحوال الكتابة ستجعلك تعرف أكثر وتشعر أكثر. الكتابة ستعظِّم الإنسان بداخلك وتكثّفه.


  • الصقور الحوّامة..

    «الهرم المقلوب» ليس الشكل الوحيد في إيصال الخبر، كان هناك دائماً استثناءات.

    أشكال الكتابة ليست ثابتة، بل هي استجابة لتطلعات الجمهور، ومتطلبات السوق، والمناخ السياسي، وما تتيحه التقنيات الجديدة من فرص.

    كان الفضول والقلق ينتابان الروائي الأمريكي لاري ماكميرتري Larry McMurtry الحائز على «جائزة بوليتزر» في الآداب، عندما حطّت طائرته في تكساس عام 1963، ففي ساعات قليلة سيشهد عملية غير اعتيادية -بمعايير زمانه- في تحويل شخصيات روايته «Horseman, Pass By» إلى كائنات من لحم ودم تقف أمام عدسات تصوير فيلم «هادّ» Hud الذي سيحصد 3 جوائز أوسكار وسيُحفظ في «السجل الوطني للأفلام» في مكتبة الكونغرس باعتباره إحدى أيقونات سينما الغرب الأمريكي.

    كانت عمليات التصوير قد بدأت فعلياً قبل أسبوع أو أسبوعين عندما وصل إلى الموقع، وكان أول ما تفتّق في ذهنه كحبة الذُرَة أن سأل العاملين هناك: كيف جرى مشهد الصقور الحوّامة؟

    في ذلك المشهد، يصل «هادّ» الذي يلعب دوره الممثل بول نيومان، بشاحنته الصغيرة ليكتشف أن بقرة قد نفقَتْ بسبب مرضٍ انتشر في قطيع أبقاره، فيُخرج بندقيته غضباً ويطلق النار على صقور حوّامة تراصفت على غصن شجرة تنتظر بفارغ الصبر الوليمة الماثلة أمامها. وكان من المفترض -بحسب أحداث الرواية- أن تطير الصقور فزعةً في السماء الزرقاء، لكنها في أثناء تصوير المشهد رفضت أن تتحرك من مكانها. ويذكر لاري ماكميرتري كيف تبادل العاملون نظرات الحَرَج من سؤاله؛ ليكتشف أن الأمر لم يسر كما يجب. ولَكَ تخيُّل ذلك: أن تطلق النار على طيورٍ فتبقى في مكانها وكأن شيئاً لم يكن!

    بدأت المشكلة عندما اكتشف فريق العمل أن الصقور المحلية في «تكساس» مظهرها رثّ، فاضطروا إلى شحن صقور خاصة جوّاً وبتكلفة كبيرة، لها مظهر درامي يتناسب مع وسامة الممثل بول نيومان. ثم بدأت المشكلة الثانية؛ كان من المستحيل التمرين على المشهد دون أن تفرّ الصقور الجديدة المهيبة، فما الحل؟ اقترح أحدهم أن يتم ربط أرجلها بسلك إلى غصن الشجرة. وهذا ما فعلوه. أطلق نيومان النار من بندقيته في أثناء التمرين، فلم تستطع الصقور الطيران، بدلاً من ذلك، في أثناء هوجة الفزع، اندفعت إلى الأمام وانقلبت رأساً على عقب متدليّة من أرجلها المربوطة بغصن الشجرة. نجحت الخطة، لكن القصة لم تنتهِ هنا. تبيّن أن الدورة الدموية لهذه الصقور الحوّامة لا تعمل عندما تكون رأساً على عقب، والنتيجة أنها تصاب بالإغماء، فيعمد الفريق إلى تصحيح وضعيتها مجدداً كي تعود إلى وعيها. وهكذا إطلاق نار، محاولة طيران، انقلاب، إغماء، إفاقة – مرة، مرتين، ثلاث، أربع.. أصبح الجميع جاهزاً. فُكّت أرجل الصقور وأُديرت الكاميرات استعداداً للحظة الكبرى، ومع صرخة: أكشن، طاخ طااخ، لم تتحرك الطيور من مكانها، ثم طاخ طااخ طاخ، طخ طاخ، رفضت أن تتحرك أيضاً. استعان الفريق بمدرّب رفيع المستوى لمساعدة الصقور على استعادة احترامها لذاتها، لكنه لم ينجح إلا مع صقرين اثنين من أصل 12. حسب صانعي الفيلم حساب كل شيء إلا «عقلية الصقر»، فقد كان لسان حال الصقور يقول: «جربنا الطيران ولم ينجح. لن نجربه مرة أخرى». كان المشهد برمته فوضى عارمة.

    القصة ذكرها ماكميرتري عام 1968 في كتابه In a Narrow Grave، عن تأملاته وذكرياته في «تكساس». نكشت المؤرّخة والكاتبة والمحاضرة باتريشيا نيلسن ليمريك Patricia Nelson Limerick القصة مجدداً في مقال مطول نشرته في «نيويورك تايمز» عام 1993 تنتقد فيه «عقلية الصقر» في المؤسسات الجامعية، ثم أصبحت منذ ذلك الحين مضرباً للمثل لدى الحديث عن كتابة التقارير Reporting الصحافية؛ أو ما يُعرف بالاسم المفزع «الهرم المقلوب».

    فتاريخياً، تقوم المؤسسات الإعلامية بربط أرجل صحافييها بقالب «الهرم المقلوب»؛ ومفاده أن المعلومات يجب تقديمها بطريقة معينة: الأكثر أهمية في قاعدة الهرم في الأعلى والأقل أهمية في رأسه المدبب المتجه إلى الأسفل. لا عيب في ذلك بحد ذاته. ينبغي أن يكون للصحافيين أرضية مشتركة، وعليهم أن يتشاركوا في بعض الافتراضات الأساسية، وأن يكون لديهم عادات ذهنية متشابهة. فهذا يمنح الصحفي موطئ قدم في المؤسسة التي يعمل فيها.

    المشكلة تبدأ عندما تهيمن نفسية «الصقر الحوّام» على الصحافي فيرفض الطيران واستعادة احترام الذات حتى بعد فكّ قدميه. يرْبُض هناك على غصن الشجرة، بظهره المنحني، غاضباً ومتربّصاً بأي صحافي آخر يحاول التحليق قليلاً، فيتبرع بإيصال «شكوى» شديدة اللهجة بأن أي محاولة لاختراق حصن «الهرم المقلوب» المنيع ينبغي أن تُفْشَل في مهدها. عنده الكتابة الباهتة «مهارةُ بقاءٍ» على قيد الحياة داخل المؤسسة. وهكذا أصبحت الحكمة هي الجلوس بهدوء على الغصن؛ الجلوس دون أيّ تفكير في الطيران، فحتى مجرد التفكير قد يكون كافياً لإمالة الميزان وإطلاق جولة أخرى من الرفرفة والإغماء والارتباك.

    طوال قرون، لم يكن «الهرم المقلوب» الشكل الوحيد في إيصال الخبر، كان هناك دائماً استثناءات. لكن التوتر ظلّ مستمراً بين الذين يريدون تقديم الخبر ناشفاً ومجرداً Hard News، وبين أولئك الراغبين في رواية القصص Storytelling، المتحمسين لتبنّي هياكل سردية للحفاظ على القرّاء الذين تقِلُّ أعدادهم باطراد. والحق، أن أشكال الكتابة ليست ثابتة، بل هي استجابة لتطلعات الجمهور، ومتطلبات السوق، والمناخ السياسي، وما تتيحه التقنيات الجديدة من فرص.

    يحتاج الصحافي إلى إنقاذ نفسه من نفسه. يحتاج إلى التخلص من ذاك الخوف والفزع في أسلوب كتابته؛ تلك العبارات المهزوزة، غير الواثقة من «يبدو أن» إلى «يميل إلى» مروراً بـ«نوعاً ما» و«ربما» و«عبارة عن».. إلخ. هنالك الآن أكثر من 50 مليون صانع محتوى حول العالم خارج المؤسسات الإعلامية المعهودة، أقدامهم غير مكبلة بالغصن، يطيرون مع تيارات الهواء الدافئة، ويحقق بعضهم بضعة ملايين من الدولارات شهرياً (انظر إلى Mr. Beast، جيمي دونالدسون عمره 22 عاماً ويحقق 3.1 مليون دولار شهرياً من الاشتراكات فقط في قناته).

    ليس هذا فحسب. ففي عصرنا، عصر الوباء والمعلومات المضللة والعصيان المدني، يتجادل الصحافيون عالمياً في المفاهيم الكبرى الراسخة في الصحافة ويشككون في مدى جدواها، كـ«الموضوعية» و«الحياد» و«التوازن»، فيما تجد أن مفهوماً بسيطاً وواضحاً مثل قاعدة «الهرم المقلوب» لا يزال ركيكاً ومتوجساً في صحافتنا.

    انظر إلى التكرار والخوف من الاستنتاج وتغييب الصورة الكبيرة في هذا الخبر الذي نشره أحد أهم المواقع الصحافية العربية، وسأقارنه بالخبر ذاته نشر في «نيويورك تايمز» في الوقت ذاته، وكلاهما يعتمد «الهرم المقلوب».

    خبر الصحيفة العربية:

    أخفق رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف بنيامين نتنياهو (71 عاما) في تشكيل حكومة، بانتهاء المهلة الممنوحة له لإنجاز هذه المهمة. ولم يتمكن نتنياهو -رئيس حزب الليكود اليميني- من الحصول على أغلبية 61 نائبا من أصل 120 في الكنيست (البرلمان) اللازمة لتشكيل الحكومة.

    وانتهت عند منتصف الليل يوم الثلاثاء مهلة 28 يوما يمنحها القانون للمكلف بتشكيل الحكومة، والتي يمكن تمديدها أسبوعين بموافقة الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين.

    وذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن نتنياهو أعاد التكليف بتشكيل الحكومة إلى ريفلين، بينما قال بيان للمتحدث باسم الرئيس الإسرائيلي إن الأخير سيتواصل صباح الغد مع الكتل السياسية بخصوص استمرار مساعي تشكيل الحكومة.

    وأضاف بيان المتحدث باسم الرئيس “انتهت فترة الـ28 يوما المنصوص عليها في قانون أساس الحكومة، والتي كانت تحت تصرف رئيس الوزراء عضو الكنيست بنيامين نتنياهو لتشكيل الحكومة، في منتصف الليل”، وتابع البيان “قبل منتصف الليل بقليل، أبلغ نتنياهو الرئيس أنه لم يتمكن من تشكيل الحكومة”.

    خبر «نيويورك تايمز»:

    انتبه إلى الفقرة الأولى كيف يرسم الصحافي الصورة الكبيرة للحدث، وفي الفقرة الثانية كيف يتوقع بجرأة منح المعسكر المناهض لنتنياهو فرصة تشكيل الحكومة، وهو ما حدث في اليوم التالي، بينما يتوقع خبر الصحيفة العربية التمديد.

    فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة مع انتهاء الموعد المحدد في منتصف ليل الثلاثاء، ما يعرّض مستقبله السياسي للخطر، إذْ يواجه محاكمة بتهم الفساد وإطالة الجمود السياسي الذي تفاقم بعد أربعة انتخابات في غضون عامين.

    الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين قد يمنح الآن المعسكر المناهض لنتنياهو فرصة تشكيل حكومة، ما قد يعني طرد نتنياهو من السلطة بعد 12 عاماً متتالية في منصبه.

    ويعد حزب الليكود اليميني الذي يتزعمه نتنياهو الأكبر في المشهد السياسي الإسرائيلي الممزق، بعد أن فاز بـ 30 مقعداً في الانتخابات العامة في مارس. مع ذلك، لم يتمكن من حشد عدد كافٍ من الشركاء لقيادة تحالف أغلبية لا يقل عن 61 مقعداً في الكنيست (البرلمان) المؤلف من 120 عضواً.

    وبحكم ما أنشره، تصلني أسئلة من صحافيين يحاولون اكتشاف طريقهم. فيا أيها الصحافي الشاب لا تكن مثلنا، لا تكن أسير القوالب. تعلّم على «ألّا تتعلم»؛ أن تكون لديك القدرة على نسيان ما تعلمت، لا تستسلم لما تكتبه وللأسلوب الذي تكتب به. فالكتابة الجيدة هي التعلم باستمرار، هي عدم الخوف من الفشل. اكتب كي تفاجئ نفسك حتى وإن كانت المفاجأة سيئة. وكما تقول ليمريك: «لديك الحرية. لديك الخيار. استخدمه. شجّع الآخرين على النزول عن غصن الشجرة. استثمر بعض الوقت والاهتمام للنظر فيما أنت ذاهب إليه. ولكن بعد ذلك انزلق. تحسّس تيار الهواء الصاعد. وحلّق».